حَالَةُ غَزَلْ

حَالَةُ غَزَلْ

last updateLast Updated : 2026-07-01
By:  سارةUpdated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
12Chapters
14views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

​"يقال إن التوائم يتشاركون كل شيء؛ الأنفاس، الملامح، وحتى دقات القلب. وقبل ست سنوات، ظن الجميع أن تلك الرابطة قد بُترت، وأن الموت قد أسدل الستار على حكاية أحدهما ليترك الآخر في صمت طويل. عاشت 'رغد' تحاول تجاهل الصدى الذي يتردد في زوايا عقلها، لاهيةً عن الحقيقة التي خبأتها السنون: وهي أن 'غزل' لم ترحل قط، ولم تكن يوماً مجرد ذكرى عابرة طواها التراب. ومع أول خطوة يخطوها ذلك الشخص العائد من غيابه البعيد، يهتز رماد الماضي، ليتضح أن الراحلين يملكون طرقهم الخاصة في البقاء.. بانتظار اللحظة التي تستيقظ فيها الخطوط الفاصلة بين الحضور والغياب، وتعلن عن... حالة غزل."

View More

Chapter 1

الفصل الأول

كان الفستان الأحمر بلا أكمام يلتف حول جسدها كخطيئة لا تجرؤ على ارتكابها، لذا دست نفسها داخل شال كثيف من الريش، محاولةً الاختباء من العيون الصاخبة في الحفل. كانت خطواتها مترددة، تكاد تسمع دقات قلبها المذعورة فوق صوت كعوبها القلقة. رفعت يدها لتعدل نظارتها الطبية، متمنيةً لو أن هذه العدسات الزجاجية تحجب عنها العالم الخارجي بأكمله.

​وفجأة، اختل توازنها إثر صدمة عنيفة بكتفها كادت تطيح بها أرضاً.

​"أوبس! إنها أنتِ؟ لم أتعرف عليكِ يا عديمة الفائدة!"

​ترددت ضحكة "نور" المستفزة في الممر، تلك الضحكة التي طالما لاحقت رغد منذ سنوات الدراسة. نور، التي لم تغفر لرغد يوماً تفوقها الأكاديمي، كانت ترتدي ثوباً باهظ الثمن وتنظر إليها بنظرة ملؤها التشفي والتحقير، قبل أن تدير ظهرها وتدلف إلى القاعة الفاخرة بكبرياء زائف.

​توقفت الأنفاس في صدر رغد. انحنت برأسها لثوانٍ، وبدا وكأن الزمن تجمّد في ذلك الممر الضيق.

​لكن، لم تكن هناك دموع هذه المرة.

​ببطء شديد، استقامت وقفتها. تلاشت الرجفة من كتفيها، وحلت مكانها برودة وثقة مفاجئة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة حادة، وتمتمت بنبرة صوت واثقة: "أوف... ما هذا الحر الخانق؟"

​بحركة سريعة ومستهينة، نزعت شال الريش ورشقته في سلة المهملات القريبة كأنه خرقة بالية. تلاها انتزاع النظارة الطبية لتكشف عن عينين تشعان جرأة وتحدياً. سحبت المشبك الذي يمسك شعرها، فانفجر سواده الطويل منسدلاً على ظهرها، ليغطي حدود تلك الندبة القديمة الغامضة.

​أخرجت من حقيبتها الصغيرة أحمر شفاه، وبلون دموي قاطع، حددت كرزتي شفتيها.

​تحولت الخطوات المترددة إلى مشية متزنة، واثقة، ومستفزة تكاد تطحن الأرض تحتها. ولجت القاعة كملكة تملك المكان، دون أن تلتفت للهمسات من حولها. كانت عيناها مثبتتين على هدف واحد: نور.

​مرت بجانب إحدى الطاولات، التقطت كأساً من النبيذ بحركة انسيابية، وتقدمت بخطوات بطيئة خلف نور التي كانت تتباهى بفستانها وسط جمع من المدعوين. وبحركة بدت عفوية تماماً، مالت يدها لتسكب السائل الأحمر القاني ببطء وثبات فوق فستان نور الأبيض الفاخر.

​شهقت نور برعب وهي ترى بقعة "الدم" المزيفة تتسع على قماشها، لتلتفت بغضب أعمى. تملكتها الهستيريا وهي ترى رغد تقف أمامها بابتسامة ساحرة وباردة وتهمس: "أوووبس... لم أركِ! آسفة جداً."

​جن جنون نور، ورفعت يدها في الهواء بغضب عارم لتهوي بصفعة على وجه رغد أمام الجميع. لكن قبل أن تلمسها، تحركت يد رغد بسرعة خاطفة كأفعى، وقبضت على معصم نور بقوة حديدية جمدتها في مكانها. وبدون تردد، ردت لها الصفعة بقوة دوت في أرجاء القاعة الساكنة، لتترنح نور صدمةً ورعباً.

​نظرت رغد حولها باحتقار، وقالت بنبرة حادة هزت المكان: "تباً لكِ، ولأمثالكِ، ولحفلتكم السخيفة!"

​استدارت لتمشي نحو المخرج بكبرياء، لكن طول فستانها قيد حركتها السريعة وأزعجها. وبحركة عفوية ومجنونة صدمت الحضور، التقطت سكيناً حاداً من فوق طاولة الطعام القريبة، وبضربات قاطعة وسريعة، مزقت ذيل الفستان الطويل لتحوله في ثوانٍ إلى فستان قصير يمنحها حرية الحركة، ثم ألقت السكين على الأرض وتابعت طريقها للخارج بخطوات واثقة.

