أشعر بالحماس لما يحدث الآن في المشهد الأدبي العربي للديستوبيا؛ لأن ما يصدر هذه الأيام ليس حكراً على أسماء كبيرة فقط بل هو مزيج حيّ من أصوات متعددة.
في السنوات القليلة الماضية لاحظت أن دور النشر التقليدية الكبيرة في القاهرة وبيروت ودمشق — مثل دور النشر المعروفة على الساحة الأدبية العربية — ما زالت تصدر أعمالاً ديستوبية بارزة، خاصة عندما يتعلق الأمر بروايات ذات إنتاج جيد وتوزيع واسع. هذه الدور تقدم طباعة ورقية ومزيجاً من حملات تسويق موجهة إلى القرّاء العامين.
بالمقابل، هناك دور نشر مستقلة ومبادرات صغيرة تنتج نصوصاً أكثر تجريباً وجرأة، وبعض الكُتّاب يلجأون للنشر الذاتي أو إلى منصات رقمية لنشر أعمالهم الديستوبية سريعاً والوصول إلى جمهور متخصص. أيضاً أرى أن المهرجانات الأدبية ومعارض الكتب تلعب دوراً في إطلاق إصدارات جديدة، بالإضافة إلى تحويلات صوتية وإصدارات خاصة محدودة الطباعة. في النهاية، ما يعجبني هو تنوّع الجهات المصدِرة: من الكبار إلى المجهولين، كلٌ يقدم رؤية مختلفة ويحفّز المشهد على التجدد.
أذكر دائمًا كيف فتحت علي هذه الروايات أبوابًا جديدة للفهم؛ بالنسبة لي، كانت نقطتا التحول الأساسية هما الأعمال المترجمة التي وصلت جماهير عربية واسعة، وبعض الروايات العربية التي حملت طاقة تمثيلية قوية للواقع.
أولاً، الروايات الغربية المترجمة مثل '1984' و'Brave New World' و'Fahrenheit 451' و'The Handmaid's Tale' وصلت إلى القرّاء العرب في زمن كانت فيه مخاوف المراقبة والقمع والرقابة تتردد في البيوت والصالونات. أنا شعرت حين قرأتها بأن المرآة التي تعكس كوابيس السلطة هنا وهناك واضحة وصادمة، وهذا ما جعل تأثيرها يمتد: لم تكن مجرد قصص خيالية بل دروسًا عملية في قراءة الواقع السياسي والاجتماعي.
ثانيًا، بين الروايات العربية، أعمال مثل 'أولاد حارتنا' و'الكرنك' لنجيب محفوظ، وروايات خالد خليفة مثل 'لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة' لعبت دورًا مختلفًا لكن مهمًا. هذه النصوص لم تدخل بالضرورة في قالب الديستوبيا الكلاسيكي، لكنها حملت عناصر استشرافية أو رمزية للتنكيل بالبشر وفقدان الأمل، فصارت لدى القرّاء مرجعًا للتعرف على أشكال عنف السلطة والتشظي الاجتماعي. بالنسبة لي، مزيج الكتب المترجمة والنصوص المحلية أعاد تشكيل كثير من الحوارات العامة حول الحريات والخصوصية، وكان له أثر ملموس على شغف القرّاء بالخيال الاستشرافي العربي.