بيت / مافيا / الظل / أنفاس العدو

مشاركة

أنفاس العدو

مؤلف: Hassnaa Mahmoud
last update تاريخ النشر: 2026-05-24 09:00:35

في الجانب الجنوبي من إقليم توسكانا، حيث تلتقي التلال الخضراء بظلال قلاع روما القديمة، كان يمتد معقل عائلة "ليون"، العدو اللدود الذي لا ينام لشبكة الكامورا. في قصر ريفي مهيب يحيطه الغموض، كان يجلس (ليون) خلف طاولة بلياردو مصنوعة من الخشب العتيق، يمسك بعصا اللعب ويوجه ضربات قاسية ومركزة للكرات العاجية، لتصدر أصوات ارتطام حادة تتردد في أرجاء الغرفة الشاسعة ذات الإضاءة الخافتة. كان ليون رجلاً في الأربعينيات من عمره، يمتلك ملامح حادة تشبه ملامح الذئاب الكاسرة، وعينين سوداوين غائرتين لا تعرفان معنى الرحمة، وشعراً رمادياً عند الصدغين يمنحه وقاراً زائفاً يخفي خلفه وحشية دموية مرعبة.

كان الأحباط والغل ينهشان صدر ليون منذ خمسة أيام، وتحديداً منذ أن وصلته أنباء فشل عملية الاغتيال الكبرى في ملهى فلورنسا الخلفي. كان يظن أن رأس أليساندرو قد قُطع، وأن الشمال قد أصبح مستباحاً لنفوذه، لكن نجاة "الظل" عكرت صفو خططه وجعلته يعيش في حالة من الاستنفار والترقب الدائم لرد فعل الزعيم الشاب.

دخل أحد رجاله المقربين، وهو جاسوس محترف يرتدي معطفاً جلدياً داكناً، وانحنى باحترام قائلاً: "دون ليون، لقد وصلنا الخيط الذي كنا نبحث عنه. عيوننا في فلورنسا التقطت حركة غير عادية لـ أليساندرو البارحة. لقد غادر قلعته المحصنة في وضح النهار، وتوجه بموكب مدرع سري نحو المتحف الكبير في وسط المدينة."

توقف ليون عن اللعب، وأسند عصاه على الطاولة، والتفت نحو الرجل بعينين يشع منهما بريق الغدر والمفاجأة. ضيق حدقتيه، وقال بصوت متحشرج خشن: "المتحف؟ أليساندرو لا يهتم بالتماثيل الرخامية ولا يضيع وقته في تأمل اللوحات الفنية القديمة وهو مصاب برصاصة في خاصرته. ما الذي جلب وحش الشمال إلى مكان عام مليء بالنور والناس؟"

أخرج الجاسوس مظروفاً أسود اللون، ووضعه على الطاولة، قائلاً: "لم يذهب لأجل الفن يا سيدي، بل ذهب لأجل امرأة. فتاة تعمل هناك كمرممة لوحات أثرية، تُدعى إيلينا. مصادرنا تؤكد أن أليساندرو وقف أمامها لدقائق وتحدث إليها بنبرة تحمل هوساً وتملكاً لم يظهره لامرأة من قبل. والأكثر إثارة للريبة، هو أننا تتبعنا مسار فراره في الليلة العاصفة، واكتشفنا أن الزقاق النائي الذي سقط فيه يقع مباشرة عند عتبة باب شقة هذه الفتاة."

ارتسمت على شفتي ليون ابتسامة خبيثة ومروعة، ابتسامة تعكس ولادة مؤامرة دموية جديدة في عقله. التقط المظروف، وأخرج منه صوراً فوتوغرافية التُقطت عن بعد لإيلينا وهي تقف أمام حامل لوحتها في المتحف، وصوراً أخرى لشقتها العتيقة في الزقاق المظلم.

تأمل ليون ملامح إيلينا الرقيقة الصافية، وقال بنبرة تقطر سماً: "إذن، هذا هو السر وراء نجاتك يا أليساندرو! وحش الكامورا المخيف كسرته الخيانة ولجأ إلى محراب فتاة ناعمة لتخيط له جراحه وتنقذه من الموت. الظل الذي لم نكن نجد له ثغرة، قد صنع لنفسه بنفسه نقطة ضعف قاتلة. هذه الفتاة تملك حياته الآن، وإذا وضعنا أيدينا عليها، فسنملك رقبة أليساندرو ونطأ عرشه بأقدامنا."

