登入المهمة الأولىلم يكن فجر اليوم التالي يشبه أي صباح آخر داخل الأكاديمية.غطى الضباب الخفيف ساحة التدريب، بينما وقف عشرات المتدربين مصطفين في هدوء غير معتاد، وكل منهم يرتدي الدرع الأسود الرسمي للصيادين، ويحمل سلاحه استعدادًا للانطلاق.وقف مدير الأكاديمية أمامهم، يراقب الوجوه واحدًا تلو الآخر.كانت عيناه تتوقفان قليلًا عند لورين.رآها تقف مستقيمة القامة، وقد ربطت شعرها بإحكام خلف رأسها، بينما استقر قوسها على ظهرها، يتدلى إلى جانبه جعبتها المملوءة بالسهام الفضية، وإلى خصرها خنجر والدها الذي لم يفارقها يومًا.اقترب منها المدير بهدوء.قال بصوت منخفض حتى لا يسمعه أحد:"هذه أول مهمة لكِ بعد اعتمادك رسميًا."أومأت بثبات."لن أخيب ظنك."ابتسم ابتسامة صغيرة."لا تحاولي إثبات أنك الأقوى... حاولي فقط أن تعودي سالمة."للحظة...شعرت لورين وكأنها تسمع والدها.فاكتفت بإيماءة صامتة.في الجهة المقابلة، كان دارين يراجع أسماء أفراد الفريق."لورين.""حاضرة.""إلياس.""حاضر.""مارك.""حاضر."ثم توقف قليلًا قبل أن ينطق الاسم الأخير."كاسيان."رفع كاسيان يده بهدوء.وقف بجوار المجموعة وكأنه واحد منهم فقط، بينم
الحقيقة التي أخفاها الموتلم تغادر كلمات الوصي آذانهم، لكنها كانت كافية لتقلب كل ما ظنت لورين أنها تعرفه عن والدها.ظل الصمت يسيطر على القاعة، حتى إن صوت احتكاك المشاعل بالجدران الحجرية بدا مرتفعًا بصورة غير معتادة. أما الجنود، فتبادلوا النظرات في حيرة، بينما لم يجرؤ أحد على طرح السؤال الذي كان يدور في أذهان الجميع.كانت لورين أول من كسر ذلك الصمت.قالت بصوت امتزج فيه الارتباك بالغضب:"هذا مستحيل... أبي قضى حياته كلها في قتال مصاصي الدماء."نظر إليها الوصي بهدوء."نعم... قاتل الوحشيين حتى آخر يوم في حياته."هزت رأسها بعنف."لا... أنت تحاول تضليلنا."اقترب القائد خطوة، ثم رفع يده في إشارة للجميع ألا يتدخلوا.كان يعلم أن هذه المواجهة لا بد أن تتم.قال الوصي بصوت هادئ:"هل أخبرك والدك يومًا أن جميع مصاصي الدماء أعداء؟"توقفت.حاولت أن تتذكر.كانت تستعيد ليالي طفولتها القليلة مع والدها قبل المذبحة.تذكرت تدريباته الصارمة...وتحذيراته المتكررة...لكنها لم تتذكر أنه قال تلك الجملة صراحة.لاحظ الوصي ترددها.فأكمل:"لقد علمك كيف تميزين الوحش من خصمك... لكنه لم يملك الوقت ليخبرك أن العالم أكثر
تجمدت الدماء في عروق الجميع فور انبعاث الهمسة من خلف الباب الحجري."...لورين."لم يكن الصوت مرتفعًا، لكنه لم يشبه صوت إنسان أو وحش، بل بدا كأنه خرج من أعماق الأرض نفسها، حاملاً ثقل قرون طويلة من الصمت، حتى إن جدران القاعة ارتجفت ارتجافة خفيفة، وارتفعت سحابة رقيقة من الغبار من بين الشقوق القديمة.شعرت لورين بقلبها يقفز داخل صدرها.حدقت في الباب العملاق بعينين متسعتين، ثم همست بصعوبة:"هو... نادى اسمي؟"لم يجبها أحد.كان الذهول قد شل الجميع.حتى القائد، الذي اعتاد مواجهة أخطر المواقف، وجد نفسه عاجزًا عن تفسير ما يحدث أمامه.أما دارين، فتقدم خطوة أمام لورين بصورة غريزية، رافعًا سيفه وهو يقول بجدية:"ابتعدي عن الباب."لكن الوصي الأخير رفع يده بهدوء."لا."توقف دارين مكانه.نظر إليه الوصي بعينين تخفيان حزنًا قديمًا."لن يؤذيها."انعقد حاجبا القائد."وكيف تعرف ذلك؟"تنهد الوصي ببطء، ثم قال:"لأن الباب... لم يستيقظ إلا من أجلها."تسارعت همسات الجنود.أما لورين، فشعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها."أنا؟! لكنني لم آتِ إلى هنا من قبل."ابتسم الوصي ابتسامة باهتة."أنتِ لم تأتي... لكن دمك جاء."ساد
