1 الإجابات2026-03-30 21:25:37
قراءة عنوان العمل بهذا الشكل تثير عندي إحساسًا بأن الناس أرادوا تلخيص مشروعه الضخم في كلمة واحدة: 'تاريخ'. وفي الواقع، ما أبدعه ابن خلدون لم يكن مجرد سرد للأحداث، بل محاولة موسوعية لشرح أسباب المجرى التاريخي وتصرفات الأمم، فلهذا ارتبط اسمه بعبارة 'تاريخ ابن خلدون' على نطاق واسع.
ما كتبه ابن خلدون في الأصل نُشر باسم طويل ومفصل هو 'كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر'، وهو عنوان يوضح هدفه: تدوين أخبار الأمم والأيام واستنباط العِبر. لكن الجزء الذي سرق الأضواء وأصبح أشهر قطعته هو 'المقدمة' ('المقدمة')، التي قدّم فيها منهجًا تحليليًا يناقش العمران البشري، العصبية، نشوء الدول وسقوطها، والاقتصاد السياسي الاجتماعي بحدود عصره. لقد جعلت قوة هذا المقدّمة من العمل بأكمله يُعرف لدى كثيرين تحت اسم مختصر وواضح أكثر: 'تاريخ ابن خلدون'.
هناك أسباب عملية وثقافية لهذا الاختصار. أولًا، كلمة 'تاريخ' تعطي انطباعًا مباشرًا عن محتوى الكتاب باعتباره مرجعًا زمنيًا للأحداث والأنساب والسير. ثانيًا، الناشرون والباحثون لاحقًا اختصروا العنوان الطويل لطول أوراق الطباعة والكتابة ولتسهيل الإشارة إليه في المؤلفات والدراسات؛ وبالتالي رُبط عمله باسم مؤلفه في مثل هذه الصياغة المختصرة (كما يحدث مع كثير من الكتب الشهيرة التي يأخذها الناس باسم مؤلفها). ثالثًا، الترجمة الغربية ونشاط المستشرقين لعب دورًا في ترسيخ هذا الاسم المختصر في المكتبات الأكاديمية، فترجمة وترويج جانب التاريخي السردي جعلت من 'تاريخ ابن خلدون' عنوانًا مألوفًا للغرب قبل أن يصبح شائعًا في بعض الطبعات العربية الحديثة.
من ناحية جوهرية، وصف العمل بـ'تاريخ' صحيح لكنه غير كامل: ابن خلدون لم يكتفِ بجمع الأحداث، بل بحث في علتها ومفارقاتها؛ أراد أن يضع قواعد ونظريات تُفسر حركة التاريخ—وهذا ما يجعل 'المقدمة' تستحق الاهتمام المستقل. لذلك عندما تقرأ العمل مترجمًا أو معتملًا باسم 'تاريخ ابن خلدون'، ستجد سردًا تاريخيًا غنيًا ومقارنات أنثروبولوجية وسياسة واجتماعًا اقتصاديًا، وهي مزيج نادر بين المؤرخ والمفكِّر الاجتماعي.
في النهاية، يمكنني أن أقول إن تسمية العمل 'تاريخ ابن خلدون' تعبير عملي وشعبي لعمل أعظم كثيرًا من مجرد سجل أحداث؛ إنها علامة على أثره وشهرته، وقراءة هذا العمل تكشف لك أنه ليس مجرد تاريخ يُروى، بل رؤية تحليلية لصناعة الأمم وصعودها وهبوطها، وهذا يجعل الكتاب ممتعًا ومفيدًا لأي قارئ يحب أن يفهم لماذا تجري الأمور كما تجري عبر الزمن.
4 الإجابات2026-03-18 01:22:32
صوت المدينة القديمة في قرطبة يخطر ببالي أول ما أفكر في ابن رشد: وُلد ونشأ في بيئة غنية بالكتب والنقاشات القانونية والدينية، وفي بيت كانت العائلة فيه متداخلة مع شؤون القضاء والعلم. تربيته داخل هذا المحيط جعلت منه شخصاً عملياً ومنطقي التفكير، لا يكتفي بالنقاش النظري بل يبحث عن تطبيق الفكرة في المدرسة والمدينة والمحكمة.