التفت نحو رجاله، وصرخ بأمر صارم: "خذ فرقة من رجال النخبة وتوجهوا إلى فلورنسا فوراً. أريد مراقبة شاملة وشديدة السرية لشقة هذه الفتاة ولمحركاتها. لا تتحركوا للاختطاف الآن؛ أريد أولاً استكشاف مدى حراسة أليساندرو لها، وعندما تحين اللحظة المناسبة، سنقتحم عالمها الساكن وننتزعها من قلب حصنها، لنجعل من نقائها الطعم الذي سينهي أسطورة الظل إلى الأبد."

في هذه الأثناء، وتحديداً مع حلول المساء على مدينة فلورنسا، كانت إيلينا قد عادت إلى شقتها العتيقة بعد يوم طويل ومرير من القلق النفسي والجسدي في المتحف. كانت الأجواء المحيطة بالزقاق تبدو في عينيها مغايرة تماماً لطبيعتها السابقة. لم يعد الصمت يعني الأمان، بل أصبح يعني الترقب والخطر المخفي خلف الظلال العريضة للمباني التاريخية.

أغلقت الباب الخشبي العتيق وأدارت الأقفال الحديدية بإحكام كالعادة، لكنها شعرت بأن هذا الحصن الخشبي قد فقد قدرته على حمايتها. تخلت عن مئزرها الملطخ بالألوان، وسارت نحو مطبخها الصغير لتعد كوباً من الأعشاب الدافئة لتهدئة أعصابها المنهكة، لكن يدها كانت لا تزال ترتجف، وصوت كلمات أليساندرو المليئة بالهوس والتملك لا يزال يتردد في مسامعها كصدى لا ينقطع.

استسلمت لمونولوغها الداخلي، ووقفت أمام النافذة الزجاجية المطلة على الزقاق المظلم، وهي تمسك بكوبها الدافئ: "ما الذي يحدث لحياتي؟ أشعر بأنفاس غريبة تحيط بهذا البيت، وكأن جدراني لم تعد ملكي. أليساندرو قال إن حمايتي أصبحت واجبه الشخصي، وماركو يراقبني، والآن أشعر بثقل آخر.. ثقل يشبه نظرات الصيادين الذين ينتظرون انقضاضهم. هل أصبحتُ طريدة لمجرد أنني أنقذتُ نفساً بشرية؟ الفن علمني النقاء، ولكن في عالم هؤلاء الرجال، النقاء هو الخطيئة التي تُدفع ثمنها الدماء. ليتني لم أفتح الباب في تلك الليلة العاصفة، وليت دم هذا الغريب لم يلوث عتبة عالمي."

تنهدت بشجن، وشربت رشفة من كوبها، ثم نظرت إلى الأسفل نحو الشارع الحجري الذي كانت تضيئه مصابيح الشوارع الصفراء الخافتة. وفي تلك اللحظة بالذات، انقبض قلبها بعنف، وتجمدت الأنفاس في صدرها.

عبر شق الستائر المخملية الداكنة، رأت سيارة سيارة سوداء قديمة ذات نوافذ معتمة تقف عند زاوية الزقاق المنعزل، مطفأة المصابيح تماماً وكأنها جثة هامدة تنتظر في عتمة الليل. لم تكن هذه السيارة تابعة لرجال أليساندرو الذين اعتادت على رؤية ملامحهم الرسمية الوقورة عن بعد؛ بل كانت هذه السيارة تنضح بنبرة مختلفة، نبرة همجية ومريبة تعكس حضور الغرباء.

رأت باب السيارة يفتح ببطء شديد، ليخرج منه رجل ضخم البنية يرتدي معطفاً جلدياً داكناً وقبعة تخفي ملامح وجهه القاسية. وقف الرجل على الرصيف، ورفع رأسه ببطء ليوجه نظراته الصقرية الحادة نحو نافذة شقة إيلينا مباشرة، وكأنه يثبت إحداثيات هدفه في الظلام.

