أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة

أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة

last updateLast Updated : 2026-07-24
By:  قصص وحكايات Updated just now
Language: Arab
goodnovel4goodnovel
10
1 rating. 1 review
43Chapters
166views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

على حدود قريتنا الصغيرة يجري نهرٌ يفصل بيننا وبين الغابة المحرمة. لا أعلم لِمَ سُمِّيت بهذا الاسم، ولكن كل ما أعلمه أنه يُمنع دخول هذه الغابة تحت أي ظرف من الظروف. وعلى الرغم من وجود جسرٍ يمتد فوق النهر ويربط بين قريتنا والغابة المحرمة، فإن أحدًا لم يتجرأ يومًا على عبوره. فكل ما نعرفه أن من يذهب إلى هناك لا يعود أبدًا. وبمعنى آخر، فإن دخول الغابة يعني الموت والهلاك لصاحبه. دعوني أشرح لكم الفرق بين قريتنا والغابة المحرمة. من يرى قريتنا من بعيد سيدرك، منذ الوهلة الأولى، أنها قرية فقيرة معدومة الموارد. ولولا وجود النهر الذي نشرب منه، ويعتمد معظم سكان القرية على الصيد فيه، لكنا قد غادرنا هذه القرية منذ زمن بعيد. أما الغابة المحرمة، فهي على النقيض تمامًا. فلو نظرت إليها لأول مرة، لعرفت أنها مليئة بالخيرات. فألوانها الخضراء النابضة بالحياة تختلف اختلافًا شاسعًا عن ألوان قريتنا، وكأن الفرق بينهما كالفرق بين اللون الأخضر الزاهي واللون الرمادي الباهت.

View More

Chapter 1

الغابة المحرمة

على حدود قريتنا الصغيرة يجري نهرٌ يفصل بيننا وبين الغابة المحرمة. لا أعلم لِمَ سُمِّيت بهذا الاسم، ولكن كل ما أعلمه أنه يُمنع دخول هذه الغابة تحت أي ظرف من الظروف. وعلى الرغم من وجود جسرٍ يمتد فوق النهر ويربط بين قريتنا والغابة المحرمة، فإن أحدًا لم يتجرأ يومًا على عبوره. فكل ما نعرفه أن من يذهب إلى هناك لا يعود أبدًا. وبمعنى آخر، فإن دخول الغابة يعني الموت والهلاك لصاحبه.

دعوني أشرح لكم الفرق بين قريتنا والغابة المحرمة.

من يرى قريتنا من بعيد سيدرك، منذ الوهلة الأولى، أنها قرية فقيرة معدومة الموارد. ولولا وجود النهر الذي نشرب منه، ويعتمد معظم سكان القرية على الصيد فيه، لكنا قد غادرنا هذه القرية منذ زمن بعيد.

أما الغابة المحرمة، فهي على النقيض تمامًا. فلو نظرت إليها لأول مرة، لعرفت أنها مليئة بالخيرات. فألوانها الخضراء النابضة بالحياة تختلف اختلافًا شاسعًا عن ألوان قريتنا، وكأن الفرق بينهما كالفرق بين اللون الأخضر الزاهي واللون الرمادي الباهت.

كما تبدو الغابة عامرة بأشجار الفاكهة، والأزهار الزاهية، والحيوانات التي يمكن صيدها والاعتماد عليها في الطعام.

ومع كل ذلك، لا يجرؤ أحد منا على دخولها خوفًا من الموت. ولا أعلم لماذا يحاصر الموت تلك الغابة، ولا ماذا يختبئ في أعماقها. ولكن هذا ما توارثناه عن أجدادنا، دون أن نعرف السر الكامن وراءه. ورغم فضولي الشديد، وأسئلتي المتكررة لوالدي عن سر الغابة المحرمة، فإنه، شأنه شأن جميع كبار القرية، كان يتحفظ بشدة على الحديث في هذا الأمر.

استيقظت هذا الصباح فزعة من كابوس رأيته الليلة الماضية. ولم تكن تلك المرة الأولى التي أراه فيها، ولا أعلم لماذا يتكرر معي باستمرار.

لم أستطع أن أخبر أبي بهذا الكابوس. لم أرد أن أقلقه، فهو دائم القلق عليَّ، كما أنني أخشى على صحته. ففي الآونة الأخيرة تدهورت حالته قليلًا، وبسبب ضيق الحال لم يكن يستطيع الذهاب إلى الطبيب كلما اشتد عليه المرض، بل كان يكتفي بشراء الدواء الذي وصفه لنا الطبيب منذ عام.

بدأت بتحضير وجبة الإفطار، فوجدت في خزانة المطبخ بعض الخبز اليابس، وقطعةً من الجبن، وثلاث بيضات كانت جارتنا قد أعطتني إياها بالأمس بعدما ساعدتها في تنظيف حظيرة الدجاج.

وأثناء تحضيري للطعام، عاد إلى ذهني كابوس الليلة الماضية. كان غريبًا ومخيفًا، كما هو الحال في كل مرة. كنت أركض في الظلام داخل الغابة المحرمة، بينما يصل إلى مسامعي صوتٌ بعيد وغريب يناديني:

«ميرا... ميرا...».

