قصتي مع جلادي

قصتي مع جلادي

last updateآخر تحديث : 2026-06-28
بواسطة:  نهد بكير تم تحديثه الآن
لغة: Arab
goodnovel18goodnovel
لا يكفي التصنيفات
23فصول
69وجهات النظر
قراءة
أضف إلى المكتبة

مشاركة:  

تقرير
ملخص
كتالوج
امسح الكود للقراءة على التطبيق

"فِي طُرُقَاتِ الْحَيَاةِ الْتَقَيْتُهُ صُدْفَةً لِيُصْبِحَ جَلَّادًا لِقَلْبِي..." في متاهة الحياة التقيته، كان بالنسبة لي نوراً أضاء سمائي الملبدة بالسحب، ولكنني لم أكن بالنسبة له سوى لعبة لتقضية الوقت! كنتُ أكنّ له كل شيء.. ولم يكن يوماً لي. لا أعلم لماذا دخل حياتي فجأة، وغادرها غادراً، تاركاً إياي في دوامة مختومة بعذاب لا ينتهي. كيف كان مصيري بعده وقبله؟ أين كنتُ أنا.. ومَن أنا؟

عرض المزيد

الفصل الأول

الفصل الأول: سكون مباغت خلف شاشات الحاضر

عملي الذي يبدو للآخرين سهلاً ومريحاً من خلف الشاشات، ليس بالسهل أبداً. أحياناً أجد نفسي مصلوبة أمام شاشة الكمبيوتر لساعات وساعات طويلة، وعندما أقرر النهوض أخيراً، أشعر بعظام خاصرتي وظهري يطرطقان في بعضهما البعض، كأنما يعاتبانني على كل تلك الأوقات التي أقضيها في التخطيط والتسويق الرقمي.

في تلك الليلة، كان التعب قد بلغ مني مأخذه، وأمي—التي لطامها كانت تعيش بمزاجها الخاص، تطبخ متى أرادت وتمتنع متى أرادت—لم تكن لديها أي رغبة في دخول المطبخ. نظرتُ إليها وقلت براحة:

— "لا داعي للطبخ يا أمي، سأقوم بطلب عشاء خاص من مطعم فاخر."

أجابتني بنبرتها الهادئة المحببة:

— "هذا جيد يا ريم.. ولكن على الأقل، دعيني أحضر بعض المملحات الخفيفة."

تبسمتُ وقلت لها وأنا أعود لهاتفي:

— "أوه يا أمي، افعلي ما شئتِ، أصلاً لم يتبقَّ الكثير من الوقت وسيصل الجميع واحداً تلو الآخر."

(طين.. طين.. طين)

فجأة تعالت رنات جرس الباب. ركضتُ وفتحته لأجد عامل التوصيل يبتسم خلف أكياس الطعام الفاخر. شكرته، وطيلة الساعة التالية، بقيتُ بين فتح الباب واستقبال طلبيات الطعام والحلويات المخصصة للسهرة.

نظرتُ إلى المائدة المستديرة التي امتلأت بما لذ وطاب، وقلت متفاجئة:

— "أمي! لم تخبريني أنكِ أنتِ أيضاً طلبتِ كل هذه الحلويات والفواكه؟"

ردت عليّ وعيناها لا تفارقان صفحات كتابها البوليسي المفضل:

— "زوجة أخيكِ تعشق هذه التفاصيل، وأردتُ أن يكون كل شيء مثالياً."

كان الجو في شقتي الصغيرة الراقية مفعماً بطاقة إيجابية لا تُوصف. كنتُ أشعر باستقرار نفسي داخلي عميق برغم أنني لم أتزوج بعد، ولكن وجود أمي معي كان يمثل لي الدنيا وما فيها. وقبل أذان المغرب بدقائق معدودات، رنّ الجرس مجدداً. فُتح الباب ليدخلوا معاً في نفس اللحظة.

هتفتُ بضحكة:

— "أوه يا إلهي! لقد أتيتم معاً؟ هل هذه صدفة أم كان موعداً مسبقاً؟"

ضحكت أختي إيما وقالت وهي تخطو للداخل:

— "لقد كانت صدفة، أقسم لكِ!"

