Chapter: الفصل الثالثالفصل الثالث: زيارة بعد الظهر وتصدعات العزلةوصلت هناء بعد الساعة الثالثة بقليل، مخلّفة وراءها جلبة الشارع التي ترفض دائماً التوقف. كان كرم يجلس في بقعته المعتادة، غارقاً في أفكاره، عندما تناهى إلى مسامعه صوت محرك سيارتها المألوف وهو يتهادى ثم يتوقف فجأة أمام المنزل. تبع ذلك للحظات صوت ميكانيكي حاد لإغلاق باب السيارة الخارجي، وهو ما أعلن رسمياً انتهاء ساعات الهدوء الاختياري التي فرضها على نفسه منذ الصباح.وقف كرم في مكانه لبرهة ممتدة قبل أن يقرر النهوض لاستقبالها؛ ففي أعماقه لم يكن مستعداً نفسياً أو ذهنياً لزيارة أي شخص، ولا يملك القدرة على خوض حوارات اجتماعية تذكره بما كان وبما أضحى عليه. لكنه في الوقت ذاته، لم يكن يملك ترف الرفض أو إغلاق الباب في وجه شقيقته التي تقاسمه جينات الوجع والقلق.سمع طرقاً خفيفاً ومتتابعاً على الخشب، فتحرك بخطى وئيدة، ثم مد يده وأدار المقبض ليفتح لها. كانت هناء تقف هناك، يلفحها هواء العصر البارد، وتحمل في يديها كيسين ورقيين كبيرين يفوح منهما غبار المتاجر، بينما ترتسم على وجهها تلك النظرة المتعبة والمليئة بالهموم كعادتها في الآونة الأخيرة.دخلت دون أن تنتظر
Última actualización: 2026-06-03
Chapter: الفصل الثانيالفصل الثاني: أطياف الغسق والظلال الصامتةاستيقظ كرم على ضوء رمادي باهت وكئيب يتسلل على نحو متقطع من بين شقوق الستائر المخملية المغلقة بإحكام منذ أسابيع. لبضع ثوانٍ ضبابية ومبهمة، لم يتذكر بدقة أين هو، أو ما الذي يفعله مستلقيًا بهيئته تلك. تلك الثواني القصيرة والمسروقة التي تسبق عودة الوعي الكامل واليقظة التامة كانت دائمًا الأرحم بقلبه المكلوم؛ فخلالها ينسى عقله الباطن الحادثة المروعة، ينسى تفاصيل المقبرة الباردة والتراب، وينسى كليًا هذا البيت الكبير الفارغ الذي أضحى كقبر موحش. ثم، بلا أي مقدمات، تعود الحقيقة المرة لتهاجمه بقسوة وتنقض عليه دفعة واحدة، حاملة معها ثقل العالم وأوجاعه.أغمض عينيه مجددًا بقوة، علّه يستعيد شيئًا من ذلك الغياب المؤقت، وظل مستلقيًا بلا حراك على الكرسي الخشبي ذي المساند المهترئة الذي نام عليه مكرهًا طوال الليل، قرب الأريكة التي آوت زائره الصغير. كانت رقبته تؤلمه بشدة جراء الالتفاتة الخاطئة، وظهره بدا متيبسًا ومتصلبًا من تلك الجلسة الطويلة وغير المريحة. أدار رأسه ببطء ونحو الأريكة المجاورة، وتجمدت حركته فجأة حين وقعت عيناه على المشهد؛ الغطاء الصوفي الرمادي ما ز
Última actualización: 2026-06-03
Chapter: الفصل الأولالفصل الأول: غبار الصمت ونقر على الخشبالساعة المعلقة على الحائط لم تكن تدور كعادتها، لكن عقرب الثواني كان يرتجف في مكانه كأنه يحاول الفكاك من قيد غير مرئي يمنعه من التقدم، يصارع ليعلن مرور الوقت دون جدوى. تك… تك… تك… صوت خفيض، رتيب، ومستمر، لا يسمعه أحد في هذا البيت الواسع الساكن سواه. كان هذا الصوت يتردد في أرجاء الغرفة المظلمة مثل دقات قلب واهن يحتضر ببطء.