ثم سمعت صوتًا آخر يصرخ وكأنه يركض خلفي، قائلًا بصوت جهوري:

«توقفي... توقفي!».

وبعدها سمعت صوتًا ثالثًا... كان صوت أبي، يقول لي برجاء:

«ميرا، ابنتي، لا تذهبي... أرجوكِ!».

كنت أركض في الحلم باحثةً عن أبي، ولم يكن يهمني أي صوتٍ آخر غير صوته. كنت أبحث عنه وسط الظلام، وأصرخ بأعلى صوتي:

«أبي... أين أنت؟».

وفي تلك اللحظة، تحول الصوت الثاني، الذي كان يركض خلفي، إلى زئير أسدٍ هائل، وكأنه أصبح قريبًا جدًا مني، وعلى وشك الانقضاض عليَّ.

وفي تلك اللحظة استيقظت من الحلم فزعة، والعرق يتصبب من جبيني.

«ميرا!».

شهقت مذعورة، فقد كان أبي هو من يناديني.

قلت سريعًا، محاوِلةً إخفاء اضطرابي:

«صباح الخير يا أبي، انتظر لحظات قليلة، وسيكون الطعام جاهزًا.»

حرصت أن يكون صوتي مليئًا بالمرح حتى لا يشك أبي في شيء.

قال أبي:

«ميرا، ابنتي، ما بك؟ لقد ناديت عليكِ كثيرًا.»

أجبته متلعثمة:

«ها؟ لا... لا شيء، فقط شردت قليلًا.»

ابتسم أبي وقال:

«حقًا؟ وفيمَ شردتِ، يا ابنتي الجميلة؟ هل هناك ما يشغل ابنتي ولا تخبرني به؟»

ابتسمت ميرا ابتسامة متكلفة وهي تتجنب النظر إلى عيني والدها، ثم قالت بسرعة:

ميرا: لا يوجد ما يشغلني يا أبي، فقط... تذكرت ما حدث بالأمس عند جارتنا أم سليم.

رفع والدها أحد حاجبيه وقال مبتسمًا:

الأب: أم سليم؟ لا تقولي لي إنكِ تشاجرتِ معها.

ضحكت ميرا وهزت رأسها.

ميرا: بل تشاجرت مع دجاجها.

انفجر الأب ضاحكًا وقال:

الأب: دجاجها؟! وهل أصبح للدجاج لسان حتى يتشاجر مع الناس؟

ميرا: لو رأيته بعينيك لقلت إنه أذكى من بعض البشر! كنت أساعد أم سليم في تنظيف حظيرة الدجاج، وما إن فتحت الباب حتى خرجت دجاجة بيضاء كأنها كانت تخطط للهروب منذ سنوات.

قهقه الأب وقال:

الأب: إذًا هربت سجينة الحظيرة!

ميرا: ولم تكتفِ بالهرب، بل أخذت بقية الدجاج معها، وفجأة وجدنا أنفسنا نطارد عشر دجاجات في أنحاء القرية.

وضع الأب يده على بطنه من شدة الضحك.

الأب: وأنتِ بالطبع كنتِ القائدة في هذه المعركة!

ميرا: بالطبع! أمسكت بعصًا طويلة وقلت لأم سليم: حاصريها من اليمين، وأنا سأغلق عليها الطريق من اليسار.

ابتسم الأب وقال مازحًا:

الأب: يبدو أنكِ تتحدثين عن لصوص، لا عن دجاج!

أجابت ميرا وهي تضحك:

ميرا: صدقني، كانت أشرس من اللصوص. إحدى الدجاجات طارت فوق رأسي حتى ظننت أنها ستبني عشًا في شعري.

ضحك الأب بصوت عالٍ وقال:

الأب: لا عجب أن شعرك كان مبعثرًا عندما عدتِ إلى المنزل.

تظاهرت ميرا بالاستياء وقالت:

ميرا: بل والأدهى من ذلك أن ديكًا ضخمًا ظل يلاحقني في كل مكان. أقسم لك أنه كان ينظر إليَّ وكأنني سرقت حبات القمح الخاصة به.

ابتسم الأب وهو يمسح دموع الضحك من عينيه.

الأب: وهل انتصرتِ عليه في النهاية؟

رفعت ميرا رأسها بفخر مصطنع.

ميرا: بالطبع... بعد أن اختبأت خلف أم سليم حتى أمسكت هي به.

ضحك الأب حتى كاد يسقط من مقعده، ثم قال:

الأب: إذًا كان انتصارًا بطوليًا بالفعل!

أخرجت ميرا لسانها مازحة وقالت:

ميرا: المهم أننا انتهينا من تنظيف الحظيرة، وأعطتني ثلاث بيضات وقطعة جبن مكافأةً لي.

نظر الأب إلى المائدة ثم قال مبتسمًا:

الأب: إذًا هذا الإفطار اللذيذ ثمن معركتكِ مع الدجاج.

ابتسمت ميرا ابتسامة صادقة هذه المرة، وقالت:

ميرا: نعم... ولو هربت الدجاجات مرة أخرى فسأطلب منها أن تدفع الأجر مضاعفًا.

ابتسم الأب وهو ينظر إلى ابنته بحنان، ثم قال:

الأب: أحمد الله أنكِ عدتِ سالمة من تلك الحرب الطاحنة.

