Home / مافيا / الظل / انكسار الحصن

Share

انكسار الحصن

last update publish date: 2026-05-24 09:06:23

لم يكن السكون الذي لفّ شقة إيلينا في تلك الليلة سوى غشاء رقيق يخفي خلفه مخالب الموت. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، وتحولت أزقة فلورنسا القديمة إلى سراديب من العتمة التي لا يكسرها سوى وميض مصباح الشارع النحاسي الشاحب، الذي كان يرسل ضوءاً أصفر مريضاً يرتعش عبر زجاج نافذتها. كان الهواء داخل المرسم ثقيلاً، مشبعاً برطوبة الشتاء التي بدأت تتسلل عبر الشقوق، يختلط بها رائحة طلاء الجوز والكتان التي بدت الليلة وكأنها رائحة كفن أثري يلتف حول عنق المكان.

كانت إيلينا تجلس على الأرض الخشبية الباردة، في زاوية معتمة تماماً تفصل بين حامل اللوحة الجدارية وخزانة الأدوات الطبية والمذيبات. لم تكن تجرؤ على تحريك جفن، وكانت تضم ركبتيها إلى صدرها بقوة، وتطوق جسدها بذراعيها المرتجفتين كأنها تحاول الاختباء من ظلال الأبنية التي كانت تنعكس على السقف الأبيض المرتفع كأشباح متطاولة. أنفاسها كانت قصيرة، متلاحقة، وتصدر حفيفاً خافتاً كانت تخشاه هي نفسها، ظناً منها أن الآذان المتربصة بالخارج قد تلتقط هذا الصوت الواهن.

كانت الأفكار تتدفق في رأسها كشلال من الجمر المشتعل، تتصارع في عقلها تساؤلات مريرة لا تجد لها جواباً: "لماذا لم أهرب عندما كانت الفرصة سانحة؟ لقد رأيتُ سيارتهم، وشعرتُ بأنفاسهم القذرة تحيط بعتبة بيتي منذ الفجر. هذا الحصن الخشبي الذي ظننتُه يحميني طوال سنوات عزلتي، يبدو الليلة واهناً كقطعة ورق أمام وحشية العالم الذي يلاحق أليساندرو. أنا امرأة تعيد الحياة للألوان الميتة، فكيف أصبحتُ الطعم الذي ينتظره القناصون في الظلام؟ ليتني كنتُ لوحة منسية في قبو مظلم، لا يراها أحد، ولا يطأ عالمها رجال الدم."

مدت يدها الرقيقة ببطء شديد، ومسحت حبة عرق باردة انحدرت من صدغها لتستقر عند فكها المرتجف. نظرت نحو ولاعة أليساندرو الفضية المستقرة فوق الطاولة القريبة، وبدت لها في العتمة كقطعة مغناطيس خبيثة تجذب الموت نحو محرابها. كل ثانية تمر كانت تبدو كدهر ممتد، وصوت دقات الساعة الجدارية القديمة أصبح كضربات مطرقة ثقيلة تدق في رأسها، تعلن عن اقتراب لحظة الصفر التي لا مفر منها.

وفجأة، انقطع ذلك الإيقاع الرتيب لدقات الساعة.

تسمرّت إيلينا في مكانها، وتجمدت الأنفاس في حنجرتها حتى شعرت بألم حاد في صدرها. لم يكن الصوت رعداً، ولم يكن حفيف رياح. كان صوتاً خافتاً للغاية ومعدنياً، ينبعث مباشرة من قفل الباب الخشبي العتيق للشقة. صوت احتكاك بطيء، كأن هناك أداة حادة تُدار بعناية فائقة لتفكيك تروس الحديد الداخلية دون إحداث جلبة تثير انتباه حراس الكامورا المتواجدين في الشارع الرئيسي.

اتسعت عيناها العسليتان بذعر شلّ أطرافها بالكامل. حاولت الوقوف، لكن ركبتيها خانتاها، فزحفت ببطء وصمت فوق الخشب، مستندة بأطراف أصابعها المرتجفة على حافة طاولة الرسم. كانت تراقب مقبض الباب بنظرات مرعوبة، ورأته يتحرك بالفعل. انخفض المقبض النحاسي ببطء شديد إلى الأسفل، ملمتراً تلو الآخر، في مشهد سيكولوجي مرعب كاد أن يفقدها وعيها.

