مشاركة

مواجهة الجحيم

last update تاريخ النشر: 2026-05-22 18:00:00

سقطت الكلمات في بهو القصر كقنابل هيدروجينية، شطرت سكون المكان إلى شظايا مرعبة، وجمدت الدماء في عروق كل واقف. بدا وكأن الزمن قد توقف فجأة؛ الهواء ثقيل لا يكاد يُتنفس، والوجوه التي كانت قبل ثوانٍ تتصارع في معركة كبرياء وكرامة، تحولت إلى أقنعة من الشمع المشوه تحت تأثير الصدمة القاتلة.

أصوات تناثر فنجان القهوة الصيني الفاخر الذي سقط من يد السيدة "شاهيناز هانم" رنّ في أرجاء البهو كأنه صدى الانهيار الأخير لإمبراطورية "الراوي". كانت القطع المكسورة تسبح في سائل بني دافئ فوق الرخام الأبيض الناصع، تماماً كخططها التي تلوثت وتهشمت عند أقدام ابنها الأكبر. تراجعت "شاهيناز" خطوة إلى الخلف، واهتزت قسوتها الأرستقراطية المعهودة لأول مرة؛ زاغت عيناها الكحيلتان برعب حقيقي، وانفرجت شفتيها المصبوغتين بلون نبيذي داكن دون أن تخرج منهما أية أمل في الإنكار.

بجانبها، كانت "ميرا" تشعر بأن الأرض تميد تحت قدميها. امتقع وجهها بالكامل، واختفى منه كل أثر للدلال أو الأنوثة المصنوعة التي حاولت نسج خيوطها حول مالك طوال ليلة بارحة. قبضت بجلد أظافرها على ثوبها كأنها تحاول التمسك بالحياة، والتفتت بعينين متسعتين تبحث عن مخرج هروب لا وجود له، بعد أن أطبق الحصار على رقبتها ورقبة والدها القابع في الزنزانة.

عند عتبة الباب الخارجي، تسمرت "تولين". كانت يدها القابضة على مقبض حقيبة سفرها الجلدية ترتعد بعنف، وجسدها الرقيق تيبّس كتمثال غارق في مأساة إغريقية. التفتت ببطء شديد، وعيناها اللامعتان بدموع الكرامة المكسورة تتوجهان نحو أعلى الدرج، حيث كان "مالك" يقف.

لم يكن "مالك" في تلك اللحظة مجرد رجل غاضب؛ بل كان أشبه ببركان يوشك أن يقذف حممه ليدمر الأخضر واليابس. تصلب جسده القوي فوق الدرج، واهتزت قبضته على العصا الأبنوسية الفخمة للحظة واحدة، قبل أن يضغط بها على الرخام بقوة جعلت الخشب يصدر صوتاً مكتوماً مرعباً. عيناه الصقريتان الحادتان تلونتا بحُمرة الدم، ووجنتيه المربعتين تشنجتا بعنف وهو ينظر إلى "آسر" الذي كان يلهث أمامه، ثم تحولت نظراته ببطء قاتل نحو الأسفل.. نحو والدته، ونحو "ميرا".

نطق "مالك" بصوت خفيض، صوت لم يكن عالياً، لكنه كان يحمل برود المقابر وفحيح الموت الذي جمد الحاضرين في أماكنهم:

— آسر.. قولت إيه دلوقتي؟.. انطق تاني.. وعيد الكلمة دي عشان أتاكد إني مسمعتش غلط.

