تسجيل الدخولخرجت فاتن إلى الحديقة بخطوات بطيئة، تستند إلى عكازها بينما يشتعل الغضب داخلها. الهواء البارد لامس وجهها، فرفعت رأسها قليلًا وأغمضت عينيها. كانت تحاول تهدئة نفسها. تحاول كتم كل ما تراكم داخلها منذ الصباح. زفرت ببطء، ورفعت عينيها نحو الأزهار البعيدة التي تتمايل مع الرياح بهدوء، وكأن العالم كله يعيش بسلام إلا هي. لكن فجأة…توقفت عيناها عند حركة سريعة. كانت إحدى الخادمات تسير حاملة صينية طعام. خطواتها كانت متعجلة، ورأسها ينخفض بين الحين والآخر. الغريب…أنها لم تلاحظ وجود فاتن أصلًا. توقفت الخادمة فجأة.. التفتت حولها. مرة.. ثم أخرى.. وكأنها تتأكد من أن أحدًا لا يراقبها. اشتدت حيرة فاتن. أين كانت؟ ولمن تحمل الطعام؟ ولماذا تتصرف وكأنها تخفي شيئًا؟ راقبتها بصمت. ورأت الخادمة تتجه سريعًا إلى داخل القصر، تختفي بين الممرات دون أن تلتفت خلفها. ضمت فاتن شفتيها وشعرت بشيء غريب يتحرك داخلها. إحساس مألوف.. ذلك الإحساس الذي يسبق اكتشاف الأسرار. التفتت حولها، الحديقة كانت فارغة.. لا أحد.. لا داليدا.. لا يزن.. ولا أي شخص يمكن أن تسأله. نظرت نحو الباب الذي دخلت منه الخادمة، ثم قبضت يدها
عاد الجميع لتناول الطعام من جديد بعد موجة الضحك التي ملأت الأجواء. ورغم أن الابتسامات كانت حاضرة، إلا أن عقل فاتن ظل شاردًا في أشياء كثيرة لا تستطيع الهروب منها. مد يزن يده بهدوء، أمسك قطعة من اللحم ووضعها في طبق فاتن دون أن يقول شيئًا. التفتت إليه. كانت عيناه تحملان اهتمامًا واضحًا، وكأنه يحاول الاعتناء بها بطريقته الخاصة. تسلل الخجل إلى داخلها دون إرادة منها. ابتسمت له ابتسامة صغيرة وهادئة، بينما اكتفى هو بإيماءة خفيفة وعاد لتناول طعامه. أما داليدا، فكانت تراقبهما بصمت، وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيها. بعد عدة دقائق انتهى الجميع من تناول الطعام. نهضت الجدة أولًا، ثم تامر ونرمين، بينما توجه يزن إلى الخارج لإجراء مكالمة جديدة. وبقيت فاتن وداليدا جالستين في الصالة، وأمامهما أكواب الشاي الدافئة. ساد بينهما حديث هادئ، متقطع، بعيد عن التوتر الذي رافق هذا اليوم الطويل. لكن فجأة…شهقت فاتن. انتفضت داليدا في مكانها. "ماذا حدث؟!" رفعت فاتن عينيها باتساع. "نسيت أن الجد طلب رؤيتي." اتسعت عينا داليدا هي الأخرى. "صحيح…" ساد الصمت للحظات. وفجأة عاد ذلك الشعور الثقيل إلى صدر فاتن
نظرت فاتن إلى يزن بحيرة. آخر حديث بينهما لم يكن جيدًا أبدًا.. لم يصدقها. تركها تواجه كلماتها وحدها، لذلك لم تفهم كيف عاد الآن وكأن شيئًا لم يحدث. تقدم يزن بهدوء وفتح باب المقعد الأمامي لها. توقفت للحظة تنظر إليه، وكأنها تحاول فهمه من جديد، ثم جلست دون أن تنطق بكلمة. أغلق الباب برفق واتجه إلى مقعد السائق، بينما جلست داليدا في الخلف وانطلقت السيارة. هدوء ثقيل سيطر على الأجواء. أما عقل فاتن…فلم يكن داخل السيارة أصلًا. مازن.. كلماته القاسية.. اختفاءه المفاجئ.. يزن الذي تغير.. مادة نيفورا. والسؤال الذي يلتهمها من الداخل…ماذا لو كانت ستموت حقًا؟ ظلت عيناها معلقتين بالطريق. الأشجار تمر بسرعة، الناس يتحركون، والسماء تبتعد. والهواء البارد المتسلل من النافذة يعبث بخصلات شعرها وكأنه يحاول إيقاظها من متاهتها. التفت يزن نحو داليدا. كانت ملامح فاتن كافية لتخبره أن شيئًا ما ليس بخير. نظر إلى داليدا بحيرة، وهزت رأسها له بيأس. فهم ان هناك شيء يثقل قلبها، شيء أكبر من مجرد مرض. عاد بعينيه إلى الطريق ثم التفت إليها. ابتسم بهدوء. "خديچة." لكنها لم تجبه، كانت بعيدة، بعيدة جدًا، وكأنها ل
رفعت فاتن رأسها، وقعت عيناها علي مازن. كان يقف خلف الزجاج، هادئًا، باردًا، يراقبها فقط. اهتز قلبها للحظة، تشتت تركيزها وتعثرت قدمها، فقدت توازنها. "خديچة!" صرخت داليدا. سقط جسد فاتن نحو الأرض. لكن مازن...لم يتحرك بقي واقفًا مكانه، عيناه ثابتتان عليها. حتى الطبيب أسرع نحوها وأمسكها قبل أن ترتطم بالأرض. رفعت فاتن رأسها ببطء، نظرت إليه، كان لا يزال واقفًا خلف الزجاج. لم يقترب.لم يمد يده.لم يتحرك. شعرت بشيء بارد يخترق صدرها، أخفضت عينيها بصمت. أما داليدا، فنظرت إلى مازن بصدمة واضحة. كيف يستطيع الوقوف هكذا؟ كيف لم يتحرك؟ تنهد الطبيب بهدوء. "لا بأس... مجرد فقدان للتوازن." ساعدها على الوقوف مجددًا. لكن هذه المرة...لم تنظر فاتن نحو الباب.ولم تنظر نحو مازن. بينما كان هو يراقبها بصمت.شيء داخله يدفعه للدخول.وشيء آخر يمنعه. لأنه كلما اقترب منها...تذكر كلماتها. "كنت أستغلك مثلك تمامًا." وكلما تذكرها...ازدادت عيناه برودة. ضيق مازن عيناه قليلًا، وانعقد حاجباه في عبوس حاد. ظل لثوانٍ يحدق من خلف الزجاج، يراقبها وهي تتكئ على العكاز بينما الطبيب يقف بجوارها، لكن شيئًا ما داخله كا
في اللحظة التي كان الصمت يسيطر فيها على الغرفة، قطع رنين الهاتف الأجواء المشحونة. أخرج مازن هاتفه من جيبه ونظر إلى الشاشة. ما إن وقع بصره على الاسم حتى تغيرت ملامحه قليلًا، لتعود برودها المعتاد في اللحظة التالية. رفع عينيه نحو فاتن للحظة قصيرة، ثم التفت دون أن ينطق بكلمة واتجه نحو الباب. فتحه وغادر الغرفة بخطوات هادئة، تاركًا خلفه توترًا لا يزال يملأ المكان. في الممر، كان الطبيب يقف . توقفت خطوات مازن أمامه، بينما اكتفى الطبيب بالنظر إليه لثوانٍ، ثم هز رأسه بهدوء. إشارة صغيرة...لكنها كانت كافية. لم ينطق الطبيب بكلمة، ولم يسأل مازن شيئًا. تبادلا نظرة قصيرة فهم كل منهما معناها، ثم تجاوزه مازن وأكمل طريقه. أما الطبيب فتنهد ببطء قبل أن يتجه نحو الغرفة. فتح الباب ودخل، لتلتفت إليه فاتن وداليدا في الوقت نفسه، بينما كان القلق واضحًا على وجهيهما. أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم تقدم إلى الداخل، ونظراته الجادة جعلت قلب فاتن ينقبض دون أن تعرف السبب. وقفت داليدا فورًا. "هل هناك شيء؟" هز الطبيب رأسه بسرعة. "لا، لا تقلقي." ثم التفت إلى فاتن واقترب من سريرها، وسحب الكرسي وجلس أمامها. "كيف