ضحكت ميرا، وضحك معها والدها، بينما اختفى التوتر الذي كان يملأ قلبها للحظات، وكأن ذلك الكابوس لم يكن سوى ذكرى بعيدة.

جلس أبي أمام المائدة الخشبية الصغيرة، ثم رفع بصره إليَّ وهو يبتسم ابتسامته الهادئة التي كانت كفيلة بأن تُشعرني بالأمان مهما كانت همومي كبيرة. تناول قطعة من الخبز، ثم أخذ يحمد الله على النعمة، بينما جلست إلى جواره أراقبه بصمت.

لا أعلم كيف سيكون شعوري لو جاء يوم ولم أجده أمامي.

منذ أن توفيت أمي وأنا في الخامسة من عمري، أصبح أبي كل شيء بالنسبة إليَّ. لم يكن مجرد أب، بل كان أمًّا أيضًا. هو من كان يوقظني صباحًا، ويُعد لي الطعام عندما أمرض، ويجلس إلى جواري طوال الليل إذا أصابتني الحمى، ويضفر شعري بيديه الخشنتين، حتى وإن كانت الضفيرة تبدو مضحكة في أغلب الأحيان.

كنت أضحك عليه كلما نظر إلى شعري بفخر، وكأنه أنجز عملًا عظيمًا، فيضحك هو الآخر ويقول إن الضفيرة ليست مهمة، المهم أنها صُنعت بكل الحب.

ولم أشعر يومًا أنني محرومة من حنان الأم، لأن أبي بذل كل ما في وسعه حتى يملأ ذلك الفراغ الذي تركه رحيلها. صحيح أنه لم يكن يجيد الطهو، وكان يحرق الطعام كثيرًا في السنوات الأولى، لكنني كنت آكله وكأنه أشهى وليمة في العالم، فقط لأنني كنت أرى في كل لقمة مقدار تعبه من أجلي.

أما كوخنا الصغير، فلم يكن يملك شيئًا يلفت الأنظار. سقفه مصنوع من القش والخشب، وجدرانه من الطين المجفف، وأرضيته ترابية بسيطة. في الشتاء تتسلل بعض قطرات المطر من بين فتحات السقف، وفي الصيف تشتد الحرارة داخله حتى يصعب التنفس.

ومع ذلك... كنت أراه أجمل مكان في الدنيا.

ففي كل مساء، كان أبي يشعل المدفأة الحجرية الصغيرة، فتنتشر رائحة الحطب في أرجاء الكوخ، ويملأ دفء النار المكان، بينما نجلس متقابلين نتبادل الأحاديث، أو يحكي لي قصصًا عن أمي وعن الأيام التي سبقت مولدي.

كان ذلك الكوخ الصغير بالنسبة إليَّ وطنًا كاملًا، لأن أبي كان بداخله.

لم يكن لدي إخوة أو أخوات. كنت الابنة الوحيدة، وربما لهذا السبب كان أبي يحيطني بكل هذا الاهتمام والخوف.

لكنني، في أعماقي، كنت أتمنى دائمًا أن يكون لي أخ أو أخت.

كنت أحسد أطفال القرية عندما أراهم يلعبون معًا، يتشاجرون ثم يتصالحون بعد دقائق، يركضون خلف بعضهم، ويتقاسمون الطعام والضحكات.

أما أنا، فكلما انتهيت من أعمال المنزل، لم أجد سوى الصمت رفيقًا لي، أو خرجت أجلس بجوار النهر أحدث الماء وكأنه صديق يسمعني.

لطالما تخيلت كيف سيكون الأمر لو كان لدي أخ أكبر يدافع عني، أو أخت في مثل سني نتبادل معها الأسرار والضحكات قبل النوم.

لكنني كنت أعود فأبتسم في كل مرة، وأقول لنفسي إن الله، وإن لم يرزقني بإخوة، فقد منحني أبًا يعادل العالم كله.

نظرت إليه وهو يتناول إفطاره بهدوء، وقد بدت على وجهه علامات الإرهاق التي ازدادت في الأشهر الأخيرة. حاول أن يخفيها بابتسامته المعتادة، لكنني كنت أعرفه أكثر مما يعرف نفسه.

أخفضت بصري سريعًا حتى لا يلاحظ نظراتي إليه، ثم دعوت الله في سري أن يمد في عمره، وألا يأتي اليوم الذي أجد فيه هذا الكوخ خاليًا من صوته... لأنني كنت أعلم يقينًا أن دفء هذا المكان لم يكن مصدره النار المشتعلة في المدفأة، بل وجود أبي فيه.

ما إن انتهينا من تناول الإفطار، حتى بدأ كلٌّ منا يجمع الأطباق ويعيدها إلى مكانها. اعتدنا أن نتقاسم كل شيء؛ فلا أبي يسمح لي بتحمل جميع أعمال المنزل وحدي، ولا أسمح له بأن يقوم بها بمفرده.

بعد أن انتهينا، اتجه أبي إلى الركن الصغير من الكوخ، حيث كانت تُحفظ عدة الصيد. انحنى ببطء، وأخرج الشبكة القديمة بعناية، ثم أخذ يفحص خيوطها واحدةً تلو الأخرى.

