Chapter: الفصل ١٨٩و في تلك الثانية بالذات، تصاعدت رائحة الوقود بجرأة، و بدأت شرارات النار الأولى تخرج من المحرك المهشم علمت علياء بذكائها أن أمامها ثوانٍ معدودة قبل أن تتحول هذه المركبة إلى قبر محترق ينهش اجسادهم معا تحركت بزحف مستميت، و بكل ما أوتيت من غِضب و قوة حركتها غريزة البقاء الحامية، بدأت علياء في دفع جسدها ببطء شديد عبر نافذة السيارة المهشمة. ساعدها علي ذلك انها فقدت الكثير من الوزن و اصبحت نحيله جدا خلال الشهرين الماضيين كانت شظايا الزجاج الحادة تمزق جلد كفيها و تغرز في ركبتيها رات الدماء تسيل من اطرافها بغزاره لكنها لم تئن و لم تتوقف؛ خرجت اخيرا من السياره كانت تزحف على الأرض الترابية الوعرة، مبتعدة عن الحطام إنشاً تلو الآخر. استمرت في الزحف لمسافة عدة أمتار تفصل بينها و بين الموت المحقق، و قبل أن تصل إلى حافة الطريق الرئيسي الأعلى، دوّى في جوف الهضبة انفجار صاخب عنيف و مروع يجفف الأنفاس في الصدور نظرت للخلف فرات السنه اللهب تملأ المكان .اشتعلت السيارة بالكامل و تحولت إلى كتلة ضخمة من النيران الحارقة التي التهمت جسد دينا و التهمت الحقد الد
آخر تحديث: 2026-06-29
Chapter: الفصل ١٨٨وصلت السيارة الفخمة أخيراً لأعتاب الهضبة الجبلية المعزولة و القاسية على أطراف المدينة كانت المنحدرات السحيقة تمتد تحت عتمة الليل البارد كأنها هوة بلا قاع، تحفها صخور صماء ممتدة تحت ضوء القمر الشاحب. أبطأت علياء من سرعة المركبة بحذر شديد و خوف مكتوم ينهش صدرها، لتصرخ دينا فجأة بنحيب هستيري و شماتة ميتة هزت أركان المقصورة و جردتها من هوائها: — «الآن ستموتين هنا يا علياء الحسييني! سينتهي تمثيلك المفتعل للبراءه الذي سرق مني حياتي و عملي و حبيبي، و دفعني إلى هذا الجحيم! لن تخرجي من هذه الهضبة حية!» و. في كسر من الثانية، اندفعت دينا من المقعد الخلفي بجنون و ضراوة مفرطة، و تخلت عن كل ذرة عقل متبقية في رأسها. امتدت يداها المرتعشتان لتقبضا بعشوائية و. عنف على مقود السيارة، محاولة حرف مسار العجلات بقوة نحو الحافة السحيقة للمنحدر. انتفضت علياء بكامل جسدها ، و استيقظت بداخلها غريزة الأمومة الحامية و الشرسة التي ولدت مع نبض جنينها؛ لم تكن تفكر في الموت أو النجاة بنفسها الليلة، بل انحصر رعبها الخالص و هلعها في حماية بطنها و جنينها من
آخر تحديث: 2026-06-29
Chapter: الفصل ١٨٧تصلب جسد علياء بالكامل فوق مقعد القيادة، و تجمدت الأنفاس في صدرها و هي تشعر بنصل السكين الحاد يضغط برفق و قسوة فوق جلد رقبتها ، ليجرد مقصورة السيارة من هوائها في تلك الثانية المرعبة، تلاشت كل حصونها تماما ، و اشتعل بداخلها ذعر خالص، حاد، و مزلزل؛ لكنه لم يكن خوفاً على نفسها أو على حياتها المنهكة، بل كان رعباً قاتلاً و هلعاً مفرطاً على الجنين الصغير و القطعة المقدسة المتبقية من يوسف التي تسكن أحشائها منذ أسابيع .