القرن الثاني عشر في الأندلس لم يكن منعزلاً؛ كانت المكتبات مليئة بنصوص الفلسفة اليونانية مترجمة إلى العربية، وأماكن التعليم والمساجد تضج بمناقشات تجمع مسلمين ويهوداً ونصارى. هذا الخليط الفكري منح ابن رشد القدرة على مزج الفلسفة بالأصول الإسلامية بطريقة جريئة، إذ سعى لشرح أفكار 'أرسطو' وربطها بالفكر الشرعي. التجربة العملية كطبيب وقاضٍ أيضاً غذت اهتمامه بالمنهجية والتجربة، فألفاظه وأسلوبه يظهران مزيجاً من الدقة العلمية والالتزام القانوني.
لكن لم تكن جميع الرياح مواتية؛ التوترات السياسية والدينية تحت حكم الموحدين أدت إلى تقييد بعض آراءه في مراحل لاحقة ونفيه إلى مناطق أخرى، مما أثر على إنتاجه وسمعته في حياته. برغم ذلك، أثرُ بيئته القرطبية بقي واضحاً في أعماله: عقلانية منفتحة وتحرٍّ عن النصوص، وهو ما جعلني أقدّر كيف يمكن لمدينة أن تصنع مفكراً.
1 الإجابات2026-03-30 23:53:11
ما يثيرني دائمًا هو صورة ابن خلدون وهو يجمع ملاحظاته كأنها فسيفساء من لقاءات وروابط ورتوش شخصية قبل أن يضعها في كتابه الكبير؛ هذا الجمع لم يكن مقتصراً على مكتب واحد أو يوم واحد بل كان مشروعًا امتد عبر سنوات من السفر والعمل والاطلاع. في الجوهر، نظم ابن خلدون ملاحظاته في تدوينات خاصة وعقود من المراسلات وخطوط أبحاثه التي تحوّلت لاحقًا إلى ما نعرفه اليوم كجزء من 'المقدمة' في 'كتاب العبر'. 'المقدمة' هنا ليست مجرد مدخل تقليدي للتاريخ، بل هي خلاصة ملاحظات منهجية عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبشرية جمعها من واقع تجربته ومراجعته للوثائق والكتب.
خلال حياته تنقل ابن خلدون بين مدن مثل تونس وفاس والقيروان ثم القاهرة، وخدم في دواوين البلاط وشارك في الشؤون السياسية، فكل ذلك وفر له مصادر مباشرة للملاحظة: محاضر الدواوين، وصحف القضاة، ومحاضر الجلسات الرسمية، بالإضافة إلى أحاديث الناس وذكريات القبائل والرحالة. كما استعان بالكتب والمصادر القديمة التي كان يتاح له الاطلاع عليها في مكتبات المدن التي زارها، فكان يقرأ المؤرخين السابقين، يجمع القصص، ويقارن بين الروايات، ويضع ملاحظاته النقدية على كل ما لم يقتنع به. باختصار، جمع مادته من أربعة مصادر متداخلة: التجربة الشخصية والخدمة السياسية، الأرشفات والوثائق الرسمية، المكتبات والمخطوطات، وشهادات الشهود والأنساب الشفوية.
ما يميز طريقة جمعه أن الملاحظة لم تكن عشوائية بل كانت منهجية؛ ابن خلدون ألفَ قسماً نظريًا ('المقدمة') يشرح فيه أسس العمران البشري وعلل قيام الدول وسقوطها، وهي خلاصة لملاحظاته الميدانية ومراجعته للكتب. وبالنسبة إلى باقي أجزاء 'كتاب العبر' فقد ضمّها كمجموعة قصصية وتاريخية مُدققة نسبياً استقى بعضها من روايات معتبرة وبعضها من مصادر شفهية، مع نقده الدائم للمبالغات والأساطير التي كان كثير من المؤرخين يوردونها بلا تمحيص. كذلك كان يستغل الشعر والأنساب كمخزون معلوماتي يساعده على تتبع القبائل ونموذجيات الحكم والاقتصاد.