اقتربت منه وجلست على الأرض إلى جواره، وبدأت أفك العقد الصغيرة التي تشكلت فيها منذ آخر مرة خرجنا فيها للصيد.

قال أبي وهو يناولني إحدى العوامات الخشبية:

"تأكدي من ربطها جيدًا يا ميرا، لا أريد أن نفقد الشبكة مرة أخرى."

ابتسمت وأنا أُحكم ربطها.

"لا تقلق يا أبي، هذه المرة لن تهرب منا الأسماك."

ابتسم ابتسامته الهادئة وهز رأسه.

"الأسماك أذكى مما تظنين."

ضحكت وأنا أرفع الشبكة أمامه.

"إذن سأثبت لها اليوم أنني أصبحت أذكى منها."

هز رأسه ضاحكًا، ثم حمل الشبكة على كتفه، بينما تناولت أنا السلة المصنوعة من الخوص، ووضعت بداخلها الطُعم، وبعض الحبال، والسكين الصغيرة التي نستخدمها في تنظيف السمك.

كان الصيد هو مصدر رزقنا الوحيد.

لم يكن أبي يملك أرضًا يزرعها، ولا ماشية يبيعها، ولم يتعلم حرفة أخرى غير تلك التي ورثها عن جدي. فمنذ سنوات طويلة، اعتاد أن يقضي معظم نهاره على ضفاف النهر، يعود بما يرزقه الله من سمك، فيبيع جزءًا منه في القرية، ونحتفظ بالباقي ليكون طعامنا.

وكنت أرافقه منذ أن أصبحت قادرة على حمل سلة صغيرة.

علمني كيف أميز حركة الماء، وكيف أعرف الأماكن التي تختبئ فيها الأسماك، وكيف أتحلى بالصبر، لأن الصيد لا يحب المستعجلين، كما كان يقول دائمًا.

لكن حالنا لم يكن كحال بعض أهل القرية.

فالكثير منهم كانوا يملكون قوارب خشبية صغيرة، يجدفون بها إلى منتصف النهر، حيث تكثر الأسماك الكبيرة، ويعودون بشباك ممتلئة تكفيهم وتزيد.

أما نحن... فلم نملك يومًا ثمن قارب.

لذلك كنا نكتفي بالجلوس على ضفة النهر، نصطاد بما تصل إليه شباكنا أو صناراتنا، ونحمد الله على ما يقسمه لنا من رزق.

طالما تمنيت أن أرى أبي يملك قاربًا مثل بقية الصيادين. كنت أتخيله يقف فوقه مرفوع الرأس، بينما أساعده في إلقاء الشبكة وسط المياه، فنعود آخر النهار بسلال ممتلئة بالأسماك.

لكن كلما جمّع أبي بعض المال، ظهر ما هو أهم؛ مرة لشراء الدواء، ومرة لإصلاح سقف الكوخ، ومرة لشراء ملابس الشتاء.

وفي النهاية... كان حلم القارب يؤجل نفسه عامًا بعد عام.

خرجنا من الكوخ، وأغلق أبي الباب الخشبي خلفنا. كان هواء الصباح منعشًا، والشمس قد بدأت ترسل خيوطها الذهبية فوق سطح النهر، حتى بدا الماء وكأنه مرآة من الضوء

سرنا جنبًا إلى جنب في الطريق الترابي المؤدي إلى النهر، نحمل عدة الصيد على أكتافنا، بينما كانت أصوات العصافير تملأ المكان.

ولأول مرة منذ أن استيقظت من ذلك الكابوس، شعرت بشيء من السكينة... وكأن وج

ود أبي إلى جواري كان كافيًا ليُبعد عن قلبي كل خوف.

وصلنا إلى ضفة النهر، واختار أبي مكانه المعتاد تحت شجرة الصفصاف العتيقة. ألقى الشبكة في الماء، ثم جلس يراقب حركة النهر في صمت، بينما جلست إلى جواره أُصلح إحدى الصنارات.

رفعت رأسي نحو الضفة الأخرى، حيث كانت الغابة المحرمة تقف شامخة بأشجارها الكثيفة. كانت تبدو هادئة... هدوءًا غريبًا، حتى إنني لم أكن أسمع صوت عصفور واحد يخرج منها.

ظللت أحدق فيها طويلًا، ثم قلت:

ميرا: أبي... هل تنظر إليها أحيانًا؟

لم يرفع عينيه عن الماء، واكتفى بالإجابة:

الأب: أحاول ألا أفعل.

عقدت حاجبيَّ باستغراب.

ميرا: ولماذا؟ إنها تبدو جميلة جدًا من هنا.

أطلق زفرة طويلة، ثم قال:

الأب: ليست كل الأشياء الجميلة آمنة يا ميرا.

ساد الصمت بيننا للحظات، ولم أستطع أن أمنع نفسي من مواصلة الأسئلة.

ميرا: هل دخلها أحد من أهل القرية من قبل؟

شد أبي الحبل قليلًا ليتأكد من ثبات الشبكة، ثم قال بصوت خافت:

الأب: نعم.

اتسعت عيناي.

ميرا: وماذا حدث له؟

ساد الصمت مرة أخرى... صمت أطول هذه المرة.

ثم قال دون أن ينظر إليَّ:

الأب: لم يعد.