تراجعت إيلينا إلى الوراء بسرعة، وأسقطت كوب الأعشاب من يدها لينكسر على الأرض الخشبية ويتناثر السائل الدافئ في كل مكان، تماماً كما تناثر أمانها قبل أيام. استندت بالجدار، وصدرها يعلو ويهبط بأنفاس متسارعة وقصيرة من فرط الرعب الصرف. أدركت في تلك اللحظة أن خطر عائلة الكامورا ليس الشيء الوحيد الذي يهددها، وأن أعداء أليساندرو قد وجدوا طريقهم إليها بالفعل، وأن أنفاس العدو باتت تلامس جدران بيتها.

عاشت إيلينا ليلة مرعبة، ليلة حقيقية من العذاب النفسي والسهد المطبق. لم تجرؤ على إشعال مصابيح الشقة، وظلت جالسة في الظلام الدامس في زاوية غرفتها الفنية، محتضنة ركبتيها إلى صدرها، وعيناها العسليتان تحدقان في الفراغ بركود يملؤه الذهول. كانت تستمع إلى كل صوت بالخارج؛ حفيف أوراق الأشجار مع الرياح الخفيفة كان يبدو لها كخطوات مقتحم، وصوت مواء قطة ضالة في الزقاق كان يبدو كصرخة حرب توشك أن تبدأ.

كان صراعها الداخلي في تلك الليلة يتركز حول فكرة النجاة: "هل أهرب؟ هل أترك شقتي ولوحاتي وكل تاريخي في فلورنسا وأختفي في مدينة أخرى قبل فوات الأوان؟ ولكن إلى أين أذهب؟ رجال أليساندرو يحيطون بي، وأعداؤه يراقبونني، ويبدو أنني أصبحتُ مقيدة بسلاسل غير مرئية تربط مصيري بمصير وحش الشمال. إذا غادرتُ، فسيجدونني، وإذا بقيتُ، فستتحول هذه الجدران الدافئة إلى كفن لي."

لم تكن تعلم أن رجال أليساندرو الواقفين في الجانب الآخر من الشارع قد رصدوا بالفعل تحركات رجال ليون المريبة. داخل سيارة مراقبة تابعة للكامورا، كان أحد الحراس يتحدث عبر جهاز لاسلكي مشفر بصوت منخفض وعاجل: "ماركو، لدينا خرق أمني في المحيط. سيارة تابعة لعائلة ليون تقف عند زاوية زقاق الفتاة منذ ساعتين. يبدو أن الأوغاد قد التقطوا الخيط وعرفوا مكانها. نحن ننتظر أوامرك؛ هل نتصرف ونصفيهم الآن؟"

جاء صوت ماركو عبر الجهاز رصيناً، حاداً، ومحذراً: "لا تتحركوا بعنف الآن لكي لا تثيروا ذعر الفتاة وتكشفوا أوراقنا بالكامل. دون أليساندرو أصدر أوامر صارمة؛ حمايتها هي الأولوية القصوى، ولكننا نريدهم أن يعتقدوا أنهم مسيطرون على الوضع حتى نتمكن من استدراجهم والقضاء على الفرقة بأكملها في الوقت المناسب. استمروا في المراقبة اللصيقة، وإذا حاول أي شخص منهم عبور عتبة الباب.. اقتلوه دون تردد."

كان الخطر يتصاعد بشكل حلزوني مرعب حول شقة إيلينا الساكنة، وكأن خيوط العنكبوت الموت قد نسجت شباكها بدقة متناهية حول "حارسة التاريخ". كانت الأيام القادمة تبدو وكأنها تحمل في طياتها انكسار الحصن المنيع واقتحام عالمها الآمن، لتبدأ الحرب الحقيقية بين هوس أليساندرو العنيف ووحشية أعدائه، حرب لن تكون فيها إيلينا مجرد منقذة عابرة، بل ستصبح الجائزة الكبرى التي يتقاتل عليها قياصرة الظلام في إيطاليا.

