قبيل زفافي، استعادت عيناي بصيرتهما بعد أن كنت قد فقدت بصري وأنا أنقذ عاصم.
غمرتني سعادة لا توصف وكنت أتشوق لأخبره هذا الخبر السار، ولكنني تفاجأت عندما رأيته في الصالة يعانق ابنة عمتي عناقًا حارًا.
سمعتها تقول له: " حبيبي عاصم، لقد قال الطبيب أن الجنين في حالة جيدة، ويمكننا الآن أن نفعل ما يحلو لنا، مارأيك بأن نجرب هنا في الصالة؟"
" بالإضافة إلى أن أختي الكبري نائمة في الغرفة، أليس من المثير أن نفعل ذلك هنا ؟"
" اخرسي! ولا تعودي للمزاح بشأن زوجتي مرة أخري"
قال عاصم لها هذا الكلام موبخًا لها وهو يقبلها
وقفت متجمدة في مكاني، كنت أراقب أنفاسهما تزداد سرعة وأفعالهما تزداد جرأة وعندها فقط أدركت لماذا أصبحا مهووسين بالتمارين الرياضية الداخلية قبل ستة أشهر.
وضعت يدي على فمي محاولة كتم شهقاتي، ثم استدرت وعدت إلى غرفتي ولم يعد لدي رغبة لأخبره أنني قد شفيت.
فأخذت هاتفي واتصلت بوالدتي،
" أمي، لن أتزوج عاصم، سأتزوج ذلك الشاب المشلول من عائلة هاشم."
" هذا الخائن عاصم لا يستحقني"
قبل الطلاق بثلاثة أشهر، قدّمت لينة طلبًا لنقل وظيفتها.
قبل الطلاق بشهر واحد، أرسلت إلى عامر وثيقة الطلاق.
وقبل الطلاق بثلاثة أيام، تخلصت من كل الأشياء التي تخصها، وانتقلت من منزل الزوجية.
...
بعد ست سنواتٍ من الحب، أدركت لينة أنها كانت مخطئة فجأةً عندما ظهر عامر أمامها ومعه حبيبته الأولى وابنها، وجعل الطفل يناديه "أبي".
بما أنه كان يجعلها تتنازل مرارًا وتكرارًا لإرضاء حبيبته الأولى وابنها، وكأنها هي "العشيقة" التي يجب أن يُخفيها،
فسوف تنهي هذا الزواج، وتفسح المجال له ولحبيبته الأولى.
ولكن عندما اختفت حقًا من عالمه، جُن جنونه.
ظنت لينة أن عامر سيحقق رغبته ويتزوج حبيبته الأولى التي يحبها ويهيم بها، لكنها لم تعلم أن هذا الرجل ذو السلطة الهائلة سيقف أمام وسائل الإعلام بعينان دامعتان يتوسل إليها بتواضع لينةل حبها...
"أنا لم أخنها، وليس لدي طفل غير شرعي، كل ما لدي هو زوجة واحدة لم تعد ترغب بي، واسمها لينة، وأنا أفتقدها!"
في منتصف الليل، بعد خيانة خطيبها لها، قرعت باب ذلك الرجل الأكثر رهبة في المدينة، وانغمست في ليلة من الشهوة.
كان بالنسبة لها مجرد انتقام، لكنها لم تدرك أنها وقعت في فخ دُبِر لها منذ زمن.
نور، أجمل فتاة في المدينة ، للأسف عُرفت بأنها شخصية مهووسة بحب شخص لا يبادلها المشاعر.
خيانة واحدة جعلتها أضحوكة العاصمة.
لكن من توقع أنها ستحتمي بذراع الأقوى؟
ظنت أن الأمر سينتهي بليلة واحدة ثم يعود كلٌ لحياته، لكن الرجل العظيم تمسك بها ولم يتركها.
في إحدى الليالي، قرع بابها بوجهٍ غاضبٍ وعينين قاسيتين: "أهكذا؟ تستفِزّينني ثم تحاولين الهرب؟"
ومنذ تلك اللحظة، لم تستطع الفرار من مخالبه، كل ليلة تئن من آلام ظهرها باكية!
يا تُرى، لماذا هذا الرجل الجادّ عنيدٌ إلى هذا الحد؟!
عندما اشتدّت عليّ نوبة التهاب الزائدة الدودية الحاد، كان والداي وأخي وحتى خطيبي منشغلين بالاحتفال بعيد ميلاد أختي الصغرى.