ابتلعت ريقي، وعدت أنظر إلى الأشجار المتراصة.

ميرا: لكن... كيف عرفتم أنه لم يعد؟ ربما عاش هناك.

التفت إليَّ أخيرًا، وكانت نظرته مختلفة، تحمل شيئًا من الخوف الذي لم أره في عينيه من قبل.

الأب: لا يا ميرا... لا أحد يعيش هناك.

أخفضت بصري إلى الماء، لكن فضولي لم يهدأ.

ميرا: هل توجد وحوش داخلها؟

ابتسم ابتسامة باهتة.

الأب: لو قلت نعم، فسوف تتخيلين وحوشًا ذات أنياب ومخالب.

ميرا: وهل هذا غير صحيح؟

هز رأسه ببطء.

الأب: لا أعرف ما الموجود هناك... ولا أريد أن أعرف.

ترددت قليلًا، ثم سألته بصوت أكثر هدوءًا:

ميرا: ألم يخبرك جدي بشيء عنها؟

تغيرت ملامحه فجأة، واختفت الابتسامة تمامًا.

الأب: بعض الأسرار يا ابنتي، لا يكون في معرفتها خير.

أطرقت برأسي وأنا أرسم بإصبعي خطوطًا صغيرة على الرمال.

ميرا: لكنني أريد أن أفهم فقط... كيف تكون غابة مليئة بالأشجار والثمار، ولا يقترب منها أحد؟

نظر إلى الضفة الأخرى نظرة خاطفة، ثم أشاح بوجهه سريعًا، وكأنه يخشى أن تطول نظرته إليها.

الأب: لأن الإنسان لا يُقاس بعينيه فقط... أحيانًا عليه أن يصدق ما ورثه عن آبائه، حتى وإن لم يفهمه.

سكت قليلًا، ثم وضع يده على كتفي.

الأب: اسمعيني جيدًا يا ميرا.

التفتُّ إليه.

كانت ملامحه جادة على غير عادته، حتى إنني شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

قال ببطء، وكأنه يريد أن يحفر كلماته في ذاكرتي:

الأب: أريدك أن تعديني بشيء.

ميرا: ماذا؟

الأب: مهما حدث... ومهما سمعتِ... ومهما دفعك فضولك... لا تقتربي من الغابة المحرمة.

نظرت إليه بدهشة.

ميرا: إلى هذا الحد تخاف منها؟

قبض على يدي برفق، لكن قبضته كانت أقوى من المعتاد.

الأب: لا أخاف منها...

توقف لحظة، ثم أكمل بصوت خافت:

الأب: أخاف عليكِ أنتِ.

نظرت إلى عينيه، فرأيت فيهما خوفًا حقيقيًا لم أره من قبل.

ابتسمت محاولةً طمأنته، وقلت:

ميرا: أعدك يا أبي... لن أذهب إلى هناك.

تنفس بارتياح، وأعاد نظره إلى النهر.

وفي تلك اللحظة... هبت نسمة باردة قادمة من جهة الغابة، حتى إن سطح الماء تموج فجأة، بينما ارتجفت أوراق الصفصاف فوق رؤوسنا.

أما أنا... فلم أستطع أن أمنع نفسي من النظر إليها مرة أخرى.

وكأن الغابة... كانت تنظر إليَّ أيضًا.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters

reviews

Mohmed Wageh
Mohmed Wageh
الرواية جميله جدا
2026-07-23 04:51:34
0
0
43 Chapters
الغابة المحرمة
على حدود قريتنا الصغيرة يجري نهرٌ يفصل بيننا وبين الغابة المحرمة. لا أعلم لِمَ سُمِّيت بهذا الاسم، ولكن كل ما أعلمه أنه يُمنع دخول هذه الغابة تحت أي ظرف من الظروف. وعلى الرغم من وجود جسرٍ يمتد فوق النهر ويربط بين قريتنا والغابة المحرمة، فإن أحدًا لم يتجرأ يومًا على عبوره. فكل ما نعرفه أن من يذهب إلى هناك لا يعود أبدًا. وبمعنى آخر، فإن دخول الغابة يعني الموت والهلاك لصاحبه. دعوني أشرح لكم الفرق بين قريتنا والغابة المحرمة. من يرى قريتنا من بعيد سيدرك، منذ الوهلة الأولى، أنها قرية فقيرة معدومة الموارد. ولولا وجود النهر الذي نشرب منه، ويعتمد معظم سكان القرية على الصيد فيه، لكنا قد غادرنا هذه القرية منذ زمن بعيد. أما الغابة المحرمة، فهي على النقيض تمامًا. فلو نظرت إليها لأول مرة، لعرفت أنها مليئة بالخيرات. فألوانها الخضراء النابضة بالحياة تختلف اختلافًا شاسعًا عن ألوان قريتنا، وكأن الفرق بينهما كالفرق بين اللون الأخضر الزاهي واللون الرمادي الباهت. كما تبدو الغابة عامرة بأشجار الفاكهة، والأزهار الزاهية، والحيوانات التي يمكن صيدها والاعتماد عليها في الطعام. ومع كل ذلك، لا يجرؤ أحد
last updateLast Updated : 2026-07-10
Read more
إبن العمده
بدأت الشمس تميل ببطء نحو منتصف السماء، وانعكست أشعتها الذهبية فوق صفحة النهر، بينما كان أبي يسحب الشبكة للمرة الأخيرة في ذلك اليوم. تشبثت الشبكة بالماء للحظات، ثم ارتفعت ببطء، تتقاطر منها قطرات الماء اللامعة، وبين خيوطها كانت عشرات الأسماك الصغيرة تتخبط في محاولة يائسة للعودة إلى النهر. اتسعت عيناي، ولم أستطع إخفاء ابتسامتي. ميرا: "انظر يا أبي... هذه أكثر من المرة الماضية!" نظر أبي إلى الشبكة، ثم ابتسم ابتسامة رضا وهو يقول: الأب: "الحمد لله... رزقنا الله اليوم خيرًا مما كنا نتوقع." أسرعت أساعده في تفريغ الشبكة داخل السلة الكبيرة المصنوعة من الخوص، بينما كانت الأسماك تقفز في كل اتجاه. ضحكت عندما قفزت إحدى السمكات الصغيرة وارتطمت بثوبي. ميرا: "حتى وهي خارج الماء ما زالت تقاوم." ابتسم أبي وهو يمسك بها ويعيدها إلى السلة. الأب: "هذه علامة جيدة... السمك الطازج يريده التجار أكثر." جلست على ركبتي أعد ما اصطدناه. "واحدة... اثنتان... ثلاث..." واصلت العد حتى انتهيت، ثم رفعت رأسي نحوه. ميرا: "ثمانٍ وعشرون سمكة يا أبي." رفع حاجبيه بدهشة. الأب: "ثمانٍ وعشرون؟" أومأ
last updateLast Updated : 2026-07-10
Read more
مرض أبى
حلَّ المساء قبل أن نصل إلى كوخنا الصغير. كانت أشعة الشمس الأخيرة تتسلل بين الأشجار، بينما كانت الطيور تعود إلى أعشاشها في هدوء، وكأنها تُسرع قبل أن يبتلع الليل كل شيء. فتح أبي باب الكوخ بصمت، ثم دخل دون أن ينطق بكلمة واحدة. وضع كيس الدقيق فوق الطاولة الخشبية، وأسند عصاه إلى الحائط، ثم جلس على مقعده القريب من النافذة، وظل يحدق في الفراغ. وقفت أتأمله من بعيد، ولم أحتج إلى أن يسألني أحد عما به. كنت أعرف أبي أكثر مما يعرف نفسه. فعندما يكون متعبًا يبتسم، وعندما يمرض يخفي ألمه حتى لا أقلق عليه، أما إذا التزم الصمت... فذلك يعني أن شيئًا أثقل قلبه حتى عجز عن حمله. تنهدت في صمت واتجهت إلى الموقد الحجري. أشعلت الحطب، ثم وضعت المقلاة فوق النار، وبدأت أنظف السمكتين اللتين احتفظنا بهما من صيد اليوم. وبينما كانت يداي تعملان، كانت عيناي تتسللان إليه بين الحين والآخر. كنت أعلم أنه بعد دقائق سيأتي كعادته، ويجلس إلى جواري، ويأخذ السكين من يدي وهو يردد مبتسمًا: "دعيها لي، لا أريدك أن تجرحي نفسك." ثم يبدأ بتنظيف السمك، بينما أتولى أنا إعداد الخبز وإشعال النار. هكذا كانت حياتنا دائمًا... لم أكن أعد
last updateLast Updated : 2026-07-11
Read more
خوف