"يا رب.. أرجوك،" همست في سرها بصوت مبحوح، والدموع تنهمر أخيراً بحرية فوق وجنتيها الشاحبتين.

لم يفتح الباب بهدوء. وبدلاً من ذلك، دَوَى صوت ارتطام عنيف وهائل هزّ أركان الجدران العاجية للمبنى بالكامل. لقد تخلّى المقتحمون عن حذرهم بعد أن واجهوا قفلاً داخلياً إضافياً، ووجهوا ضربة قاسية بأجسادهم الضخمة نحو خشب الباب العتيق. انفلقت الخشبة الطولية للباب بصوت حاد يشبه انكسار العظام، وتناثرت شظايا الخشب القديم في الردهة لتعلن عن انكسار الحصن المنيع، واقتحام العالم الآمن لحارسة التاريخ.

اندفع عبر الممر ثلاثة رجال ضخام البنية، يرتدون سترات جلدية قاسية وأقنعة سوداء قماشية لا تظهر منهم سوى أعينهم الحادة التي تنضح برغبة القتل والوحشية. كانوا يحملون في أيديهم مسدسات كاتمة للصوت، ويتحركون بانسيابية عسكرية مدربة تعكس تبعيتهم لعائلة "ليون".

"ابحثوا عن الفتاة فوراً! لا تطلقوا النار عليها، الدون يريدها حية!" صرخ أحدهم بصوت جهير ومتحشرج، وبدأوا في تفتيش الشقة بعنف، ملقين بالمقاعد الخشبية والكتب التاريخية أرضاً، ليتدمر هدوء المكان في ثوانٍ معدودة.

تملكت إيلينا غريزة البقاء؛ فالخوف الذي كان يشلها تحول فجأة إلى طاقة حارقة من الأدرينالين الخالص. وقفت على قدميها بسرعة، وراجعت خطوتها نحو الخلف داخل المرسم. تعثرت يدها بحامل اللوحات، فأمسكت بسكين حادة وصغيرة ومقوسة الرأس، وهي الأداة المعدنية التي تستخدمها عادة لقشط طبقات الطلاء القديمة المتيبسة عن اللوحات الأثرية. قبضت عليها بكلتا يديها المرتجفتين، ورفعتها أمام صدرها كمحاولة أخيرة ويائسة للدفاع عن حرمة بيتها ونفسها.

دخل الرجل الأول إلى المرسم، ووقعت عيناه الصقريتان عليها في زاوية الغرفة. ارتسمت على ملامحه المخفية خلف القناع نظرة ساخرة، وتقدم نحوها ببطء وثقة، واضعاً مسدسه في حزامه، قائلاً بنبرة تقطر خسة: "إذن، أنتِ هي الطعم الناعم الذي أنقذ وحش الشمال. تعالي معي أيتها الجميلة دون جلبة، فالدون ليون يتشوق للقائكِ، ولن ينفعكِ هذا السكين الصغير في شيء."

مدّ يده الضخمة المكسوة بقفاز جلدي أسود ليمسك بشعرها الكستنائي. وفي تلك اللحظة، ومع اقتراب وجهه منها ورؤيتها لبريق عينيه القذر، لم تفكر إيلينا؛ بل اندفعت نحو الأمام بكل ما تملكه من قوة نفسية وجسدية، ووجهت ضربة عنيفة عشوائية بالسكين المقوسة نحو يده الممتدة.

اخترق النصل المعدني الحاد جلد القفاز الجلدي، ليشق ظهر يده بغزارة. صرخ الرجل بألم حاد وتراجع خطوتين إلى الوراء، والدماء الدافئة بدأت تتدفق من جرحه لتصبغ أرضية المرسم النظيفة. التفتت ملامحه إلى غضب أعمى ووحشي، ورفع يده الأخرى ليوجه صفعة قاسية إلى وجه إيلينا.

ارتطم كفه بوجهها الرقيق بقوة هائلة، لتبصق إيلينا رشفة دم صغيرة من شفتها الممزقة، وتطير لترتطم بجسدها بالكامل بحامل اللوحة الجدارية الضخمة. سقط الحامل الخشبي الثقيل، ومعه سقطت اللوحة التاريخية التي أمضت أشهراً في ترميمها، لتتحطم أجزاء من إطارها الذهبي وتتمزق الأقمشة العتيقة تحت ثقل السقوط، في مشهد مثل انكسار روح إيلينا وتدمير كل ما عاشت لأجله.