أحب أن أتخيل ابن خلدون وهو جالسًا في زاوية مكتبة في القاهرة، يكتب ملاحظة عن طبائع البدو ثم يقلب صفحة في مخطوط قديم ليقارن سردًا تاريخيًا بما رآه بعينه؛ هذا المزج بين الميداني والنظري هو ما يجعل 'المقدمة' وثيقة فريدة: نتاج ملاحظات جمعها من الدواوين والطرق والمكتبات ومن دفاتر شخصية ونقل شفهي، ثم نظمها بعين ناقدة لتصبح أساس 'كتاب العبر'. القراءة في طريقة جمعه للمعلومات تعطيني إحساسًا بقيمة التجربة المباشرة حين تُقنعها أعين العقل النقدي والاطلاع الواسع، وهذا ما يحفظ لملاحظاته صداها حتى اليوم.
1 الإجابات2026-02-19 09:08:11
أجد فكر عبد الرحمن بن خلدون مثل عدسة ذكية تخلّصنا من النظرة السطحية للتاريخ وتجعلنا نفكّر كأننا نصمّم عوالم قابلة للملاحظة والتجربة — وهذا بالضبط ما تفعله ألعاب الفيديو التعليمية عندما تحاول تحويل مفاهيم اجتماعية معقدة إلى أنظمة قابلة للعب والتعلّم.
ابن خلدون في 'مقدمة ابن خلدون' قدّم أدوات تفسيرية لا تقتصر على السرد التاريخي، بل تمتد إلى فهم الديناميكيات الاجتماعية: العصبية كقوة تجمع المجتمع، دور الاقتصاد والزراعة والتجارة في قوة أو ضعف الدولة، ودورات الصعود والهبوط التي تعيد تشكيل البنى السياسية. هذه الأفكار تصلح تمامًا لتشكيل نواة نماذج محاكاة في الألعاب التعليمية. بدل أن تُعطى للطلاب حقائق جامدة، يمكن أن تُعرض لهم عوالم تتفاعل، حيث تزداد أو تنقص 'العصبية' حسب السياسات، وتنهار المدن إذا فُقدت الترابط الاجتماعي أو إذا ظلّ النظام الاقتصادي غير متوازن.
من ناحية عملية، معظم التأثير الذي نراه الآن هو غير مباشر: مصممو الألعاب يستعيرون من منطق النظام والديناميكية الذي تحدث عنه ابن خلدون دون أن يذكروه بالاسم. أمثلة واضحة تظهر في ألعاب مثل 'Civilization'، حيث الدورات الحضارية، صعود الإمبراطوريات وسقوطها، وتعاقب الأنماط الاقتصادية والسياسية؛ أو في 'SimCity' و'Banished' حيث تتجسّد أفكار التخطيط الحضري، الموارد، والتناسق الاجتماعي في أنظمة قابلة للقياس. حتى في ألعاب محاكاة النبلاء مثل 'Crusader Kings' ترى كيف تؤثر الروابط العائلية والولاءات (نوع من العصبية) على استقرار السلالة. للمصممين التعليميين، هذه الألعاب تُعدّ مختبرات ممتازة لتجسيد أفكار ابن خلدون: يمكن أن يحسبوا مستويات التماسك الاجتماعي كقيمة قابلة للتغيير، ويجعلوا الفساد أو توزيع الثروة يؤثران على إنتاجية المدن والجيش، ويُظهِروا كيف تؤدي عوامل بيئية أو اقتصادية إلى دورات تاريخية متوقعة.
من زاوية المنهجية والتعليم، تطبيقات فكر ابن خلدون في الألعاب التعليمية يوفّر نتائج قوية: أولًا، يعزّز التفكير المنظومي لدى اللاعبين — فهم كيف تؤثر المتغيرات البسيطة على نتائج بعيدة الأثر. ثانيًا، يمكن للألعاب أن تُدرّب الطلبة على النقد التاريخي عبر مهام تتطلب فحص مصادر داخل اللعبة، مقارنة روايات مختلفة، وتكوين فرضيات تفسّر انهيار أو ازدهار مجتمع افتراضي. ثالثًا، التعلم التجريبي — حيث يجرّب اللاعب سياسات بديلة ويلاحظ النتائج — ينسجم مع روح ابن خلدون في البحث عن الأسباب والنتائج بدل الحفظ. المصمّم الجيد يمكن أن يضع تحديات تقييمية، مثل محاكاة أزمة اقتصادية أو اندلاع حروب أهلية، ويطلب من المتعلّم أن يشرح السبب ويقدّم حلولًا مبنية على فهم ديناميكي.