بينما علقت زوجة أخي بنبرة رقيقة:

— "بل كانت صدفة جميلة جداً."

تأفف أخي أسامة بوقار مصطنع وهو يدفعهم بلطف:

— "هل ستدخلون أم سنقضي السهرة عند عتبة الباب؟ إنكم لا تتغيرون بالمرة!"

تعالت ضحكاتنا، ودخلوا بعد أن غيّروا أحذيتهم وسلموا على أمي واحداً تلو الآخر، وكأنهم يقبلون جدار الأمان في العائلة. لم أتمالك نفسي من مداعبتهم كالعادة فقلت بصوت جهوري:

— "أمي بركة بالنسبة إليكم، لذا من هذا اليوم فصاعداً، من يريد أن يسلم عليها ويأخذ بركتها عليه بدفع ألف دينار!"

التفت إليّ زوج أختي مستنكراً ومبتسماً:

— "أتمزحين؟ هل أصبحتِ تتاجرين بالبركة الآن؟"

ردت عليه إيما فوراً وهي تغمزني:

— "إنها ملكة التسويق يا عزيزي، تستطيع أن تبيع أي شيء، في أي وقت ولأي شخص!"

على طاولة العشاء، تداخلت الأصوات بين ضحكات وحكايات وسمر صيفي دافئ. كانت مايسة، حفيدتنا الأولى والوحيدة في العائلة، تلعب بيننا ونحن نداعبها، حتى قادنا الحديث فجأة للمقارنة والتشابه:

— "إنها تأخذ شيئاً من لون عيني أبيها.. لكنها بيضاء مسمرة بوجنتين محمرتين، تماماً مثل مرحوم جدها..."

بمجرد نطق جملة "مثل مرحوم جدها"، غزا السكوت المفاجئ أهل البيت. سقط صمت ثقيل، سكون يئن بمرارة وكأنها دقيقة صمت حداداً على زمن مضى. وفي قلب هذا السكون المريب، قطعت أمي حبل الصمت بطلب لم تطلبه من قبل أبداً طيلة سنوات.. طلب هز أركان استقرارنا:

— "أريد أن نعود إلى بيت العائلة القديم.. لنقضي العطلة الصيفية هناك."

وقع الطلب على نفسي فجعلها تئن بألم صامت مألوف. تذكرتُ على الفور أنني كنتُ الوحيدة التي لم ترغب في الرحيل من هناك آنذاك، ولم ترغب في الهروب، ولكن الخيار كان خيار أمي.. وأينما تكون أمي، سأكون أنا.

بقي زوج أختي مندهشاً، زاغت عيناه في أرجاء الصالة ولم يعرف أين ينظر، ثم قال بصوت خافت بالكاد يُسمع:

"إيما.. أنتِ تعلمين أنني أعمل شرطياً، وكشرطي ليس لدي وقت فراغ. ابقي أنتِ هنا واذهبي مع والدتكِ وعائلتكِ إلى بيت والدكِ القديم."

لم تجبه إيما بكلمة، بل اكتفت بهز رأسها إلى الأسفل باختناق.

أما أخي أسامة، فتنحنح معتذراً:

— "أنا أيضاً لا أستطيع المجيء معكم، مشغول جداً بالعمل، وفي الأصل لم أكن سأذهب في رحلة هذا الصيف ككل سنة."

نهضت أمي من المائدة بحزمها المعتاد، وقالت ببرود وكأنها كانت تتوقع ردود أفعالهم:

— "كما ترغبون.. لا يهم، ولا أهتم. ولكن أنا، وريم، وإيما، سنذهب غداً بإذنه تعالى."

انتهى العشاء وانفضت السهرة مبكراً على غير العادة. دخلت أمي إلى غرفتها وأغلقت بابها. بينما كانت زوجة أخي نادية ترتب حقيبتها وتستعد للمغادرة، وقفتُ أنا في المطبخ أغسل الأواني وأحاول جرف أفكاري مع المياه المتدفقة.