استلقت على الأرض، ورأسها يدور بعنف، والألم يعتصر وجنتها وشفتها، بينما كان الرجل يتقدم نحوها والغضب يعمي عينيه، مستعداً لسحقها تحت قدميه. أغلقت عينيها واستسلمت للمصير، منتظرة الضربة القاضية.

ولكن، في تلك اللحظة بالذات، انشقت الأرض عن جحيم آخر تماماً.

دَوَى صوت تحطم زجاج النوافذ الكبيرة للمرسم في آن واحد، وتناثرت آلاف القطع الكريستالية الصغيرة في الهواء كالمطر الفضي تحت ضوء القمر. اندفع عبر النوافذ وعبر الباب المكسور رجال الكامورا، يقودهم (ماركو) الذي كان وجهه يحمل تعابير شيطانية من الغضب والصرامة العنيفة. لم يكونوا يحملون مسدسات صامتة؛ بل اقتحموا المكان ببنادق رشاشة أوتوماتيكية أطلقت وابلاً من الرصاص الذي مزق صمت الليلة.

"أبيدوهم! لا تتركوا أحداً منهم يتنفس!" صرخ ماركو بصوت رعدي هزّ أركان المبنى.

انقلب المرسم في ثوانٍ إلى ساحة مجزرة حقيقية وشاملة. تعالت صرخات الرجال، ودوي طلقات الرصاص ساد المكان، مخترقاً الجدران العاجية، وممزقاً بقية اللوحات الفنية المعلقة، لتتناثر قطع القماش والألوان والورق في الهواء كشظايا من تاريخ يتفتت. كان رجال ليون يقاتلون بضراوة، لكن تفوق رجال الكامورا في العدد والعتاد والمفاجأة جعل المعركة محسومة منذ بدايتها.

رأت إيلينا، وعيناها نصف مغلقتين من فرط الصدمة والألم، ماركو وهو يتقدم نحو الرجل الذي صفعها. أمسكه ماركو من عنقه، ووجه إليه ضربات متتالية وقاسية بيده وبمقبض مسدسه حتى حطم عظام وجهه بالكامل، ثم أطلق رصاصة مباشرة في جبهته ليرديه قتيلاً فوق اللوحة الممزقة، لتختلط دماء المافيا القذرة بألوان الرسم القديمة، وتتحول أرضية المرسم الهادئ إلى بركة من القرمز والرماد.

تمت تصفية بقية المقتحمين في الممر والردهة؛ سقطوا جثثاً هامدة غارقة في دمائها، وعاد الصمت ليحل على المكان ببطء، صمت ثقيل يخنقه رائحة البارود الكثيفة والدخان الذي تشابك في الهواء كأرواح قلقة تبحث عن مخرج.

كانت إيلينا راقدة في زاويتها، وجسدها يرتجف بالكامل بشكل لا إرادي جراء الصدمة النفسية العنيفة. كانت أنفاسها تخرج على شكل شهقات متقطعة، وعيناها العسليتان تحدقان في جثة الرجل الراقد قريباً منها دون أن تستوعب الواقع. كان عالمها قد دمر بالكامل؛ مرسمها، لوحاتها، سلامها، وأمانها المزعوم، كل شيء تحول إلى ركام ودماء في دقائق معدودة.

تقدم ماركو نحوها بحذر، وأنزِل سلاحه، وحاول الاقتراب لمساعدتها، قائلاً بنبرة يحملها الاحترام والاعتذار: "آنسة إيلينا.. هل أنتِ بخير؟ أنا أعتذر بشدة، لقد تأخرنا في التدخل بضع ثوانٍ لكي نضمن إيقاعهم في الفخ بالكامل بناءً على الأوامر. رجاءً، لا تخافي، الخطر قد زال."

لم تجبه؛ لم تكن قادرة على سماع كلماته. كانت تضع يديها الملطختين بالدم على أذنيها، وتصرخ بصوت مكتوم ومبحوح يملؤه الوجع والانهيار النفسي، وجسدها ينكمش أكثر فأكثر نحو الجدار البارد، رافضة السماح لأي شخص بالاقتراب منها، بعد أن رأت وحشية هؤلاء الرجال وعلمت أن النقاء الذي عاشت لحمايته قد ذُبح الليلة على أرصفة عالمهم المظلم.