اتصلت مراتٍ لا تُحصى أمام غرفة العمليات، أبحث عمّن يوقّع لي على ورقة العملية الجراحية، لكن جميع الاتصالات قوبلت بالرفض وأُغلقت ببرود.
وبعد أن أنهى خطيبي أيمن المكالمة معي، أرسل رسالة نصية يقول فيها:
"غزل، لا تثيري المتاعب الآن. اليوم حفلُ بلوغ شهد، وكل الأمور يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الحفل."
وضعتُ هاتفي ووقّعتُ بهدوء على استمارة الموافقة على العملية.
كانت هذه المرة التاسعة والتسعون التي يتخلون فيها عني من أجل شهد، لذا لم أعد أريدهم.
لم أعد أشعر بالحزن بسبب تفضيلهم لها عليّ، بل بدأت أستجيب لكل ما يطلبونه بلا اعتراض.
كانوا يظنون أنني أصبحت أكثر طاعة ونضجًا، غير مدركين أنني كنت أستعدّ لرحيلٍ أبدي عنهم.
مقتطف من رواية "مغامرات مع الخادمة المزيفة"، الفصل ؟؟
~
ألقت ليلى نظرة فاحصة وشاملة على "الخادمة" الواقفة أمامها، وقالت: "إعلان الوظيفة كان مطلوبًا فيه أنثى. وأنت... لست كذلك".
وتجاهلت شحوب وجه الخادمة وتابعت: "إذن، ما هو اسمك الحقيقي وعمرك؟".
أفصح الخادمة بصوت مرتجف قائلاً: "ا-اسمي كارل، كارل مكارثي. أنا... في الواقع... في التاسعة والعشرين من عمري".
سألت ليلى وهي ترفع حاجبها بفضول: "لماذا تتنكر في زي امرأة داخل منزلي؟".
"والدي الراحل... كان سكيرًا، ومقامرًا، ومدينًا مزمنًا. حتى إنه أراد استخدامي كسداد لأحد دائنيه الكثيرين. لكن الأخير ظن أنني لا أساوي حتى دولارًا واحدًا وأعادني. وبالصدفة، أنا..."
~
هل تريد معرفة كيف سينتهي هذا الأمر؟
كل ما عليك فعله هو قلب الصفحة التالية ومتابعة القراءة حتى النهاية.
هذا الكتاب عبارة عن تجميعة لأكثر من عشرين قصة ممتعة ومشوقة تختلف في أطوالها. وهي لا تقتصر على تصنيف أدبي واحد فقط.
ففي لحظة، قد تكون غارقًا في قراءة قصة مستذئبين أو قصة حورية بحر. وفي اللحظة التالية، تجد نفسك تقرأ رومانسية جامعية، أو رومانسية مصاصي دماء، أو رومانسية رياضية. وقبل أن تدرك ذلك، ستكون بصدد القراءة عن ملك شياطين منحرف ومحاربة بشرية شرسة (BL)!
مثير للاهتمام، أليس كذلك؟
لن تخمن أبدًا ما هو التصنيف القادم، أو مدى الإثارة الآسرة التي ستكون عليها القصة التالية!
ولكن... هناك ثلاثة أشياء مضمونة بلا شك:
حبكات مفاجئة ومذهلة،
خطط انتقام نُفذت بشكل مرضٍ للغاية،
والأهم من ذلك كله، مشاهد تجعلك تحمر خجلاً!
إذن، ماذا تنتظر؟
بعد تعرضي لحادث سيارة، وبحكم أن زوجة خالي كانت تعتمد على كوني أحمق، لم تكن تستر جسدها أمامي أبدًا، وحتى حين كنت أستغل الوضع للمسها، لم يكن بوسعها سوى مسايرتي وتهدئتي.
تماديت في أفعالي، وبدأت أختبر حدود زوجة الخال شيئًا فشيئًا.
وأخيرًا في يوم من الأيام، استغللت استغراق خالي في النوم، وصعدت إلى سرير زوجة الخال، لأستمتع بجسدها الجميل الذي طالما اشتهيته.
كانت زوجة الخال ترتجف بين أحضاني، وخوفًا من أن يكتشف الخال الأمر، لم يكن أمامها سوى كبت أنينها ومسايرة هذا "الأحمق"، لتفقد قواها تدريجيًا تحت العذاب المزدوج من اللذة والشعور بالذنب...