قبضت علياء على مقود السيارة بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها، و حاولت بكل ما أوتيت من ثبات و. ققوه وكبرياء أن تحمي بطنها بجسدها، و تحدثت في كواليس روحها بصرخة صامتة تفيض باللوعة: «ليس مرة أخرى... لن أسمح للأفاعي بأن تذبح طفلي ! سأحميه بأي ثمن.» حاولت تهدئة أنفاسها المتهدجة، و قالت بصوت خافت، مبحوح، و حذر للغاية شق سكون المقصورة: — «دينا... اهدئي و افتحي عقلكِ لثوانٍ. انزعي هذا النصل عن عنقي، و دعينا نتحدث بهدوء ... لماذا تفعلين هذا انت لستي قاتله ايا كان ما تريدينه مني سافعله ؟» تحرك جسد دينا في المقعد الخلفي
آخر تحديث: 2026-06-29
Chapter: الفصل ١٨٦حين تبلغ قسوة الأيام ذروتها، تضطر القلوب النقيّة لارتداء أقنعة القسوة، لحماية الأرواح التي تعشقها من الموت صامتاً.» قادت علياء سيارتها عبر شوارع المدينة، كانت تحلق من السعادة و لكن... كان عقلها يدور في حلقة شرسه من الخطط و الترتيبات السريّة. لم تكن الان تلك الجثة الهامدة التي استسلمت للاكتئاب الحاد طوال الأسابيع الماضية؛ بل دبّت في عروقها روح جديدة مقاتله و جامحة غسلت وحشتها بالكامل. كانت تضع يدها الدافئة فوق بطنها بانتظام، كانها ترسل رساله لطمانه صغيرها كانت تشعر بكل نبضة صغيرة بداخلها كقَسَم مقدّس يربطها بـ يوسف الكيلاني. علمت علياء يقيناً أن معركة البقاء لحماية هذا الجنين تتطلب أولاً استعادة قوتها الجسدية المكسورة. لذا، انحرفت بسيارتها نحو وسط المدينة، و توجهت مباشرة بكامل إرادتها نحو مكان هاديء كانت تذهب دائما اليه عندما. تريد ان تفكر في شيء هام ذلك المكان كان يجمعها بنور في الأيام الخوالي ارادت ان تحتفل مع صغيرها بعيدا عن قصر الالفي دخلت إلى المكان، و جلست في زاوية منعزلة و بعيدة عن الأعين. طلبت شراب، دافئ، ، بعد قليل ا
آخر تحديث: 2026-06-29
Chapter: الفصل ١٨٥مرّ شهرٌ آخر و علياء تعيش كالشبح في زنزانتها، تتناول فقط ما يبقي أنفاسها على قيد الحياة بآلية ميتة و جافة لكن في أحد الصباحات، شعرت بإعياء حاد و غريب تماماً لم تعهده من قبل؛ دوار شديد غلف حواسها، و غثيان مستمر اعتصر أحشاءها المنهكة رغماً عن معدتها الفارغة. كتمت علياء ألمها بحذر، و انتظرت اللحظة التي يغادر فيها سليم القصر لمتابعة أعماله في البرج، و خرجت بمفردها دون أن يعلم بدخولها المستشفي أو يلحظ غيابها أحد . قادت سيارتها بيدين ترتجفان و عقل يشتعل بالوجل، حتى وصلت إلى الجناح الطبي الخاص بالمستشفى الدولي جلست علياء داخل مكتب الطبيب المسؤول بعد إجراء الفحوصات الشاملة و تحاليل الدم الدقيقة دلف الطبيب و هو يمسك بالتقرير الطبي، و ملامحه تحمل وجوماً ممزوجاً بدهشة بالغة، و جلس أمامها قائلاً بنبرة وقورة و صوت منخفض: — «مدام علياء... التقرير الطبي الذي بين يدي الان يحمل مفاجأة و. قنبلة حقيقية؛ أنتِ حامل في الأسبوع العاشر الآن.» تجمدت الأنفاس في صدر علياء بالكامل، و صاحب نبض قلبها بجنون مفرط شل تفكيرها، و اتسعت حدقتاها بذهول خالص ، و هتفت بنبر
آخر تحديث: 2026-06-28
