LOGIN"يقال إن التوائم يتشاركون كل شيء؛ الأنفاس، الملامح، وحتى دقات القلب. وقبل ست سنوات، ظن الجميع أن تلك الرابطة قد بُترت، وأن الموت قد أسدل الستار على حكاية أحدهما ليترك الآخر في صمت طويل. عاشت 'رغد' تحاول تجاهل الصدى الذي يتردد في زوايا عقلها، لاهيةً عن الحقيقة التي خبأتها السنون: وهي أن 'غزل' لم ترحل قط، ولم تكن يوماً مجرد ذكرى عابرة طواها التراب. ومع أول خطوة يخطوها ذلك الشخص العائد من غيابه البعيد، يهتز رماد الماضي، ليتضح أن الراحلين يملكون طرقهم الخاصة في البقاء.. بانتظار اللحظة التي تستيقظ فيها الخطوط الفاصلة بين الحضور والغياب، وتعلن عن... حالة غزل."
View Moreكان الفستان الأحمر بلا أكمام يلتف حول جسدها كخطيئة لا تجرؤ على ارتكابها، لذا دست نفسها داخل شال كثيف من الريش، محاولةً الاختباء من العيون الصاخبة في الحفل. كانت خطواتها مترددة، تكاد تسمع دقات قلبها المذعورة فوق صوت كعوبها القلقة. رفعت يدها لتعدل نظارتها الطبية، متمنيةً لو أن هذه العدسات الزجاجية تحجب عنها العالم الخارجي بأكمله.
وفجأة، اختل توازنها إثر صدمة عنيفة بكتفها كادت تطيح بها أرضاً. "أوبس! إنها أنتِ؟ لم أتعرف عليكِ يا عديمة الفائدة!" ترددت ضحكة "نور" المستفزة في الممر، تلك الضحكة التي طالما لاحقت رغد منذ سنوات الدراسة. نور، التي لم تغفر لرغد يوماً تفوقها الأكاديمي، كانت ترتدي ثوباً باهظ الثمن وتنظر إليها بنظرة ملؤها التشفي والتحقير، قبل أن تدير ظهرها وتدلف إلى القاعة الفاخرة بكبرياء زائف. توقفت الأنفاس في صدر رغد. انحنت برأسها لثوانٍ، وبدا وكأن الزمن تجمّد في ذلك الممر الضيق. لكن، لم تكن هناك دموع هذه المرة. ببطء شديد، استقامت وقفتها. تلاشت الرجفة من كتفيها، وحلت مكانها برودة وثقة مفاجئة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة حادة، وتمتمت بنبرة صوت واثقة: "أوف... ما هذا الحر الخانق؟" بحركة سريعة ومستهينة، نزعت شال الريش ورشقته في سلة المهملات القريبة كأنه خرقة بالية. تلاها انتزاع النظارة الطبية لتكشف عن عينين تشعان جرأة وتحدياً. سحبت المشبك الذي يمسك شعرها، فانفجر سواده الطويل منسدلاً على ظهرها، ليغطي حدود تلك الندبة القديمة الغامضة. أخرجت من حقيبتها الصغيرة أحمر شفاه، وبلون دموي قاطع، حددت كرزتي شفتيها. تحولت الخطوات المترددة إلى مشية متزنة، واثقة، ومستفزة تكاد تطحن الأرض تحتها. ولجت القاعة كملكة تملك المكان، دون أن تلتفت للهمسات من حولها. كانت عيناها مثبتتين على هدف واحد: نور. مرت بجانب إحدى الطاولات، التقطت كأساً من النبيذ بحركة انسيابية، وتقدمت بخطوات بطيئة خلف نور التي كانت تتباهى بفستانها وسط جمع من المدعوين. وبحركة بدت عفوية تماماً، مالت يدها لتسكب السائل الأحمر القاني ببطء وثبات فوق فستان نور الأبيض الفاخر. شهقت نور برعب وهي ترى بقعة "الدم" المزيفة تتسع على قماشها، لتلتفت بغضب أعمى. تملكتها الهستيريا وهي ترى رغد تقف أمامها