أحب كيف أن هذا الجسر بين الفلسفة التاريخية وتصميم الألعاب يجعل التعلم حيًّا. رؤيتي أن مزيدًا من الألعاب التعليمية سيتبنّى عناصر ابن خلدون صراحةً — أو ضمنيًا — عبر نمذجة العصبية، دوائر القوة، وتأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية على مصير الشعوب. هذه الطريقة لا تجعل التاريخ مجرد سرد، بل مختبرًا نقدر أن نختبر فيه نظريات ونبني فهمًا عميقًا للعالم الاجتماعي بطريقة مسلّية وتفاعلية.
4 الإجابات2026-03-29 07:15:49
من بين الشخصيات التي لا تفارق ذاكرتي عند الحديث عن رواد الفكر الإسلامي يأتي اسم عبد الرحمن بن خلدون بسرعة، وأحب أن أبدأ بالحقائق البسيطة قبل أن أتحول إلى شغفي بالتفاصيل. وُلد ابن خلدون في 27 مايو 1332م في مدينة تونس، وتوفي في 17 مارس 1406م في القاهرة. هذان التاريخان يحددان إطار حياته الزمني الذي امتد عبر حقبة مضطربة مليئة بالسفر والسياسة والتأمل الفكري.
أنا أقدّر أن هذه التواريخ ليست مجرد أرقام؛ فهي تمثل رحلة حياة كاملة: نشأ في بيئة نخبوية، خاض تجارب إدارية وسياسية متكررة، وكتب في نهاية المطاف ما جعل اسمه خالدًا؛ خصوصًا كتابه الشهير 'المقدمة' الذي أعتبره واحدًا من أعظم أعمال التأمل الاجتماعي والتاريخي. عندما أقول إن ولادته ووفاته مهمة، فأنا لا أعني فقط تحديد العمر، بل فهم السياق الذي أنتج فيه هذا الفكر. بهذه النظرة البسيطة أشعر دائمًا بالقرب من شخصيته وأفكر كيف يمكن لتجربة فرد أن تغير طريقة فهمنا للمجتمعات.
4 الإجابات2025-12-10 17:29:10
أحب دائمًا تخيل المشهد الذي جلس فيه ابن خلدون يكتب أفكاره لأول مرة على أوراقه؛ الجو السياسي والانتقال بين المدن كانا بمثابة خلفية لاختراعه الفكري. تم تأليف 'المقدمة' نحو منتصف سبعينيات القرن الرابع عشر الميلادي، ويُذكر عادة أن التاريخ التقريبي لإتمامها هو سنة 1377م. هذا العمل لم يولَد من فراغ، بل هو خلاصة تأملات سنوات من الخبرة السياسية والإدارية والدراسات التاريخية التي تراكمت لديه.
من الصعب أن نحدد بدقة كم استغرقت عملية الكتابة بالأيام فقط، لأن ابن خلدون لم يكتبها ككتاب مستقل في لحظة واحدة؛ بل صاغها كمقدمة لعمل أوسع هو 'كتاب العبر'، وعمل عليها بوصفها نصًا منظّمًا ومنقحًا بعد سنوات من الملاحظات. يمكن القول إن تحضير وصياغة 'المقدمة' نفسه استغرق عدة أشهر إلى بضع سنوات، مع مراجعات وإضافات أثناء تنقّله وفي فترات التوقف عن العمل السياسي. أما المشروع الأكبر لكتابة 'كتاب العبر' فقد امتد لفترة أطول تخللتها كتابات لاحقة وتنقيحات، مما يجعل الفترة الزمنية للعمل كله ممتدة وعبر مراحل متعددة.
4 الإجابات2026-01-21 22:58:51
أذكر جيدًا أول ورشة تدريبية حضرتها حول التقنية في إحدى مدارس ابن خلدون؛ كانت تجربة بسيطة لكنها مليئة بالتفاصيل العملية التي لم أتوقعها.
في العادة، يتم تنظيم دورات تدريب المعلمين على التقنية عبر مجموعة من المواقع: مراكز التدريب التابعة لمديرية التربية، و'مركز مصادر التعلم' داخل المدرسة نفسه، وأحيانًا في قاعات بجامعات محلية تتعاون مع الوزارة. كثير من التدريب اليوم صار هجينًا — جزء عملي داخل المختبرات الذكية للمدرسة وجزء نظري عبر منصات إلكترونية مثل 'إدراك' أو دورات معتمدة أخرى.