يقولون إن الإنسان إذا فقد كل شيء دفعة واحدة، وفقد معه كل الأسباب التي تجعله يستيقظ في الصباح، يصبح الزمن بالنسبة له شيئًا غريبًا ومشوهًا. لا يتوقف الزمن تمامًا بالمعنى الفيزيائي، لكنه يفقد معناه وقيمته وجوهره. الأيام تمر في الخارج متلاحقة، والشمس تشرق وتغيب معلنةً بدايه ونهاية روتينية، والناس يذهبون إلى أعمالهم ويعودون إلى بيوتهم حاملين تفاصيل حياتهم الصغيرة، بينما يبقى هو هنا، وحيدًا، عالقًا في اللحظة نفسها التي تحطم فيها كل شيء.بالنسبة لكرم، لم يكن الزمن قد تجاوز تلك الليلة المشؤومة التي غيرت مجرى حياته إلى الأبد. ليلة المطر الغزير الذي كان يغسل الشوارع ولا يغسل الأحزان، ليلة الشاحنة الضخمة التي ظهرت من عدم لتلتهم أحلامه، وليل
Última actualización: 2026-06-03
Chapter: الفصل الثانيلم يكن في ذلك الممر الطويل المكتسي بعتمة خفيفة ما يستدعي، بالفعل، هذا الإحساس الغامض والمريب الذي بدأ يتسلل إلى جوارحي، ويعلق بأطراف روحي كغبار غير مرئي. كان ممراً ألفته منذ نعومة أظفاري، حفظت شقوق جدرانه ومواضع الظل فيه، ومع ذلك، ظل هذا الشعور الخفي ملازماً لي كظلي، كشيء لا يرى بالعين المجردة لكنه يحس بثقل جاثم على الصدر، كأن هواء المنزل قد تغيرت كثافته فجأة دون سبب ملموس.كانت عمتي عبير تمشي بجانبي بخطوات متعادلة، رتيبة، تئن لها أرضية الممر أنيناً خافتاً يكاد لا يبين. كانت تتحدث بنبرة هادئة، مسترسلة، عن أشياء يومية بسيطة لا تحتاج إلى إنصات كامل، ولا تستفز العقل للتفكير؛ كانت تمزق صمت المكان بحديث معاد عن خبز الصباح وجودته، وعن أحد أبناء الجيران الذي تغيب عن المدرسة لأيام وأثار قلق أهل الحي، وعن ضرورة أن نشتري بعض الأدوية الضرورية لأمي من الصيدلية القريبة قبل أن تغلق أبوابها مع هبوط الليل.وكنت أنا، في مقابل ذلك السيل من الكلمات العابرة، أومئ برأسي أحياناً، لا لأنني أشاركها الحديث أو أعي تفاصيله، بل لأنني أردت فقط أن أبدو حاضراً في المشهد، أن أمنحها ذلك الرضا الزائف بأنني معها أنصت و
Última actualización: 2026-06-03
Chapter: الفصل الأولالساعة الآن تشير بدقة متناهية إلى الثالثة وتسع دقائق بعد الظهر، ونحن هنا في قلب عمان، حيث الشوارع تمور بالحركة والناس. طريق الجامعة دائماً طويل، يمتد كحبل لا نهاية له، ويزيده طولاً وثقلاً ذلك الجلوس الرتيب في الطرقات المزدحمة، حيث تتوقف الحافلات والسيارات لزمن يبدو دهراً كاملاً.هذا الازدحام المروري الخانق، وما يرافقه من ضجيج، هو ما يجعلني دائماً أصر على التريث والتروي في مسيري وفي اختياراتي، رغماً عن وجود وسائل مواصلات سريعة قد تختصر الوقت في ظاهرها. والحقيقة الكامنة وراء هذا التمهل هي أنني شخص يحب التفكير العميق والتأمل الطويل في تفاصيل الوجوه وحركة العابرين، وأنا بطبعي مولع بالبقاء وحيداً، ألوذ بصمتي الخاص وأجد فيه ملاذاً آمناً من صخب العالم الخارجي.لا زلت حتى هذه اللحظة، ورغم مرور السنوات، أحاول جاهداً أن أنفتح على الغير، أن أمد جسوراً نحو الآخرين وأشاركهم أحاديثهم وأيامهم، لكن يمنعني من ذلك دائماً خوف دافين، خشية غامضة من فقدان بعضي في غيري، أتهيب من فكرة أن أذوب في تفاصيل الناس وحكاياتهم حتى أفقد ملامح ذاتي الأصيلة.إنني أشعر، في كثير من الأحيان، أنني أذوب في زحام البشر ذوباناً
Última actualización: 2026-06-03