تسجيل الدخولعادت سمر إلى المنزل والنشوة تكاد تطير بها؛ كانت تتحسس حزمة النقود القابعة في جيبها بعشق أعمى، فهي امرأة تعبد المال وتجثو تحت قدميه، بغض النظر عن مصدره وعما إذا كان ثمنًا للشرف والفضيلة.
ولأن شهوة المال لا تشبع، شعرت بجوع عارم لمزيد من الأوراق النقدية؛ فأخذت تذرع الغرفة خطيئة ذهابًا وإيابًا، وعزمت أمرها على ضرورة الخروج إلى سوق العمل مجددًا، ليس حبًا في الوظيفة، بل لتضمن غطاءً شرعيًا يتحرك خلفه جسدها اللعوب بحرية، ولتحصد أموالًا وفيرة دون رقيب. لكن سؤالاً مقلقًا اعترض أفكارها: كيف تفعل ذلك والصغير آدم يقف حجر عثرة في طريقها؟ لم يكن زوجها مصطفى يمثل لها أي عائق، فهي تعلم علم اليقين أنها بكلمة واحدة ودلال رخيص قادرة على تطويع عناده، ولن يعصي لها أمرًا. إذن، العائق الوحيد هو طفلها. دارت حول نفسها كالأفعى وهي تحيك الدسائس، حتى قفزت إلى رأسها فكرة جهنمية، والحل الوحيد لمعضلتها: يجب عليها تحسين علاقتها بحور وتغيير أسلوبها الجاف معها، لتستغل طيبتها وتجعلها حاضنة دائمة ومجانية لطفلها أثناء فترة غيابها. رتبت سمر ملامحها، ورسمت على وجهها ابتسامة ناعمة تخفي خلفها أنياب كرهها الأسود لحور، ثم دلفت إلى الصالة حيث كانت حور تداعب الصغير، وقالت بنبرة عذبة متصنعة - تسلم إيدك يا حور يا حبيبتي.. تعبتك معايا، مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه مع الواد وآدم. شكراً يا غالية. تطلعت إليها حور بوجل وتعجب شديد؛ فهذا التحول المفاجئ والمعاملة الحسنة النادرة تثير الريبة، لكنها بقلبها النقي آثرت السلامة، ولم تعر الأمر اهتمامًا كبيرًا، واكتفت بهز رأسها بهدوء ثم انسحبت عائدة إلى صومعة غرفتها لتغلق الباب، غير آبهة بتقلبات زوجة أخيها. رمقتها سمر بنظرة تهكم ولؤم وهي تبتعد، وهمست بفحيح مكتوم - ماشي يا ست حور.. ادخلي واتقلي براحتك، إن مقبلتيش بالتراضي وبالمعاملة الحلوة إنك تشيلي الواد في غيابي، هخلي مصطفى يرغمك على كده و رجلِك فوق رقبتِك، وأنا عارفة كويس بجرجره إزاي. لم يمر وقت طويل حتى عاد مصطفى إلى الشقة وجسده يترنح من أثر السموم، فاستقبلته سمر بدلالها المعتاد، وسرعان ما بادرته قائلة بنبرة جادة - مصطفى.. أنا عاوزه أرجع الشغل تاني، الواد آدم بيكبر ومصاريفه بتزيد كل يوم، وإحنا محتاجين قرشين زيادة عشان نعيش مرتاحين. وافقها مصطفى على الفور دون وعي، لكن بريقًا من الفهم لمع في عينيه المتعبتين وتساءل بحيرة *- ماشي يا سمر أنا معنديش مانع.. بس الواد الصغير هنعمل فيه إيه؟ وأمك بعيدة عننا. ردت سمر باندفاع وثقة، ونبرة حاسمة - وإحنا نتعب نفسنا ليه؟ ست حور هانم أهي قعدت من المدرسة وخدت الشهادة، وقاعدة في البيت طول اليوم من غير فايدة ولا لازمة، هي أولى تشيل ابن أخوها وتراعيه واهى تساعدنا بدال ماهى ملهاش لازمة كده هز مصطفى رأسه بالموافقة دون تفكير؛ فقد أعمى الإدمان بصيرته، وصار كالعجين بين يديها تشكله كيفما تشاء، وبات أسيرًا لشهوته ودلالها، يعلم علم اليقين أن عقابه سيكون حرمانًا مبرحًا إن تجرأ ورفض لها أمرًا. ✨✨✨✨✨✨✨✨ في الجانب الآخر من الحي، كانت النوايا