بلع "آسر" ريقه بصعوبة، وتقدم خطوة يمسك بذراع مالك خشية أن يفقد توازنه الجسدي أو النفسي، وقال بنبرة متهدجة تفيض بالأسى:

— طارق انهار في التحقيق يا مالك.. اعترف بالاسم والوقت. قال إن تليفون جاله من جوه البيت ده، من خط مسجل باسم مستعار بس التحريات جابت مكانه.. التليفون ده هو اللي بلغه إنك أنت اللي هتسافر الإسكندرية مكان ياسين، وهو اللي قاله إن دي الفرصة اللي مش هتعوض عشان نخلص منك وتفضى الإمبراطورية لطارق وشاكر الجويلي. شاهيناز هانم كانت اتفقت مع شاكر على تزوير الأسهم ونقلها بره مصر لحسابات وهمية عشان تحرم عمك عاصم وبناته.. بس طارق وشاكر لعبوا من وراها وحبوا يخلصوا منك أنت كمان عشان اللعبة تصفى ليهم.. أمك هي اللي فتحت لهم الباب يا مالك.. البت "ميرا" دي وأمها كانوا حلقة الوصل، وتفاصيل صيانة العربية خرجت من تليفونها!

التفت "مالك" بكامل جسده ببطء مرعب نحو والدته. نزل درجات السلم درجة.. درجة.. وصوت ساقه الاصطناعية وعصاه يحدث إيقاعاً جنائزياً مرعباً في البهو. كانت كل خطوة يخطوها لأسفل تبدو وكأنها دهس لقلبه وروحه التي لم يبقَ منها شيء سليم. وقف عند نهاية الدرج، على مسافة مترين من السيدة "شاهيناز"، ونظر إليها بعينين خاليتين من أية عاطفة.. عيون خلت من رداء الابن ليحل محلها قاضي الجحيم.

صاح مالك، وهز صوته ثريات القصر الكريستالية الضخمة حتى اهتزت وسقطت منها حبات صغيرة تحطمت على الأرض:

— ليه؟! ليه يا شاهيناز هانم؟! أنا ابنك!! أنا مالك اللي شيلت اسم العيلة وحميتك وحميت شركاتك بعد وفاة أبويا! أنا اللي دمي ساح على الأسفلت ورجلي اتقطعت بسبب طمعك وأحقادك القديمة! كنتي عايزة تخلصي من عمي وبناته.. تقومي تضحي بيا أنا؟! تبيعي ابنك الكبير لطارق الكلب عشان الفلوس والسيطرة؟!

انفجرت السيدة "شاهيناز" في بكاء هستيري، وسقط قناع البرستيج الأرستقراطي تماماً؛ ارتمت على ركبتيها أمام ابنها، وحاولت التمسك بطرف بنطاله وهي تصرخ بنحيب مزق سكون القصر:

— لا يا مالك!! لا يا حبيبي والله العظيم ما كنت أعرف إنهم هيقتلوك!! طارق وشاكر ضحكوا عليا.. الاتفاق كان إننا نضغط على عمك عاصم ونزيف الأسهم عشان نخرجه بره الشركة ونلغي جوازتك من بنته تولين! أنا مكنتش أطيق أشوف ولاد فريدة بياخدوا حقي وحق عيالي! طارق قالي إن السفرية دي لياسين، وقالي هنعطله في الطريق بس.. مكنتش أعرف إنك أنت اللي هتركب العربية!! مكنتش أعرف إنهم هيقصوا الفرامل عشان يقتلوك يا مالك!! أنا أمك.. مستحيل كنت أرضى بدمك يا ابني!! سامحني يا مالك.. سامحني!!

نظر إليها "مالك" باحتقار لم تشهده امرأة من قبل. أزاح قدمه بعنف من بين يديها المرتعشتين، مما جعلها تسقط على الرخام الملوث بالقهوة، وقال بنبرة حادة كالمشرط:

— أنتي مبقتيش أمي.. من اللحظة دي، اسمك اتشال من حياتي ومن البيت ده. لولا إنك شيلتي اسم أبويا يوماً ما، كنت سبت آسر يرميكي في زنزانة تحت الأرض مع طارق.. لكن أنا هكتفي بنفيك.. هتخرجي من القصر ده حالا، وتروحي تعيشي في المزرعة القديمة في الفيوم، ومشوفش وشك في القاهرة ولا في الشركات لحد ما تموتي.. والشرطة هتاخد مجراها في التحريات من غير ما اسمك يظهر علنياً عشان برستيج العيلة اللي أنتي دوستي عليه.

