تسجيل الدخول"فِي طُرُقَاتِ الْحَيَاةِ الْتَقَيْتُهُ صُدْفَةً لِيُصْبِحَ جَلَّادًا لِقَلْبِي..." في متاهة الحياة التقيته، كان بالنسبة لي نوراً أضاء سمائي الملبدة بالسحب، ولكنني لم أكن بالنسبة له سوى لعبة لتقضية الوقت! كنتُ أكنّ له كل شيء.. ولم يكن يوماً لي. لا أعلم لماذا دخل حياتي فجأة، وغادرها غادراً، تاركاً إياي في دوامة مختومة بعذاب لا ينتهي. كيف كان مصيري بعده وقبله؟ أين كنتُ أنا.. ومَن أنا؟
عرض المزيدعملي الذي يبدو للآخرين سهلاً ومريحاً من خلف الشاشات، ليس بالسهل أبداً. أحياناً أجد نفسي مصلوبة أمام شاشة الكمبيوتر لساعات وساعات طويلة، وعندما أقرر النهوض أخيراً، أشعر بعظام خاصرتي وظهري يطرطقان في بعضهما البعض، كأنما يعاتبانني على كل تلك الأوقات التي أقضيها في التخطيط والتسويق الرقمي.
في تلك الليلة، كان التعب قد بلغ مني مأخذه، وأمي—التي لطامها كانت تعيش بمزاجها الخاص، تطبخ متى أرادت وتمتنع متى أرادت—لم تكن لديها أي رغبة في دخول المطبخ. نظرتُ إليها وقلت براحة: — "لا داعي للطبخ يا أمي، سأقوم بطلب عشاء خاص من مطعم فاخر." أجابتني بنبرتها الهادئة المحببة: — "هذا جيد يا ريم.. ولكن على الأقل، دعيني أحضر بعض المملحات الخفيفة." تبسمتُ وقلت لها وأنا أعود لهاتفي: — "أوه يا أمي، افعلي ما شئتِ، أصلاً لم يتبقَّ الكثير من الوقت وسيصل الجميع واحداً تلو الآخر." (طين.. طين.. طين) فجأة تعالت رنات جرس الباب. ركضتُ وفتحته لأجد عامل التوصيل يبتسم خلف أكياس الطعام الفاخر. شكرته، وطيلة الساعة التالية، بقيتُ بين فتح الباب واستقبال طلبيات الطعام والحلويات المخصصة للسهرة. نظرتُ إلى المائدة المستديرة التي امتلأت بما لذ وطاب، وقلت متفاجئة: — "أمي! لم تخبريني أنكِ أنتِ أيضاً طلبتِ كل هذه الحلويات والفواكه؟" ردت عليّ وعيناها لا تفارقان صفحات كتابها البوليسي المفضل: — "زوجة أخيكِ تعشق هذه التفاصيل، وأردتُ أن يكون كل شيء مثالياً." كان الجو في شقتي الصغيرة الراقية مفعماً بطاقة إيجابية لا تُوصف. كنتُ أشعر باستقرار نفسي داخلي عميق برغم أنني لم أتزوج بعد، ولكن وجود أمي معي كان يمثل لي الدنيا وما فيها. وقبل أذان المغرب بدقائق معدودات، رنّ الجرس مجدداً. فُتح الباب ليدخلوا معاً في نفس اللحظة. هتفتُ بضحكة: — "أوه يا إلهي! لقد أتيتم معاً؟ هل هذه صدفة أم كان موعداً مسبقاً؟" ضحكت أختي إيما وقالت وهي تخطو للداخل: — "لقد كانت صدفة، أقسم لكِ!" بينما علقت زوجة أخي بنبرة رقيقة: — "بل كانت صدفة جميلة جداً." تأفف أخي أسامة بوقار مصطنع وهو يدفعهم بلطف: — "هل ستدخلون أم سنقضي السهرة عند عتبة الباب؟ إنكم لا تتغيرون بالمرة!" تعالت ضحكاتنا، ودخلوا بعد أن غيّروا أحذيتهم وسلموا على أمي واحداً تلو الآخر، وكأنهم يقبلون جدار الأمان في العائلة. لم أتمالك نفسي من مداعبتهم كالعادة فقلت بصوت جهوري: — "أمي بركة بالنسبة إليكم، لذا من هذا اليوم فصاعداً، من يريد أن يسلم عليها ويأخذ بركتها عليه بدفع ألف دينار!" التفت إليّ زوج أختي مستنكراً ومبتسماً: — "أتمزحين؟ هل أصبحتِ تتاجرين بالبركة الآن؟" ردت عليه إيما فوراً وهي تغمزني: — "إنها ملكة التسويق يا عزيزي، تستطيع أن تبيع أي شيء، في أي وقت ولأي شخص!" على طاولة العشاء، تداخلت الأصوات بين ضحكات وحكايات وسمر صيفي دافئ. كانت مايسة، حفيدتنا الأولى والوحيدة في العائلة، تلعب بيننا ونحن نداعبها، حتى قادنا الحديث فجأة للمقارنة والتشابه: — "إنها تأخذ شيئاً من لون عيني أبيها.. لكنها بيضاء مسمرة بوجنتين محمرتين، تماماً مثل مرحوم جدها..." بمجرد نطق جملة "مثل مرحوم جدها"، غزا السكوت المفاجئ أهل البيت. سقط صمت ثقيل، سكون يئن بمرارة وكأنها دقيقة صمت حداداً على زمن مضى. وفي قلب هذا السكون المريب، قطعت أمي حبل الصمت بطلب لم تطلبه من قبل أبداً طيلة سنوات.. طلب هز أركان استقرارنا: — "أريد أن نعود إلى بيت العائلة القديم.. لنقضي العطلة الصيفية هناك." وقع الطلب على نفسي فجعلها تئن بألم صامت مألوف. تذكرتُ على الفور أنني كنتُ الوحيدة التي لم ترغب في الرحيل من هناك آنذاك، ولم ترغب في الهروب، ولكن الخيار كان خيار أمي.. وأينما تكون أمي، سأكون أنا. بقي زوج أختي مندهشاً، زاغت عيناه في أرجاء الصالة ولم يعرف أين ينظر، ثم قال بصوت خافت بالكاد يُسمع: "إيما.. أنتِ تعلمين أنني أعمل شرطياً، وكشرطي ليس لدي وقت فراغ. ابقي أنتِ هنا واذهبي مع والدتكِ وعائلتكِ إلى بيت والدكِ القديم." لم تجبه إيما بكلمة، بل اكتفت بهز رأسها إلى الأسفل باختناق. أما أخي أسامة، فتنحنح معتذراً: — "أنا أيضاً لا أستطيع المجيء معكم، مشغول جداً بالعمل، وفي الأصل لم أكن سأذهب في رحلة هذا الصيف ككل سنة." نهضت أمي من المائدة بحزمها المعتاد، وقالت ببرود وكأنها كانت تتوقع ردود أفعالهم: — "كما ترغبون.. لا يهم، ولا أهتم. ولكن أنا، وريم، وإيما، سنذهب غداً بإذنه تعالى." انتهى العشاء وانفضت السهرة مبكراً على غير العادة. دخلت أمي إلى غرفتها وأغلقت بابها. بينما كانت زوجة أخي نادية ترتب حقيبتها وتستعد للمغادرة، وقفتُ أنا في المطبخ أغسل الأواني وأحاول جرف أفكاري مع المياه المتدفقة. فجأة، دخل أخي أسامة إلى المطبخ. بدا متوتراً، وانال عليّ بمجموعة من الأسئلة المتلاحقة دفعة واحدة: — "ريم، هل أمي بخير؟ هل حدث شيء لم تخبرينا به؟ لماذا هذا البيت الآن بالذات؟" أنا التي هي أنا، أعيش مع أمي في بيت واحد، وأجلس معها طيلة الوقت لأكثر من أربعين سنة.. وجدتُ نفسي أقف عاجزة أمام أسئلته. أنا لا أعرف أمي تماماً، ولا زلت أجهل تفاصيل تفكيرها المعقد والغامض. توقفتُ عن غسل الصحون، سحبتُ منديلاً ورقياً كان أمامي ومسحتُ يداي ببطء، ثم نظرتُ إليه بعينين متعجبتين وقلت محاولة تهدئته: — "يا علي.. اسأل سؤالاً واحداً فحسب! أمي اشتقت إلى منزلنا القديم، ربما تشتاق إلى وجودها القديم هناك.. لا أعلم حقيقة ما يدور في رأسها." عقد حاجبيه وقال بنبرة قلقة: — "أتمنى فقط ألا يكون الموضوع هو نفس الشيء الذي يدور في رأسي الآن.." قبل أن يسترسل، قطعت إيما حديثنا وهي تدخل المطبخ قائلة بعتاب: — "لماذا تفكرون دائماً بطريقة سلبية؟ الأمر عادي جداً! امرأة اشتقت لبيتها الذي عاشت فيه ثلاثين سنة، أهذا شيء يستحق كل هذا الكم من التهويل والتفاعل؟" ثم استدارت إيما لترافق زوجها إلى أسفل البناية، بينما أطل الصهر علينا مودعاً: — "إن احتجتم لأي شيء اتصلوا بي فوراً.. دمتم في أمان الله." بعد دقائق، غادر أخي وزوجته وابنته الصغيرة مايسة. بقيتُ أنا وأختي إيما لوحدنا. جلسنا في شرفة الشقة الراقية، نرتشف ما تبقى من السهرة، ونستبق الأحداث المتسارعة.. نتحدث بهمس عما سنلقاه غداً في منزلنا العائلي القديم، وعن الالام التي تنتظرنا خلف جدرانه المحاطة بمنازل الأعمام.في الأسبوع الثالث من ثلاثين يوماً للتعارف مع خطيبي، بدأ هذا الأخير يكشف أسراره الدفينة. لقد حكى لي قصصه الغريبة مع العديد من النسوة اللواتي قام بخطبتهن ثم تركهن معلّقات، ليذهب إلى أخرى، وهكذا استمرت حياته لمدة ثلاث سنوات... كانت كلماته تتساقط في أذني كحجارة ثقيلة، كل واحدة منها تحدث دوياً داخلياً، وتترك ندبة في قلبي. وليس هذا فقط، فقد سألته: "هل أصابك مسّ أو جن؟ "قال ببرود: "لا، أنا فقط كنت أشعر بالملل منهن." كان صوته بارداً كريح شتوية، يصف كيف كان يغيّرهن كأنه يغيّر قميصه... عندها شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي، وأنني مجرد قطعة قماش في نظره، بلا روح ولا قيمة. فتساءلت مرة أخرى، وأنا أقاوم ارتجاف صوتي: "وماذا عني؟ هل أبدو لك كقميص يمكنك تبديله متى شئت ذلك؟" قال: "لا، أنتِ شيء آخر، لست مثلهن. هنّ أتين مجاناً، لم أفقد معهن الكثير. ولكن أنتِ... خالتك مدينة لي بمبلغ مهرك، لذلك مهرك تم دفعه مسبقاً." يا لها من فرحة( الفرحة تعني انني كنت انتظر باللهفة لكي يقول هذه الكلمات لأجمع دالائل ) أحسست بها تلك اللحظة، فرحة مشوبة بالمرارة، كأنها كأس ماء بارد في صحراء، لكنه ممزوج بملح يلسع الحل
مرت أيام وأيام، والسيد عادل يتصل بي في كل وقت تقريباً. أكثر ما كان يحيرني: ألهذه الدرجة لديه فراغ؟ أليس لديه عمل؟ هاتفي الذي كان لا يسمع رنته إلا مرة في الشهر أصبح وكأنه مكتب استعلامات، كل دقيقة يرنّ، يهتز على الطاولة كطائر محبوس يحاول الإفلات، وصوته يخترق سكون البيت مثل صفارة إنذار مزعجة.كنت أراقب الهاتف وهو يضيء فجأة في منتصف الليل، يقطع الظلام بوميض أحمر كعين متربصة، فأشعر أنني مراقَبة حتى وأنا في غرفتي. كل رنين كان يوقظ في داخلي شعوراً بالاختناق، كأنني أتنفس دخاناً ثقيلاً يملأ صدري.أول اتصال يبدأ يومه قبل أن تشرق الشمس، قبل أن يكتسي الأفق بخيوطها الذهبية. في البداية ظننت أنه يحاول إيقاظي لصلاة الفجر، لكنني تفاجأت أن سبب إيقاظه لي كان من أجل أبناء أخيه...