Share

خامسة

last update publish date: 2026-06-04 15:34:27

حبست رؤيا أنفاسها، وصوت قطرات المطر الساقطة على الحاويات الحديدية بدا في أذنها كدقّات ساعة فناء. كان عليها أن تلتفت، لكن الالتفات بالوجه الحقيقي يعني رصاصة في قلب إيان، رصاصة معنوية تقتله قبل أن تقتل قناعها.

ببرود العميل المحترف الذي استدعى كل سنوات تدريبه في أجزاء من الثانية، اتخذت قرارها. خفضت مسدسها ببطء شديد، وجعلت جسدها يسترخي لتوحي له بالاستسلام الكامل، ثم بدأت بالدوران نحو الخلف.

في تلك اللحظة الخاطفة من الدوران، ومع حجب الحاوية الضخمة لبعض الضوء المنبعث من كشافات الميناء البعيدة، رفعت يدها اليسرى بحركة خاطفة وسحبت صمام قنبلة صوتية دخانية كانت مثبتة في حزامها التكتيكي، وألقتها عند قدميها.

**بوووم!**

دوى انفجار أبيض خاطف للأبصار، مصحوباً بوميض قوي وجدار كثيف من الدخّان الرمادي الذي امتزج برذاذ المطر والضباب.

"سحقاً!" هتف إيان وهو يتراجع خطوة إلى الخلف، مغطياً عينيه بيد واحدة بفعل الوميض المفاجئ، بينما يده الأخرى تطلق رصاصتين تحذيريتين في الهواء.

لم تنتظر رؤيا؛ انطلقت كالسهم وسط الدخان الكثيف. وبدلاً من الهرب خارج الميناء، اندفعت نحو الهدف الأساسي؛ "رائف حمدان" الذي كان يحاول الفرار بذعر. ارتمت عليه بقوة، ووجهت له ضربة قاسية بمقبض المسدس على صدغه أطاحته أرضاً فاقداً للوعي. غرزت يدها في جيب معطفه، وسحبت الحقيبة الدبلوماسية الصغيرة التي تحتوي على شفرات الرادار، ثم قفزت فوق حاجز حديدي وتلاشت في عتمة الليل، تاركةً خلفها صدى خطواتها الراكضة وسط المطر.

بعد مرور عشر دقائق فقط...

كان إيان يقف في منتصف الممر، وأنفاسه تتصاعد بغضب وإحباط وهو ينظر إلى "رائف حمدان" الملقى على الأرض، وإلى رجال الشرطة الذين بدأت سياراتهم تصل إلى المكان وتطلق صفاراتها المدمرة للصمت. لقد أفلتت "الشبح" من بين يديه مجدداً، وبقيت خيوط فرضيتة معلقة في الهواء.

وفجأة، اخترق صوت بكاء ونحيب مرتعش جدار المطر.

التفت إيان بسرعة، رافعاً سلاحه بغريزة المحقق، ليرى جسداً نحيلاً يتعثر بين الحاويات. سقطت الفتاة على ركبتيها في الطين، وكانت ثيابها مبتلة تماماً، وجسدها يرتجف بعنف.

"رؤيا؟!" صرخ إيان بذهول، وتجمدت الدماء في عروقه وهو يستوعب ملامحها. ركض نحوها بسرعة جنونية، وألقى سلاحه جانباً ليرتمي على الأرض ويحتضنها بقوة.

"إيان... إيان، الحمد لله أنك هنا!" صرخت برعب مصطنع أتقنته تماماً، وهي تدفن وجهها الباكي في صدره، وتتشبث بكنزته الصوفية بأصابع ترتجف.

"ماذا تفعلين هنا؟ كيف وصلتِ إلى هذا المكان النمرود؟" سألها بلهفة وقلق عارم، وهو يمسح المطر عن وجهها الشاحب وعينيها المحمرّتين.

قالت وهي تشهق بالبكاء: "لقد.. لقد اتصل بي شخص من المعرض، طلب مني الحضور إلى مستودع الميناء لاستلام بعض اللوحات المستوردة الخاصة بالافتتاح.. وعندما وصلت إلى هنا، هاجمني شخص مقنع، وسرق سيارتي وحقيبتي، وتركتني هنا في هذا الظلام.. سمعت صوت إطلاق النار واعتقدت أنني سأموت!"