التفت "مالك" فجأة نحو "ميرا" التي كانت ترتعد كالعصفور في زاوية الصالون. خطا نحوها بغضب أعمى، وقبض بيده اليسرى القوية على ذراعها بعنف جعل عظامها توشك على التكسر، وقرب وجهه من وجهها ليتحدث بفحيح مرعب:

— وأنتي يا حرباية.. فاكرة إن دلالك ولبسك بارح بالليل وخيط الإسكندرية اللي جبتيه كان عشان تحميني؟! كنتي بتغسلي إيدك وإيد أبوكي من دمي! كنتي جاية ترمي طارق بعد ما اللعبة باظت عشان تطلعي منها بريئة وتدخلي جناحي وتسيطري عليا وأنا عاجز!!

صرخت "ميرا" بالألم والخوف:

— ارحمني يا مالك باشا!! أنا ماليش ذنب.. بابا وأمك هما اللي خططوا!! أنا كنت بنفذ الأوامر بس عشان خايفة!!

صاح مالك بـ آسر دون أن ينظر إليه:

— آسر!! خدهم هما الاتنين.. البت دي وأمها هاجر غازي بره القصر في عربية البوكس!! يترموا في التخشيبة مع شاكر الجويلي.. وقضية الشروع في قتل والتزوير تلبسهم تلاتتهم لحد ما يعفنوا في السجن! مش عايز أشوف وش الخيانة ده في بيتي تاني!!

سحب رجال الشرطة "ميرا" وهي تصرخ وتستغيث، بينما كانت السيدة "شاهيناز" تُقاد من قِبل الحراس الشخصيين إلى الخارج وهي تبكي بحرقة وتنادي باسم ابنها الذي أدار لها ظهره تماماً واستند بجسده المنهك على عمود الرخام الكبير في البهو.

انقشعت العاصفة مؤقتاً، وغادرت قوات الشرطة القصر، ليحل محلها صمت مطبق وأشد قسوة. كان البهو فارغاً إلا من أفراد العائلة الباقين: "عاصم الراوي" الذي كان يقف بوجوم وثبات يحمل حزن الدنيا في عينيه، والسيدة "فريدة" التي كانت تبكي بصمت مستندة على ابنتها "ليان" وزوجها "ياسين".

أما "تولين"، فقد كانت ما تزال تقف عند عتبة الباب الخارجي. نظرت إلى "مالك" الذي كان يقف بمفرده عند عمود الرخام.. الرجل القوي، المتكبر، عملاق السوق، كان يبدو في تلك اللحظة كعصفور جريح كسرت أجنحته أقرب الناس إليه. كانت ساقه الاصطناعية ترتعش خفية بفعل الإجهاد العنيف، وعصاه الأبنوسية كادت تفلت من يده المرتعشة، ووجهه مغطى بشحوب الموت والخذلان.

تحركت بداخل "تولين" كل غرائز العشق النقي الذي نمى في قلبها منذ الطفولة. تلاشت غيظها، واختفت رغبتها في الانتقام لكرامتها؛ فـ"مالك" الآن ليس الرجل البارد الذي أهانها بارح، بل هو حبيبها المكسور الذي يوشك على الانهيار أمام عينيها. تركت حقيبتها تسقط على الأرض، وتحركت بخطوات رقيقة ومسرعة عبر البهو نحو وعيناها تفيضان بالدموع والحنان الجارف.

وفي تلك اللحظة، شعر "مالك" بأن طاقته الجسدية والنفسية قد نفدت تماماً. بدأت الدنيا تدور من حوله، واهتزت ساقه السليمة تحت ضغط الألم الفظيع في موضع البتر. كادت عصاه تنزلق من يده، وبدأ جسده القوي يميل نحو الأرض للسقوط في نوبة إغماء إثر الصدمة والإنهاك العصبي.

