كنتُ طالبًا جامعيًا مهتمًا بالمسرح والشعر، ولاحظتُ أن صلاح عبد الصبور شرَع في التجربة المسرحية الشعرية في نهاية خمسينيات القرن العشرين، ثم تابع تطويرها خلال الستينيات. التحول لم يكن مفاجئًا لي؛ فقد بدا واضحًا أنه يبحث عن شكل يخاطب الجماهير ويغني المشهد الفني في فترة حافلة بالتجارب.
ما أعجبني هو كيف أن المقاطع الشعرية عنده لا تبدو وكأنها ألصقت على النص، بل هي جزء من بنية الحوار الدرامي؛ الإيقاع، التكرار، والتصاعد العاطفي كلها عناصر شعرية خدمت البناء المسرحي. بالنسبة لقراء الشِعر والمسرح، هذه الحقبة من إنتاجه تُعتبر محطة مهمة في تاريخ المسرح العربي الحديث، لأنها أتاحت مساحة لتقاطع الفنون والأجناس دون أن تخسر كل واحدة هويتها.
2026-04-04 12:31:45
15
Delilah
متذوق
عامل
هناك مسار واضح في اشتغال صلاح عبد الصبور على المسرح الشعري بدأ بالمساعي الأولى أواخر الخمسينيات وازدهر خلال الستينيات، وهو ما يجعل عمله جسرًا بين قصيدة النثر والتجارب المسرحية الحديثة. أرى في هذا الانتقال تفاعلًا مع موجات التجديد الأدبي آنذاك، إذ لم يكتفِ بتوظيف الشعر كزينة بل جعل منه آلية درامية تقوم على الإيقاع والرمز والتصوير.
من زاوية نقدية، يبدو أن ظروف ما بعد ثورة 1952 والاضطراب الاجتماعي والسياسي منحته دافعًا لإخراج الشعر من الصفحات إلى العروض. النص عنده يتحول إلى حدث حي، يعتمد على انفعال الممثل ومساحة الخشبة، وفي هذه العملية يصبح المشاهد شريكًا في إتمام المعنى، لا مجرد متلق. قراءة أعماله المسرحية تمنحني إحساسًا بقدرة الشعر على تجاوز خطاب الذات الفردية والانخراط في صيغة مجتمعية أكثر توسعًا.
2026-04-06 23:35:42
9
Declan
محب روايات
رسام
أمضيتُ وقتًا أسترجع فيه نبرة المسرح عند صلاح عبد الصبور، ووجدتُ أن بداياته في كتابة المسرحيات الشعرية تعود إلى أواخر الخمسينيات، لكنها تبلورت فعليًا خلال الستينيات.
بدأت محاولاته الأولى كرد فعل للمتغيرات الاجتماعية والسياسية في مصر بعد منتصف القرن العشرين، فالشعر عنده لم يعد قصيدة تقليدية فقط بل صار وسيلة لبلورة حوار درامي على خشبة المسرح. خلال الستينيات، ازداد اعتماده على اللغة الشعرية داخل النص المسرحي، حتى كوّن نمطه الخاص الذي يمزج بين الإيقاع الشعري والحوارات الدرامية.
أشعر أن هذه المرحلة كانت تحوّلًا طبيعياً له؛ إذ كان يسعى لتوسيع آفاق الشعر وإيصاله إلى جمهور أوسع عبر الأداء المسرحي، فالمسرح عنده لم يكن مجرد عرض بل تجربة لغوية وتجسيدية. هذا الخيط بين الشعر والمسرح هو ما يجعل قراءته ممتعة ومختلفة عن الشعر النثري الصرف.
2026-04-08 05:19:26
13
Quentin
قارئ خبير
مصور
خلال قراءتي لأعماله، شعرت أن صلاح عبد الصبور بدأ يكتب المسرحيات الشعرية في أواخر الخمسينيات وواصل تطويرها خلال الستينيات. النتيجة عندي كانت مزيجًا مدهشًا من اللغة المكثفة والحركة المسرحية، حيث تتحول الصورة الشعرية إلى فعل على الخشبة.