نظر إيان إلى حالتها المزرية؛ ملابسها العادية (التي بدلتها بسرعة فائقة في سيارة الدعم الخاصة بالاستخبارات قبل دقائق) كانت مغطاة بالطين، ودموعها وخوفها كانا يبدوان حقيقيين تماماً كأي ضحية صدمة. عقل المحقق العبقري داخله انطفأ تماماً أمام غريزة العاشق الذي كاد يفقد ملاذه.

لم يشك للحظة واحدة؛ فكيف لشخص كان بين أحضانه قبل ساعتين، شخص يرتجف الآن من البرد والخوف، أن يكون هو نفسه الشبح القاتل الذي واجهه؟ لقد كان التوقيت والسيناريو الذي حبكته رؤيا بالتعاون مع جهازها كفيلاً بمسح أي احتمال للشك.

ضّمها إلى صدره بقوة أكبر، وطبع قبلة حارة على جبينها المبتل وهو يهمس بنبرة مشحونة بالذنب: "أنا هنا.. أنتِ بأمان الآن يا ملاكي. أنا آسف.. آسف لأنني لم أكن بجانبكِ. سينتهي كل هذا قريباً، أعدكِ."

خلف ظهره، وفي عتمة الليل، تلاقت عينا رؤيا مع أضواء سيارات الشرطة الزرقاء. تلاشت دموعها المزيفة ببطء

عاد إيان إلى بيته في ساعة متأخرة من تلك الليلة العاصفة بعد أن غادر موقع الميناء. كان جسده الطويل يرتجف بعنف، ليس من برد المطر الذي بلل ثيابه الميري وخترق العظام، بل من شدة الصدمة والخذلان. نزع معطفه الثقيل المبتل ورماه بإهمال على الأرض، ثم انهار فوق الأريكة في الصالة المظلمة واضعاً رأسه بين كفيه، وعقله يدور في حلقة مفرغة من الجنون. كيف أفلتت "الشبح" من بين يديه مجدداً بعد أن حاصرها؟ وكيف تحول الفخ المحكم إلى فوضى عارمة انتهت بإنقاذ حبيبة عمره رؤيا من يد قاطع طريق سرق سيارتها؟ شعر ب عجز ينهش هيبته كمحقق لم يخسر قضية قط.

وفجأة، انقشعت الظلمة جزئياً؛ أقبلت عليه رؤيا بخطوات ناعمة كأنها طيف دافئ هبط من السماء ليغسل همومه. كانت قد استحمّت للتو لتزيل آثار الطين، وترتدي ثوباً قسرياً من الحرير الأسود ينساب بنعومة جارفة حول جسدها النحيل المغري، وشعرها الأسود المبلل يفوح برائحة الياسمين المركزة التي يعشقها وتُذهب عقله.

جلست بجانبه على حافة الأريكة، ولم تتردد في جذب رأسه المثقل بالهموم والأسئلة لتضعه برقة فوق صدرها الدافئ. أحاطته بذراعيها العاريتين، ممررة أصابعها النحيفة بين خصلات شعره المبللة بحنان يذيب الصخر.

"حبيبي.. يا نبض قلبي، ما بك؟" همست بصوت رخيم يقطر حناناً واهتماماً باليد الصادقة، ملقيةً بتعبها في حضنه.

رفع إيان رأسه ببطء، ونظر في عينيها الواسعتين المليئتين بالبراءة الآسرة، وشعر بغربة ووحشة تنهشان قلبه. "رؤيا.. الليلة انهار كل ما بنيته من فرضيات. الشبح ليست مجرد قاتل، إنها طيف يغير جلده في ثوانٍ، وأنا أقف عاجزاً أمامه! أخشى أنني أطارد سراباً سيبتلعني في النهاية."

جذبت يده الكبيرة الباردة وقبلت باطنها بدفء حارق، ملامسةً شفتيها الكرزيتين لبشرته لإذابة صقيعه الداخلي. لكنها في عمقها كانت تتألم بعنف؛ فرؤيته ينكسر بسببها كانت تمزق روحها أشلاء. تنهدت بتصنع أليم، وقالت بنبرة هادئة ومدروسة: "أنا آسفة جداً لأنك تمر بكل هذا الضغط لأجل هذه المدينة الملعونة.. في الحقيقة، كنت أنتظرك لأخبرك بأمر. لقد اشتقت لأمي وأبي كثيراً، وبسبب رعب ما حدث لي في الميناء، أشعر أنني بحاجة لأحضانهم. سأحزم حقيبتي الصغيرة الآن وأسافر إليهم الليلة لأقضي معهم بضعة أيام حتى تهدأ الأمور."