الطيبة تصنع أقدارًا أخرى؛ حيث أمسكت الحاجة زينب بهاتفها والسرور يدق في صدرها، وأجرت مكالمة عاجلة لابنة أختها جنة، قائلة بنبرة حازمة لا تقبل الجدال - جنة.. سيبى اللي في إيدك وتعاليلي بسرعة على البيت، الموضوع مهم وميستحملش تأخير دقيقة واحدة. وما هي إلا دقائق معدودة، حتى انفتح باب الشقة ودلفت جنة بوجه شاحب يكسوه الاصطفرار، وأنفاس لاهثة متلاحقة كمن كان يركض في ماراثون؛ فقد دب الرعب في قلبها وظنت أن مكروهًا قد أصاب خالتها أو أحد أولادها بسبب تلك النبرة الملحة. وقفت تستند إلى الباب قائلة بذعر - خير يا خالتو؟ في إيه؟ وقعتي قلبي في رجليا أسرعت إليها زينب تربت على كتفها بابتسامة حانية لتطمئن روعها - اهدي يا بنتي، اهدى يا قلب خالتك، أنا بخير والحمد لله.. الموضوع وما فيه إن حسن وافق أخيراً..... وعاوزاكي تروحي لصاحبتك حور تبلغيها وتفتحي معاها كلام بخصوص موضوع حسن، وتحددي لنا ميعاد معاهم في أقرب وقت عشان نيجي نخطب ونشوفها. انقشعت غيوم الخوف عن وجه جنة، وحلت مكانها فرحة عارمة كادت تقفز بها إلى السماء من أجل صديقة عمرها حور؛ فهي تعلم كم هي طيبة ونقية ومظلومة في بيتها، وترى في حسن الرجل الشهم الذي سينتشلها من مأساتها. ابتسمت بـاتساع وقالت بحماس - عيوني ليكي يا خالتو.. من النجمة هكون عندها وأفتح معاها الموضوع، وأنا متأكدة إنها مش هتلاقي أحسن من حسن. بعد انصراف جنة، وقفت الحاجة زينب في محراب غرفتها، ورفعت كفيها بضراعة وخضوع إلى السماء، والدموع تترقرق في عينيها المسنتين، ودعت ربها بقلب أم يعتصر حنانًا - يا رب.. يا رب اجعل حور من نصيبه، وارزقه بالزوجة الصالحة اللي تعوض صبِره، وتنسيه الماضي اللعين والوجع اللي عاش حبيس ليه طول السنين اللي فاتت دي، لحد ما ملامحه شابت من الحزن والكسرة في الغربة.. اجبر بخاطر ابني يا رب ✨✨✨✨✨✨✨ دلف باسم من باب الشقة بخطى راقصة وهو يدندن بلحنٍ متناغم، ونشوة لقائه الآثم مع سمر لا تزال تسيطر على حواسه. ولكن، ما إن وقع بصره على هيام القابعة وسط الصالة، حتى تبخرت دندناته وحلّت مكانها غصة من القرف والنفور الجارف. نظر إليها في خفوت وسخرية، وراح يلعن حظه العاثر في سريرته؛ كيف لذاك المغفل مصطفى أن ينعم بجسد سمر الفتان التي تفيض بالشباب، والإثارة، والحيوية، بينما يقع هو في فخ هذه العجوز الشمطاء؟! كان يتأمل وجه هيام بامتعاض؛ وجهٌ كست التجاعيد والخطوط الغائرة ملامحه رغم محاولاتها البائسة لإخفائها بالتبرج الفج. تذكر تاريخها المشبوه وزيجاتها الكثيرة السرية والعلنية التي ربما لا تذكر هي نفسها عددها، ليشعر برغبة في القيء، لكنه سرعان ما كبح جماح نفسه؛ فهو يعلم علم اليقين أن بقاءه في كنفها هو ثمنه الوحيد للحصول على سكن مريح يأويه، ومأكل وفير، ونقود يبعثرها في سهراته لا أكثر. انتبه من أفكاره على حركتها، حيث هبت هيام واقفة وأقبلت نحوه وهي تتمايل بتصنع مبتذل للدلال والأنوثة المفقودة، وحاولت أن تطبع قبلة على عنقه، فتراجع باسم خطوة إلى الخلف متهربًا ببراعة، ورسم على وجهه ملامح التعب قائلاً بنبرة جافة - معلش يا هيام.. سيبيني دلوقتي، أنا دماغي هتنفجر من