ومع بزوغ الفجر الجديد، الفجر الذي لم يحمل معه هذه المرة أي سلام، نظرت إيلينا إلى بقع الأعشاب الجافة على أرضيتها، وإلى الغلاف الفضي لولاعة أليساندرو المستقر على الطاولة، وأدركت بغصة حارقة في حلقها أن أنفاس العدو قد أصبحت جزءاً من هوائها، وأن العاصفة القادمة ستقتحم بيتها قريباً، ولن تترك وراءها سوى الرماد والنار.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الظل   الخروج من عنق الزجاجة

    الساعة الجدارية الصامتة في وعي الأبطال لتتحول الثواني الضيقة إلى دهر يغلي فوق صفيح ساخن من الرعب الصرف، بينما استمر الضباب الأبيض البارد والكاثف للغاز الهالوجيني المنوم في الزحف السريع، ملتفاً حول الأعمدة الرخامية ومحاصراً الأنفاس والخطوات داخل عنق الزجاجة المطبق المعزول عن العالم بالخارج. كان الهواء يزداد ثقلاً في الصدور، والرائحة الكيميائية الواخزة بدأت تفرض سيادتها المطلقة على الرئتين المنهكتين، مهددة بـشل الحركة التامة وتحويل القبو التاريخي للمكتبة الوطنية إلى مقبرة جماعية منسية تحت ركام التاريخ.تحرك ماركو بـآلية عسكرية تكتيكية فائقة الدقة والسرعة، لم تشبها شائبة من التردد؛ وضع جسده الصلب كـالدرع الصخري الشامخ أمام كلارا المنكمشة، وجذب جهاز التشويش النبضي الصغير من حزامه الجلدي الأسود، لـيدفعه بـعنفوان وقسوة بالغة في قلب الدوائر الإلكترونية للوحة التحكم الرقمية المخفية داخل تجويف الجدار الحجري المتآكل. انطلقت شرارات كهربائية زرقاء متتالية أصدرت طقطقة حادة هزت جدران القبو، تلاها صوت طنين حاد وممتد أعلن تحطم التشفير اللاسلكي للخصوم وانفجار الصمام الرئيسي صامتاً، لـتنفتح الأبواب ال

  • الظل   فخ بين الرفوف

    تجمّد الصمت في فضاء القبو الحجري العتيق كغشاء رقيق يوشك أن يتردد صداه بعنفوان مع أي حركة طائشة أو نفس مضطرب. استقرت أصابع إيلينا النحيلة، المرتعشة بارتعاشٍ خفيف، فوق الأقراص الميكانيكية الثلاثية للصندوق الصدئ، متجاهلة بالكامل قعقعة السلاح الخافتة وأصوات الخطوات الحذرة التي بدأت تتردد في الممر العلوي للمكتبة الوطنية، والظلام المطبق الذي ابتلع معالم المرسم السفلي المعزول. كانت تداعب البروزات الفولاذية الدقيقة بحس مرممةٍ محترفة تلتمس النبض المفقود في جسدٍ مات منذ قرون؛ تحرك القرص الأول مليمترات محسوبة نحو اليمين لـيصدر صوتاً ميكانيكياً مكتوماً، تلاه تحريك القرص الثاني بزاوية حادة توافقت تماماً مع الرمز القوطي المحفور على الحافة المتآكلة. وفي تلك اللحظة بالذات، انبعث وميض خافت ودقيق من مصباح أليساندرو اليدوي الصغير، والذي وجهه القيصر الشاب بدقة متناهية نحو أصابعها لـيوفر لها الحد الأدنى من الرؤية الضرورية دون إثارة انتباه الفصيلة المتسللة في الأعلى أو كشف موقعهم السري.تحرك الغطاء الحديدي الثقيل ببطء شديد أصدر صريراً حاداً مزق سكون القبو، لينفتح الصندوق الصدئ بالكامل ويفرز في الفضاء المحي