أدرك ماركو أن الصدمة أكبر من قدرتها على التحمل، فالتفت نحو رجاله وأشار إليهم ببدء تنظيف المكان بسرعة وتأمين المداخل الخلفية، بينما تراجع هو خطوتين إلى الوراء، ممسكاً بجهاز اللاسلكي ليبلغ الزعيم الشاب بالنتيجة، ومستعداً لاستقبال العاصفة الحقيقية التي ستجتاح فلورنسا فور وصول أليساندرو ورؤيته لانهيار الفتاة التي جعل من حمايتها هوسه الأكبر في الحياة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   الخروج من عنق الزجاجة

    الساعة الجدارية الصامتة في وعي الأبطال لتتحول الثواني الضيقة إلى دهر يغلي فوق صفيح ساخن من الرعب الصرف، بينما استمر الضباب الأبيض البارد والكاثف للغاز الهالوجيني المنوم في الزحف السريع، ملتفاً حول الأعمدة الرخامية ومحاصراً الأنفاس والخطوات داخل عنق الزجاجة المطبق المعزول عن العالم بالخارج. كان الهواء يزداد ثقلاً في الصدور، والرائحة الكيميائية الواخزة بدأت تفرض سيادتها المطلقة على الرئتين المنهكتين، مهددة بـشل الحركة التامة وتحويل القبو التاريخي للمكتبة الوطنية إلى مقبرة جماعية منسية تحت ركام التاريخ.تحرك ماركو بـآلية عسكرية تكتيكية فائقة الدقة والسرعة، لم تشبها شائبة من التردد؛ وضع جسده الصلب كـالدرع الصخري الشامخ أمام كلارا المنكمشة، وجذب جهاز التشويش النبضي الصغير من حزامه الجلدي الأسود، لـيدفعه بـعنفوان وقسوة بالغة في قلب الدوائر الإلكترونية للوحة التحكم الرقمية المخفية داخل تجويف الجدار الحجري المتآكل. انطلقت شرارات كهربائية زرقاء متتالية أصدرت طقطقة حادة هزت جدران القبو، تلاها صوت طنين حاد وممتد أعلن تحطم التشفير اللاسلكي للخصوم وانفجار الصمام الرئيسي صامتاً، لـتنفتح الأبواب ال

  • الظل   فخ بين الرفوف

    تجمّد الصمت في فضاء القبو الحجري العتيق كغشاء رقيق يوشك أن يتردد صداه بعنفوان مع أي حركة طائشة أو نفس مضطرب. استقرت أصابع إيلينا النحيلة، المرتعشة بارتعاشٍ خفيف، فوق الأقراص الميكانيكية الثلاثية للصندوق الصدئ، متجاهلة بالكامل قعقعة السلاح الخافتة وأصوات الخطوات الحذرة التي بدأت تتردد في الممر العلوي للمكتبة الوطنية، والظلام المطبق الذي ابتلع معالم المرسم السفلي المعزول. كانت تداعب البروزات الفولاذية الدقيقة بحس مرممةٍ محترفة تلتمس النبض المفقود في جسدٍ مات منذ قرون؛ تحرك القرص الأول مليمترات محسوبة نحو اليمين لـيصدر صوتاً ميكانيكياً مكتوماً، تلاه تحريك القرص الثاني بزاوية حادة توافقت تماماً مع الرمز القوطي المحفور على الحافة المتآكلة. وفي تلك اللحظة بالذات، انبعث وميض خافت ودقيق من مصباح أليساندرو اليدوي الصغير، والذي وجهه القيصر الشاب بدقة متناهية نحو أصابعها لـيوفر لها الحد الأدنى من الرؤية الضرورية دون إثارة انتباه الفصيلة المتسللة في الأعلى أو كشف موقعهم السري.تحرك الغطاء الحديدي الثقيل ببطء شديد أصدر صريراً حاداً مزق سكون القبو، لينفتح الصندوق الصدئ بالكامل ويفرز في الفضاء المحي