هذه المرحلة من كتاباته تبدو لي محاولة لبلورة خطاب شعري يواجه الجمهور مباشرة، ويستخدم الإيقاع والصوت لخلق تجربة مسرحية مختلفة — تجربة تظل في الذاكرة بعد انتهاء العرض.
2026-04-09 05:53:48
9
すべての回答を見る
コードをスキャンしてアプリをダウンロード
関連書籍
اصفاد عشق
HeartInk
0
371
لم أكن أعرف أن للحرية رائحة إلا حين فُقدت، ولم أدرك أن الشمس كانت صديقتي الوفية إلا حين أصبحتُ سجينة الظلال. ولدتُ كريح الشمال، لا يحدّني أفق ولا يحبس أنفاسي قيد، كنتُ تلك الفتاة التي تركض في الحقول وتظن أن العالم بستانٌ كبير ينتظر خطواتها. لكن كل شيء تغير في تلك الليلة المشؤومة، حين تقاطعت طرقي مع كائنٍ لا ينتمي لعالم الأحياء، كائنٍ يسكن العتمة ويتنفس الصمت.
اختطفني من عالمي الجميل ليقيدني في مملكته الباردة، داخل أسوار هذه القلعة التي تفوح منها رائحة الزمن والغموض. لم يكن اختطافه لي جسدياً فحسب، بل كان حصاراً لروحي التي بدأت تذبل خلف قضبان ذهبية. هو لا يناديني سجينة، بل يهمس في أذني بكلمات العشق والتملك، يدّعي أن غيرته القاتلة هي درعٌ يحميني من العالم، وأن تحكمه في كل شهيق وزفير لي هو قمة الوفاء.
لكنه عشقٌ مسموم، عشقٌ يرتدي عباءة "أصفاد" تخنق كبريائي.
أقف اليوم في هذه الممرات المظلمة، مشتتة بين قلبٍ يرتعد من سطوته وجاذبيته الغامضة، وبين روحٍ تصرخ بملء صوتها للرحيل. أراقب انعكاس وجهي في المرايا القديمة؛ فتاةٌ جميلة الملامح لكن عينيها تحكيان قصة ضياعٍ لا ينتهي. هل هذا هو الحب الذي تغنى به الشعراء؟ أم أنه سجنٌ بنته أنانية رجلٍ لا يعرف كيف يترك من يحب حراً؟
بين جدران "أصفاد عشق"، تبدأ معركتي الكبرى. لستُ بصدد الهروب من قلعة حجرية فحسب، بل أنا بصدد التحرر من سطوة الخوف الذي زرعه في أعماقي. هل سأختار البقاء تحت ظله الآمن والموحش في آنٍ واحد؟ أم سأجمع شتات نفسي المبعثرة، وأكسر هذه القيود اللعينة لأستعيد حياتي التي سُرقت مني؟
الطريق إلى الحرية طويل، والليل في هذه الغابة لا ينتهي، لكنني أعلم يقيناً أن الروح التي تذوقت طعم الرياح يوماً، لا يمكن أن ترضى بالعيش للأبد خلف أصفاد عشق.
سارة، الشابة الرقيقة والقوية، التي تقع ضحية لمؤامرة عائلية وتجد نفسها مجبرة على الزواج من رجل الأعمال الغامض والقاسي سعد.
يدخل سعد هذا الزواج مدفوعاً برغبة عارمة في الانتقام من عائلة سارة بسبب ذنب وأسرار قديمة من الماضي، محاولاً كسر كبريائها وتحويل حياتها إلى سجن داخل قصره البارد.
تبدأ القصة بـ"الرقصة الأخيرة" لراقصة تُدعى ليان في ساحة الإعدام. ومن خلال السرد العكسي، نكتشف أنها منذ طفولتها كانت تخضع لتدريبات قاسية تحت مراقبة والدها الصارم وخادمة غامضة، حيث كان والدها يرى أن الكمال يفوق كل شيء.
