เข้าสู่ระบบأناهيد في المحطة، أبقى ثابتة في وسط البهو، حقيبتي الخفيفة جداً ترتطم بساقي، الحصاة تنزلق ضد راحتي في جيب معطفي. الناس يمرون حولي كالماء حول حجر. لديهم وجهات محددة، تذاكر في جيوبهم، وجوه تنتظرهم. أنا، أنظر إلى لوحة المغادرة وهي تتدحرج، أسماء مدن غير معروفة تظهر بحروف بيضاء على خلفية سوداء. مرسيليا. ليون. ستراسبورغ. بروكسل. أسماء لا تقول لي شيئاً. أسماء فارغة منه. أختار القطار التالي، الذي ينطلق خلال عشرين دقيقة إلى مدينة لا أعرفها، لا أعرف عنها شيئاً، ولا حتى كيف تنطق اسمها بشكل صحيح. آخذ تذكرة دون تفكير، كمن ينتزع ضمادة، كمن يقفز دون النظر إلى الأسفل. مال الشيك، لم ألمسه. إنه في ظرف، في قاع حقيبتي، تحت كنزة. أدفع هذه التذكرة بما تبقى من مدخراتي السابقة، تلك التي كنت أحتفظ بها لمشاريع غبية، دروس رسم، رحلة كنت أحلم بها. قبله. قبل أن يصبح كل شيء هو. يدخل القطار إلى المحطة في نفس من هواء مضغوط وصريف مكابح. أصعد، أجد مقعداً بجانب النافذة، ألصق جبهتي بالزجاج البارد بينما يبتعد الرصيف
أناهيد أضغط الحصاة على صدري، بقوة لدرجة أن حوافها الباردة تؤلمني. الألم جيد. إنه حقيقي. إنه ملكي. "صمود". الكلمة كذبة. لن أعود أبداً إلى شكلي الأولي. أنا محطمة. الشابة في تلك الصور ماتت، ولم يقم أحد بتشييع جنازتها. لقد خُنقت ببطء تحت ثقل حب من طرف واحد، ثم قُضِي عليها على حصى بارد. لكن في هذا التحطم... أشعر بشيء آخر. ليس عودة، بل تحولاً. كيمياء رهيبة. الألم لم يعد مجرد حزن. إنه يتحول إلى وعي حاد، قاطع. أرى، بوضوح مرعب، سلسلة التنازلات التي أوصلتني إلى هنا. أول كذبة قُبلت. أول حاجة مكبوتة. أول قطعة من نفسي قدمتها قرباناً على مذبح موافقته. أبكي للمرة الأخيرة أميرة الحكاية الخيالية التي ظننت أنني عليها. أبكي الرجل الذي لم يكنه أبداً. أبكي الطفل القادم، الذي سيحمل ثقل هذه القصة التي لم يخترها. ثم، تتوقف الدموع. لم يعد هناك ماء في داخلي. لم يعد هناك سوى رماد. رماد بارد، خفيف، هادئ بشكل غريب. أنظر حولي، في شبه ظلام الشقة. الذكريات متناثرة على الأرض. الصندوق فارغ. سلطان
أناهيد الألم لم يعد شفرة. إنه مد. يرتفع وينخفض في داخلي، موقّعاً بنبض الساعات البطيء جداً، في شبه ظلام شقتي. المصاريع مغلقة منذ ثلاثة أيام. ضوء العالم الخارجي يبدو لي عدوانياً، سخرية. فقط أشعة الشمس الرفيعة التي تتسلل بين الشرائح لها حق المواطنة، مرسومة قضباناً ذهبية على الباركيه حيث أمضي ساعات أحدق في حبيبات الخشب. ركبتي ملفوفة. كدمة حميدة، كما قال الطبيب الذي جرته لياء بالقوة تقريباً. كدمة. الكلمة صغيرة جداً، طبية جداً، لوصف المكان حيث