وذلك صباح اتصل بي:– "لماذا أنت كسولة جداً؟!"كان صوته حاداً، كأنه سهم يخترق أذني، نبرته عالية كصفعة باردة.– "ليس الكسل، وإنما إذا نهضتُ في الخامسة صباحاً ماذا سأفعل؟ ليس لدينا أبقار تنتظر أن نحلب حليبها." هكذا أجبته، وأنا أتنفس ببطء لأكبح غضبي، أسمع أنفاسي تختلط بطنين الهاتف.– "في بيتي هذا هو الوقت الذي ستستيقظين فيه."– "عند
غادر عادل وعائلته منزلنا المتواضع، تاركين خلفهم "ريم" التي حسمت أمرها في أعماق نفسها: استحالة أن يكون هذا الرجل شريكاً لحياتها. كانت الفجوة بينهما سحيقة، فبينما أحلم أنا بالاستقرار والروحانية، كان هو يمثل عالماً من الجمود والنرجسية. كنت أدرك بيقينٍ بارد أن الارتباط به لن ينتهي إلا بامرين: إما طلاقٌ مبكر، أو ضياع أبدي في تلك المدينة البعيدة، القابعة وسط الكثبان الرملية الذهبية، حيث لا صوت يعلو فوق صوت طموحاته.كان أفراد العائلة مشغولين بإعادة ترتيب البيت بعد صخب الضيوف، فغلف الصمتُ الموضوعَ مؤقتاً. لكن في أمسية ذلك اليوم، وبينما كانت القهوة توزع برائحتها المرة، فجرت خالتي الكبرى القنبلة حين قالت بنبرة لا تقبل التردد:– "أمامكم أسبوع واحد فقط لتقرروا؛ قبول أو رفض خطوبة عادل على ريم."وضع والدي فنجانه ببطء على الطاولة، وبدت عليه ملامح التفكير:– "يجب أن أبعث شخصاً لتلك المنطقة، ليسأل عنه وعن أهله."تدخلت خالتي بسرعة وكأنها تدافع عن قضية شخصية:– "أنا هنا! اسألني أنا، أعرفهم جيداً. هم أناس طيبون، لا تقلق من هذه الناحية. بل إني سأكون هناك بجانبها، داعمة لها في كل خطوة."لم أستطع الصمت أكثر
كانت خالتي قد أوصته مسبقاً بأن يتصل بها فور وصوله حتى تنزل لاستقبالهم، لكنهم خالفوا التوقعات وأتوا دون سابق إنذار. استقبلهم عمي في الأسفل ورحب بهم، بينما كانت بنات عمي يتلصصن عليهم من شرفة غرفتي. كنتُ في قمة توتري، شعورٌ غريب ومغصٌ شديد ينهش معدتي وكأنني على وشك مواجهة مصيري لا مجرد رؤية شرعية. ناديت ابنة عمي بحدة: "أنا أكاد أموت من التوتر وأنتن هنا تضيعن الوقت!" ضحكت أسماء وقالت: "ما كل هذا الدلع يا ابنة عمي؟" حسبما فهمت من ريحانة، فقد أتى هو ومعه زوجة أخيه وابنتها فقط. دخل الرجال إلى صالة الجلوس، بينما دلف النساء إلى الغرفة المخصصة لهن، حيث بدأت طقوس الترحيب والأسئلة التي لا تنتهي. في غرفتي، كنتُ أقبض على بطني بقوة بينما تنتظر ابنة عمي "الضوء الأخضر" لتنطلق وتستطلع الأجواء. مرّت الدقائق ثقيلة كأنها دهور، حتى بدأ النعاس يثقل جفوني من شدة الضغط النفسي. فجأة، دخلت خالتي تطلب مني الصعود إليهم. دخلتُ الغرفة، ويا ليتني ما دخلت! قلت بصوت خافت: "السلام عليكم". توجهتُ إلى ابنة أخيه التي تجلس في طرف المقعد، سلمتُ عليها وسألتها عن أحوالها. مررتُ بجانبها لأصل إلى زوجة أخيه، كنتُ أحاول أن