لكن ما لم تكن تعلمه، هو أنني قد عدت لطبيعتي بالفعل منذ فترة.
أميل إلى التنقّل بين منصات الصوت حين أبحث عن قراءات شعرية قديمة، و'ديوان الفرزدق' ليس استثناءً — أسهل مكان أبدأ منه هو يوتيوب لأن الناس يرفعون هناك قراءات بمختلف الأنماط: قراءات مسجلة بصوت مُعلّمين أو مُحكّمين في مسابقات، وأخرى تسجيلات أرشيفية لرواة قدامى.
بجانب يوتيوب أجرّب دائماً مواقع البودكاست وسبوتيفاي، فهناك برامج ثقافية وقنوات شعرية تنشر حلقات مخصّصة لقصائد كلاسيكية، وفي بعض الأحيان تجد ألبومات صوتية على سبوتيفاي أو آبل ميوزيك باسم 'ديوان الفرزدق' أو تجميعات لشعراء الجاهلية وما بعدها. كذلك لا أُهمل آركايف الإنترنت (archive.org) لأنّه يحتوي على تسجيلات تاريخية وأرشيفات إذاعية قديمة يمكن تنزيلها بجودة مقبولة.
لا تنسَ ساوندكلاود ومواقع مشاركة الصوتيات الصغيرة: كثير من المهتمين ينشرون قراءات مُحترفة أو هاوية هناك. نصيحتي العملية: جرّب البحث بكلمات مثل 'ديوان الفرزدق قراءة صوتية' أو 'الفرزدق قصيدة قراءة' وراجع وصف الملف للتأكد من مصدر القراءة ونوع النسخة. الجودة تتفاوت، فاختَر التسجيلات ذات الوصف الواضح أو القنوات المعروفة في الأدب العربي، وسيسعدك سماع طبقات الإيقاع واللحن في هذه القصائد العريقة.
أحب البحث عن دواوين شعراء العصر الجاهلي، و'ديوان الفرزدق' من الكتب التي أعود إليها كثيرًا لأغوص بين الطبعات المختلفة. أفضل بداية عملية هي التحقق من وجود كلمة 'تحقيق' على غلاف أو في صفحة العنوان: هذا يعني أن النص راجع من قبل محقق علمي وصحح على أساس مخطوطات أو مصادر موثوقة، وليس مجرد جمع طباعي عشوائي.
أبحث عادةً في مكتبات إلكترونية كبيرة في العالم العربي أولًا؛ مواقع مثل Jamalon وNeelwafurat وJarir توفر طبعات حديثة ويظهرون بيانات الناشر وسنة النشر ومعلومات التحقيق. إذا رغبت في طبعة أكاديمية أكثر صرامة أتحقق من دور نشر جامعية أو دور معروفة في التراث مثل دور نشر القاهرة أو بيروت المتخصصة في النصوص النقدية. أحيانًا أحتاج نسخة نادرة فأتجه إلى مواقع عالمية للمخطوطات والكتب المستعملة مثل AbeBooks وInternet Archive حيث يمكن العثور على نسخ قديمة ممسوحة ضوئيًا أو إعلانات عن نسخ مطبوعة نادرة.
نصيحتي العملية: ركز على اسم المحقق وسنة الطبع ووجود هوامش ومراجع ومقارنة بين الطبعات. إذا رأيت طبعة بلا تحقيق أو بدون هوامش فأنصح بالابتعاد عنها إن كنت تبحث عن نص موثوق وقابل للاعتماد. بالنسبة للنسخ الرقمية، أجد أن 'المكتبة الشاملة' و'المكتبة الوقفية' ومواقع الأرشيف تقدم نسخًا سريعة للقراءة لكن تحقق دائمًا من مصدرِها قبل الاستشهاد العلمي. في النهاية أحب أن أمسك الطبعة الورقية الجيدة، لكن وجود طبعة محققة ومن ناشر موثوق هو أهم معيار لدي قبل الشراء.
الفرزدق لديه أسلوب هجائي وفخري يلتصق بالذاكرة، ومن هنا يبدأ النقاد عادة سردهم لأهم قصائده من 'ديوان الفرزدق'. أرى أن النقد الأدبي يركز غالبًا على أربعة ألوان رئيسية داخل ديوانه: الهجاء الطويل ضد خصومه، خاصة معارك الكلام مع جرير والأخطل؛ المدائح والثناء على الأمراء والولاة الأمويين الذين رعاه؛ قصائد الفخر والاعتزاز بالقبيلة والنسب؛ وبعض المراثي والوقوفات الاجتماعية التي تعكس قيم عصره.