بابتسامة ساحرة وباردة وتهمس: "أوووبس... لم أركِ! آسفة جداً." جن جنون نور، ورفعت يدها في الهواء بغضب عارم لتهوي بصفعة على وجه رغد أمام الجميع. لكن قبل أن تلمسها، تحركت يد رغد بسرعة خاطفة كأفعى، وقبضت على معصم نور بقوة حديدية جمدتها في مكانها. وبدون تردد، ردت لها الصفعة بقوة دوت في أرجاء القاعة الساكنة، لتترنح نور صدمةً ورعباً. نظرت رغد حولها باحتقار، وقالت بنبرة حادة هزت المكان: "تباً لكِ، ولأمثالكِ، ولحفلتكم السخيفة!" استدارت لتمشي نحو المخرج بكبرياء، لكن طول فستانها قيد حركتها السريعة وأزعجها. وبحركة عفوية ومجنونة صدمت الحضور، التقطت سكيناً حاداً من فوق طاولة الطعام القريبة، وبضربات قاطعة وسريعة، مزقت ذيل الفستان الطويل لتحوله في ثوانٍ إلى فستان قصير يمنحها حرية الحركة، ثم ألقت السكين على الأرض وتابعت طريقها للخارج بخطوات واثقة. على الجانب الآخر من القاعة، كان هناك رجل يقف في الظل، يراقب المشهد بالكامل وعيناه تتسعان ذهولاً. إنه هيثم أغنى رجل في مدينة السهول يعد على رأس قائمة النخبة و أحد أهم عشرة رجال في القارة أسس أول شركة له عندما كان يبلغ من العمر 18 سنة لتواصل الازدهار و يصبح أغنى رجل في مدينة النور تسمر في مكانه وهو يرى جرأتها، ولأول مرة منذ سنوات، تلاشت الملامح الصارمة عن وجهه الجاد لتتحول إلى ابتسامة مصدومة، هادئة وعميقة. كان ذهوله ممزوجاً بإعجاب سري لم يختبره من قبل؛ فهو الرجل الذي قضى حياته كلها مكبلاً بالبروتوكولات، والخطط المدروسة، والمسؤوليات التي خنقت روحه، وجد نفسه مسحوراً فجأة بتمردها البدائي. لقد شعر للحظة أن هذه الفتاة فعلت بدقائق ما تمنى هو فعله طوال عمره: أن يصبح عفوياً، يضرب بالقواعد عرض الحائط، ويمضي دون أن يلتفت وراءه. انطلق وراءها بخطوات هادئة وموزونة، مدفوعاً بفضول قاتل ورغبة عارمة في اكتشاف هوية هذه الساحرة المتمردة التي قلبت الحفل وعالم القيود الخاص به رأساً على عقب. خرج وراءها بخطوات سريعة مستكشفاً عتمة الليل، ليرى طيفها الأحمر يتحرك كشعلة متمردة تحت أضواء الشارع الخافتة. كانت تمشي بزهو وثقة أثارت إعجابه. وقبل أن يتمكن من الاقتراب أو مناداتها، رفعت يدها بحركة انسيابية واثقة لتوقف أول سيارة أجرة مرت بالطريق. فتحت الباب، ودلفت إلى الداخل دون أن تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة، لتتحرك السيارة وتختفي بين أزقة المدينة الصاخبة. وقف هيثم في مكانه، وعيناه تلاحقان أثر السيارة الراحلة. تلمس شفتيه التي ما زالت تحتفظ بتلك الابتسامة المصدومة، وشعر أن فضوله قد وصل إلى ذروته. لقد رحلت المتمردة ذات الفستان الأحمر، تاركة خلفها عطراً نفاذاً وسؤالاً حارقاً سيسيطر على عقله طوال الليل: من تكون تلك الفتاة؟ تسللت خيوط شمس الصباح الباردة عبر شقوق النافذة، لتوقظ رغد من نوم عميق وثقيل كالكابوس. فتحت عينيها ببطء، لتشعر بثقل غريب يجثم على صدرها. حاولت النهوض، لكن تجمدت الدماء في عروقها عندما التفتت بجسدها؛ على طرف السرير، كان يقبع ذلك الفستان الأحمر المخملي الساحر، لكنه لم يكن كما كان... كان ممزقاً بشكل عشوائي صارخ، وأطرافه مهترئة كأن معركة شرسة دارت بين قماشه المخملي وبين يديّ إعصار متمرد. لم تكد تستوعب الصدمة أو تفهم كيف وصل هذا الفستان إلى غرفتها، حتى اخترق هدوء المنزل صوت صراخ حاد يأتي من الطابق السفلي. كان صوت جدتها وعمها يملأ الأرجاء غضباً. نزلت السلالم بخطوات مرتجفة، وقلبها يقرع طبول الرعب. فور أن لمحتها الجدة، صاحت بوجهها وعيناها تتطاير شرراً: "كيف تجرئين؟! كيف أفسدتِ حفل الشركة بجهلكِ وتصرفاتكِ الطائشة ليلة أمس؟! لقد فضحتِنا أمام الجميع!" قاطعها العم بنبرة حاقدة وصارمة، وهو يضرب كفاً بكف: "عقاباً لكِ على ما فعلتِهِ، لن تطأ قدمكِ شركة العائلة بعد اليوم! أحلامكِ بالعمل معنا تبخرت، سنعاقبكِ بحرمانكِ من هذا المنصب تماماً!" شعرت رغد بالارتباك الشديد، فذاكرتها فارغة تماماً عما يتحدثون عنه، لكن خوفها من مواجهتهم جعلها تبتلع غصتها. شبكت أصابعها ببعضها، وقالت بنبرة مرتجفة تحاول استجماع شجاعتها: "حـ.. حسناً، لا بأس.. سأبحث عن عمل في مكان آخر."تصلبت ملامح هيثم، وكأن كلمتها كانت صاعقةً أخرسته في مكانه. ظلت عيناه محبوسة في عينيها، يبحث عن أي أثرٍ لرغد التي يعرفها—تلك الفتاة الخجولة، المرتجفة، المكسورة—لكنه لم يجد سوى امرأةٍ قوية، واثقة، ومتمردة بكل جوارحها.لم تتراجع غزل، بل زادت من ضغط أصابعها على شعره، وأمالت رأسها قليلاً، والابتسامة الساخرة لا تفارق شفتيها القرمزيتين. همست بنبرةٍ تتحدى كل ذرة من كبريائه:— ألم تكن تبحث عني يا هيثم؟ ها أنا أمامك. لا رغد الخائفة، ولا الموظفة المطيعة. أنا التي أحرقت قلبك دون أن تلمسه.شعر هيثم بالدماء تغلي في عروقه، زاد من حدة حصاره لها حتى اقترب وجهه من وجهها لدرجةٍ جعلت أنفاسهما تمتزج. قال بصوتٍ خافت، يقطر خطراً وتساؤلاً:— غزل؟ إذن اللعبة انتهت، أليس كذلك؟ ظننتِ أنكِ تستطيعين التلاعب بي كما تشائين؟ضحكت غزل ضحكةً منخفضة، ثم مررت يدها الأخرى على وجنته ببطءٍ متعمد، وقالت بجرأةٍ لا مثيل لها:— اللعبة لم تبدأ بعد يا عزيزي. أنت لم ترَ شيئاً بعد.دفعها هيثم بعيداً عنه قليلاً، لكنه لم يترك ذراعيها، كانت عيناه تشتعلان برغبةٍ غامضة تمتزج بالغضب، وكأنه يرى فيها لغزاً لا يمكنه مقاومة الرغبة في
تقدمت رغد بخطوات ثابتة، اقتربت من أذن زوجة عمها، وهمست بنبرة باردة كأنفاس الموت:— أتعتقدين أنني أخاف منكِ؟ أنا لستُ من تخاف... بل أنا من أُخيفكِ.تسمرت زوجة العم في مكانها، وعيناها تتسعان بذهول، ثم قالت بصوتٍ متقطع:— هل... هل أنتِ رغد؟ردت عليها رغد بهدوءٍ مرعب:— وماذا سأكون غير رغد؟ فالأموات لا يعودون إلى الحياة... خاصة إذا قُتلوا أمام عينيكِ!انفجرت رغد ضاحكةً، ضحكةً لم تكن تشبه ضحكاتها المعتادة، بل كانت ضحكةً تحمل في طياتها صدىً لسنوات من الكبت والألم. وفي المقابل، شحب وجه زوجة العم تماماً، وارتدت للخلف والذعر ينهش ملامحها، فاقتربت منها رغد مرة أخرى وهمست:— لا تخافي... هذا سرُّنا الصغير.