تجربتي أظهرت أن أفضل التدريب هو الذي يجمع بين عرض الأدوات (أجهزة لوحية، سبورات تفاعلية، برامج إدارة صفية) وتدريب عملي على تصميم درس يدمج التقنية تدريجيًا. كما أن المتابعة اللاحقة والملاحظة الصفية من مدرِّب ميداني تجعل المهارات تترسخ بدلًا من أن تبقى مجرد نظرية. أنا خرجت من تلك الورشة بثقة أكبر في كيفية دمج تطبيق بسيط في خطة الدرس، ووجدت أن الزملاء الذين اتبعوا نفس المسار صاروا أكثر استعدادًا لتجربة أدوات جديدة بالفعل.
1 الإجابات2026-03-30 10:48:17
أجد قراءة تفسير ابن خلدون لنشوء الدولة ممتعة كمتابعة سلسلة تاريخية ذكية ومليئة بالمشاهد الحيّة. في 'المقدمة' يركّز ابن خلدون على عامل مركزي يسمّيه العصبية: ذلك الرابط الاجتماعي القوي بين الناس، غالبًا القائم على النسب والقرابة أو على الصداقة والجماعة، والذي يدفعهم للتعاون والتضحية في سبيل مجموعة واحدة. بالنسبة له، تنشأ الدولة عندما تمتلك جماعة عصبية قوية القدرة على فرض سلطتها على مجتمعات أكثر رفاهًا أو أقل اتحادًا؛ غالبًا يكون هذا عبر البدو أو القبائل التي، بقوة انضباطها وتماسكها، تفرض الأمر على الحواضر المدنية الضعيفة. هذه الفكرة تُحوّل نشوء الدولة من حادثة فردية أو تدخّل إلهي إلى نتيجة اجتماعية ملموسة تعتمد على تماسك البشر ونوع معيشتهم.
ثم يتوسع ابن خلدون إلى شرح كيفية تحول تلك الجماعة الملتزمة إلى مؤسسة دولة قائمة بذاتها: بعد الفتح تأتي مرحلة التأسيس، يتولّى القائد أو الأسرة الحاكمة تنظيم الضرائب، توزيع الأراضي، حماية الطرق، وإقامة نظام قضائي بدائي. هنا يدخل بوضوح بعدٌ اقتصادي: الدولة تحتاج موارد من الزراعة والتجارة والحِرف لتدفع لمقاتليها ولتبني أجهزة الحكم. يلفتُ النظر إلى قانون غير مكتوب في فكره عن الضريبة ــ إنها إذا أصبحت مرتفعة جدًا تُقوّض الإنتاج وتُنهي مصدرها؛ أما إذا كانت معقولة فإنها تُبقي الجهاز الحكومي حيًا. ومع الوقت، ومع رَقيّ المعيشة في المدينة وامتلاء قصور الحاكمين بالترف، تضعف العصبية، ويبرز تمايز طبقي وفشل في تحمّل الضغوط العسكرية أو الاقتصادية. هنا يدخل دورة الانحطاط: جيلان أو ثلاثة من الرفاهية تكفيان لتحوّل الأسرة الحاكمة إلى جسم رخو، فتظهر حركات جديدة ذات عصبية أقوى تُطيح بها وتبدأ دورة جديدة.
طريقة ابن خلدون في التحليل مدهشة لأنها تجمع بين التاريخ والنظرية الاجتماعية والاقتصاد العام، دون الاعتماد على الميتافيزيقا فقط. ينظر إلى التاريخ كقواعد قابلة للرصد والتكرار، ويعطي أمثلة تاريخية من حركات البدو والأسر الحاكمة التي شهدها العالم الإسلامي ليبرهن فكرته عن الصعود والهبوط. ما أُحبه في قراءته أن أيقظ عندي حسًّا دراميًا: الدولة ليست شيئًا ثابتًا بل نتيجة معركة مستمرة بين القوى الاجتماعية والاقتصادية والنفسية. في عالمنا المعاصر تبدو هذه المنظومة قابلة للتأويل على حركات العصبيات الحديثة (أفكار، أحزاب، حركات اجتماعية)، وعلى كيفية نشوء مؤسسات الدولة وتآكلها.