  • الظل   مهمة في قلب الظلام

    لم تكن سماء فلورنسا تلك الليلة سوى رداء أسود ممزق، حيث تجمعت السحب الرعدية الثقيلة فوق القباب التاريخية والجسور العتيقة، لتمحو أي أثر للضوء القمري الذي كان يمنح المدينة سحرها المعهود. كانت العاصفة قد بدأت لتوها، بحبات مطر تشبه في حدتها شظايا الزجاج، تصطدم بجدران السيارات المصفحة انسيابية الصنع، بينما كانت القافلة المؤلفة من سيارتين سوداوين تخترق أزقة المدينة الضيقة بخطوات خفية، كأنها أشباح من حديد ترفض أن يلحظها كائن. داخل السيارة الرئيسية، كان أليساندرو يجلس وإيلينا بجانبه، يداه تقبضان على مقود السيارة بقوة أرستقراطية صامتة، وعيناه الرماديتان ترصدان كل ظل يتحرك خلف الزجاج المظلم، بينما كانت إيلينا تغرق في أفكارها، وتتلمس بأصابعها تلك الحقيبة الجلدية التي تحمل أدوات الترميم الدقيقة التي قد تكون هي المفتاح لإنقاذ إمبراطورية الكامورا من الانهيار.في السيارة الثانية، كانت الأجواء أكثر مشحونة بالترقب والهدوء المريب. كلارا كانت تجلس في المقعد الخلفي، تحدق من النافذة إلى شوارع المدينة التي تعرفها جيداً، لكنها الليلة بدت وكأنها أروقة في كابوس مجهول؛ فقد تحولت فلورنسا التي تعشقها إلى مسرح لصر

  • الظل   السر

    انبعث وهج أزرق بارد من الشاشات الرقمية الشاسعة الممتدة على طول الجدار الرئيسي لغرفة العمليات المحصنة تحت الأرض، لـيكسر عتمة المساحة الفولاذية التي لم تكن تطؤها سوى أقدام النخبة من عائلة الكامورا. تحرك ماركو بخطوات عسكرية سريعة ورنانة فوق الأرضية المعدنية الصقيلة، متوقفاً أمام طاولة التخطيط البلورية الضخمة التي كانت تعرض خريطة طبوغرافية ثلاثية الأبعاد لمدينة فلورنسا القديمة بأزقتها وشوارعها الحجرية الملتوية. وقف أليساندرو بجانبه بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية المهيبة، واضعاً كفيه القويتين فوق حافة الطاولة، وعيناه الرماديتان اللتان تشبهان الرخام البارد تحدقان في التقاطعات المضيئة بتركيز صارم، بينما كانت إيلينا وكلارا تقفان في الزاوية الخلفية للغرفة، تحت حراسة مشددة، والذعر والوجل باديان على ملامحهما الشاحبة إثر استدعائهما المفاجئ وسط أجواء الاستنفار.تحركت أصابع ماركو بسرعة فوق لوحة التحكم، لـتختفي الخرائط العسكرية وتحل محلها صور لوثائق ومخطوطات أثرية قديمة مكتوبة بحبر لاتيني باهت ومختومة بأختام شمعية حمراء تحمل شعار العقرب الممتد. ونبس ماركو بصوته الرخيم المنخفض الذي تردد صداه الحا

  • الظل   نذر العاصفة

    غادرت كلارا قاعة الموسيقى الفسيحة مع اقتراب خيوط المساء الأولى، حاملة في أعماق وعيها أطياف تلك المعزوفة الشجية والوعود السرية الصامتة التي غزلها ماركو بعينيه الدافئتين في عتمة الزوايا التي خلت من وعيد السلاح. عادت بخطوات متباطئة إلى الجناح الملكي الغربي حيث كانت إيلينا تنتظرها بشغف حذر، جالية أمام المدفأة الحجرية الضخمة الشاهقة الارتفاع، والتي أُشعلت فيها بعض حطب الصنوبر المعتق لـتطرد برودة الليل التوسكاني القاسية المتسللة عبر الشرفات العريضة ذات الستائر المخملية الثقيلة. كانت الإضاءة داخل الجناح خافتة ودافئة، تقتصر بالكامل على لهيب النار البرتقالي المتراقص في جوف الحجر وعبر وميش الشموع المعتقة الموضوعة فوق حوامل فضية طويلة ومزخرفة بنقوش أثرية، مما أضفى على الأرجاء الشاسعة أجواء مشحونة بالترقب والهدوء الحذر الذي يسبق العواصف الهوجاء. جلست كلارا بجانب إيلينا فوق الأريكة المخملية الوثيرة ذات اللون القرمزي الداكن، والتفتت إليها إيلينا بنظرة عسيلية حادة وصافية، تفحصت بها ملامح وجهها الشاحب وعينيها الزرقاوين بذكاء المرممة المحترفة التي تقرأ ما بين السطور وتستشف خفايا