عندما كبرت، أصبحت ليان راقصة مشهورة، لكنها تفاجأت خلال أحد عروضها بقلادة تركها شاب غريب يُدعى آدم عمدًا، وهي القلادة التي كانت تعود لوالدتها "المتوفاة". تتبع ليان الخيوط وتتمكن من التسلل إلى غرفة سرية، لتكتشف أن والدتها لم تمت أبدًا، وأن كل الذكريات التي عاشت عليها طوال حياتها لم تكن سوى أكاذيب.
الشاب الوسيم "سليم"، يجد نفسه فجأة مجبراً على إدارة بقالة صغيرة في حي شعبي هادئ، ليتحول المحل من مكان لبيع المواد الغذائية إلى "مسرح للمطاردات العاطفية".
تتميز الرواية بكونها تعكس الآية؛ فبدلاً من المعاكسات التقليدية، يصبح البقال هو "الضحية" المستهدفة من قِبل زبونات الحي من مختلف الأعمار والخلفيات (المهندسة الرومانسية، فتاة الجيم القوية، طالبة الفلسفة المشاكسة، والستات الدراميات). وتعتمد الكوميديا على "الابتزاز العاطفي الطريف" الذي يتعرض له سليم يومياً؛ حيث ترصده النساء بالمواقف والتهديدات الهزلية (مثل البكاء، أو افتعال المشاكل، أو الشراء بالدين) لإجباره على مبادلتهن الإعجاب، بينما يحاول هو بكل الطرق الدبلوماسية والذكاء التجاري الحفاظ على ممتلكات دكانه.. وعلى عزوبيته!
هل سبق أن اتخذت قرارًا ظننت أنه قرارك، ثم اكتشفت لاحقًا أن عقلك هو من خدعك؟
هل تساءلت يومًا لماذا يخاف الناس من أشياء لا وجود لها، أو لماذا يصدقون إشاعة تتكرر، أو كيف تستطيع كلمة واحدة أن تغيّر مستقبل إنسان، أو كيف يمكن لثلاثة أصدقاء أن يعيدوا تشكيل شخصية كاملة؟
"قصص صنعت قواعد نفسية" ليس كتابًا يشرح علم النفس بالطريقة التقليدية، بل يأخذك إلى عالم من القصص المشوقة التي تبدو في بدايتها مجرد أحداث عادية، قبل أن تكشف في نهايتها عن قاعدة نفسية خفية كانت تتحكم في كل شيء منذ اللحظة الأولى.
في كل قصة ستلاحق الأدلة، وتعيش الصراع مع الشخصيات، وتحاول توقع النهاية... لكن المفاجأة الحقيقية ليست فيما يحدث للأبطال، بل فيما ستكتشفه عن نفسك.
قد تجد نفسك في طالب غيّرت كلمة واحدة حياته، أو في شخص صدّق كذبة لأنه سمعها كثيرًا، أو في إنسان قادته عاداته اليومية إلى النجاح أو الفشل دون أن يشعر.
هذا الكتاب لا يمنحك نصائح مباشرة، بل يترك القصص تقوم بالمهمة. ومع كل صفحة ستدرك أن كثيرًا مما اعتقدت أنه "طبيعتك" ليس سوى عادة، وأن كثيرًا مما ظننته "حقيقة" قد يكون مجرد وهم صنعه عقلك.
بعد أن تنتهي من القراءة، لن تنظر إلى الناس... ولا إلى نفسك... بالطريقة نفسها مرة أخرى.
بعد حب عذري يضرب به المثل ظهر امير عباسي فرق الحبيبين
سجاد اللغوي
0
187
في قلب بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، حيث تُشرق الشمس على دجلة وتنعكس أنوارها على القباب الذهبية، ولدت قصة حبٍّ عذبة بين سعد وليلى.
كان سعد شاباً من عامة الشعب، يملك قلباً نقياً وفصاحة لسان، ويعمل في نساخة الكتب وبيع الحرير. أما ليلى، فكانت فتاة ذات حسنٍ باهر وعينين كالحبر العباسي، تعيش مع والدها التاجر المقرب من دار الخلافة. التقيا ذات يوم في سوق الورّاقين، ومنذ تلك اللحظة، أصبحا يتبادلان الرسائل المخبأة بين طيات كتب الشعر، وتعاهدا على الوفاء مهما جارت الأيام.