ظلَّت ميرا مستلقية فوق فراشها، تحدق في سقف غرفتها المظلم، بينما كانت كلمات والدها الأخيرة تتردد في رأسها. حاولت مرارًا أن تغلق عينيها وتستسلم للنوم، لكنها كانت تشعر بانقباض غريب في قلبها، وكأن شيئًا سيئًا يقترب. كانت تقنع نفسها بأن ما أصاب والدها ليس سوى إرهاق بعد يومٍ طويل من الصيد والعمل، إلا أن قلبها كان يرفض تصديق ذلك. وما هي إلا لحظات حتى اخترق سكون الليل صوت سعالٍ عنيف صادر من غرفة والدها، تلاه سعال آخر أشد منه، حتى بدا وكأن صدره يتمزق مع كل نفس يخرجه. عندها لم تعد قادرة على البقاء في مكانها، فقفزت من فراشها مسرعة وهي تهمس لنفسها: "سامحني يا أبي... لن أستطيع تنفيذ وعدي هذه المرة." خرجت من غرفتها بخطوات متعجلة، واتجهت مباشرة نحو باب غرفة والدها، ثم دفعته دون أن تستأذن. وما إن وقعت عيناها عليه حتى تجمدت في مكانها، واتسعت حدقتاها من هول ما رأت. كان يوسف جالسًا على طرف السرير، منحني الظهر، يسعل بعنف حتى ارتجف جسده كله، بينما كان يمسك بقطعة قماش صغيرة يضعها أمام فمه. وفي اللحظة التي أنزل فيها يده، لمحت ميرا بقعًا حمراء داكنة تغطي القماش بأكمله، ولم يكد يستقر بصرها عليها حتى انزلقت
last updateLast Updated : 2026-07-11
Read more
طيب القرية
ظل يوسف ساكنًا لا يتحرك، بينما كانت يد ميرا ما تزال تمسك بكتفه تهزه برفق، وكأنها تنتظر منه أن يفتح عينيه في أية لحظة ويبتسم ابتسامته الهادئة التي اعتادت أن تطمئنها. لكن شيئًا لم يحدث. كانت الغرفة ساكنة بصورة مخيفة، حتى إن صوت أنفاسها المتسارعة أصبح أعلى من أي صوت آخر. شعرت بأن قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها، وأخذت تناديه مرة بعد أخرى بصوت يزداد ارتفاعًا ورجاءً. "أبي... أرجوك، انظر إلي... لا تفعل هذا بي. لقد وعدتني أننا سنرحل معًا... ألم تقل إننا سنغادر هذه القرية؟ أرجوك، افتح عينيك." لكن يوسف ظل مغمض العينين، ولم يصدر عنه سوى أنفاس ضعيفة بالكاد تُسمع. ارتجفت ميرا، ثم وضعت أذنها فوق صدره، تحاول أن تسمع دقات قلبه. وبعد لحظات شعرت بنبضات خافتة جدًا، ضعيفة إلى حد جعلها تنتفض خوفًا. رفعت رأسها سريعًا، وقد اختلطت دموعها بأنفاسها المتلاحقة، وهمست وهي تكاد تختنق من البكاء: "الحمد لله... ما زلت حيًا." لكنها أدركت في اللحظة نفسها أن الوقت لم يعد في صالحها، وأن كل ثانية تمر قد تقربها من فقدان والدها إلى الأبد. قفزت من مكانها، وأخذت تدور بعينيها في أنحاء الغرفة، تتذكر ما قاله قبل قليل عن الما
last updateLast Updated : 2026-07-11
Read more
مطارده
خرجت ميرا من أمام منزل الطبيب قبل أن يغلق الباب، وانطلقت تركض بكل ما تبقى لديها من قوة. كانت دموعها لا تزال تنساب فوق وجنتيها، وأنفاسها تتلاحق بشدة، بينما لم يكن يشغل عقلها سوى صورة والدها وهو مستلقٍ على فراشه، شاحب الوجه، ضعيف الأنفاس. كانت تردد بين الحين والآخر دعاءً خافتًا، ترجو الله أن يبقيه على قيد الحياة حتى تصل إليه برفقة الطبيب. بدت شوارع القرية أكثر وحشة مما اعتادتها. كانت البيوت غارقة في الظلام، والأبواب مغلقة، ولم يكن يسمع سوى صفير الريح وهي تمر بين الأزقة الضيقة، فتزيد المكان رهبةً وسكونًا. حاولت ميرا أن تزيد من سرعتها، لكنها كانت تشعر بأن ساقيها بدأتا تفقدان قوتهما من شدة الإرهاق، ومع ذلك لم تسمح لنفسها بالتوقف ولو للحظة واحدة. وما إن قطعت نصف الطريق حتى شعرت بشيء غريب. توقفت قدماها من تلقاء نفسيهما. كان هناك خيال يقف في منتصف الطريق، لا يتحرك، وقد غطاه الظلام حتى لم تستطع تمييز ملامحه. عقدت حاجبيها، وحاولت أن تنظر جيدًا، بينما أخذ قلبها يخفق بقوة. قالت بصوت مرتفع نسبيًا: "من هناك؟" لكن الخيال لم يجبها. بل بدأ يتحرك ببطء نحوها. تراجعت خطوة إلى الخلف، وشعرت بأن ش
last updateLast Updated : 2026-07-11
Read more
الجسر
وفي لحظة واحدة، انطلق الرجال الخمسة خلفها كانت خطواتهم الثقيلة تضرب الأرض بقوة، بينما كانت ميرا تركض بين الأزقة الضيقة بكل ما بقي لديها من طاقة. دخلت أول شارع ظنًا منها أنه سيقودها إلى كوخها. لكنها فوجئت بأحد رجال فارس يخرج من نهايته، فيسد الطريق أمامها. استدارت بسرعة، واتجهت إلى شارع آخر. لكنها وجدت رجلًا ثانيًا ينتظرها. بدأت أنفاسها تتقطع. أصبحت كالفريسة المحاصرة. كل شارع تهرب إليه، تجد واحدًا منهم ينتظرها. أما فارس، فكان يسير بثقة وهو يضحك بصوت مرتفع. "اركضي يا ميرا... أريد أن أرى إلى متى ستستطيعين الهرب." كانت قدماها تؤلمانها بشدة، لكن فكرة واحدة فقط كانت تمنحها القوة. يجب أن أعود إلى أبي... يجب أن أصل قبل الطبيب. لكن الحصار كان يضيق حولها أكثر فأكثر. وفجأة... وجدت نفسها تركض نحو الطريق المؤدي إلى النهر. لم يكن أمامها وقت للتفكير. واصلت الركض حتى وصلت إلى ضفة النهر، ثم توقفت فجأة. كان النهر أمامها... وخلفه مباشرة... الجسر الخشبي القديم. ذلك الجسر الذي لم يجرؤ أحد من أهل القرية على عبوره منذ عشرات السنين. الجسر المؤدي إلى... الغابة المحرمة. التفتت خلفها.