  • الظل   مهمة في قلب الظلام

    لم تكن سماء فلورنسا تلك الليلة سوى رداء أسود ممزق، حيث تجمعت السحب الرعدية الثقيلة فوق القباب التاريخية والجسور العتيقة، لتمحو أي أثر للضوء القمري الذي كان يمنح المدينة سحرها المعهود. كانت العاصفة قد بدأت لتوها، بحبات مطر تشبه في حدتها شظايا الزجاج، تصطدم بجدران السيارات المصفحة انسيابية الصنع، بينما كانت القافلة المؤلفة من سيارتين سوداوين تخترق أزقة المدينة الضيقة بخطوات خفية، كأنها أشباح من حديد ترفض أن يلحظها كائن. داخل السيارة الرئيسية، كان أليساندرو يجلس وإيلينا بجانبه، يداه تقبضان على مقود السيارة بقوة أرستقراطية صامتة، وعيناه الرماديتان ترصدان كل ظل يتحرك خلف الزجاج المظلم، بينما كانت إيلينا تغرق في أفكارها، وتتلمس بأصابعها تلك الحقيبة الجلدية التي تحمل أدوات الترميم الدقيقة التي قد تكون هي المفتاح لإنقاذ إمبراطورية الكامورا من الانهيار.في السيارة الثانية، كانت الأجواء أكثر مشحونة بالترقب والهدوء المريب. كلارا كانت تجلس في المقعد الخلفي، تحدق من النافذة إلى شوارع المدينة التي تعرفها جيداً، لكنها الليلة بدت وكأنها أروقة في كابوس مجهول؛ فقد تحولت فلورنسا التي تعشقها إلى مسرح لصر

  • الظل   السر

    انبعث وهج أزرق بارد من الشاشات الرقمية الشاسعة الممتدة على طول الجدار الرئيسي لغرفة العمليات المحصنة تحت الأرض، لـيكسر عتمة المساحة الفولاذية التي لم تكن تطؤها سوى أقدام النخبة من عائلة الكامورا. تحرك ماركو بخطوات عسكرية سريعة ورنانة فوق الأرضية المعدنية الصقيلة، متوقفاً أمام طاولة التخطيط البلورية الضخمة التي كانت تعرض خريطة طبوغرافية ثلاثية الأبعاد لمدينة فلورنسا القديمة بأزقتها وشوارعها الحجرية الملتوية. وقف أليساندرو بجانبه بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية المهيبة، واضعاً كفيه القويتين فوق حافة الطاولة، وعيناه الرماديتان اللتان تشبهان الرخام البارد تحدقان في التقاطعات المضيئة بتركيز صارم، بينما كانت إيلينا وكلارا تقفان في الزاوية الخلفية للغرفة، تحت حراسة مشددة، والذعر والوجل باديان على ملامحهما الشاحبة إثر استدعائهما المفاجئ وسط أجواء الاستنفار.تحركت أصابع ماركو بسرعة فوق لوحة التحكم، لـتختفي الخرائط العسكرية وتحل محلها صور لوثائق ومخطوطات أثرية قديمة مكتوبة بحبر لاتيني باهت ومختومة بأختام شمعية حمراء تحمل شعار العقرب الممتد. ونبس ماركو بصوته الرخيم المنخفض الذي تردد صداه الحا

  • الظل   نذر العاصفة

    غادرت كلارا قاعة الموسيقى الفسيحة مع اقتراب خيوط المساء الأولى، حاملة في أعماق وعيها أطياف تلك المعزوفة الشجية والوعود السرية الصامتة التي غزلها ماركو بعينيه الدافئتين في عتمة الزوايا التي خلت من وعيد السلاح. عادت بخطوات متباطئة إلى الجناح الملكي الغربي حيث كانت إيلينا تنتظرها بشغف حذر، جالية أمام المدفأة الحجرية الضخمة الشاهقة الارتفاع، والتي أُشعلت فيها بعض حطب الصنوبر المعتق لـتطرد برودة الليل التوسكاني القاسية المتسللة عبر الشرفات العريضة ذات الستائر المخملية الثقيلة. كانت الإضاءة داخل الجناح خافتة ودافئة، تقتصر بالكامل على لهيب النار البرتقالي المتراقص في جوف الحجر وعبر وميش الشموع المعتقة الموضوعة فوق حوامل فضية طويلة ومزخرفة بنقوش أثرية، مما أضفى على الأرجاء الشاسعة أجواء مشحونة بالترقب والهدوء الحذر الذي يسبق العواصف الهوجاء. جلست كلارا بجانب إيلينا فوق الأريكة المخملية الوثيرة ذات اللون القرمزي الداكن، والتفتت إليها إيلينا بنظرة عسيلية حادة وصافية، تفحصت بها ملامح وجهها الشاحب وعينيها الزرقاوين بذكاء المرممة المحترفة التي تقرأ ما بين السطور وتستشف خفايا