أخيرًا، تفسير ابن خلدون يبقى عمليًا وبشريًا: يشرح كيف يلتقي القِيَم والاقتصاد والمصالح لخلق كيان يُدعى دولة، ثم كيف تقوده الطبيعة البشرية نحو الترف والانحدار ما لم تُجدّد عصبيتها أو تجددها قوة أخرى. هذه الدائرة تجعل التاريخ مشهدًا متجددًا لا يملّ منه، وأجد في قراءة ابن خلدون رفيقًا يفك رموز هذا المشهد بتوازن بين الحنكة العقلية وسردٍ يشبه الحكاية الشيقة.
3 الإجابات2025-12-10 14:33:08
قرأتُ 'المقدمة' بشغف طويل، وكانت كاشفة أكثر مما توقعت؛ لم تكن مجرد كتاب تاريخ بل مختبر فكر بحد ذاته. في أول لحظةٍ تتلمست فيها كتاباته لاحظت منهجية واضحة تعتمد على الملاحظة والمقارنة وليس الحكايات السطحية، وهذا ما جعله أقرب إلى عالمٍ يجمع بين التاريخ والاجتماع والسياسة والاقتصاد.
أحببت كيف صنّع ابن خلدون مفهوم 'العصبية' ليس كمجرد نزعة بدائية بل كقوة اجتماعية تُفسر تماسك الجماعات ونشوء الدول وسقوطها. شرحه للعلاقة بين القوة والسلطة والاقتصاد والضرائب يذكّرني بتحليلات حديثة حول المؤسسات والاقتصاد السياسي؛ كان يتعامل مع الضريبة كعامل مفصلي في استقرار الدولة أو انهيارها.
أثّر على فهمي للتاريخ كعملية ديناميكية: دور البداوة مقابل الحضر، كيف تتآكل العصبية مع الترف وكيف يستبدلها بيروقراطية تتآكل بالمقابل. كما أن نقده للمصادر والأساطير فتح أمامي نافذة على كيفية قراءة التاريخ بعين نقّادة. في النهاية، أشعر أنه كتب لنقرأ العالم لا لنروي ماضياً جميلاً، وهذا ما يجعل أثره حيّاً في كل مرة أراجع فيها تحليلاً اجتماعياً أو سياسياً.
3 الإجابات2026-06-22 06:01:30
أعتقد أن الأمر يبدأ من تلك القرية النائية المطلة على البحر، حيث تعيش عائلة ابنة القاتل في 'ممر الرياح الشمالية' - هذا ما قرأته في الرواية وأثر فيّ بعمق. أصولهم تعود إلى قبيلة صيادين قديمة كانت تمارس طقوسًا غامضة، وهذا الإراث جعل ابنتهم تحمل تلك النظرة الحادة التي لا تخطئها العين. في البداية ظننت أن مجرد خلفية عائلية عادية، لكن مع تطور الأحداث اكتشفت أن هذه الأصول هي مفتاح حل اللغز الأكبر.
هذا التراث البحري جعلها تفهم لغة الأمواج وتقرأ العلامات المخبأة في الصخور، وهو ما استخدمته لاحقًا لكشف الممر السري الذي يربط منزل العائلة القديم بقصر الحاكم. بدون هذه المعرفة الموروثة، كانت الحبكة ستنهار تمامًا. الأكثر إثارة أن جذورها العائلية جعلتها هدفًا للعصابة التي تبحث عن كنز مدفون منذ قرون، فكل تحركاتها مرتبطة بهذا الإرث القديم.
ما أدهشني حقًا هو كيف استخدم الكاتب هذه الخلفية لبناء صراعات داخلية. ابنة القاتل كانت تمزقها مشاعر متضاربة بين فخرها بأصولها وخوفها من أن تكون مجرد أداة لتحقيق نبوءة قديمة. المشهد الذي تتأمل فيه الكتاب العائلي القديم والمكتوب بخط الجد الأكبر كان من أقوى لحظات الرواية، لأنه أظهر كيف أن الماضي ليس مجرد ظل، بل كيان حي يوجه الحاضر.