فجأة، دخل أخي أسامة إلى المطبخ. بدا متوتراً، وانال عليّ بمجموعة من الأسئلة المتلاحقة دفعة واحدة:

— "ريم، هل أمي بخير؟ هل حدث شيء لم تخبرينا به؟ لماذا هذا البيت الآن بالذات؟"

أنا التي هي أنا، أعيش مع أمي في بيت واحد، وأجلس معها طيلة الوقت لأكثر من أربعين سنة.. وجدتُ نفسي أقف عاجزة أمام أسئلته. أنا لا أعرف أمي تماماً، ولا زلت أجهل تفاصيل تفكيرها المعقد والغامض.

توقفتُ عن غسل الصحون، سحبتُ منديلاً ورقياً كان أمامي ومسحتُ يداي ببطء، ثم نظرتُ إليه بعينين متعجبتين وقلت محاولة تهدئته:

— "يا علي.. اسأل سؤالاً واحداً فحسب! أمي اشتقت إلى منزلنا القديم، ربما تشتاق إلى وجودها القديم هناك.. لا أعلم حقيقة ما يدور في رأسها."

عقد حاجبيه وقال بنبرة قلقة:

— "أتمنى فقط ألا يكون الموضوع هو نفس الشيء الذي يدور في رأسي الآن.."

قبل أن يسترسل، قطعت إيما حديثنا وهي تدخل المطبخ قائلة بعتاب:

— "لماذا تفكرون دائماً بطريقة سلبية؟ الأمر عادي جداً! امرأة اشتقت لبيتها الذي عاشت فيه ثلاثين سنة، أهذا شيء يستحق كل هذا الكم من التهويل والتفاعل؟"

ثم استدارت إيما لترافق زوجها إلى أسفل البناية، بينما أطل الصهر علينا مودعاً:

— "إن احتجتم لأي شيء اتصلوا بي فوراً.. دمتم في أمان الله."

بعد دقائق، غادر أخي وزوجته وابنته الصغيرة مايسة. بقيتُ أنا وأختي إيما لوحدنا. جلسنا في شرفة الشقة الراقية، نرتشف ما تبقى من السهرة، ونستبق الأحداث المتسارعة.. نتحدث بهمس عما سنلقاه غداً في منزلنا العائلي القديم، وعن الالام التي تنتظرنا خلف جدرانه المحاطة بمنازل الأعمام.

