قرأت 'Der Turm' كأنني أدخل مدينة كاملة من ورق؛ الرواية ضخمة ومؤثرة بشكل يفوق وصفها. كتبه الألماني أوفه تيلكامب، وهو عمل يمتد عبر سنوات ثمانينيات نهاية جمهورية ألمانيا الديمقراطية، ويركز على حياة طبقة متعلمة في درسدن — أطباء، طلاب، فنانين، وأسر تتصارع مع الرقابة والبيروقراطية والتمييز الاجتماعي. أسلوب السرد واقعي ومفصل للغاية، يغمرك في رائحة المدن المتهالكة والانتظار السياسي، مع مشاهد يومية تبدو بسيطة لكنها تكشف عن طبقات من الخوف والتمرد.
ما أعجبني هو كيف أنّ الرواية لا تتابع بطلاً واحدًا فقط، بل تشكل فسيفساء من الأصوات والقصص الصغيرة التي تشي بانهيار نظام بأكمله. الأحداث الأساسية تدور حول الصراع بين الحرص على البقاء داخل نظام قمعي ومحاولات الهروب أو الاصطدام معه، وتتصاعد التوترات الشخصية والاجتماعية حتى تصل إلى ذروة ما قبل سقوط النظام. هناك أيضاً تأملات حول الفن، الذكريات، والهوية؛ كيف يستجيب الناس للظروف عندما تتشظى الحكايات الرسمية.
المتعة في القراءة هنا جاءت من كثافة التفاصيل والوقع الإنساني؛ لم أشعر أنني أقرأ رواية سياسية بحتة، بل رواية عن الناس الذين يعيشون داخل صندوق زجاجي يتصدع ببطء. انتهيت منها متعبًا وممتنًا في آن، وأحيانًا تتبادر إلى ذهني مشاهد صغيرة منها دون سابق إنذار.
أمسكت بنسخة من 'برج' وكان إحساسي الأول أن الكاتب صنع مدينة قائمة ببرج واحد كأنه قلب العالم كله؛ البرج هنا حجر قديم يقع على تلة تطل على قرية شاطئية، والحدث مصبوب في إطار زمني يميل إلى أواخر العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث، تقريبًا بين القرن الرابع عشر والسابع عشر. الروح في النص غاضرة من صدى الحروب والملوك والتجّار، ومع أن الاسماء والأحداث محددة في القصة، إلا أن الخلفية الزمنية تلمّح إلى عصر القلاع والأساطير البحرية—سفن شراعية، أسواق تبادل، أمراء محليين يتقاتلون على السلطنة، ووباء يهرب خلال السطور.
أحببت كيف أن اللغة تستخدم تفاصيل مادية بسيطة: الفوانيس الزيتية، الحبال، الأحجار الرطبة، لتجعل الزمن محسوسًا، ولأن الحبكات تتقاطع مع مسائل شرف وبيع وشراء النفوذ، تصبح الخلفية الزمنية ليست مجرد إطار بل شخصية بحد ذاتها. البرج ذُكر كمنارة وحصن وسجن، ولهذا فالزمن التاريخي هنا يشكل قواعد السلوك وحدود الإمكانيات للشخصيات.
ختمت القراءة وأنا أفكر أن هذه الرواية تتعامل مع التاريخ كما لو أنه مرآة: ليست مجرد تسجيل لأحداث ماضية، بل محاولة لالتقاط كيف كان الناس يتنفسون ويخافون ويخططون في زمن قلّ فيه الاستقرار. كان ذلك وقتًا خامًا، وترك أثره في كل قرار اتخذته الشخصيات.