كانت كلماتها كذبة استخباراتية متقنة حبكها القائد أمجد؛ فالحقيبة المخفية تحت السرير لم تكن تحوي ملابس زيارة عائلية، بل هوية مزيفة ومعدات اغتيال خاصة لمهمة تصفية جديدة وعاجلة خارج البلاد.

نهض إيان فجأة كالملسوع، وأمسك بخصرها النحيل مجتذباً إياها إلى صدره بقوة وعنفوان فاجأها، ودفن وجهه في عنقها يستنشق عبيرها مستعطفاً: "الليلة؟ في هذا الطقس العاصف يا رؤيا؟ بحق حُبنا، أنا أحتاجك بجانبي الليلة أكثر من أي وقت مضى.. لا تتركيني للظلام والشكوك وحدهما."

تألم قلبها لشدة احتياجه وضعفه النادر أمامها، فأحاطت وجهه الرجولي الخشن بكفيها الناعمتين، وطبعت قبلة عميقة، حارة، ومستسلمة على شفتيه.. قبلة حملت طعم الوداع والخوف العاصف، تداخلت فيها أنفاسهما حتى ذابا معاً في فيضان من المشاعر. ثم همست فوق شفتيه المخمورتين بلمستها: "لن أتأخر عنك يا كل عمري.. ارتح أنت، وستجدني أتصل بك فور وصولي."

---

## المشهد الثاني: السقوط في هاوية الشك

بعد رحيلها بساعتين، لم يستطع إيان أن يغمض جفناً. كان صمت البيت القاتل يطبق على أنفاسه، والشعور بالوحدة الباردة بعد دفء قبلتها ينهش عقله المتعب. تقلّب في الفراش، لكن طيف الخطر حولها كان يلاحقه؛ كيف يترك حبيبته تقود سيارتها وحدها في هذا الليل الماطر والبلد يموج بالقتلة والمجرمين؟

"سألحق بها.. لن أترك ملاذي لبرد وطغيان هذا الطريق،" قال لنفسه بقرار مفاجئ اتخذه قلب عاشق ولهان.

ارتدى معطفه وقاد سيارته عبر الطرقات السريعة المظلمة تحت السيل المنهمر، حتى وصل إلى منزل عائلتها في أطراف المدينة بعد ساعة ونصف من القيادة الجنونية. صعد السلالم بسرعة وطرق الباب بلهفة وخوف. فتحت والدتها الباب وهي تفرك عينيها بنعاس، ونظر إليه بدهشة: "إيان؟ أهلاً بك يا بني في هذا الوقت المتأخر! ما الذي أتى بك تحت هذا المطر الإعصاري؟ هل حدث مكروه؟"

تخطى إيان عتبة الباب وعيناه تتفحصان الممر الداخلي بشوق وقلق: "أعتذر بشدة على الإزعاج يا أمي.. لكنني لم أتحمل بقاء رؤيا وحدها في الطريق. أين هي؟ هل نامت من تعب السفر؟"

عقدت الأم حاجبيها بذهول واستغراب شديد هزّ كيان المحقق داخله: "رائف؟! رؤيا ليست هنا يا بني.. ولم تخبرنا بأنها قادمة أصلاً! ألم تكن معك

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ما خلف القناع   ٢ وخامسون

    لم يكد أرسلان ينهي كلماته المصعوقة خلف رادار القيادة المركزية حتى تحرك العقيد إيان (الشبح) والرائد مراد بكامل هيبتهما العسكرية. باستخدام حاسوب الزورق الحربي المتقدم، قام إيان بربط الشفرة البيولوجية المنبعثة من قلادة ميرا بقاعدة بيانات المديرية الدولية المخفية. وكانت المفاجأة التاريخية التي صعقت الوحوش؛ الحمل لم يكن خطراً، بل كان "المفتاح الجيني الأخير". بمجرد تفعيل الشفرة عبر هرمونات حمل ميرا، انتقلت السيطرة المطلقة على كافة حسابات المديرية السرية، وثرواتها الملياراتية، وشفرات أسلحتها دولياً إلى "ميرا" وذريتها فقط! وبضغطة زر واحدة من أصابع إيان الخشنة، تم تشفير حسابات الرئيس الأسبق بالكامل وتجميد نفوذه، ليصبح العهد القديم مجرد حبر على ورق، وتتحول ميرا وجنينها إلى القوة العليا التي تحكم مصير النخبة. مع بزوغ خيوط الفجر الذهبية وتأمين حريتهم المطلقة للأبد، سحب الرائد مراد "ميرا" نحو الكابينة الملكية الفاخرة للزورق. كان صدره الفولاذي العاري يعلو ويهبط برتياح طاغٍ وجنون تملكي فجرته فرحة انتصار شرفه وتأمين مستقبلهما. حاصرها ضد الفراش الوثير، وجردها من ملابس الشاطئ الخفيفة بجرأة تملكية تا