  • الظل   ترانيم البيانو

    كانت الممرات المؤدية إلى الجناح الملكي للموسيقى في الطابق الأوسط من القصر تمتاز بظلالها الممتدة وأرضيتها المصنوعة من خشب الباركيه الداكن الذي يعود للقرن الثامن عشر، والذي كان يصدر صريراً خفيفاً شبه غير مسموع تحت الخطوات المتوجسة. سارت كلارا بجانب إيلينا، وكانت يداها لا تزالان ترتجفان ببطء جراء وطأة المواجهة التي دارت على مائدة الإفطار؛ فالأجواء المرعبة المحيطة بأسوار الكامورا لم تكن شيئاً يسهل على فتاة اعتادت الحياة البسيطة في أزقة فلورنسا أن تتأقلم معه بين ليلة وضحاها. فتحت إيلينا الأبواب المزدوجة الشاهقة ذات المقابض النحاسية المزخرفة، لتكشف عن قاعة الموسيقى التي غمرتها خيوط الشمس الذهبية المنسابة من النوافذ الطولية المطلة على الحديقة الخلفية، حيث كانت أشجار الليمون والورد الجوري تتراقص مع نسمات الصباح.في منتصف القاعة الفسيحة، تربع بيانو ضخم من طراز "ستاينواي" باللون الأسود اللامع، يعكس بريقه جدران القاعة المكسوة بالحرير الدمشقي المقصب. ارتمت كلارا على المقعد المخملي الطويل المخصص للعزف، وأسندت جبينها البارد على حافة الخشب الصقيل، مستنشقة رائحة الشمع والورق القديم المنبعثة من نوتات

  • الظل   رماد الذكريات

    انطلقت القافلة الصغيرة المكونة من ثلاث سيارات سوداء مصفحة، تنساب بهدوء مريب في الشوارع الحجرية القديمة لوسط مدينة فلورنسا، ولم يكسر هدوء الليل سوى الحفيف الخافت للعجلات الفولاذية فوق الرصيف الأثري. توقفت السيارات في زاوية معتمة بعيدة عن الأنوار الباهرة، بالقرب من تلك البناية التاريخية القديمة ذات ا

  • الظل   الرجاء الصادق

    لف السكون الرتيب أرجاء الجناح الغربي للقصر العتيق مع اقتراب ساعات الظهيرة الدافئة، وتسللت أشعة الشمس التوسكانية عبر النوافذ الزجاجية المقوسة لتغسل جدران المكتبة الأثرية بنور ذهبي وهاج. بدت الحركة هادئة تماماً داخل الحصن بعد أن انقشعت عاصفة الحروب وتلاشت تهديدات الخصوم بالخارج، وحل محل صخب الأسلحة م

  • الظل   عزف في العتمة

    ارتفع القمر الكامل في كبد السماء التوسكانية لينشر نوراً فضياً ساطعاً تخترق خيوطه الباردة النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، راسمة ظلالاً هندسية معقدة تتداخل مع رفوف خشب الجوز الداكنة. ساد السكون التام أرجاء القصر العتيق بعد أن خفتت حركة الأقدام في الباحات الخارجية، وباتت ممرات الجناح الغربي

  • الظل   تداخل الالوان

    تراجعت خطوط العصر بالكامل لتترك مساحة لغسق دافئ بدأ يفرش ظلاله القرمزية الناعمة فوق الطاولة الخشبية الدائرية الكبيرة للمكتبة الأثرية. بقيت الصناديق المخملية مفتوحة، وتناثرت المحابر الزجاجية المترعة بالألوان الزيتية النادرة التي أحضرها أليساندرو من عراقة فلورنسا القديمة؛ كان هناك اللون الأحمر القاني

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status