Chapter: الفصل ١٨٤مرّ شهرٌ كاملٌ على ذلك الصباح المشؤوم، ثلاثون يوماً انطوت و قصر آل الألفي يغرق في أجواء خانقة و ثقيلة تحولت الغرفة المستقلة لعلياء إلى زنزانة اختيارية، و انقطعت كل خيوط اتصالها بالعالم الخارجي، و رفضت تجاوز عتبة بابها لثانية واحدة. دخلت علياء في نوبة اكتئاب حاد و شرس، و جلست فوق فراشها كالجثة الهامدة، تنظر إلى السقف بملامح ميتة و عينين مطفأتين غاب عنهما كل ذكائها و رونقهم . و الأقسى من ذلك، أنها أعلنت إضراباً صامتاً و قاسياً عن تناول أي الطعام ؛ كانت ترفض الصواني الفاخرة التي يُرسلها سليم مع المربيات، و تكتف ببضع رشفات صغيرة من الماء تبقيها على قيد الحياة رغماً عنها.فشلت كل محاولات سليم الألفي في إخراجها من تلك العزلة أو كسر إرادتها الجافة . كان يدخل غرفتها كل ليلة، متخلياً عن كبريائه و نفوذه، ليقف أمام سريرها و عيناه تشتعلان برعب حقيقي و عذاب عارٍ لم يذقه يوماً في معاركه الاقتصادية كان يراها تذبل و تذوب أمام عينيه، و جسدها الفخم ينحف و صوتها يغيب، لتتحول كل يوم إلى شبح باهت و مسخ ميت في مساء أحد الأيام، بعد أن أرجعت المربية صين
آخر تحديث: 2026-06-28
Chapter: الفصل ١٧٥ انقشعت غيوم الصباح الشاحبة تدريجياً، لتنساب خيوط شمس شتوية باهتة فوق الرصيف الحجري أمام المختبر الطبي الدولي. تحركت سيارة سعد الفاروق الفاخرة ببطء ، و غابت شيئاً فشيئاً وسط زحام الطريق، بينما عاد الهدوء يفرض سطوته على المكان من جديد. غادر المحامون. و انصرف الأطباء. و أُغلقت الأبواب الزجاجية للمختبر خلف آخر المراجعين. بدا المشهد عادياً... كأي صباح آخر. لكن أحداً لم ينتبه إلى السيارة القديمة المتوقفة على الجانب الآخر من الرصيف المقابل، في زاوية معتمة و منسية تحت ظلال شجرة عتيقة، كانت هناك سيارة قديمة، مهترئة الأطراف و داكنة الزجاج، تقبع هناك منذ ساعات الصباح الأولى دون أن تلفت انتباه حراس المركز الطبي. في المقعد الأمامي لتلك السيارة، كان يجلس رجل مجهول الملامح، غارقاً في صمته ، وعيناه الثابتتان ترصدان كل تفصيلة دارت عند المخرج، منذ لحظة خروج جيداء متأبطة ذراع عاليه، و حتى رحيل سيارات عائلة الفاروق. لم يرفع عينيه عن مدخل المختبر إلا عندما خرجت جيداء. تابعها بصمت رآي كيف تسير بهدوء إلى جوار عالية. و رأى سعد يفتح باب السيارة لها باهتمام. ثم تابع ال
آخر تحديث: 2026-06-29
Chapter: الفصل ١٧٤قطب سعد حاجبيه باستغراب و ضيق حاد: — نتوقف؟ و لماذا؟ الملف القضائي معتمد و مكتمل.ناول المدير الظرف البني إلى سعد بنبرة جادة: — وصلنا الآن أمر قضائي مستعجل و مختوم.فتح سعد الورقة بسرعة البرق، و قرأ السطور الأولى، ليشتعل وجهه الصارم و تنعقد حاجباه أكثر بفعل صدمة مباغتة، و قال بحدة و غضب عالي : — هذا غير معقول... مستحيل من يملك حق التعطيل الآن و اصدار هذا القرار ؟ اقترب ياسين من سعد بخطوات رصينة، و سأله بصوته الرخيم المستقر: — ما الذي حدث الان ؟ رد سعد و وجهه مكفهر و هو ما يزال يقرأ الأسطر بذهول مكتوم: — المحكمة أوقفت إجراءات إثبات النسب مؤقتاً... بناءً على طلب شخص يدّعي امتلاكه أدلة جديدة قد تغيّر مسار قضية تركة يزيد الراوي بالكامل. ساد صمت ثقيل، خانق و مفاجئ تداخلت فيه أنفاس الغرفة الباردة. التفتت جيداء بآلية نحو عالية لتراقب رد فعلها البشري؛ وجدتها تنظر إلى الورقة الرسمية في يد سعد، و قد ارتسمت على وجهها علامات الدهشة و الغضب و الارتباك نفسه التي شعر بها الجميع في الغرفة. وجدت جيداء عاليه تقبض علي شنطتها بعنف ظاهر و تضغط على اسنانها بح