كمحب للشعر القديم أستمتع بعرض النقاد للـهجاء عند الفرزدق: تلك القطع الطويلة المليئة بالصُرعات البلاغية والحِدَّة اللفظية. النقاد يستشهدون كثيرًا بأبيات من تلك المواجهات لتوضيح مهارته في السخرية والتقريع، وكيف يوظف الصور القوية واللفظ الجريء ليحاصر الخصم شعريًا. كما يذكرون القصائد التي تظهر حس الفخر لدى الشاعر، خاصة تلك التي يهجو فيها الغُرور ويؤكد نسبه ومكانة قبيلته.
أحب كذلك ملاحظات النقد حول مدائحه؛ فهم يعتبرون أن الفرزدق يوازن طويلاً بين المديح الحقيقي والمغازلة السياسية، ما يجعَل بعض قصائده مرآة للعلاقات الاجتماعية في العصر الأموي. في النهاية، عندما أقرأ ما يذكره النقاد عن 'ديوان الفرزدق' أشعر أنّهم لا يقتصرون على تعداد القصائد الشهيرة، بل يحاولون تفكيك آليات الخطاب فيه: الهجاء، الفخر، المديح، واللغة البلاغية التي تجعل صوته واضحًا عبر القرون.
لما أغوص في سِجال 'الفرزدق' و'جرير' أحس أنني أمام لوحتين مختلفتين لعالمٍ شعري واحد. 'الفرزدق' يظھر لي كصوتٍ قويٍ ممتدّ، يعتمد الحشد البلاغي والتراكيب الطويلة والانفعال القبلي؛ في هجائه وفخره تبرز مفردات مأخوذة من بيئة العشيرة والاحتكاك القبلي، مع ميل للشدّة والإفراط في بناء الصور الحماسية. هذا الأسلوب يجعل صوته يبدو كأنه يصرخ للمساحة العامة، يطالب بالعدالة الشرفية ويستعرض الشجاعة والكرم أمام الجمهور.
مقابل ذلك، 'جرير' يبدو أكثر اتزانًا ورشاقة في التصريحات؛ كلامه أنيق، نباتي في التشبيه، يعتمد على لَطْفِ العبارة وضرْبِ النِّدِّ بالأقصر ما يمكن. ميزة 'جرير' هي صوته الساخر الحاد الذي يصل إلى القلب بسرعة، وامكاناته في جعل الهجاء أقصر وأكثر فعالية دون التضحية بالبلاغة. لذلك كثيرًا ما يشعر المستمع أنه أمام شاعر يحسب كلماته بعناية ويستهدف نتيجة سريعة في المتلقّي.
لكن لا أشطب فكرة التشابه: كلاهما يعمل ضمن تقاليد القصيدة العربية الكلاسيكية، يتقاسمان الأوزان والأغراض الشعرية (الفخر، الهجاء، المدح، الرثاء)، وغالبًا كانا يتقلبان في أدوات البلاغة نفسها. الفارق إذًا واضح في النبرة والنهج والآلية: واحدُ يميل إلى الامتلاء والامتداد، والآخر إلى الاختزال والضربة القاطعة. بالنهاية، هذا التباين هو ما جعل سجالهما محببًا وذا تأثير طويل في ذاكرة الأدب العربي، ويثير عندي دائمًا رهبة أمام قدرة اللغة على التشكل بحسب شخصية الشاعر.
أذكر نقاشات طويلة دارت في مكتبات ومقاهي الأدب عندما قررت البحث عن مكان دفن الفرزدق، وللصراحة لم أجد حكاية واحدة حاسمة—بل مجموعة من الشواهد المتضاربة. معظم المراجع التقليدية تميل إلى القول إنه دُفن في البصرة، وذلك لأن كثيراً من روايات السيرة تذكر عودته إلى العراق وقضاءه لآخر أيامه هناك، كما أن كتّاب الأنساب والتراجم مثل ابن خلكان في 'وفيات الأعيان' يسجّلون أن البصرة كانت موطنه الأخير.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل رواياتٍ أخرى تُشير إلى دمشق أو إلى أن له أتباعاً في الشام نقلوا ذكراه وادّعوا وجود قبره هناك. هذا النوع من التشتت شائع مع شعراء العصر الأموي؛ الشهرة لدى الخليفة أو الاحتكاك بالديوان الدمشقي يمكن أن يولّد سرداً محلياً يضع الشخصية في بؤرة المدينة. شخصياً أميل إلى أن الأرجح هو البصرة وفق مصادر السجلّات التاريخية، لكني أقدّر تماماً سبب استمرار الروايات الدمشقية: الفرزدق عاش جزءاً من حياته في محيط البلاط، وتأثيره الثقافي امتدّ إلى الشام، فالتقارير المتداخلة تخلق ضبابية تاريخية لا تختفي بسهولة.