ولكن قبل أن يرتطم جسده بالرخام البارد، كانت "تولين" قد وصلت إليه. ارتمت بجسدها الرقيق تحت صدره العريض، وأحاطت خصره بذراعيها بكل ما أوتيت من قوة لتسنده وتحمل جزءاً من وزنه الثقيل. سقطت عصاه الأبنوسية على الأرض برنين عالٍ، لكن "مالك" لم يسقط؛ فقد وجد نفسه مستنداً بالكامل على صدر "تولين" الدافئ، ورأسه الفاخر هبط على كتفها الرقيق، بينما كان شعرها الحريري يغطي وجهه المجهد.

تنفس "مالك" برعب وتعب، وحاول بصوته المتحشرج والضعيف أن يدفعها بعيداً بكبريائه الأخير:

— تولين.. ابعدي عني.. أنا مش عايز.. مش عايز حد يشوفني كدا.. سيبيني أقع..

لم تستمع إليه؛ بل شددت من قَبضتها حول جسده، واحتضنته بقوة أكبر ودموعها تنهمر فوق عنقه الدافئ، وهمست بنبرة صوت تفيض بالرومانسية العذبة، والحب الجارف الذي يذيب الصخر:

— مش هسيبك تقع يا مالك.. مش هسيبك طول ما فيا نَفَس في الدنيا دي! أنا قولتلك أنا الساق اللي بتمشي بيها والعين اللي بتشوف بيها.. كبرياءك وجعك وأمك خانتك، بس أنا هنا.. تولين بتاعتك لسه هنا ومش هتمشي وتخليك لوحدك في جحيمهم ده.. ارتاح يا حبيبي.. ارتاح في حضني وم تخافش من حاجة.

شعر "مالك" بغصة خنقت حنجرته، ولأول مرة في حياته منذ أن أصبح رجلاً، شعر بدمعة حارة وحيدة تسيل من عينه الصقرية المغمضة لتسقط على كتف "تولين". استسلم تماماً لدفء حضنها ونقائها، وشعر بأن حصونه الزجاجية وكبريائه الخشبي قد تهاويا بالكامل، ليس بفعل العجز أو الحادث، بل بفعل هذا العشق الأعمى والصادق الذي قذفته الأقدار في طريقه ليحميه من برد العالم الخارجي.

تحرك "ياسين" وسارع بمساعدتها، وأسناد شقيقه الأكبر برفقة عاصم بيه ليأخذوه نحو الأريكة المخملية الكبيرة في الصالون، بينما بقيت يد "تولين" متشابكة بقوة مع يد "مالك" الباردة، معلنة عن بداية صفحة جديدة تُكتب بدماء المؤامرات وجمر الغيرة، ولكن برداء عشق أرستقراطي لن يزول.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أسياد الوجع   الإمبراطور يكسر القيد

    كانت شمس مطلع الفجر تشق عباب السماء بخيوطٍ ذهبية دافئة، تنعكس على جدران قصر "الراوي" الأثرية العتيقة كأنها تمهد الساحة لحدثٍ يترقبه التاريخ المالي والاجتماعي للبلاد. لم تكن هذه النسمات الصباحية لتمر برداً وسلاماً، بل كانت تحمل في طياتها ملامح إعصارٍ قادم من غياهب الصعيد، إعصارٍ لا يبقي ولا يذر، يوشك أن يزلزل عروشاً شُيدت في دهاليز لندن وروما.بفضل وثائق البراءة الجديدة القاطعة التي نسج خيوطها "آسر" بدهاءٍ محاسبي وفني لا غبار عليه من واقع الدفاتر السرية، ومصحوبةً بالتنازل الرسمي الموثق بالدم والمختوم بأختامٍ سيادية والذي قدمه "عبد السلام" باشا لإبراء ذمة زوج ابنته، تحطمت الأغلال. تم الإفراج عن "مالك الراوي" بالأصول الصارمة والوجاهة الاجتماعية الباذخة التي تليق باسمه؛ فلم يكن خروجه مجرد إخلاء سبيل عابر، بل كان زفة ملوكية، وموكباً مهيباً تناقلت أنباءه وكالات الأنباء بره وجوه مصر، ليعلن للجميع أن الصقر قد استرد سماءه، وأن القيد لم يكن إلا استراحة محارب.انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة للبهو الفسيح، ودخل مالك الراوي.كان دخوله أشبه بعاصفة صامتة تجتاح المكان برائحة السيطرة والرج