ليس من السهل المبالغة في أثر صلاح عبد الصبور على ما نسمّيه اليوم 'المسرح الشعري'؛ بالنسبة لي كانت تجربته كأنها فتح باب جديد في بيت قديم.
عندما قرأت نصوصه لأول مرة شعرت بأنها تجمع بين إيقاع الشعر واندفاع الجملة المسرحية، بحيث لا تختفي موسيقى الصورة خلف الحوار، بل تصبح هي الحوار. هذا المزج خلق مساحات درامية لا تعتمد على السرد التقليدي أو الحبكة المفرطة، بل على الحالة الشعورية والصوت الداخلي للشخصية.
كما أعجبتني شجاعته في كسر لغة المسرح الرسمية واستدعاء نبرات الحياة اليومية، من دون أن يفقد النص طابعه الشعري. النتيجة كانت مسرحًا أقرب إلى المتفرّج، لكنه أرقى لغويًا وأكثر قدرة على إيصال المفاهيم الرمزية. تأثيره واضح في أجيال كتّاب لاحقين اختاروا أن يجعلوا النص المسرحي أكثر تجريدًا وإيقاعًا، وهذا ما يجعلني أقول إنه أعاد تشكيل علاقة الجمهور بالنص المسرحي.
أحتفظ بصورة ثابتة لصوته الشعري كلما فكرت في صلاح عبد الصبور، وبالنسبة لسؤالك عن أكثر الدواوين التي نشرها فأفضل طريقة لأشرحها أن أنفي الصورة الشائعة عن شاعر "مكتظّ بالدواوين". صلاح عبد الصبور لم يكن كاتب دواوين كثيرة متتابعة وكبيرة الحجم مثل بعض الأسماء الأخرى؛ ما يميّزه هو أن قصائده ظهرت بكثافة في المجلات الأدبية والصحف، ثم جمعت لاحقًا في بضعة دواوين مختارة أعطت انطباعًا أقوى من العدد.
أقصد أن أثره الشعري بقي متواصلاً لأن كل ديوان له كان حدثًا ومرجعًا، ولأن النصوص انتشرت منفردة قبل تجميعها، لذا يمكن القول إن «الكمّ» ليس ما يحدد تأثيره بقدر «النوع» وعمق التجديد في كل مجموعة نشرها. هكذا أتذكّره: شاعر لم يكثر المجلدات لكنه جعل كل ديوان له له وزن خاص يبقى في الذاكرة.
لا أستطيع إلا أن أبتسم عندما أفكر في كيف أن روح التجديد عند صلاح عبد الصبور امتدت إلى عدد كبير من الشعراء العرب، سواء بشكل مباشر أو عبر تأثيره على مناخ الشعر العربي الحديث. بالنسبة لي، أكثر ما ميّز أثره هو نشره لثقافة الشعر الحر والمسرحيّة الشعرية، وهذا ما وجده كثيرون من جيل الستينات والسبعينات جذابًا ومحرّرًا.
أرى أثره واضحًا عند شعراء مثل 'أمل دنقل'، الذي شاركه الهمّ الوطني والصوت الحادّ تجاه القضايا الاجتماعية، وكذلك عند 'أحمد فؤاد نجم' في وضوح الخطاب الشعبي والالتزام بالقارئ العادي. أما شاعرون أوسع نطاقًا مثل 'عبد الوهاب البياتي' و'أدونيس' فالتأثر بينهم وبين عبد الصبور يأتي من تبنّي مبادئ الحداثة العربية في الشكل والمضمون، وليس بالضرورة نسخ الأسلوب حرفيًا.
وبنبرة شخصية أكثر، أحب أن أقول إن تأثيره لم يقتصر على أسماء ضخمة فقط؛ بل أثّر أيضًا في الأجيال الأصغر التي وصلت إليها أعماله عبر المسرح والإذاعة، حتى وصل صداها إلى أداءات الشعر المنطوق المعاصر. في النهاية، صلاح عبد الصبور فتح نوافذ كثيرة، ولم يفعل ذلك وحده لكنه كان من روّاد تلك الحركة التجديدية، وهذا يكفي لأجله.