"عذرًا…"التفت مازن خلفه.كانت هناك فتاة تقف في الممر، ملامحها هادئة وعيناها تبحثان عن شيء."هل هذه غرفة الآنسة خديجة؟"رفع مازن حاجبه قليلًا، ثم هز رأسه بهدوء.ابتسمت الفتاة بلطف.ثم فتح مازن الباب، ودخلا معًا.في اللحظة نفسها…التفتت جميع الأنظار نحو الباب.قطبت فاتن حاجبها فور رؤيتها لمازن يدخل برفقة فتاة لا تعرفها، بينما أغمض لؤي عينيه للحظة، وظهر ضيق واضح على وجهه.ألقت الفتاة التحية على الجميع، ثم اتسعت ابتسامتها وهي تنظر إلى فاتن."آنسة خديجة… سمعت عنكِ الكثير."عقدت فاتن حاجبيها بحيرة."من أنتِ؟ وماذا سمعتِ؟"وقبل أن تنطق الفتاة بكلمة أخرى…وقف لؤي بسرعة."إنها صديقتي التي أخبرتكِ عنها."التفتت الفتاة إليه وقطبت حاجبها قليلًا.أما فاتن فابتسمت لها بلطف."أهلًا، سعيدة بلقائك… ما اسمك؟"أجاب لؤي فورًا. "سارة."التفتت فاتن إليه ببطء."على ما أعتقد… لم أسألك أنت."ساد الصمت لثانية.عض لؤي شفته السفلية وابتسم بإحراج خفيف، بينما ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه داليدا.التفتت فاتن إلى الفتاة من جديد."هل هو هكذا دائمًا معكِ؟"نظرت سارة إلى لؤي، ثم أجابت بهدوء. "لا."ابتسمت فاتن باتساع.
"عن ماذا تبحث؟" كان مازن يتنقل بعينيه بين أرجاء الغرفة، يفتش كل زاوية فيها وكأنه يطارد شبحًا لا يراه أحد غيره. أجابها ببرود دون أن يلتفت. "على أساس أنكِ لا تعلمين عمَّ أبحث." ضحكت فاتن بسخرية وهي تعقد ذراعيها أمامها. "ألا تعتقد أنه كان بإمكانك سؤالي؟ فأنا أعرف مكانها." توقف مازن فجأة، ساد ال
وُضعت فاتن على الأرض أمام الغرفة للحظات، بينما أحد الحرس اتجه بسرعة للهاتف واتصل بالجد ليبلغه بما حدث. الممرضة ركعت بجانبها، تفحص نبضها بارتباك، ثم رفعت رأسها بسرعة نحو الطبيب الذي وصل مع المسعفين بعد ثوانٍ من انطلاق الإنذار. الطبيب بحدة. "ماذا حدث؟" الممرضة بارتباك واضح. "الغرفة امتلأت بالد
وصلوا إلى غرفة العلاج الطبيعي، وما إن دخلت فاتن حتى توقفت لثوانٍ وهي تتلفت حولها ببطء. أجهزة متعددة، أسِرّة مخصصة، أدوات دعم، وأشرطة تثبيت… المكان كله بدا لها كأنه يختبر قدرتها على العودة من جديد، لا مجرد علاج عادي. ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما ساعدها المساعد على الجلوس على السرير المخصص للفحص. اق
تابعها أمجد بعينيه حتى اختفت خلف الباب. بقي واقفًا مكانه للحظات طويلة، والصمت يطبق على الغرفة كأنه يخنقه. تنهد ببطء، تنهدة ثقيلة خرجت من أعماق رجل يحمل فوق كتفيه سنوات من الندم. التفت ببطء نحو سرير الطفل الصغير. ثبتت عيناه عليه، وعلى الألعاب القديمة الموضوعة بجواره، والغطاء الصغير المرتب بعناية