الصداع ومحتاج أدخل أريح جسمي شوية. لوت هيام شفتيها وتأففت بضيق وتبرم عقب كلماته الباردة، ووقفت عاقدة ذراعيها تتطلع في أثره بحنق وهو ينسحب من أمامها حتى دلف إلى الغرفة وأغلق الباب. كانت ملامح الخبث ترتسم على وجهها؛ فهي بمكرها وسنوات خبرتها لم تكن مغفلة، وتأكدت من هيئته، ونظراته الهاربة، والرائحة الغريبة التي تفوح من ثيابه، أنه كان يقضي وقته في أحضان إحدى الساقطات. ورغم ذلك، لم تبالِ ولم تحرك ساكنًا؛ فلم يعد الشرف يعيق تفكيرها، وكل ما بات يهمها في هذه المرحلة من عمرها هو أن يظل هذا الشاب ثلاثيني العمر بجوارها، يحمل اسم زوجها ويدفئ فراشها، مهما كانت الطرق والوسائل الدنيئة التي يتبعها خارج جدران بيتها.لم يتبقَّ سوى القليل من الوقت على ذلك الموعد الحاسم، الموعد الذي حدده حسن لإصطحابها هي ووالدها لمعاينة عش الزوجية، والانطلاق بعدها لشراء مستلزمات العرس. كانت حور تقف أمام المرآة، تتأمل تفاصيل وجهها بذهول، وكأن الصورة المنعكسة أمامها تخص فتاة أخرى لا تعرفها. غرقت في بحر من الشرود، وراحت تهمس لنفسها بحيرة طفولية - يا ترى حسن اختارني عشان جمالي؟ ولا عشان إيه بالظبط؟ صمتت لثانية، ثم ابتسمت بسخرية من أفكارها وتابعت - إيه الهبل اللي أنا بقوله ده! أكيد عشان جمالي.. هو يعني لحق يحبني من أول نظرة؟ لكن قلباً نابضاً بالداخل انتفض ليرد عليها - وإيه المشكلة؟ ما أنا كمان حبيته من أول نظرة عادت الهواجس لتطرق عقلها البكر - طب بفرض إن جمالي ده ضاع في يوم من الأيام.. هيعمل إيه؟ ضربت كفاً بكف ونهرت نفسها بقوة - بطلي بقى كلام الأفلام والروايات ده، واحمدي ربنا على النعمة.. كفاية إني بكرة هخرج من البيت ده، وأرتاح من وش مصطفى ومراته بينما كانت مستغرقة في تلك المناظرة النفسية، اخترق خلوتها صوت طرقات والدها الحانية على الباب، وهو ينادي بنبرة مبهجة - يلا يا حور يا بنتي.. حسن بره ومستني
أشرقت شمس الصباح الدافئة، لتعلن بنورها الساطع عن مولد فجر جديد انشق من بين ضلوع الظلام القاتم، وبدد عتمة الخوف التي كانت تسكن الأرجاء. تسللت أشعة الضحى برفق عبر ستائر الغرفة، لداعبت تلك الأهداب الكثيفة لحور. فتحت عينيها بتثاقل، ونظرت حولها بنعاس، لتجد الدبدوب الأحمر القابع بين أحضانها ما زال يسكن مكانه ويدفئ مضجعها. انفرجت أساريرها وابتسمت من أعماق قلبها؛ فقد أيقنت الآن أن ما عاشته بالأمس لم يكن مجرد حلم وردي عابر، بل هو واقع ملموس وحقيقة ستغير مجرى حياتها. رفعت الدبدوب، ألقت عليه تحية الصباح العفوية وقبلته برقة، قبل أن يقطع خلوتها صوت طرقات متتالية على باب الغرفة. نهضت حور من فراشها، وعدلت هندامها ثم فتحت الباب، لتتفاجأ بزوجة أخيها سمر تقف أمامها وهي تحمل ابنها آدم على كتفها بضيق، وقالت بنبرتها الآمرة المعتادة - صباح الخير يا حور.. خدي آدم خليه جنبك و خللى بالك منه لحد ما أرجع من الشغل كالعادة. تجمعت الحمرة في وجنتي حور وشعرت بخجل شديد أخرس لسانها؛ راحت تبحث عن كلمات رقيقة تسعفها في هذا الموقف الصعب، لكن العبارات تبخرت وتركتها تواجه مأزقاً حرجاً. أخذت نفساً خفيفاً وقالت بأسف حقيق