  • أسياد الوجع   عودة الميت

    كان الصمت الذي أعقب دوي الطلقات الغامضة في ردهات القصر أشبه بسكون المقابر الذي يسبق البعث، صمتٌ ثقيل، لزج، تفوح منه رائحة البارود المحترق والأنفاس المحبوسة في غياهب الفزع. انقشعت غيابة الظلمة ببطء حين عادت الأضواء الخافتة لتداعب جدران المكتب الأبنوسي المغلق لـ "مالك الراوي". وعلى الأرض، كانت جثث المرتزقة الذين حاولوا التصفية ممددة بلا حراك، بعد أن باغتها رصاصٌ مجهول المصدر من النوافذ العلوية الشاهقة، بينما كانت "تولين" تقف مذهولة، كفها المخملية ما زالت متشبثة بقبضة عصا مالك الأبنوسية، وجسدها الممشوق يرتعش بعنفوانٍ يمزج بين رعب اللحظة وأنوثتها الطاغية التي لم يزدها الخطر إلا بريقاً وجاذبية. في تلك اللحظة الرهيبة، انفتح الباب الخشبي الضخم للمكتب ببطء يحمل هيبة جنائزية. دخل رجلٌ يجر خطاه بثقل، رجلٌ ترتعد الفرائص لرؤيته. كان يرتدي معطفاً صوفياً رصاصياً قديماً، ملامحه غائرة كأخاديد حفرها الزمن والقهر، ولحيته البيضاء الكثة تنطق بعقدٍ من العذاب والتواري. وقف في منتصف القاعة وسط ذهول "آسر" الذي تجمدت الدماء في عروقه، وشلل "ياسين" الذي كان جاثياً في زاوية الغرف

  • أسياد الوجع   جَبَرُوتُ العَرْشِ

    كان برج "الراوي" الإداري الشاهق ينطح سحاب العاصمة كمسلة من زجاج وفولاذ، يعكس أشعة الشمس الحارقة التي تبدو واهنة أمام برودة الصراع الدائر في ردهاته. في الطابق الخمسين، كانت قاعة الاجتماعات الكبرى لقطاع الموانئ مهيأة لاستقبال إحدى أخطر جلسات الجمعية العمومية الطارئة في تاريخ المجموعة. الطاولة البيضاوية المصنوعة من خشب الجوز النادر يحيط بها حيتان السوق، رجال أعمال ومستثمرون كبار تلمع في عيونهم شهوة الانقضاض على فريسة جريحة غاب أسدها. كان الهواء مشحوناً بذكورة طاغية غاشمة، ونظرات الشماتة تتربص بالكرسي الشاغر في رأس الطاولة. وفجأة، انفتحت الأبواب الهيدروليكية الضخمة، ودخلت "تولين". لم تكن تسير، بل كانت تطأ الأرض بكبرياء ملوكي وخطوات مدروسة بدقة تزلزل قلوب الحاضرين. كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء حادة الخطوط، مستوحاة من رداء القادة، تلتف حول جسدها الممشوق بدقة متناهية، مبرزة بياض بشرتها المرمرية النقي وعنقها المشرئب بعناد أرستقراطي باذخ. وجهها الرخامي خلا من أي مساحيق تجميل مبالغ فيها، تاركةً لعينيها الصقريتين، اللتين تفيضان بنقاء شرس وذكاء حاد، مهمة إرهاب الحضور. كانت ت