  • ما خلف القناع   واحد وخامسن

    لم تدم الصدمة التي ألقاها أرسلان سوى أجزاء من الثانية في عقول ضباط النخبة. تبادل العقيد إيان (الشبح) والرائد مراد نظرة حاسمة جمدت الدماء في العروق؛ فالرئيس الأسبق للمديرية لم يكن يلعب، واستخدام غاز كيميائي أو تفجير بيولوجي عبر ياسمين وديالا يعني إبادة جنتهم بالكامل. انفجر مراد بغضب وحشي وطاغٍ، وتحرك كالنمر لحماية ميرا وجنينها، بينما استعاد إيان هيبته الشرسة كـالشبح الّذي لا يرحم. وبخطوات عسكرية خاطفة، تم سحب ديالا وياسمين المرتجفتين إلى القبو السفلي للقصر الملكي، حيث استخدم إيان مهاراته الطبية والعسكرية المتقدمة بالتعاون مع أرسلان لـعزل الشفرة البيولوجية مؤقتاً باستخدام مصل تكتيكي مضاد كان مخبأ في حقيبته السرية، مما منحهم بضع ساعات إضافية لتهدئة الأوضاع والفرار قبل الكارثة بعد تأمين الفتيات في القطاع السفلي المحصن من الغاز الكيميائي، سحب مراد "ميرا" إلى غرفة المراقبة الحديدية الملحقة بالقبو وأغلق الباب الفولاذي بعنف. كان صدره الفولاذي يعلو ويهبط من أثر الغضب والخوف على أنثاه الحامل التي تجرأت الغيرة عليها في الحفل قبل قليل. لم يمنحها فرصة للتحدث؛ بل حاصر جسدها النحيل ضد الجدار الحد

  • ما خلف القناع   خمسون

    بعد الرسالة الدموية المفاجئة وتوقيع الرئيس الأسبق للمديرية، تحول الجناح الجنوبي الفاخر إلى معسكر حماية تملكي صارم فرضه الرائد مراد. أعلن مراد "حظر تجوال كامل" على ميرا؛ إذ منعه الخوف المستعر على سلامة نطفته وجنينها من السماح لها بملامسة الأرض أو مغادرة الفراش الملكي الوثير، مما أثار دلالها الأنثوي وتذمرها المثير. عندما حاولت ميرا التمرد بدلال والنهوض من تحت الأغطية، حاصرها مراد فوراً بـبنيته الفولاذية الضخمة وعضلات صدره العارية الساخنة، دافعاً إياها برقة حادة نحو الوسائد. لم يدع لها مجالاً للاعتراض؛ وبحركة تملكية جائعة فجرتها غريزة حماية شرفه، جردها من ثيابها برقة بالغة تراعي حملها، ليعري بشرتها الساخنة المتوردة بالكامل تحت الإضاءة الخافتة. اعتلاها بجسده الضخم وطوق معصميها الناعمتين بقبضة واحدة فوق رأسها، ومارس معها عشقاً تملكياً شرساً، صادماً، وجريئاً للغاية في وضعيات مثيرة ومكشوفة أذابت كل تمردها. انحدر بقبلاته الحارقة نحو عنقها وصدرها بـعضّات رقيقة تركت علامات قانية، لتختلط تأوهاتها الصريحة المستعرة بهمساته الذكورية اللاهثة تحت الأغطية الحريرية: *"لو انطبقت السماء على الأرض، لن ت