عقب إنصراف الضيوف، وإغلاق الباب على أصداء أقدامهم، وقفت حور في ردهة المنزل يتملكها طوفان من مشاعر غريبة وعذبة، عجزت عن تفسيرها أو وضع مسمى لها. لكن الشيء الوحيد الذي كانت تدركه وتستشعره بيقين، هو تلك السعادة العارمة التي تجتاح صدرها؛ سعادة حقيقية افتقدتها منذ سنوات طوال، وتحديداً منذ ذلك اليوم البعيد الذي ظهرت فيه نتيجتها في الشهادة الإعدادية وحققت فيه نجاحاً باهراً. في زاوية الصالة، كانت سمر تقف واجمة، ترمقها بنظرات حقد مسمومة وكراهية تقطر من عينيها، بيد أن حور تعمدت التغاضي تماماً عن تلك النظرات البائسة؛ فلن تسمح اليوم لأي أشياء عقيمة أو نفوس مريضة أن تعكر صفو مزاجها الراقص فرحاً. أدارت ظهرها ودلفت إلى غرفتها لتستريح، ولم تمر لحظات حتى لحق بها والدها عادل، والابتسامة ترتسم على وجهه المتعب الذي تبدلت ملامحه إلى الراحة. كان يحمل في يده حقيبة هدايا أنيقة، واقترب منها يطبع قبلة حانية على جبينها وهو يمد يده بالحقيبة قائلاً - خدى يا حبيبتي.. دي هدية حسن ليكِ، كان جايبها معاه وهو داخل في أول الزيارة ونساها في الصالون. تطلع عادل إليها بنظرات تفيض بالفخر والسعادة، ثم انصرف وأغلق الباب خل
عادت حافلة العائلة إلى المنزل، وترجل منها حسن وهو يشعر بجسده خفيفاً كأنه لا يطمس بقدميه فوق الرصيف؛ فقد أطاحت به الفرحة العارمة في فضاءات بعيدة، واكتست خطواته مرونة وحيوية افتقدها منذ سنوات غربته الطويلة. دلف إلى ردهة المنزل بجسد حاضر وعقل مغيب تماماً، غارقاً في تفاصيل وجه حور ونبرات صوتها التي ما زالت تعزف في أذنيه. لم يكن حسن عابئاً بالجدل الساخن الدائر بين أفراد عائلته في الصالون؛ حيث كان عصام ما زال متشبثاً بوقاره المصطنع واعتراضه الحاد، قائلاً بنبرة يملؤها التحذير - يا جماعة اسمعوني بس، البنت أصغر منه بسنين كتير، جيل غير الجيل.. طريقة تفكيرها وعيشتها مش هتناسب طبيعة حسن ولا حياته بره، الجواز مش شكل حلو وخلاص برى محمد قلم الدفاع سريعاً ليقف في صف أخيه، ورد بمؤازرة حماسية - بالعكس يا عصام، أنا شايف إن في بينهم قبول وتآلف من نوع خاص جداً.. تآلف رباني ظهر ووضح أوي في كلامهم ونظراتهم مع إنها أول مرة يقعدوا مع بعض بجد. وبعدين أنا مع حسن وبأيده جداً في فكرة إنه ياخدها معاه الإمارات، ده حقهم يبنوا حياتهم سوا من أول يوم. سقطت الكلمات في روع حسن، فانتفض من شروده وانتبه للحديث، لكنه تر
يلتفت للكلمات بقدر ما فتنته عفوية طريقتها التي سحرت لبه، فرد بهيام ومرح - أعمل إيه طيب؟ ما أنا واقف قدام لوحة جميلة، وبسمع لحن أجمل. لمح في عينيها لمحة شرود، وكأنه قرأ أفكارها وسر توجسها. استدار ونظر إلى الشارع محاولاً السيطرة على نبضاته المتسارعة، هامساً لنفسه بالتمهل فستكون ملكه بعد أسبوعين. ثم قال وهو ما زال ينظر للخارج - عارف إنك زمانك بتقولي في سرك ده بياع كلام، حافظ كلمتين وجاي يثبتني بيهم. اتسعت عينا حور دهشة؛ فقد كان هذا تحديداً ما يدور في عقلها! صمتت تستمع إليه بفضول، فالتفت إليها بملامح كستها الجدية والصدق، وسألها - أنتِ عارفة أنا عندي كام سنة؟ هزت رأسها نفيًا بحيرة؛ فهي لم تهتم بالسؤال ولم يخطر ببالها. أخذ حسن نفساً عميقاً، ومد ساعديه على سور الشرفة قائلاً بعمق - بصي.. لو بشهادة الميلاد فأنا عندي اتنين وتلاتين سنة. ولو بحساب المواقف الصعبة والوجع اللي عشته يبقى عندي متين سنة.. أما بحساب العمر اللي فرحت فيه بجد.. فهو يدوب خمس دقايق، من ساعة ما شفتك. لامست كلماته العميقة شغاف قلبها، ونظرت إليه بعينين يملؤهما التعاطف والشفقة؛ فقد شعرت من نبرته بحجم المعاناة التي عاشها
يجلس عادل وحور أمام شاشة التلفاز بجسدين حاضرين وعقلين غائبين؛ فكل نبضة تمر تقربهما من الموعد الحاسم. كانت حور مأخوذة بفيضان مشاعرها، تتساءل بوجل... هل سينتهي الأمر هنا؟ فذلك الرجل الذي لم تلتقِ به إلا لماماً، زرع في صدرها راحة عجيبة هزت قناعاتها السابقة بالرفض، وجعلتها تترقب قدومه بلهفة خفية أنكرتها على نفسها. وفي تلك الأثناء، كان عادل يحمل على كتفيه هماً أثقل من الجبال؛ شارد الذهن في كيفية تدبير تكاليف جهاز ابنته، ولديه يقين دامغ بأن ابنه مصطفى لن يمد له يد العون ولو بنذر يسير، فأنانيته أعمت بصيرته. أما في الغرفة المجاورة، فكانت سمر تجوب الأركان كالنمر الحبيس، ينهش الغضب ملامحها وهي تنزل اللعنات على زوجها مصطفى لعجزه عن إيقاف هذه الزيجة. كان مصطفى يستمع إلى ثورتها بدهشة واستنكار؛ فما الذي يهمها إن تزوجت حور أو عنست؟ في كلتا الحالتين لن يدفع هو قرشاً واحداً، لكنه آثر الصمت تجنباً للسيد جلال الذي يسكن تفكير زوجته في الخفاء. قطع هذا التوتر صوت جرس الباب. انتفضت حور كعصفور ذعور وركضت لتهرع إلى غرفتها، بينما نهض عادل بأنفاس متثاقلة ليفتح الباب. وما إن سحب الترباس حتى أطل وجه حسن، وعينا
اليوم هو الموعد الموعود، اللقاء المرتقب الذي خططت له مع باسم. جلست سمر أمام مرآتها تضع لمساتها الأخيرة، وتفكر بخبث في حيلة تضمن لها الخروج بحرية دون أن يفسد الصغير آدم مخططها، ولم تجد مفرًا سوى إلقائه في حجر حور. قامت سمر وتمايلت بجسدها بخطى واثقة ناعمة، ثم طرقت باب غرفة حور طرقات خفيفة متصنعة ال
دلف عادل إلى الشقة بخطوات مثقلة بالهموم بعد يوم عمل شاق، ولم يكد يضع مفاتيحه حتى توجه فورًا نحو غرفة ابنته حور ليطمئن عليها. طرَق الباب برفق مستدعيًا إياها، ولكن لم يأته أي رد. انقبض صدره فجأة وتسلل الرعب إلى أوصاله؛ فأعاد الطرق بإلحاح وقلق ينبض في نبرات صوته وهو يناديها - حور.. أنتِ جوه يا بنتي؟
عند حور.. عادت حور بخطى متهالكة وهي تشعر بتعبٍ مبرح ووهن شديد يسري في أطرافها؛ كان كل ما تتمناه في تلك اللحظة هو أن تدلف إلى المطبخ بهدوء، وتصنع لنفسها شطيرة بسيطة مع كوب من الشاي الدافئ يسند طولها، لتخلد بعدها مباشرة إلى النوم لعيدًا عن هذا العالم الصاخب. لكن آمالها تبخرت في الهواء ما إن دفعت با
عند حسن..كان حسن يتوسط مائدة الطعام، تحيط به هالة من دفء العائلة المفتقد؛ فعن يمينه شقيقه الأصغر عصام، وعن يساره شقيقه محمد، وبجوارهما شقيقتهم الوحيدة إيناس التي وصلت قبل قليل، وعلى وجهها علامات الشوق الطاغي لشقيقها المغترب.كانت مائدة الطعام عامرة بما لذ وطاب؛ أصناف شتى من المحاشي، وصواني اللحوم