التقى جسدي بالحقيقة، هناك، تحت الشجرة. الجرح في راحتي مغطى بضمادة بيضاء، بقعة من النقاء السخيف على يد لم تعرف كيف تمسك نفسها أو تحميها. لياء شبح خير. تظهر بسلطان من الحساء الذي أتركه يبرد، بأكواب شاي البابونج التي يرتفع بخارها ويذوب في الهواء الساكن. تتحدث قليلاً. تجلس أحياناً بجانبي على الأريكة، كتفها يلامس كتفي، مقدمة عزاء وجودها البسيط. أحياناً، تأخذ يدي، تلك غير المجروحة، وتضغط عليها بلطف. في هذه اللحظات، ضغط غريب يصعد في صدري، وكأن أصابعها تضغط على جرح داخلي، مما يجعل سائلاً سميكاً جد
أناهيد أرفع رأسي. خدش في يدي ينزف دماً، أحمر قانٍ على الحصى الرمادي. الألم في ركبتي نابض. لكنه لا شيء. لا شيء مقارنة بالهاوية التي تتسع في داخلي. لا أشعر حتى بجرحي. لا أرى سواه، واقفاً، نقيّاً، ينظر إليَّ كما ينظر المرء إلى مشهد مزعج. — لا بأس، أتعتع، محاولة النهوض. ألم حاد يثبتني أرضاً. أتوجع. لا بأس، آرا، استمع إليَّ أرجوك... فقط استمع. لا يجب أن ينتهي الأمر هكذا. يمكنني نسيان كل شيء. كل شيء. يمكننا البدء من جديد بطريقة أخرى، في الخفاء، أنا... — لا يوجد ما يُستمع إليه، يقاطعها، صوته يفقد أخيراً هدوئه ليترك غضباً بارداً يظهر. أنتِ سخيفة. تتخبطين على الأرض وتظنين أن هذا سيؤثر على من؟ انظري إلى نفسكِ. كلماته هي مسامير يدقها في كرامتي. أنهض بصعوبة، متكئة على لحاء الأرز الخشن. ركبتي تخونني قليلاً. بقعة دم تتسع على القماش. — أتوسل إليك... أهمس، والدموع تسيل أخيراً، صامتة، لا تتوقف، تغسل الغبار عن خديّ. لا تتركني هكذا. سأموت.... — لا، يقول وهو يهز رأسه، بصبر معلم أمام طفل متقلب. لن تموتي. ستعو
أناهيد الحديقة النباتية هي مقبرة حب تحت سماء من أردواز. كل زقاق هو متاهة تعيدني، لا محالة، إلى قلب خسارتي. الهواء، الرطب والثقيل، يحمل رائحة الورود الأخيرة المتعفنة الحلوة. لياء توقفت عند نهاية زقاق الزيزفون، كما اتفقنا. حارس صامت. توسلت إليها أن تبقى في السيارة، لكنها رفضت. "سأكون هناك"، قالت. ثلاث كلمات عزتني وأرعبتني في آنٍ واحد. لأنني إن كنت أعرف أنها هناك، فهذا لأنني أشعر بالفعل بالسقوط. ثم، أراه. لا يظهر من المشهد، بل يفرض نفسه فيه. وكأن الزقاق نفسه قد تسطح ليقدم له ممراً ملكياً. إنه هناك، على حافة ظل الأرز الكبير، وتنقطع أنفاسي، كاليوم الأول. الزمن ليس له سلطان عليه. إنه أجمل مما في ذاكرتي، جمال منحوت وبارد، مصنوع من زوايا مثالية ونظرة ناعمة. معطف داكن يلتصق بكتفيه العريضتين، يداه مغروستان في جيوبه، موقف من اللامبالاة هو أسوأ إهانة. جسدي، الخائن، يتفاعل قبل روحي. رعشة دافئة تجري في عروقي، اندفاع سخيف نحو هذا التمثال الرخامي. — أناهيد. مقطع واحد، اثنان. اسمي. نطق كمن يتفقد ساعة. الساعة الخامسة مساءً تماماً. موضوع تالٍ. — آرا. صوتي شيء هش، بالكاد مسموع. أخطو خطوة. المسافة