توسيع
الفصل التالي
تحميل

أحدث فصل

فصول أخرى
لا توجد تعليقات
23 فصول
الفصل الأول: سكون مباغت خلف شاشات الحاضر
عملي الذي يبدو للآخرين سهلاً ومريحاً من خلف الشاشات، ليس بالسهل أبداً. أحياناً أجد نفسي مصلوبة أمام شاشة الكمبيوتر لساعات وساعات طويلة، وعندما أقرر النهوض أخيراً، أشعر بعظام خاصرتي وظهري يطرطقان في بعضهما البعض، كأنما يعاتبانني على كل تلك الأوقات التي أقضيها في التخطيط والتسويق الرقمي. في تلك الليلة، كان التعب قد بلغ مني مأخذه، وأمي—التي لطامها كانت تعيش بمزاجها الخاص، تطبخ متى أرادت وتمتنع متى أرادت—لم تكن لديها أي رغبة في دخول المطبخ. نظرتُ إليها وقلت براحة: — "لا داعي للطبخ يا أمي، سأقوم بطلب عشاء خاص من مطعم فاخر." أجابتني بنبرتها الهادئة المحببة: — "هذا جيد يا ريم.. ولكن على الأقل، دعيني أحضر بعض المملحات الخفيفة." تبسمتُ وقلت لها وأنا أعود لهاتفي: — "أوه يا أمي، افعلي ما شئتِ، أصلاً لم يتبقَّ الكثير من الوقت وسيصل الجميع واحداً تلو الآخر." (طين.. طين.. طين) فجأة تعالت رنات جرس الباب. ركضتُ وفتحته لأجد عامل التوصيل يبتسم خلف أكياس الطعام الفاخر. شكرته، وطيلة الساعة التالية، بقيتُ بين فتح الباب واستقبال طلبيات الطعام والحلويات المخصصة للسهرة. نظرتُ إلى المائدة ال
last updateآخر تحديث : 2026-06-17
اقرأ المزيد
الفصل الثاني: أجنحة منكسرة في عتمة الشرفة
بعد تلك السهرة الطويلة التي تلمسنا فيها دفء العائلة بعد وجبة العشاء، شعرتُ بثقل يربض فوق صدري، ثقلٌ لم تبدده الأحاديث العابرة ولا نسمات الليل.لم نكن أنا وأختي إيما نتسامر في تلك الشرفة كعادتنا، ولم تكن أضواء المدينة الممتدة أمامنا تبعث على البهجة هذه المرة. كنا، بكثير من الألم الصامت، نستخرج ما دُفن في أعماق قلوبنا منذ ذلك اليوم البعيد الذي رحلنا فيه عن منزلنا القديم. طيلة سنوات، لم نتحدث قط عن مشاعرنا، أو بالأحرى.. لم نعد نملك الوقت المناسب لذلك. لطالما كانت إيما هي الأقرب إلى أمي منذ نعومة أظافرها، تقضي جلّ وقتها برفقتها في المنزل، بينما كنتُ أنا بمثابة مدبرة البيت، والمسؤولة عن العمل وتأمين جبهتنا المالية. لقد كنتُ دائماً حزام الأمان للعائلة، ولا زلتُ كذلك حتى اليوم. قطعت إيما حبل الصمت فجأة، ونبرة صوتها تحمل بحّة غريبة لم أعهدها فيها من قبل، قالت وهي تنظر إلى الفراغ: — "تعلمين يا ريم.. بعد زواجي من خالد، نسيتُ كيف أبكي. لم تعد تدمع عيناي، ولم أعد أجد الوقت الكافي لأتذكرهم.. ولكنني، في الوقت ذاته، لا أنساهم أبداً. إنهم أقرب إليّ من أي وقت مضى، يعيشون في داخلي، وأراهم بوضوح كم
last updateآخر تحديث : 2026-06-17
اقرأ المزيد
الفصل الثالث : ارتداد الذاكرة وعتبة الغموض
في تلك اللحظة، مرت عليّ السنون الماضية كلها في لمح البصر؛ اشرأبت الذكريات أمام عيني متلاحقة، وكأنني أدرتُ شريطاً سينمائياً لحياتي بأكملها وعرضته أمام مخيلتي في أقل من دقيقة واحدة.. أقل من دقيقة كانت كافية لتهز ثباتي وتوقظ كل الشياطين النائمة في أعماقي.أدركتُ حينها أن النعاس قد رحل عني تماماً، وأن النوم لن يجرؤ على زيارة جفوني الليلة. فكرتُ في ملاذي الأخير؛ تجربة صلاة الاستخارة. قلت في نفسي ربما إذا وقفتُ بين يدي الله مصليةً وخاشعة، ستهدأ نفسي المضطربة وتنزاح هذه الغمامة عن عقلي الحائر.