منذ قرأت قصائده أول مرة وانا أبحث عن كل ما يخص سيرته، وواحد من الأشياء التي لاحظتها هو أن مصادر السيرة تشير إلى نوع من التقدير الرسمي لمشواره الشعري والدرامي. بشكل متكرر تُذكر 'جائزة الدولة التشجيعية في الآداب' كإحدى الجوائز التي حازها صلاح عبد الصبور، وهي جائزة مصرية تمنح للمبدعين الصاعدين وتُعد إشارة إلى اعتراف الدولة بإسهامه الأدبي.
بالإضافة لذلك، تذكر بعض المراجع حصوله على أوسمة واعترافات رسمية في مجال الثقافة والفنون، مثل 'وسام العلوم والفنون' أو ما يعادله على مستوى الدولة، إلى جانب تكريمات من جهات ثقافية ومؤسساتية مثل نقابات الأدباء أو وزارات الثقافة. لا يوجد في كل المصادر قائمة موحدة مطولة للجوائز، لكن الإجماع يكون على أن مكانته أكسبته عدداً من التكريمات الرسمية والثقافية خلال حياته.
أستمتع دائمًا بتتبع خيوط حياة الشعراء، ولاستغرابٍ منّي، درس صلاح عبد الصبور في جامعة القاهرة وهو الأمر الذي بدا لي مفتاحًا لفهم تقاطعات فنه مع واقع الحياة اليومية.
الانغماس في بيئة القاهرة الجامعية أعطاه مزيجًا من الثقافة الرسمية والنبض الشعبي؛ الجامعة كانت له مكانًا للالتقاء بالأفكار الحديثة والاطلاع على الأدب الغربي والعربي المعاصر، وهذا ما ساهم في تبنيه لشكل الشِعر الحر واللغة المباشرة التي تكسر التقاليد. كما أن التجربة التعليمية، سواء من زاوية المناقشة أو التحليل، منحت شعره طابعًا نقديًا ووعيًا اجتماعيًا واضحًا؛ وجدتُ في قصائده حسًّا قانونيًا أو تحليليًا أحيانًا، كأنه يسجل ملاحظات عن المجتمع بدقة ويسأل دون ميل للعاطفة المفرطة.
أحببت كيف أن خلفيته الجامعية لم تُقْلِل من عاطفته، بل صهرتها فأنتجت نصوصًا تجمع بين الحدة والتحسس الإنساني، بين الرؤية السياسية واللغة اليومية. في النهاية، دراسة الجامعة هي مجرد بداية لكنّها بلا شك كانت مُشكّلة مهمة لطريقه الشعري ونبرته التي توازن بين الفكر والوجدان.
أذكر أن فضولي دفعني للبحث في مسيرته مرات متعددة، ولدي انطباع واضح عنها: حامد عبد الصمد بدأ خطواته الفنية في التمثيل قبل أن يصبح اسماً مألوفاً على شاشات التلفزيون، وبدايته كانت أقرب إلى خشبة المسرح والعمل الجماعي أكثر من الكليبات أو الظهور السريع. بحسب ما قرأت من مقابلات وملفات تعريف عنه، بداياته تضمنت عروضاً مسرحية محلية وورش تدريب تمثيلي، ثم انتقل تدريجياً للعمل التلفزيوني والسينمائي خلال فترة نهاية التسعينات وبداية الألفية الجديدة. هذه المرحلة تبدو منطقية لأنه كثيراً ما يحصل للفنانين أن يبنوا خبراتهم على خشبة المسرح قبل أن يلقاهم المخرج عبر شاشة التلفزيون.