لا أخفي أنني مفتون بحكايات الشعراء العرب القدامى، والفرزدق يظل من أكثر الأسماء إثارةً عندما نتكلم عن الهجاء وتأثيره.
أرى الفرزدق كشاعر استخدم هجاءه كأداة يلجأ إليها للدفاع عن شرف قبيلته ولفرض وجوده في ساحات القوة الأدبية والسياسية. قصائده الهجائية لم تكن مجرد كلمات جارحة؛ كانت تُلقى في مجالسٍ عامة تُسجلها الذاكرة الشفوية، وتنتشر بسرعة بين الناس، فأحيانًا تهين الخصم أمام مجتمع كامل. أشهر سلاسته الهجائية كانت في مواجهة منافسيه من أمثال جرير والأخطل، والمقارنة بينهما لم تكن مجرّد لعبة شعرية، بل كانت معارك مَن يكسب السمعة والولاء والرعاية.
التأثير الخارجي لهذه القصائد كان حقيقياً؛ فقد أذكى عداوات، وجلب انتصارات اجتماعية للشاعر، وفي أحيان نُسبت لها عواقبٍ سياسية أو شخصية على من استُهدفوا. لذلك، أعتقد أن هجاء الفرزدق أثّر فعلاً في خصومه — ليس بسبب كلماته فقط، بل لأن الشعر في ذلك الزمن كان يقوّي أو يضعف مكانة الإنسان بين الناس والسلطات. يبقى انطباعي أن قوته الحرفية وموقفه الجريء جعلاه رمزًا للهجاء الذي لم يُستهان به، وإنهاء الأمور لم يكن مجرد بيت شعر بل قرار يُشعر المجتمع بتبعاته.
ما يدهشني في 'ديوان الفرزدق' هو كمّ القوة والحدة الموجودة في هجائه، وهو شيء لا يختفي بسهولة حتى بعد قرون.
الفرزدق كان شاعراً من طراز خاص: هجاءه غالباً طويل ومفصل، يتضمن سرداً للأحداث والشماتة والتباهي أمام الجمهور والقبائل. معظم قصائده الساخرة الشهيرة وصلت إلينا ضمن مجموعات الديوان، وبخاصة تلك المواجهات الشعرية مع 'الجرير' التي تُعد من أشهر ما نُقل عنه، لأن الناس حفظت مقاطعها وتناقلتها في المجالس.
مع ذلك، لا يمكن أن أقول إن كل هجائه الأكثر شهرة موجود بالضبط كما صيغ مرة أولى؛ النقل الشفهي والتحرير اللاحق تعنيان أن بعض النصوص وُجدت في نسخ متعددة، وأحياناً حُذفت أو اختُصرت أو نُقحت. لذلك عندما تقرأ 'ديوان الفرزدق' اليوم، فأنت ترى مجموعة واسعة تغطي جزءاً كبيراً من هجائه المعروف، لكن بعض التفاصيل أو النسخ البديلة قد تظهر أيضاً في كتب التاريخ أو مختارات الأدب القديم.
النقطة الأهم بالنسبة لي هي أن الديوان يوفّر لك إحساساً بالموضوعية: تتابع خطوط الخصومة والقبائل واللغو المباشر، فتدرك لماذا ظلت هجائاته حية. حتى إذا لم يكن كل verso محفوظاً كما نود، فالروح هجاءه موجودة في الديوان بلا شك.