آخر تحديث: 2026-06-29
Chapter: الفصل ١٧٣اشرق الصباح الشتوي باهتًا، و اختبأت الشمس خلف طبقات كثيفة من الغيوم الرمادية، بينما كانت سيارة سعد الفاروق تشق طريقها بهدوء عبر شوارع العاصمة المزدحمة. ساد الصمت داخل السيارة أغلب الطريق؛ إذ جلس سعد في المقعد الأمامي يتبادل بعض الأحاديث العملية المقتضبة مع السائق، بينما جلست عالية إلى جوار جيداء في المقعد الخلفي. كانت عالية بين الحين و الآخر تربت على يد جيداء برفق، و تسألها بحنو إن كانت قد تناولت فطورها، أو إن كانت تشعر بالتوتر من الإجراءات القانونية المربكة، ثم تبتسم لها ابتسامة هادئة تبعث شيئًا من الطمأنينة.ابتسمت جيداء لها في كل مرة بأدب متزن، لكنها كانت تراقبها بصمت مطبق. لم تعد تعرف يقيناً ماذا تصدق؛ منذ لقائهما، شعرت جيداء أن عالية امرأة يصعب قراءتها للغاية. كانت تبكي بصدق يلين له القلب في المقهى، ثم تستعيد هدوءها في لحظات و كأنها لم تكن تبكي قبل ثوانٍ معدودة. لم تستطع جيداء أن تحسم إن كانت ترى أمامها أماً أنهكها الفقد الطويل، أم امرأة تعلمت عبر السنين كيف تخفي ما يدور في أعماقها ببراعة استثنائية. و كلما حاولت أن ترجح أحد ا
آخر تحديث: 2026-06-29
Chapter: الفصل ١٧٢انقشعت عتمة الليل الشتوي لتترك أروقة الشركة الهندسية غارقة في هدوء الصباح المبكر، كأن المبنى نفسه ما زال يلتقط أنفاسه بعد عاصفة خفية لم تبدأ بعد. كانت جيداء تجلس خلف مكتبها، و عيناها ثابتتان على كوب القهوة بين كفيها، لكن عقلها لم يكن هنا. كان ما يزال في ذلك الصالون الدافئ في القصر… في دموع عالية… و في تلك اللحظة التي تغيّر فيها شيء لا يُقال بسهولة. لم تلتفت إلا عندما سُمِع صوت خطوات ياسين في الممر الخارجي، ثابتة، محسوبة، كعادته حين يدخل معركة لا مع مكتب عمل. دلف إلى الغرفة و أغلق الباب بهدوء، ثم جلس أمامها دون مقدمات، و عيناه تفحصانها كأنهما يقرآن ما لم يُكتب بعد. قال بصوته الرخيم الهادئ: — إذن… زرتِ القصر أمس يا شهد. كيف كان اللقاء؟ وضعت جيداء كوبها ببطء، كأنها تختار كلماتها قبل أن تختار نبرتها: — كان دافئاً… تبدو عاليه ك ام مثاليه . صمتت لحظة، ثم تابعت: — عالية بكت أمامي يا ياسين… دموع حقيقية... . تحدثت عن فقدي و كأنها تعيشه الآن، و أصرت أمام سعد على أنني ابنتها، و على ضرورة التحقق من ذلك و بعدها ستقوم بفك تجميد ثروة والد
آخر تحديث: 2026-06-28