استدارت رغد ومضت بخطواتٍ ثابتة واثقة، تاركةً خلفها زوجة عمها غارقةً في حيرةٍ قاتلة وصدمةٍ جعلتها عاجزة عن الحراك.خرجت رغد من المشفى وهي لا تزال تحت تأثير صدمة المواجهة، وبمجرد وصولها إلى البيت، لم تكن تلك الفتاة التي تكتفي بالبكاء. سارعت إلى غرفتها، وأزاحت عنها ثيابها المعتادة، لترتدي فستاناً جريئاً يكاد يظهر كل جسدها، ووضعت مكياجاً أسود داكناً حول عينيها مع أحمر شفاه قرمزي فاقع، جعل مل
بينما هبطت خطوط المساء الصفراء المحمرة، معلنةً عن قدوم ليلٍ لا يحمل في طياته السكينة، عاد هيثم إلى مكتبه. لم يكن ينوي العمل؛ كان يريد فقط مكاناً يبتعد فيه عن أشباح منزله. فمنذ أن عاد آدم قبل أيام، أصبح البيت بالنسبة له ساحة من الذكريات المرة؛ فهو لا يحتمل تلك العقدة التي تنهش روحه، رؤية تدليل والده لآدم، ذلك التدليل الذي كان دائماً ما يراه "مستحقاً" لآدم و"محرماً" عليه هو.استلقى هيثم على الأريكة الجلدية في الغرفة الجانبية للمكتب، وترك رأسه يغوص في الوسادة، بينما بدأت ذكرياته تتشكل كشرائط سينمائية أمام عينيه.بدأت صور "غزل" تقتحم ذهنه؛ تمردها، جرأتها التي تتحدى بها قوانين الجاذبية، وتلك القبلة التي لا يزال طعم التحدي فيها عالقاً على شفتيه. وفجأة، تحولت الصورة إلى "رغد"؛ خوفها، ارتعاش يديها، احمرار وجنتيها خجلاً، ودموعها التي كانت تسقط كقطرات من مطرٍ نقي.ابتسم هيثم للحظة لا إرادية، ابتسامة تلاشت بسرعة لتترك مكانها لملامح الجدية والانكسار. قلبَ جسده على الأريكة، ونظر إلى السقف المعتم، ثم قال بصوتٍ خافت، يكاد يكون مجرد صدىً لأنفاسه:— "أعتقد أنني دخلت مرحلة الجنون... إذا لم أفك شفرة
كان هيثم يقف في مكتبه، والصور التي بين يديه لم تعد مجرد أوراق، بل أصبحت دليلاً قاطعاً في عقله على وجود "مؤامرة". فكرة التوأمين التي تبلورت في ذهنه أشعلت فتيل غضب عارم لم يسبق له مثيل؛ كيف لفتاتين—رغد الضعيفة وغزل المتمردة—أن تتلاعبا بعقل رجل مثل هيثم؟ لقد شعر بالإهانة، وبالرغبة في الانتقام لكرامته التي استبيحت.في تلك اللحظة، كانت رغد تسير في الممر، تحمل فنجان القهوة الساخنة لتقدمه لمكتب المدير، غافلةً عن العاصفة التي تنتظرها خلف ذلك الباب. وما إن اقتربت حتى فُتح الباب بعنف، وخرج هيثم كالإعصار، وعيناه تشتعلان بنيران الشك.دون مقدمات، قبض هيثم على معصمها بقوة جبارة، مما أدى إلى ارتطام الفنجان بالأرض وتحطمه، لتنتشر القهوة الساخنة وتلطخ ملابسه وتصيب يد رغد. انتفضت رغد مرتجفة، والذعر يملأ عينيها خلف نظارتها، بينما سحبها هيثم بعنف إلى داخل المكتب وأغلق الباب خلفه.صرخ هيثم بصوتٍ زلزل أرجاء الغرفة:— "ألا زلتِ تظنين أنكِ تمثلين دور البريئة؟ أهذا التلاعب يعجبكِ؟ أتظنين أنني أحمق لأصدق هذا الوجه الذي يتبدل كالقناع؟"تجمدت رغد مكانها، لا تفهم شيئاً من اتهاماته، حتى لاحظ هيثم فجأة أن القهوة