  • أسياد الوجع   عِنَاقُ الأَرْوَاح

    لم تكن الطرقات المؤدية إلى مقر الاحتجاز السري سوى دهاليز من الصمت والوجوم، ممرات معتمة تفوح منها رائحة الرطوبة والحديد البارد، كأنها نفق ممتد نحو الجحيم. غير أن "تولين" كانت تسير في تلك الممرات كملكة منيفة تسير نحو عرشها المستباح، واثقة الخطى، برغم الخفقان الرعديد الذي كان يخلع قلبها بين الضلوع. لقد استخدمت كل ما تملكه عائلتها الأرستقراطية العريقة من نفوذ قانوني باذخ، وعلاقات ضاربة في جذور السلطة والقضاء الدولي، لتنزع هذا اللقاء الاستثنائي، منفرداً، بعيداً عن عيون الرقباء وآذان المخبرين.كانت ترتدي ثوبها الأسود الحازم، الذي بات بمثابة درعها الفولاذي وجناحها الكاسر؛ ثوب يبرز بياض بشرتها المرمرية التي ازدادت شحوباً بفعل السهر واللوعة، لكنه كان يعكس أيضاً عناداً أرستقراطيًا لا يقبل الانكسار.انفتح الباب الحديدي الثقيل بصريرٍ يمزق نياط القلوب، لتدخل إلى غرفة التحقيق المعتمة، الإضاءة شحيحة، تنبعث من مصباح عارٍ متدلٍ من السقف، يسلط ضوءاً مخروطياً أصفر على وسط القاعة. وهناك، في قلب تلك الظلمة الموحشة، رأته.كان "مالك الراوي" مصلوب القامة كعاداته، كالنخلة العاتية التي ترفض أن تن

  • أسياد الوجع   دفاتر الغدر ومؤامرة المليار

    خيّم الليل على قصر "الراوي" ككفنٍ أسود حواشيه الوجوم، وانزاحت جلبة المزاد البغيض وتفرق الحاقدون والشامتون، ليتركوا خلفهم فراغاً يئن في ردهات القصر كريحِ صرصرٍ عاتية. لأول مرة منذ تلك الليلة المشؤومة التي عُصف فيها بأركان الإمبراطورية، وجدت "تولين" نفسها وحيدة، تماماً، في الجناح الرئيسي. ذلك الجناح الذي كان يوماً حصناً منيعاً للحب والسطوة، ومحارباً لا تدخله خطوب الدهر، استحال الآن إلى مساحة شاسعة من الصمت الموحش والبرودة الهالكة.وقفت تولين في منتصف الغرفة، وجسدها الممشوق يبدو ضئيلاً تحت سقفها الشاهق الارتفاع. تلاطمت في أعماقها أمواجٌ عاتية من الصراع النفسي المرير؛ كانت تشعر بأنها امرأة تُركت عارية بلا غطاء في مهب العاصفة، يُطاردها شبح خوفٍ جارف على زوجها، وحبيبها، وسيد قلبها "مالك" المقبع وراء جدرانٍ مصمتة لا ترحم. كان عقلها يصور لها السجون بظلمتها وقسوتها، بينما كان كبرياؤها يرفض أن يرى "الراوي" مكبلاً. أهذا هو الرجل الذي كان بكلمة واحدة منه يُزلزل عروش المال؟ أهذا الذي كانت هيبته تسبق خطاه؟ كيف للأقدار أن تجرؤ على مَسّ طوده؟تحركت بخطواتٍ وئيدة، ثقيلة، كأنما تجر خلفها سلاس