Chapter: الفصل ١٧١ ظلت جيداء تحدق في وجه عالية طويلًا. لم تجد ارتباكًا و لا كذبًا ظاهرًا. و لا حتى نظرة جشع. بل امرأة تبكي ابنتها منذ خمسة عشر عامًا. و هذا ما أربكها كثيرا ابتلعت ريقها وقالت بصوت خافت: — لا أعرف ماذا أقول... أنا عشت عمري كله أظن أنني بلا أهل. وجودك في حياتي وحده يكفي ليجعلني أشعر أنني لم أعد وحيدة. ابتسمت عالية بحنان و ربتت على يدها. — سواء كنتِ شهد أم لا... فباب هذا البيت سيبقى مفتوحًا لك دائمًا. و في تلك اللحظة دخل سعد الفاروق. قاومت جيداء كثيرا الا تنهض و تقتل هذ الرجل بيديها الرجل الذي سرق طفولتها و حياتها و حرمها من دفء عائلتها جاهدت حتي لا يظهر علي وجهها اي مشاعر كانت تدربت علي ذلك في البيت و هي تعلم ان هذا اصعب شيء في هذه الخطه ان تراه امامها و لا تفعل شيء يفسد خططها اجبرت نفسها علي الابتسام ابتسامه صغيره مرحبه رحب سعد ب جيداء و ما إن وقعت عيناه على زوجته حتى تغيرت ملامحه القاسية تمامًا. اقترب منها و احتضن كتفيها بحنان بالغ. ثم قبل رأسها.—هل بكيتِ مرة أخرى؟ ابتسمت عالية وسط دموعها. — حاولت ألا أفعل... لكنني كلما نظرت إلى جيداء تذكرت شهد. خف
آخر تحديث: 2026-06-28
Chapter: الفصل ١٧٠ حلّ الصباح التالي أكثر هدوءًا مما توقعت جيداء. لم تستيقظ على فوضى الأسئلة، بل على يقين واحد؛ لقد انتهى زمن الركض خلف الإجابات، و بدأ زمن مراقبتها و هي تأتي إليها بنفسها. جلست على طرف الأريكة، التقطت هاتفها المحمول، و ظلت تحدق في الرقم الذي أرسلته لها عالية مساء الأمس. أخذت نفسًا عميقًا، ثم ضغطت زر الاتصال. لم يطل الانتظار. جاءها صوت عالية دافئًا، مفعمًا بلهفة صادقة بدت كأنها خرجت من قلب أم حُرمت ابنتها سنوات طويلة. — جيداء! يا حبيبتي... كنت أنتظر اتصالك. لا تتخيلي كم فكرت فيك منذ افترقنا منذ يومين . ابتسمت جيداء ابتسامة صغيرة أخفت خلفها يقظتها الكاملة. — صباح الخير يا فنانة عالية... أتمنى ألا أكون قد أزعجتك في هذا الوقت. ضحكت عالية بخفة. — تزعجينني؟ لو اتصلتِ في منتصف الليل لرددت عليكِ. ما الأمر اخبريني ؟ قالت جيداء ببساطة: — كنت أفكر في حديثنا عن الفن... و أردت أن أراكِ مجددًا إذا كان وقتك يسمح. ساد صمت قصير، ثم جاءها صوت عالية أكثر دفئًا. — ليس في أي مكان... تعالي إلى البيت. سأكون سعيدة لو تناولنا الغداء معًا في القصر. ترددت جيداء لحظة و
آخر تحديث: 2026-06-28
Chapter: الفصل ١٠٠مرت الساعات بطيئة و ثقيلة داخل مكتب فهد الفاخر، حتى بدا عقرب الساعة و كأنه يتعمد استفزازه. جلس خلف مكتبه العاجي، يطرق بأصابعه فوق سطح الخشب المصقول بإيقاع متوتر، بينما كانت عيناه لا تفارقان الساعة المعلقة على الجدار. كان من المفترض أن تصله رسالة جديدة منذ وقت طويل. هكذا اتفق مع فريدة. رسالة قصيرة... أو حتى كلمة واحدة تطمئنه أن كل شيء يسير كما خُطط له. لكن لا شيء وصل. ازداد انقباض صدره مع كل دقيقة تمر. طرق أحد رجاله الباب طرقات خفيفة. — ادخل. دخل الرجل وانحنى باحترام. — سيد فهد ... انتظرنا الخادم الصغير في المكان المعتاد، لكنه لم يظهر. رفع فهد رأسه ببطء. — لم يظهر؟ — لا يا سيدي... انتظرناه طويلًا، و سألنا عنه دون أن نثير الانتباه، لكن لا أثر له. ساد صمت ثقيل. لوّح فهد بيده، فانصرف الرجل، و بقي هو وحده في المكتب. نهض من مقعده و بدأ يتمشى ببطء، و خطواته المنتظمة تعكس اضطرابًا لم يسمح لنفسه بإظهاره أمام أحد. همس لنفسه: — أين اختفى الصغير؟ توقف أمام النافذة، وحدق في الشارع أسفل المبنى. — هل مرض؟ هز رأسه نافيًا. — لا... لو كان الأمر كذلك، لوجدت ف