  • ما خلف القناع   ٤٩

    كانت أجواء الفيلا تغلي بالتوتر بعد صدمة الذراع المقطوعة وظهور البارجة السوداء الغامضة في الأفق. وفي خضم هذا الاستنفار التكتيكي، كانت "ميرا" قد حسمت أمرها مع الدكتورة "ديالا" الّتي أكدت لها خبر حملها بيقين تام. قررت ميرا ألا تترك الخوف يسرق منهما هذه اللحظة، وأرادت مفاجأة الرائد "مراد" بطريقة تليق بجنون عشقهما وجرأته الطاغية.دخل مراد إلى الجناح الجنوبي وهو يغلي عصبية، عاري الصدر وعروق يديه الفولاذية بارزة بفعل قبضة سلاحه. لكنه تجمد مكانه عند عتبة الباب، وانفجرت أنفاسه الساخنة وهو يرى ميرا تنتظره في وسط الغرفة المعزولة.لم تكن خائفة؛ بل كانت ترتدي لباساً داخلياً مثيراً جداً وجريئاً من الحرير الأسود النقي، الذي التصق بجسدها النحيل ليبرز مفاتنها الساخنة بدقة مذهلة تحت الإضاءة الدافئة. وعندما اقترب بملامحه المتوحشة المستغربة، أبصر ورقة صغيرة بيضاء ألصقتها بعناية فوق أسفل بطنها الناعم، مكتوباً عليها بخط يدها الرقيق:> "أيها الرائد الشرس.. جيناتك القاسية بدأت بالنمو داخل رحمي.. أنا أحمل طفلك.اتسعت عينا مراد بهوس وصدمة هزت كيانه الصلد بالكامل. تلاشت عصبية الحرب في ثانية واحدة، ليحل مكانها ب

  • ما خلف القناع   تمان وربعون

    في تلك اللحظة القاتلة داخل كابينة المروحية (Stealth)، ظنت الجنرال "سيلا" أنها ملكت زمام الموت بتهديدها الدنيء بقذف الأطفال في المحيط. لكنها ارتكبت غلطة عمرها عندما استخفت بـ "اللبؤات" اللواتي تربين على يد أقوى ضباط النخبة. تبادلت رؤيا وميرا نظرة سريعة تفيض بالذكاء والجرأة وسط غطاء العتمة؛ وبحركة خاطفة لم تتوقعها سيلا، سحبت رؤيا خنجراً تكتيكياً صغيراً كان إيان قد خبأه بعناية بين طيات وشاحها الحريري، وغرزته بقوة وحشية في كف سيلا الممسكة بزر القذف. صرخت سيلا من الألم، وفي ذات الجزء من الثانية، اندفعت ميرا بقميص مراد العسكري الأسود كالفهد، لتثبت الحارس الشخصي لسيلا وتنتزع منه سلاحه. فجّر هذا المشهد جنون إيان ومراد؛ انتفضا كالشياطين، وبلمح البصر طحن مراد عظام الحراس بلكمات فولاذية مرعبة، بينما قبض إيان (الشبح) على عنق سيلا وطرحها أرضاً مكبلة ومدمية. تم تأمين المروحية بالكامل، وتحولت الطائرة في ثوانٍ من فخ للموت إلى عرش للنخبة بعد كسر شوكة سيلا وإحكام السيطرة على مسار الطائرة نحو جزيرة معزولة وآمنة، حلّ هدوء مريب في الكابينة، لكنه كان الهدوء الذي يسبق بركان الشهوة. اجتاح مراد وإيان جنون

  • ما خلف القناع   ٤٧

    لم يكن هناك مجال للتراجع؛ فالعد التنازلي للمحركات اللامتناهية أعلن جفاف الوقود تماماً. انقطعت الأنفاس عندما هوت المروحية القتالية كطائر جريح وارتطمت بسطح مياه المحيط المظلمة بعنفوان زلزل الأجساد. انفتحت الوسائد الهوائية التلقائية لتخفف من حدة الارتطام، وتدفق الماء المالح ببرودته القارصة عبر النوافذ المحطمة ليمتزج بعرق المتعة والبارود الذي كان يغطي الأجساد العارية. بسرعة النخبة، ثبت مراد "ميرا" و"رؤيا" والأطفال في الجزء العلوي الطافي للمروحية، في حين كان إيان (الشبح) قد تقلد حزام الأوزان التكتيكي وخنجر الكربون الفولاذي. لم ينطق الشبح بكلمة؛ تلاقت عيناه بعيني رؤيا المرتجفتين بدموع الخوف، فجذبها إليه وسط المياه المتصاعدة، والتهم شفتيها بقبلة عميقة وشرسة قطعت أنفاسها، واعداً إياها بنظرة حادة أنه سيعود ليتملك جسدها مجدداً. انقض إيان ومراد في غياهب المحيط المظلم، تاركين النساء والأطفال في هيكل المروحية الطافي. غاصا بعمق مستعينين بكشافات الغوص الفسفورية الصغيرة المثبتة على معاصمهما، حيث كانت "ياسمين" تهبط نحو القاع السحيق بفعل السلسلة الحديدية الثقيلة المربوطة بقدمها، وبجانبها ينزلق الصندو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status