  • أسياد الوجع   اقتحام الحصن

    كان البهو الفسيح في قصر "الراوي" يغرق في دثارٍ من الألق الأرستقراطي الباذخ؛ الثريات الكريستالية المتدلية كعناقيد من نورٍ مصفى تعكس بريقها على الأرضيات الرخامية المصقولة، ورجال المال والأعمال، حيتان البورصة الذين تحرك إيماءاتهم مؤشرات الأسواق العالمية، يتنقلون كأشباحٍ أنيقة يتبادلون همسات الصفقات والمليارات. وفي قلب هذا المحفل، كان "مالك الراوي" يقف كطودٍ شامخ لا تزعزعه عواصف الأرض، مستنداً بكفه العريضة ذات العروق النافرة على مقبض عصاه الأبنوسية ذات الرأس الفضي المصاغ على هيئة صقرٍ كاسر. كانت عيناه الحادتان، بلونهما القاتم وعمقهما المخيف، تجوبان المكان بيقين ملكٍ يجلس على عرشٍ شُيّد من جماجم الخصوم.وعلى مقربةٍ تلتصق به أنفاسها، كانت "تولين".كانت تولين في ذلك المساء تجسيداً حياً لفتنةٍ إغريقية تمردت على لوحات الطين؛ جسدها الممشوق، المرن كغصن ياسمين في مهب نسيم مائع، يلتف بثوبٍ مخملي أسود يبرز بياض بشرتها المرمرية التي تكاد تشفّ عما تحتها من نبضٍ هائج. كانت تفيض برومانسية فطرية، تمزج بين رقة الأنثى وعنفوان الكبرياء. كانت عيناها تسافران في تفاصيل وجه مالك، تقرأ خطوط جبهته العر

  • أسياد الوجع   مواجهة الأفاعي

    لم تكن جدران الحجز المؤقت بمديرية أمن القاهرة، برطوبتها الخانقة وإضاءتها النيون الشاحبة والمصحوبة بوشيش منتظم، كافية لتطويق النزاع العنيف الذي بدأ يلتهم مصائر عائلة الراوي التاريخية بره وجوه مصر. كانت الغرفة الضيقة الملحقة بمكتب التحقيق تفوح برائحة السجائر الرخيصة والورق الرسمي المكدس، لكن عتمتها

  • أسياد الوجع   حرقة الغيرة المذبوحة

    استقرّ الوجوم الواجم في جوف القاعة المظلمة بالفندق الكلاسيكي القديم، وتداخل عواء الرياح المتسللة من النوافذ المتربة برائحة الجبس القديم وعطر مالك الراوي النفاذ الذي فرض سطوته الصارمة على أنفاس الحاضرين. كانت الأوراق المزوّرة الممهورة بتوقيع رفعت المنشاوي ملقاة فوق الطاولة المستديرة، بينما جسد الم

  • أسياد الوجع   الصفقة

    ردت "ليان" بغضب دفين وغير ومحتمل:— بتقولي إيه يا ماما؟! ازاي يعني؟! المفروض طالما هيا عارفة كدا وشايفة جفافه، تتكلم مع بابا وينتهي الاتفاق دا خالص! تولين تستاهل حد يحبها ويقدر رقتها، مش حد يعاملها كأنها فرض واجب!لوت السيدة "فريدة" شفتيها بأسف ومرارة:— وتفتكري أبوكي عاصم هيوافق يا ليان؟ وحتي لو و

  • أسياد الوجع   أقنعة من زجاج

    تسللت خيوط شمس الصباح الباكر عبر الستائر المخملية الثقيلة لفيلا "الراوي"، ذلك الصرح الأرستقراطي المهيب القابع في قلب حي "جاردن سيتي" العريق، حيث يتنفس المكان عبير الثراء الكلاسيكي والتاريخ الذي صُنع بأيدي رجال لا يعرفون الهزيمة. في الممر المؤدي إلى بهو الاستقبال السفلي، كانت الأجواء هادئة إلى حد ال

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status