آخر تحديث: 2026-06-29
Chapter: الفصل ٩٩كانت ليان تقف خلف أحد الأعمدة الرخامية الضخمة في الممر المؤدي إلى الصالون الكبير، تمسك بصينية فضية فارغة بكلتا يديها، حتى ابيضّت أطراف أصابعها من شدة القبض عليها. منذ أن دسّت الرسالة في مكتب فارس، و هي تعيش على أعصابها، تنتظر اللحظة التي يهتز فيها القصر كله. كانت تتوقع صراخًا... أوامر غاضبة. حراسًا يركضون في الممرات. أو على الأقل... أن ترى فريدة تُستدعى للتحقيق. لكن الساعات مرت بطيئة و ثقيلة، و لم يحدث شيء. حبست أنفاسها عندما انفتح باب الصالون أخيرًا. خرج فارس أولًا. رفعت رأسها بسرعة، و اتسعت عيناها بلهفة، وكأنها تنتظر أن تقرأ الحقيقة على ملامحه. لكن...لم يكن هناك شيء. كان يسير بخطوات ثابتة، و وجهه هادئًا على نحو أربكها . انعقد حاجباها تلقائيًا. "لماذا يبدو هادئًا إلى هذا الحد؟" تعلقت عيناها به أكثر، كأنها تبحث عن شرارة غضب واحدة، عن انقباضة في فكه، عن نظرة تكشف أن الرسالة وصلت إليه... و لم تجد شيئًا. بعده خرجت فريدة. كانت تمشي إلى جواره بثقة كاملة، لا أثر للخوف على وجهها، و لا لارتباك امرأة انكشف سرها منذ دقائق. شعرت ليان با
آخر تحديث: 2026-06-29
Chapter: الفصل ٩٨دخل فارس صالون الاستقبال بخطوات هادئة ، و قد أخفى كل ما يشتعل داخله خلف ملامح جامدة لا تكشف شيئًا. كانت السيدة صفاء تجلس إلى جوار السيدة هدى ، بينما انشغلت فريدة بتقليب كتيب صغير كانت تكتب به تفاصيل الزفاف . ما إن رفعن رؤوسهن حتى توقفت الأحاديث. ابتسم فارس ابتسامة خفيفة و اختفت كل ملامح الجمود من علي وجهه و قال بهدوء: — صباح الخير يا سيداتي بادرت صفاء بابتسامة ارتياح. — صباح الخير يا بني... تعال اجلس معنا ، كنا نتحدث عن ترتيبات الزفاف الان اقترب و مازالت الابتسامه تعلو وجهه جلس دون تردد، ثم نظر إلى الطاولة أمامه. — يبدو أنكم بدأتم العمل بجديه شديدة . قالت هدى بفخر: — بقيت بعض التفاصيل فقط، و بعدها نحدد الموعد النهائي. رفع فارس عينيه إلى فريدة لأول مرة منذ دخوله. — و هل كل شيء كما تريدين؟ يمكنك ان تجعلي كل شيء فخم بقدر ما تريدين لا تترددي في شيء اريد ان تحصلي على زفاف احلامك ارتبكت فريده للحظة، ثم ابتسمت بخجل مصطنع. — نعم... الجميع يهتم بالتفاصيل لكني ارغب في شيء بسيط لا اهتم للمظاهر كثيرا يكفي ان نكون سعداء . أومأ فارس
آخر تحديث: 2026-06-29
Chapter: الفصل٩٧دخل فارس الكيلاني مكتبه بخطوات بطيئة أثقلها صباح طويل من الاجتماعات، و الحديث الذي لم ينتهِ مع والدته عن موعد الزفاف . أغلق الباب خلفه، و خلع معطفه الأسود بإرهاق، ثم ألقاه فوق الأريكة الجلدية القريبة قبل أن يمرر يده على مؤخرة عنقه محاولاً التخلص من صداع بدأ يضغط على رأسه منذ ساعات. تقدم نحو مكتبه الخشبي العريض كعادته، لكن خطوته توقفت فجأة. كان هناك ظرف أبيض. لم يكن يحمل ختم آل الكيلاني، و لا شعار أي شركة، و لا حتى اسم