تحركتُ أخيراً، دخلتُ من الشرفة حابسة أنفاسي، وتوجهتُ بخطى خفيفة نحو الحمام لأتوضأ. وفي طريقي عبر الممر المظلم، اخترق سمعي صوت همس منخفض ومريب.. تسمّرتُ في مكاني، ونبضات قلبي تتسارع بعنف. نعم، إنها أمي.. لم أخطئ صوتها أبداً. ولكن مع معالم الليل المتأخرة وهدوء المنزل، مع مَن كانت تتحدث في هذا الوقت المتأخر وبهذه السرية التي تثير الرعب في النفس؟ حاولت لبرهة أن أسترق السمع و لكن فوجئت بها تفتح باب غرفتها لقد ادهشتني و ارعبتني حقا صرخت انا و هي اشتكت .. ماذا كنت تفعلين عند باب غرفتي ؟ هكذا تسألت أمي و حت
last updateآخر تحديث : 2026-06-17
اقرأ المزيد
الفصل الرابع: عيون غريبة خلف الجدار المشؤوم
بعد نزولنا من السيارة وحملنا حقائبنا الثقيلة. كان المكان هادئاً على غير عادته التي عرفتها. لم يكن الحي هكذا أبداً في أيام طفولتي أو مراهقتي، فقد كانت الأصوات والضحكات تملأ الأرجاء، ولكن تلك الضحكات بدأت ترحل وتخبو مع رحيل جدي وجدتي—رحمهما الله—. أصبحت الأصوات أقل، ثم بدأت تلك الضحكات والأجساد الشابة تتزوج وترحل واحداً تلو الآخر، حتى تحول البيت العائلي الكبير إلى مجرد مكان لإقامة العجائز، حيث يندر أن تسمع صوتاً عالياً يصل إلى آخر الطريق.كان صوته اول ما جذبني هو أنه هو هكذا كنت احدث نفسي لطالما كانت أمي تكرهه في الحقيقة الامر انا لا ألومها عندما استدرت لم اجد شيئا ظننت في لحظة ربما كانت مجرد مزحة منهما. و لم اجرء على سؤالهما لأنني لم أستطيع مواجهة الحقيقة .دخلنا من الباب الكبير و صعدنا الأدراج المؤدية إلى شقتنا القديمة.. درجة درجة. تغيرت الأدوار والترتيب بمرور السنوات؛ فمن كانت الأولى في الصعود دائماً أصبحت متأخرة وتلهث، والتي كانت تتباطأ وتتأخر أصبحت عند الباب مباشرة. وقفتُ أمام الباب الخشبي المألوف، والتفتُ قائلة: — "ماما.. أين المفتاح؟" وقبل أن تمد أمي يدها إلى حقيبتها، وقبل أن
last updateآخر تحديث : 2026-06-17
اقرأ المزيد
الفصل الخامس: نفاق الزغاريد والندوب القديمة
في ذاكرتي وكأننا كنا نهرب من هويتنا القديمة ومن انكسارنا. نفضنا أفكار الماضي وبدأنا العمل. نظفنا غرفة نوم أمي، وغرفتي، والصالون، والمطبخ، بالإضافة إلى الحمام. بعد ساعات من الجهد الشاق والتنظيف، أخذنا دوشاً دافئاً وجلسنا في المطبخ. أمي، كعادتها دائماً، تكون الأكثر تدبيراً؛ فقد جلبت معها بقايا طعام من ثلاجة شقتنا الحديثة لنسد بها رمقنا. بينما كنا جالسين حول المائدة الصامتة، تعالت طرقات على الباب: (دق.. دق.. دقتين متتاليتين). نهضتُ فوراً لأرى من الزائر؛ قلتُ في نفسي ربما تكون تلك المرأة الغريبة التي رأيناها في الصباح، أو ربما أخي أسامة غلبه قلقه وعاد ليطمئن علينا. وعندما فتحت الباب، لم يكن أحدهما، بل كانت زوجة عمي عمار، التي تقع شقتها أسفل شقتنا تماماً. تفاجأت المرأة برؤيتي واقفت أمامها، واتسعت عيناها وهي تهتف: — "ياه! ريم؟ لقد عدتم إذن!" سلمتُ عليها بتهذيب مصطنع وقلت: — "أهلاً يا زوجة عمي، تفضلي بالدخول." ردت وهي تتلصص بعينيها داخل الرواق: — "لقد سمعتُ حركة جلبة وأصوات تنظيف في الأعلى، فصعدتُ لأرى ما الأمر.. لدرجة أنني قلت في نفسي ربما بدأتُ أخرف وأتخيل أصواتاً!" في تلك اللحظة
last updateآخر تحديث : 2026-06-17
اقرأ المزيد