ما لفت انتباهي هو أن الانتقال إلى التمثيل أمام الكاميرا لم يكن قفزة مفاجئة بل نتاج تراكم خبرات: أدوار صغيرة في البداية، تعاون مع مخرجين صغار، ثم فرص أكبر مع مرور السنوات. بعض المصادر تشير إلى أن أول ظهور تلفزيوني أو سينمائي له جاء في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بينما تضع مصادر أخرى بداياته المسرحية في أواخر التسعينات. في الغالب لا يختلف الناس على أن مشواره بدأ قبل أن يعرفه الجمهور على نطاق واسع، أي أنه قضى سنوات صقلٍ إلى أن وصل إلى أدوار تلفت الانتباه.
أحب طابع هذه النوعية من البدايات لأنك تشعر بأن الفنان بنى نفسه بعيداً عن ضوضاء الشهرة، وهذا يفسر نوعية أدائه المبني على تجربة وخبرة. النتيجة النهائية أن التحديد الدقيق لسنة واحدة قد يختلف حسب ما تعتبره "بداية": هل هي أول ظهور مسرحي أم أول دور تلفزيوني؟ لكن إجمالاً يمكن القول إن مشواره الفعلي في التمثيل انطلق بين أواخر التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية، مع تصاعد واضح في ظهوراته عبر الشاشات بعد ذلك، وانطباعي الشخصي أن هذا المسار من المسرح إلى الشاشة أعطاه عمقاً في الأداء لا يختصره أي تاريخ ثابت.
أحسست بالفضول منذ رأيت اسم موسى صبري على ملصق عرض مسرحي صغير، وبدأت أتعقب أثره من هناك.
أول ما لاحظته أن بدايته كانت متأصلة في خشبة المسرح: تعامل مع فرق محلية وورش تمثيل، وتعلم كيف يقيس تفاعُل الجمهور وصدى صوته في الصالة. هذا النوع من التجارب يعطي الممثل قاعدة قوية؛ بالنسبة لموسى، بدا واضحًا أنه أخذ المسرح بجدية، فكان يطوّر أدواره عبر التمرين المستمر ويقبل تحديات الشخصيات المختلفة.
مع مرور الوقت، جذب أداؤه المسرحي أنظار بعض المخرجين والتلفزيونيين، وبدأت له مشاركات صغيرة على الشاشة. الانتقال لم يكن فوريًا أو سهلاً؛ احتاج لتكييف أسلوبه من أداء بصري وصوتي كبير على الخشبة إلى أداء أقرب للكاميرا الدقيقة. لكن شخصيته المسرحية ورصيده من الانضباط منحاه ميزة، فوجد طريقه تدريجيًا إلى أدوار أكبر. بالنهاية، بدايته هي قصة صعود صامت ومجتهد، من خشبة صغيرة إلى شاشة أكبر، وهذا ما يجعل متابعته ممتعة وداعمة لأي شاهد يهتم بجذور الممثل.
ليس بغريب أن بدايات النجوم كثيرًا ما تكون في ملاعب بسيطة؛ بالنسبة لمحمد صلاح، السيرة الذاتية تشير بوضوح إلى أن احترافه بدأ محليًا في عام 2010.
أذكر أنني قرأت سيرته مرات عدة: انطلق من أكاديمية 'المقاولون العرب' ثم تمت ترقيته إلى الفريق الأول خلال موسم 2010، وكان حينها في السابعة عشرة والثامنة عشرة من عمره (مواليد 1992). هذه الترقية تُعد بداية مسيرته الاحترافية الرسمية، حيث بدأ يشارك في الدوري المصري للمحترفين ويُسجل أولى مبارياته وأهدافه على مستوى الكبار.
بعد هذه البداية المحلية جاءت القفزة إلى أوروبا في يناير 2012 عندما انتقل إلى 'بازل'، لكن نقطة الانطلاق الاحترافية بحسب السيرة تظل سنة 2010 في صفوف 'المقاولون العرب'. هذا الفاصل بين البداية المحلية والصعود الأوروبي هو ما يجعل قصته ملهمة بالنسبة لي.