الوصي الأخيرسادت القاعة رهبة لم يعهدها أحد من قبل، حتى التماثيل الحجرية التي كانت قبل لحظات تضرب الأرض بأقدامها العملاقة وقفت ساكنة كأن الزمن نفسه توقف بأمر ذلك القادم الغامض. لم يعد يُسمع سوى صوت خطواته الهادئة المنتظمة وهي تقترب من قلب القاعة، بينما كان ذلك النور الذهبي المحيط بجسده يبدد الظلام شيئًا فشيئًا دون أن يكشف ملامحه كاملة.شد القائد قبضته على سيفه، لكنه لم يأمر بالهجوم.كان حدسه العسكري يخبره أن أي حركة متهورة قد تكون بداية كارثة لا يستطيع أحد إيقافها.أما لورين، فقد شعرت بأن قلبها ينبض بعنف لم تختبره من قبل، ليس خوفًا من الرجل القادم، بل بسبب الإحساس الغريب الذي اجتاحها لحظة ظهوره، إحساس مألوف بصورة لا يمكن تفسيرها، وكأن روحها تعرف هذا المكان... أو تعرف صاحبه.همست دون وعي:«من... يكون؟»ولم يجبها أحد.توقف الرجل على بعد خطوات قليلة من المنصة الحجرية، ثم رفع يده ببطء.وفي اللحظة نفسها، انطفأت الأضواء الزرقاء المنبعثة من أعين الحراس الحجريين، فانخفضت أسلحتهم الضخمة، وعادوا إلى أماكنهم الأولى كما لو أنهم لم يتحركوا قط.ارتسم الذهول على وجوه الجنود.قال أحدهم بصوت مرتجف:«أ
المطاردة في دهاليز الصمتاندفع عدد من الجنود غريزيًا نحو الممر السري بمجرد اختفاء الرجل ذي العباءة السوداء، إلا أن صوت كاسيان أوقفهم قبل أن يخطوا ثلاث خطوات.«توقفوا!»تجمد الجميع في أماكنهم.التفت القائد إليه بسرعة، بينما بقيت عيناه مثبتتين على الممر المظلم.قال كاسيان بنبرة هادئة، لكنها لا تقبل النقاش:«هذا ما يريده تمامًا.»قطب دارين حاجبيه وقال بضيق:«وهل سنقف نتفرج عليه يهرب؟»هز كاسيان رأسه.«لو أراد الهرب لما سمح لنا برؤيته أصلًا.»ساد الصمت لثوانٍ.ثم اقترب القائد من مدخل الممر، وألقى مشعله إلى الداخل.ارتطم المشعل بالأرض، وأضاء جزءًا من الطريق، كاشفًا ممرًا طويلًا تحيط به تماثيل حجرية صغيرة على الجانبين، وكلها تنظر نحو الداخل بوجوه جامدة.قال القائد:«إذن... فخ.»أجاب كاسيان:«وأخطر ما فيه أنه ليس فخًا لإيقاعنا... بل لاختيارنا.»نظرت إليه لورين باستغراب.«ما معنى ذلك؟»اقترب من أول تمثال، وتأمل النقوش المحفورة عند قاعدته.«كل طريق هنا يقود إلى نتيجة مختلفة... ومن وضع هذا المكان كان يعلم أن الفضول سيدفع من يطارده إلى اتخاذ قرار متسرع.»أخذت لورين تتأمل التماثيل بدورها، ثم توقف
قاعة السجلات المنسيةلم يكن صوت تقليب الصفحات الذي انبعث من أعماق الممر يشبه أي صوت عرفه أحد من قبل، فقد حمل في طياته رهبة غريبة، كأن الزمن نفسه يعيد فتح سجل أغلق منذ قرون طويلة. تبادل أفراد الفرقة النظرات في صمت، بينما بقي الضوء الذهبي الخافت يلمع في نهاية النفق، يدعوهم إلى الاقتراب دون أن يكشف ما يخفيه.تقدم القائد أولًا، وسيفه في يده، وقال بصوت ثابت:«نبقى متماسكين... مهما رأيتم في الداخل، لا يتصرف أحد بمفرده.»أومأ الجميع، ثم بدأوا السير خلفه بحذر.كان الممر يزداد اتساعًا كلما تقدموا، حتى انتهى أمام بوابة حجرية شاهقة، نُحت على جانبيها ذئبان يقفان متقابلين، وبينهما دائرة يتوسطها الرمز الأسود، إلا أن الرمز هذه المرة كان محاطًا بخطوط فضية باهتة، تختلف عن كل ما رأوه سابقًا.توقفت لورين أمام النقش وقالت بدهشة:«الرمز نفسه... لكنه ليس مطابقًا.»اقترب كاسيان، وتأمله طويلًا، ثم قال بهدوء:«لأن هذا هو الأصل... أما الذي رأيناه من قبل فليس سوى نسخة منه.»التفت إليه القائد بسرعة.«هل أنت متأكد؟»أجاب دون أن يرفع عينيه عن الباب:«لا أحد ينقش الرمز الأم في مكان يمكن للجميع الوصول إليه... لهذا أ