أناهيد إذاً، أخطط. لم يعد حلماً. إنها استراتيجية حصار. أين أجده؟ ليس في منزله، لقد انتقل بالتأكيد إلى مكان آخر، إلى شقة تليق بميلكونيان. في عمله؟ عام جداً، سهل جداً ليتجنبني. في منزل والديه؟ الفكرة تجعلني أقشعر من الكراهية والخوف. لا. يجب أن أجذبه إلى أرض محايدة. مكان حيث لن يستطيع التظاهر بالاستعجال، حيث سيكون مجبراً على التحدث معي. مقهى؟ عادي جداً. حديقة؟ مثقلة بذكرياتنا. فكرة تتبلور، رهيبة ومثالية. الحديقة النباتية. المكان الذي طلبني فيه للزواج. تحت الأرز القديم. السخرية قاسية، مطلقة. حيث بدأ كل شيء زائفاً، يجب أن ينتهي كل شيء حقيقياً. سأرسل له رسالة. واحدة فقط. قصيرة. لا تقبل الجدل. لا توسلات. لا عتاب دامع. مجرد حقيقة ومكان. "يجب أن نتحدث. غداً، الساعة 11 صباحاً، تحت الأرز. إذا لم تكن هناك، سأذهب لرؤية والدتك والصحفيين. أ." التهديد هناك. منخفض، قبيح. لكنه ضروري. لم أعد أناهيد اللطيفة التي كانت تنتظر أن يُراد بها. أنا أم محاصرة، امرأة مخدوعة، ولدي رافعة واحدة فقط: الفضيحة التي أراد تجنبها بأي ثمن بهروبه مني. إذا كان يهتم كثيراً بصورته كوريث شاب مثالي، سيأتي. يصل الفجر أخيراً
غراسياسالنوم بحر هادئ جداً بالنسبة لغرقى متعطشين لشواطئ جديدة. أستيقظ بنَفَس واحد معه، كأن أنظمتنا العصبية، المتشابكة الآن، ترفض أي استقلالية. الفجر ليس سوى اقتراح بنفسجي في الأفق، وعد شاحب يسرق وضوح النجوم دون أن يقدم بعد وضوح النهار.نظراتي تجده في الظلام المستمر. لم يعد هناك سؤال، لا تردد. فقط
إيزرانلم يكن النوم سوى هدنة قصيرة، خسوف في ليل ما يزال شاباً. كنت أغفو، مغلفاً بنَفَسها وإيقاع قلبها الهادئ ضد قلبي، عندما أيقظتني حركة من سباتي. يدها، خفيفة لك
إيزرانالسلام الذي يعقب الغفران ليس مجرد هدوء. إنه محيط. محيط بمياه عميقة، راكدة، هادئة كمرآة تعكس السماء بعد عاصفة. نبقى متعانقين وقتاً طويلاً، واقفين في قلب الغرفة الكبيرة، جبهتها ما زالت على عظم صدري، يداي تمسدان ظهرها ببطء، بحنان، كمن يلمس شيئاً مقدساً. أصابعي ترسم دوائر لا نهائية على قماش ثوبه
كان الليل ثقيلاً، مشبعاً بعطور الياسمين وأزهار البرتقال السكرى في ضيعة إيزران. كانت إينيس تتسلل بين الظلال، قلبها يدق بشدة لدرجة أنها ظنت أن من حولها سيسمعونه. ثوب ضيق أحمر دموي، اختارته بعناية فائقة ليكون أقصر قليلاً من اللازم وأكثر إحكاماً مما ينبغي. شعر مموج تماماً، أمضت ساعة أمام المرآة لتحقيق