أحتفظ بصورة ذكية في ذهني عن بدايات ناصر عبدالكريم على المسرح، صورة لا تتبدد مهما اختلفت الوجوه حولي. أعتقد أن مشواره بدأ من أماكن ضيقة وحميمية: مدارس وجامعات ومشاهد احتفالية صغيرة حيث كان يبني خبرته خطوة بخطوة. رأيته في مخيلتي يمر بفترات تجريبية كثيرة، يقبل أدوارًا بسيطة كجندي أو المواطن العادي في البروفات، ويتعلم كيف ينقل مشاعر كبيرة من خلال حركة واحدة أو همسة. هذا النوع من البدايات لا يظهره الإعلام كثيرًا، لكني أُقدّر قيمته كثيرًا لأنني شاهدت كيف يصقل الفنان نفسه في تلك الورش الصغيرة.
ثم أتخيل مرحلة التحول: انضمامه إلى فرقة أو مجموعة مسرحية محترفة، وربما ورش تدريبية مع مخرجين مخضرمين أعطوه الفرصة ليمثل بأدوار أقوى. في هذه المرحلة تظهر براعة ناصر في بناء الشخصية على خشبة المسرح، ويبدأ الجمهور والنقاد بالتحدث عنه بشكل جدي. يمر وقت قبل أن يتحول هذا الاهتمام إلى عروض أكبر أو دعوات للتلفزيون والسينما، لكن رصيد المسرح يبقى قاعدة متينة في فنه.
ما أحب أن أقوله عن هذه الرحلة هو أن المسرح كان مدرسة مستمرة بالنسبة له: مكان يتعلم فيه التصرّف أمام الجمهور، ويتقن لغة الجسد والصوت، ويصقل حسه التمثيلي. لهذا السبب، كل من يتابع مشواره يشعر أن جذوره المسرحية هي سبب عمق وجوده على أي منصة فنية ظهَرَ عليها.
أتذكّر بوضوح نقطة الانطلاق الحقيقية لمسيرة محمد صلاح على الساحة الأوروبية: الانتقال إلى نادي بازل السويسري في يناير 2012. في ذلك الوقت لم يكن اسمه مترسّخاً في الذاكرة الجماهيرية الأوروبية، لكنه بدأ فوراً في لفت الأنظار بأداء جريء وسرعة لا تُصدّق. مع بازل خاض أولى مشاركاته في بطولات الأندية القارية، وبدأ يكتسب خبرة ضد فرقٍ أوروبية أقوى، ما منح مسيرته طابعاً مختلفاً عن مجرد لاعب محلي ناجح.
بعد تجربته في بازل جاء الانتقال إلى إنجلترا عبر بوابة 'تشيلسي' في 2014، الذي لم يمنحه دقائق كافية، ثم جاءت إعارات إلى درب التطوير في إيطاليا مع 'فيورنتينا' ثم 'روما'. في العاصمة الإيطالية صاغ نفسه كلاعب ناضج هجوميًا، وأظهر قدرة على التسجيل وصناعة اللعب ضد خصوم من طراز كبير داخل الكالتشيو والأجواء الأوروبية. هذا التدرج في الخبرة كان تمهيداً للخطوة الأكبر التي غيّرت مساره: انضمامه إلى 'ليفربول' في صيف 2017.
في 'ليفربول' بدأت إنجازاته الأوروبية بالاتساع واللمعان؛ موسم 2017–18 شهد وصول الفريق إلى نهائي دوري أبطال أوروبا، ثم موسم 2018–19 تحقق الحلم الكبير بفوز الفريق بلقب المسابقة الأهم على مستوى الأندية الأوروبية. تلك الفترة تميّزت بأداء صلاح الحاسم في مباريات خروج المغلوب وفي تسجيل الأهداف الحاسمة، كما أضاف لاحقاً لقب السوبر الأوروبي إلى سجله مع الفريق، بجانب تواجده الدائم في أقوى دوريات أوروبا وقوائم أفضل اللاعبين. باختصار، بدايات إنجازات صلاح الأوروبية تعود فعلياً إلى 2012 مع بازل، لكن ذروة وتأثيره على الساحة القارية ظهرا بوضوح بعد 2017 حين أصبح لاعباً مؤثراً في أهم مسابقات أوروبا، وما زالت لمساته ومساهماته تُذكر في أحاديث المشجعين والملّاك على حد سواء.