أحب العودة إلى نصوص الفرزدق كلما فكرت في تأثير الشعر الكلاسيكي على الذائقة العربية. في قراءتي أراه مُبدِعًا في ضبط المقامات والهجاء والمديح بطريقة جعلت كلامه أقرب إلى ساحة معركة لفظية، وليس مجرد حِكمة على ورق. النزاع الشهير بينه وبين 'جرير' لم يكن مجرد خصومة شخصية، بل مدرسة أدبية علمت الناس كيف تُستَخدم الأبيات كسلاح ولغة للتنافس، وهذا أثر واضح في التقاليد اللاحقة للشعر العربي.
أشعر أن 'ديوان الفرزدق' باقٍ ليس فقط لأنه يحوي أبيات قوية، بل لأن أسلوبه صار مرجعًا لقراءة الأخلاقيات القبلية والسياسية في عصره. الحدة في الهجاء، والاهتمام بالمكانة والشرف، وجرأته في تسمية خصومه جعلت من شعره نصوصًا تُحفظ وتُدرّس وتُناقش. لا أنفي أن بعض مضامينه قد تبدو لنا اليوم متجاوزة أو مهينة، لكن التأثير الفني واضح: صوغه للصور البلاغية وتوظيفه للإيقاع شكّلا معيارًا لطبقات لاحقة من الشعراء.
في النهاية أرى أثر الفرزدق دائمًا لأن الشعر عنده لا ينفصل عن الحياة الاجتماعية: كل بيت يفتح نافذة على زمنه، وعلى قواعد الصراع العربي القديم. هذا البقاء ليس مجرد شهرة تاريخية، بل هو تأثير لغوي ونفسي ظل يرشد كيف يُبنى الخطاب الشعري الإسلامي والعربي في القرون التي تلت.
الدراما الشعرية بين الأخطل وجرير والفرزدق تَحمّسني دائمًا؛ هي أقرب إلى مسرح شعري تُعرض فيه الولاءات والسباب على المسرح السياسي والاجتماعي.
أرى أن الأخطل دخل ساحة الهجاء بجدّ، لكنه لم يكن خصمًا وحيدًا لجرير والفرزدق كما لو كانوا ثلاثيًّا متكافئًا طوال الوقت. الأخطل كان يتميز بصوت مختلف — مسيحي من قبيلة لها حضور قوي، وراعي لمديح الأمويين، فأسلحته كانت هجاءًا مدفوعًا بتحالفات سياسية وأحيانًا دفاعًا عن حزب أو سلطان.
هكذا، المنافسة معه بدت أحيانًا قِصصًا جانبية إلى جانب الحروب الشهيرة بين جرير والفرزدق، لكن تأثيرها لا يقل في بعض اللحظات: عندما كان الأخطل يتجه لهجاء شخص، كان يملك قوة بلاغية تُحرج الخصم وتُبرز ولاءه للسلطة. بالنسبة لي، تلك التوليفة من السياسة، القِبلة الشعرية، ومستوى الحدة جعلت المشهد الأدبي آنذاك أكثر ثراءً وإثارة، وليس مجرد تبادل شتائم بلا معنى.
تذكّرني قصائده دائماً بقوة الساحة الأدبية التي احتلها، وأميل إلى القول إنه حافظ على مكانته الأدبية بدرجة كبيرة حتى وفاته. أكتب هذا وأتخيل نفسي جالساً في مجلس قديم أستمع لمديح وهجاء متبادل: مكانته لم تكن ثابتة بمعنى أنها لم تزد على الدوام، لكنه ظل اسماً لا يمكن تجاهله. قصائده المدح والهجاء، وغزارة ما تركه في 'ديوان الفرزدق' جعلت من نتاجه مرجعاً للدارسين والنقاد لاحقاً.
مرّت عليه فترات من المد والجزر، خاصة مع دخول السياسة والقبائل في وسط القصائد؛ كان له أعداء ومعجبون، وتبادلت الألسن الثناء والذم. رغم ذلك، ما يبقى عندي هو أن قوة لغته ووضوح موقفه وخصوصية صوره الشعرية حافظت على وزنه. لم يختفِ اسمه ولا اختفى تأثير أبياتٍ منها في الذاكرة الأدبية العربية، بل استمر نقّاد الأدب يقتبسون ويحلّلون ويدرسون شعره.
أختم بأن شعور الاستمرارية هنا ليس مرتبكاً بالأحكام السياسية العابرة، بل مبني على وجود نصوص قوية ما زالت تقرأ وتنتقد وتُدرّس، وهذا في رأيي دليل كافٍ على أن الفرزدق لم يفقد مكانته الأدبية حتى وفاته.