الفصل السادس: عطر ورد وعتبة الماضي
طأطأتُ رأسي، ولمحتُ في الأسفل، تحت رفوف المكتبة الثقيلة، صندوقاً قديماً مخفياً بعناية. انحنيتُ وسحبته ببطء، نفضت عنه الغبار، ثم وضعته فوق السرير. فتحت غطاءه المهترئ والفضول ينهشني لأرى وأتذكر ما الذي خبأته فيه قبل ثماني سنوات. وهناك، بين طيات الماضي البعيد والغارق في العتمة، وجدتُ مذكرتي.. إحدى أغلى مذكرات حياتي على الإطلاق، تلك التي كنتُ أظن يقيناً أنها ضاعت مني للأبد وسط زحام الرحيل. كانت تلك المذكرة تحمل جميع أسراري، وكل قصص الماضي التي عشتها بحلوها ومرها. لطالما عشتُ طوال مراهقتي وشبابي في خوف دائم، وترصد مستمر، خشية أن تقع هذه الورقات في يد شخص غريب يهددني بها ويكشف ستري؛ لقد كانت هذه المذكرة—رغم بساطتها—هي نقطة ضعفي الكبرى. أنا لا أفقه كثيراً في علم النفس وخباياه، ولكنني في تلك اللحظة شعرتُ براحة غامضة واطمئنان غريب لمجرد إيجادها. وبمجرد أن فتحتُ غلافها ولمحت عيناي السطور الأولى في الصفحة الأولى، شعرتُ وكأنني اخترقتُ حاجز الزمن ودخلتُ عالماً آخر.. العالم الذي عشتُ فيه تفاصيل أيامي بكل ما فيها من فرح دافئ ومرارة قاسية. فجأة، فاحت في ذاكرتي رائحة عطر "الورد " المألوف، وعدتُ بكل
last updateآخر تحديث : 2026-06-17
اقرأ المزيد
الفصل السابع : العودة إلى الماضي و لقائي مع أحباء
وفي تلك الحقبة من المراهقة، كانت لابنة عمي قصة حب خفية؛ كان لديها حبيب يقضي فترة خدمته العسكرية الإجبارية. وطوال مدة غيابه، كان السبيل الوحيد لتواصلهما هو الرسائل الورقية عبر البريد، لكن ليس البريد التقليدي، بل عن طريق صديق مقرب له يتنقل بين الحي وثكنته. وكنتُ أنا، ببراءتي المفرطة، همزة الوصل السرية بينهما، أو إن صح القول.. كنتُ بمثابة "مراسل البريد الخاص" الذي ينقل الرسائل المكتوبة بلهفة ويعود بالأجوبة. فعلاً.. كم كنتُ ساذجة وطيبة القلب في تلك الأيام!وفي يوم من أيام شهر ديسمبر الباردة، خرجتُ كالعادة لأُسلم هذا الصديق الوسيط رسالة جديدة من ابنة عمي. وبعد انقضاء بضعة أيام، لا أعلم كيف تقاطعت دروبنا مجدداً، لكنني رأيته في مكان آخر بالصدفة؛ مشينا معاً على حافة الطريق الطويل، تكرر هذا السير المتباعد لعدة مرات، وتجاذبنا أطراف الحديث العفوي، مما جعل المشاعر البريئة تتسلل بيننا بهدوء، وتتطور دون أن نشعر.. حتى استيقظتُ ذات صباح لأجد أنه أصبح لدي حبيب أنا أيضاً، يشاركني برد ديسمبر ودفء الرسائل.وفي أوج غرق عاطفتي الناشئة وتلك المشاعر المندفعة في خيالي، اخترق صمت الغرفة فجأة صوت أمي الحقيقي وه
last updateآخر تحديث : 2026-06-17
اقرأ المزيد
الفصل الثامن: الوداع البارد ولحظة الإدراك
في الليلة التي سبقت الفاجعة، كانت غرفتي تضج بالحياة والأمل. كنتُ مجتمعة في مكالمة جماعية مع صديقاتي؛ لامية وليليا. كنا نتحدث بشغف عن حلم قديم، حلم ولد معنا منذ أيام الصبا وظل يلمع في أرواحنا دون أن نمنحه الأولوية المطلوبة وسط زحام الحياة، وهو السفر والتوجه إلى الصين. لم يكن مجرد فكرة عابرة، بل كنا قد بدأنا بالفعل بالتحضيرات الفعلية والجادة قبل سنتين من ذلك الوقت. وسط نقاشنا المتحمس عن تفاصيل السفر والخطوات الأخيرة، قطعت لامية حبل أفكاري بسؤال مفاجئ: — "ريم، ألن تغيري رأيكِ في الذهاب إلى فرنسا؟" نظرتُ إلى شاشة الهاتف، وتأملت سؤالها لثوانٍ قبل أن أرد بكل ثقة وعزة نفس: — "ولماذا أغير هدفي الآن؟ الصين هي وجهتي." هنا تدخلت ليليا، وقالت بنبرة تحمل الكثير من العتاب المبطن: — "حققاً؟ محمود قام بإرسال رسائل كثيرة لكِ، وطلب منكِ الزواج أيضاً عدة مرات!" شعرتُ بغصة خفيفة، لكن كبريائي كان أسرع، فأجبتها والكلمات تخرج من قلبي محملة بمرارة الماضي: — "عندما كان داخل البلاد لم يطلب الزواج، والآن بعد أن أصبح وراء البحار تذكرني وأصبح يطلب ذلك؟ وكأنني كنتُ أنتظر هذا العرض بلهفة.. ألا يبدو
last updateآخر تحديث : 2026-06-17
اقرأ المزيد
الفصل التاسع: مخلفات المواجع وارتداد مسؤولية
عندما رن هاتف زوجة عمي في تلك الليلة المشؤومة، لم تكن تملك الشجاعة أو القدرة على نطق الحقيقة أمام أمي؛ فأمي كانت منهارة مسبقاً، وقلبها يعتصر بخوف غامض. اكتفت زوجة عمي بإخبارها بنبرة مرتجفة بأن وليد في غيبوبة فقط، محاوِلةً تأجيل الفاجعة لثوانٍ معدودات. وفي تلك الأثناء، كنتُ أنا أقف في الشرفة، أنظر إلى السماء وأتنفس القلق، أدعو الله من كل جوارحي أن يكون بخير، وأن يمر هذا الكابوس بسلام. وسط هذا الترقب الخانق، لمحتُ حركة غير عادية في الرواق؛ كان أحد أبناء عمي يحاول التحدث مع أختي بنبرة هامسة ومليئة بالارتباك. لم أتمالك نفسي، ركضتُ نحوه بجرأة الخائفة وسألته بلهفة: "هل هناك خبر؟ هل اتصل أبي؟ أخبرني أرجوك!". في تلك اللحظة بالذات، قطعت الهمسات كلمات ابن عمي "نوح" وهو يوجه حديثه لزوجة عمي بحسم وحزن: "لا.. لا يمكنكِ إخفاء هذا عنها، دعيها تعرف الحقيقة". كنتُ أنظر إليهما وعقلي عاجز عن استيعاب ما يدور حولي، كأنهم يتحدثون بلغة لا أفهمها. التفتّ إليّ نوح، وأخذني جانباً، ووضع يده على كتفي قائلاً بكلمات سقطت عليّ كالصاعقة: "ريم.. يجب أن تكوني قوية.. الله أخذ أمانته". شعرتُ بصدمة عنيفة ضربت عمق ق
last updateآخر تحديث : 2026-06-18
اقرأ المزيد
الفصل العاشر: تسلل محمود إلى قلبي المجروح
عند رؤيتي لاتصاله بي في تلك الساعة المتأخرة من الليل، وليست مكالمة صوتية حتى، بل كانت مكالمة فيديو، شعرتُ برعشة سرت في أطرافي وظلام غرفتي الصامتة يتلاشى أمام ضوء الشاشة. حدقتُ في اسمه الذي يلمع، وأكثر ما شعرتُ به في تلك الثواني القاتلة هو الحنين الجارف إلى أيام الماضي؛ الأيام البعيدة والفريدة التي من خلالها تسلل محمود إلى حياتي أول مرة، معلناً بغروره المعهود وثقته المفرطة أنني ملكيته الخاصة، وأن قوانينه هي التي ستسري عليّ.تركتُ الهاتف يهتز بين يدي، وسافرت برأسي إلى الخلف، متسائلة كيف لركام الحزن الحالي الذي خلّفه رحيل أخي "وليد" أن يتقاطع مجدداً مع هذا الإنسان. لم يكن محمود الرجل الأول الذي يطرق أبواب قلبي المثقل، ولم يكن الثاني، ولا حتى الثالث. لقد جاء في وقتٍ سابق كنتُ قد ملأتُ فيه قلبي بالندوب والخيبات التي تركتها تجارب الماضي خلفها، تاركة وراءها امرأة حذرة لا تثق بالكلمات المعسولة بسهولة. كان الكثير ممن حولي، حين يرون ملامحه أو يستمعون إلى حديثه، يخبرونني بثقة أنه سيكون بمثابة البلسم الذي سيشفي جروحي القديمة، بينما كنتُ أنا في داخلي أضحك بطريقة هيستيرية، لأنني أعلم أن القلوب التي
last updateآخر تحديث : 2026-06-18
اقرأ المزيد
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status