المرسل. مجرد ظرف وُضع في منتصف المكتب بعناية، كأنه ينتظر وصوله وحده. انعقد حاجباه ببطء. من المستحيل أن يدخل أحد هذا المكتب دون علم كرم أو الحراس. مد يده، التقط الظرف، و قلبه بين أصابعه للحظات قبل أن يفتحه بهدوء. أخرج الورقة المطوية. و جلس خلف مكتبه. بدأ يقرأ. في البداية، لم يرَ سوى كلمات عادية، فظن أنها رسالة مجهولة يقصد صاحبها العبث أو إثارة الفوضى قبل الزفاف. لكن... كلما انتقلت عيناه إلى سطر جديد، بدأ شيء ما يتغير داخله. اختفى الإرهاق من ملامحه. و اختفى معه آخر أثر للهدوء. توقفت عيناه عند كلمة واحدة. **"...حامل..."** ظل يحدق
آخر تحديث: 2026-06-28
Chapter: الفصل ٩٦خرجت ليان من الجناح الشرقي بخطوات هادئة، بينما كانت الرسالة المطوية داخل جيب ثوبها تبدو أثقل من حجرٍ يضغط فوق صدرها. لم تستطع أن تطرد من رأسها الكلمات التي قرأتها قبل ساعات؛ كانت تتردد في أذنها كأنها لُعنة.حملت فريدة طفلاً من فهد...وأرادت أن تمنحه اسم فارس.أغمضت عينيها للحظة و هي تتابع السير في الرواق الطويل، تحاول أن تستعيد هدوءها قبل أن يفضحها وجهها المرتبك أمام أحد.لكنها لم تبتعد كثيراً.توقفت فجأة.كانت فريدة تقف عند مدخل قاعة الاستقبال، تتحدث مع السيدة أمينة و كأن شيئاً لم يحدث. ارتدت ثوباً فاتح اللون، و بدت أمام الجميع تلك الفتاة الهادئة الرقيقة التي يعشقها أهل القصر.وحين وقعت عيناها على ليان...ابتسمت.ابتسامة صغيرة... لكنها كانت كافية لتجعل ليان تشعر بقشعريرة تسري في جسدها كله.التفتت السيدة أمينة إليها و قالت بلهجتها العملية المعتادة:— ليان... تعالي.اقتربت ليان بصمت.قالت أمينة وهي تقلب بعض الدفاتر بين يديها:— من اليوم سيزداد العمل في الجناح الشرقي. أريد كل شيء جاهزاً دون أي تقصير.توقفت لحظة، ثم أضافت بنبرة لا تخلو من الحماس:— السيد فارس حدد موعد الزفاف
آخر تحديث: 2026-06-28
Chapter: الفصل ٩٥راقبت ليان فريده لعده ايام الا ان راتها تكرر الامر و تعطي للصبي رساله جديده كررت مافعلته في المره السابقة حتي حصلت على الرساله قبل أن تشرع ليان في القراءة، شعرت بأن الغرفة كلها تضيق عليها. كان الإبريق النحاسي فوق الموقد الصغير يطلق فحيحاً مكتوماً، متسبباً في تصاعد خطوط كثيفة من البخار الساخن الذي تفوح منه رائحة المعدن الصدئ و الغبار القديم. في تلك الغرفة العلوية المهجورة، كان الهواء خانقاً و ثقيلاً، و لم يكن هناك من ضياء سوى وميض مصباح زيتي يترنح، فيعكس ظلالاً شوهاء متطاولة على الجدران المتآكلة .لم تكن أنامل ليان ترتجف هذه المرة؛ فقد طحن الخوفَ داخلها إصرارٌ بارد و جعل حركاتها دقيقة كشفرة جراح . قرّبت الظرف السميك من فوهة البخار المتصاعد ، مراقبة الختم القرمزي الذي يحمل شعار فريدة وهو يلين ببطء، متحولاً من درع شمعي صلب إلى قطرة دم مسكوبة تكاد تبكي. و بحذر شديد يقطع الأنفاس، مررت الشفرة الرقيقة تحت حافة الشمع اللين. انزلق الورق الفاخر بنعومة مستسلماً، و انفتح الجوف المطوي دون أن يتفتت الشمع أو يترك أثراً واحداً يكشف العبث.
آخر تحديث: 2026-06-27