  • الظل   ترانيم البيانو

    كانت الممرات المؤدية إلى الجناح الملكي للموسيقى في الطابق الأوسط من القصر تمتاز بظلالها الممتدة وأرضيتها المصنوعة من خشب الباركيه الداكن الذي يعود للقرن الثامن عشر، والذي كان يصدر صريراً خفيفاً شبه غير مسموع تحت الخطوات المتوجسة. سارت كلارا بجانب إيلينا، وكانت يداها لا تزالان ترتجفان ببطء جراء وطأة المواجهة التي دارت على مائدة الإفطار؛ فالأجواء المرعبة المحيطة بأسوار الكامورا لم تكن شيئاً يسهل على فتاة اعتادت الحياة البسيطة في أزقة فلورنسا أن تتأقلم معه بين ليلة وضحاها. فتحت إيلينا الأبواب المزدوجة الشاهقة ذات المقابض النحاسية المزخرفة، لتكشف عن قاعة الموسيقى التي غمرتها خيوط الشمس الذهبية المنسابة من النوافذ الطولية المطلة على الحديقة الخلفية، حيث كانت أشجار الليمون والورد الجوري تتراقص مع نسمات الصباح.في منتصف القاعة الفسيحة، تربع بيانو ضخم من طراز "ستاينواي" باللون الأسود اللامع، يعكس بريقه جدران القاعة المكسوة بالحرير الدمشقي المقصب. ارتمت كلارا على المقعد المخملي الطويل المخصص للعزف، وأسندت جبينها البارد على حافة الخشب الصقيل، مستنشقة رائحة الشمع والورق القديم المنبعثة من نوتات

  • الظل   هدوء ما قبل العاصفة

    استقرت في الردهة برودة مفاجئة أثقل من غسق الموت، وتبخرت تلك السكينة الصباحية الشاحبة التي صنعتها أشعة الشمس فوق اللوحات الفنية. لم يعد دوي العاصفة الطبيعية هو ما يرعب إيلينا، بل تلك العاصفة البشرية القادمة من دهاليز الخيانة والدم. كانت الخطوات الثقيلة المتسارعة بالخارج تصدر صدىً معدنياً مرعباً فوق

  • الظل   استيقاظ الوحش

    تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر شقوق الستائر المخملية لشقة إيلينا، لترسم خطوطاً مستقيمة من النور تتراقص فيها ذرات الغبار الفني الدقيق. كان الصباح قد حلّ بالكامل على مدينة فلورنسا، حاملاً معه هدوءاً غريباً يتدثر برائحة المطر الجاف على الأرصفة العتيقة. في هذا الصمت المشحون بالترقب، كانت الأنفاس داخل الر

  • الظل   خيوط القدر

    استحالت فلورنسا مع اقتراب خيوط الفجر الأولى إلى مدينة من الضباب الشاحب، كأنما تلاشت معالمها الأثرية خلف ستار من الأسرار والغموض. لم يعد صوت الرعد بالخارج بتلك العنفوانية التي كان عليها قبل ساعات، بل تحول إلى دوي خافت وبعيد، يتردد صداه بين الجبال المحيطة بإقليم توسكانا كأنه زئير وحش جريح ينسحب ببطء

  • الظل   حارسة التاريخ

    في الجانب الآخر من المدينة، حيث لا يجرؤ صخب الرصاص على تدنيس حرمة التاريخ، كانت شقة (إيلينا) تبدو وكأنها ملاذ آمن معزول عن العالم بأسره، أو سفينة خشبية عتيقة تمخر عباب ليلة عاصفة دون أن تخشى الغرق. لم يكن بيتها مجرد مكان للسكن، بل كان امتداداً لروحها؛ جدران مرتفعة يغطيها طلاء عاجي تقشرت بعض أطرافه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status