last updateLast Updated : 2026-07-11
Read more
فارس وأصدقائه
وقف فارس في مكانه كأن قدميه قد التصقتا بالأرض، وقد انعقد بصره على ظهر ميرا وهي تبتعد راكضة فوق ألواح الجسر الخشبي العتيق. كان يسمع صوت خطواتها يتردد فوق الألواح اليابسة، بينما أخذ قلبه يخفق بعنف لم يعهده من قبل. لم يكن الخوف هو ما سيطر عليه، بل كانت الصدمة. فمنذ أن عرف ميرا، لم يتخيل يومًا أنها قد تفضل الموت على أن تقع بين يديه. أما رفاقه الأربعة، فقد كانوا أكثر رعبًا منه، إذ ظلوا ينظرون إليها وكأنهم يشاهدون شخصًا يسير بقدميه نحو قبره. ساد صمت ثقيل لم يجرؤ أحد على كسره، ولم يعد يُسمع سوى هدير مياه النهر وهي ترتطم بالصخور أسفل الجسر، وصوت الرياح الباردة القادمة من جهة الغابة المحرمة. ابتلع أحد الرجال ريقه بصعوبة، ثم قال بصوت مرتجف: "فارس... لقد انتهى الأمر. دعها تذهب." ظل فارس صامتًا، وعيناه معلقتان بالجسر. أضاف الرجل وهو يشير بيده نحو الضفة الأخرى: "لقد اختارت مصيرها بنفسها. لا يوجد عاقل يعبر ذلك الجسر." عندها فقط تنفس فارس ببطء، ثم قال وهو لا يزال يحدق في ميرا: "لا... لا أصدق." نظر إليه الرجال في حيرة. استدار إليهم ببطء، وقد بدأت ملامح الغضب ترتسم على وجهه. "أنتم لا تعرفونها
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
رعب
وصلت ميرا إلى نهاية الجسر بعد ركضٍ طويل، حتى شعرت أن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها أكثر. توقفت فوق آخر لوحٍ خشبي، وانحنت قليلًا وهي تلتقط أنفاسها المتلاحقة، بينما كان قلبها يخفق بعنف حتى خُيِّل إليها أن صوته سيفضح مكانها. رفعت رأسها ببطء، ثم نظرت أمامها، وما إن استقرت عيناها على الغابة حتى تجمدت في مكانها، وكأن قوةً خفية قد سلبتها القدرة على الحركة. لأول مرة في حياتها، كانت تقف على أعتاب الغابة المحرمة. تلك الغابة التي نشأت وهي تسمع قصصها المخيفة، وتنام كل ليلة على تحذيرات والدها من الاقتراب منها، بل وكانت تراها كل صباح من الضفة الأخرى للنهر، فتكتفي بالنظر إليها من بعيد، وهي تتساءل ماذا تخفي بين أشجارها الكثيفة. أما الآن... فلم يعد يفصلها عنها سوى خطوة واحدة. خطوة واحدة فقط... وتصبح داخل المكان الذي لم يجرؤ أحد من أهل القرية على دخوله منذ عشرات السنين. شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها كله، وأخذت تحدق في الأشجار العملاقة التي ارتفعت حتى حجبت ضوء القمر، فبدت وكأنها جدران سوداء شاهقة تحرس أسرارًا لا ينبغي للبشر معرفتها. كانت الأشجار متشابكة بصورة غريبة، حتى إن أغصانها بدت كأ
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
قرار حاسم
لم تكد قدم ميرا تلامس أرض الغابة المحرمة حتى اختفى جسدها شيئًا فشيئًا بين ظلال الأشجار الكثيفة، وكأن الغابة ابتلعتها في لحظة واحدة. ولم يمض سوى طرفة عين حتى لم يعد يظهر منها سوى طرف ثوبها، ثم اختفى هو الآخر بين الظلام، ولم يبقَ خلفها سوى الصمت المخيف الذي خيم على المكان.أما فارس، فقد توقف في منتصف الجسر وقد شُلَّت حركته تمامًا، وظل ينظر إلى الموضع الذي اختفت فيه ميرا، وكأن عقله يرفض تصديق ما حدث أمام عينيه. كانت المسافة التي تفصل بينه وبينها لا تزيد على خطوات معدودة، ولو أنها ترددت لحظة أخرى لكانت بين يديه الآن، لكنه لم يتخيل قط أنها ستملك الجرأة لتلقي بنفسها داخل المكان الذي يخشاه جميع أهل القرية.ظل واقفًا يحدق في مدخل الغابة، ثم قبض يديه بقوة حتى برزت عروق ذراعيه، وأخذ يردد بصوت خافت اختلط بالغضب والذهول:"كيف...؟ كيف فعلتها؟"صمت لحظة، ثم هز رأسه بعنف وهو يضرب بقدمه ألواح الجسر الخشبية."كنت على بعد لحظات منها... لحظات فقط."ارتفع صوته أكثر، وقد بدأ الغضب يسيطر عليه."كيف أفلتت مني؟ كيف استطاعت أن تدخل الغابة فعلًا؟"كان يحدث نفسه كأن أحدًا لا يقف حوله، بينما وقف رفاقه خلفه يتباد
last updateLast Updated : 2026-07-13
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status