على الجانب الآخر من القاعة، كان هناك رجل يقف في الظل، يراقب المشهد بالكامل وعيناه تتسعان ذهولاً. إنه هيثم أغنى رجل في مدينة السهول يعد على رأس قائمة النخبة و أحد أهم عشرة رجال في القارة أسس أول شركة له عندما كان يبلغ من العمر 18 سنة لتواصل الازدهار و يصبح أغنى رجل في مدينة النور

​تسمر في مكانه وهو يرى جرأتها، ولأول مرة منذ سنوات، تلاشت الملامح الصارمة عن وجهه الجاد لتتحول إلى ابتسامة مصدومة، هادئة وعميقة. كان ذهوله ممزوجاً بإعجاب سري لم يختبره من قبل؛ فهو الرجل الذي قضى حياته كلها مكبلاً بالبروتوكولات، والخطط المدروسة، والمسؤوليات التي خنقت روحه، وجد نفسه مسحوراً فجأة بتمردها البدائي. لقد شعر للحظة أن هذه الفتاة فعلت بدقائق ما تمنى هو فعله طوال عمره: أن يصبح عفوياً، يضرب بالقواعد عرض الحائط، ويمضي دون أن يلتفت وراءه.

​انطلق وراءها بخطوات هادئة وموزونة، مدفوعاً بفضول قاتل ورغبة عارمة في اكتشاف هوية هذه الساحرة المتمردة التي قلبت الحفل وعالم القيود الخاص به رأساً على عقب.

خرج وراءها بخطوات سريعة مستكشفاً عتمة الليل، ليرى طيفها الأحمر يتحرك كشعلة متمردة تحت أضواء الشارع الخافتة. كانت تمشي بزهو وثقة أثارت إعجابه. وقبل أن يتمكن من الاقتراب أو مناداتها، رفعت يدها بحركة انسيابية واثقة لتوقف أول سيارة أجرة مرت بالطريق.

​فتحت الباب، ودلفت إلى الداخل دون أن تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة، لتتحرك السيارة وتختفي بين أزقة المدينة الصاخبة.

​وقف هيثم في مكانه، وعيناه تلاحقان أثر السيارة الراحلة. تلمس شفتيه التي ما زالت تحتفظ بتلك الابتسامة المصدومة، وشعر أن فضوله قد وصل إلى ذروته. لقد رحلت المتمردة ذات الفستان الأحمر، تاركة خلفها عطراً نفاذاً وسؤالاً حارقاً سيسيطر على عقله طوال الليل: من تكون تلك الفتاة؟

تسللت خيوط شمس الصباح الباردة عبر شقوق النافذة، لتوقظ رغد من نوم عميق وثقيل كالكابوس. فتحت عينيها ببطء، لتشعر بثقل غريب يجثم على صدرها. حاولت النهوض، لكن تجمدت الدماء في عروقها عندما التفتت بجسدها؛ على طرف السرير، كان يقبع ذلك الفستان الأحمر المخملي الساحر، لكنه لم يكن كما كان... كان ممزقاً بشكل عشوائي صارخ، وأطرافه مهترئة كأن معركة شرسة دارت بين قماشه المخملي وبين يديّ إعصار متمرد.

​لم تكد تستوعب الصدمة أو تفهم كيف وصل هذا الفستان إلى غرفتها، حتى اخترق هدوء المنزل صوت صراخ حاد يأتي من الطابق السفلي. كان صوت جدتها وعمها يملأ الأرجاء غضباً.

​نزلت السلالم بخطوات مرتجفة، وقلبها يقرع طبول الرعب. فور أن لمحتها الجدة، صاحت بوجهها وعيناها تتطاير شرراً:

"كيف تجرئين؟! كيف أفسدتِ حفل الشركة بجهلكِ وتصرفاتكِ الطائشة ليلة أمس؟! لقد فضحتِنا أمام الجميع!"

​قاطعها العم بنبرة حاقدة وصارمة، وهو يضرب كفاً بكف:

"عقاباً لكِ على ما فعلتِهِ، لن تطأ قدمكِ شركة العائلة بعد اليوم! أحلامكِ بالعمل معنا تبخرت، سنعاقبكِ بحرمانكِ من هذا المنصب تماماً!"

​شعرت رغد بالارتباك الشديد، فذاكرتها فارغة تماماً عما يتحدثون عنه، لكن خوفها من مواجهتهم جعلها تبتلع غصتها. شبكت أصابعها ببعضها، وقالت بنبرة مرتجفة تحاول استجماع شجاعتها:

"حـ.. حسناً، لا بأس.. سأبحث عن عمل في مكان آخر."

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
12 Chapters
الفصل الأول
كان الفستان الأحمر بلا أكمام يلتف حول جسدها كخطيئة لا تجرؤ على ارتكابها، لذا دست نفسها داخل شال كثيف من الريش، محاولةً الاختباء من العيون الصاخبة في الحفل. كانت خطواتها مترددة، تكاد تسمع دقات قلبها المذعورة فوق صوت كعوبها القلقة. رفعت يدها لتعدل نظارتها الطبية، متمنيةً لو أن هذه العدسات الزجاجية تحجب عنها العالم الخارجي بأكمله. ​وفجأة، اختل توازنها إثر صدمة عنيفة بكتفها كادت تطيح بها أرضاً. ​"أوبس! إنها أنتِ؟ لم أتعرف عليكِ يا عديمة الفائدة!" ​ترددت ضحكة "نور" المستفزة في الممر، تلك الضحكة التي طالما لاحقت رغد منذ سنوات الدراسة. نور، التي لم تغفر لرغد يوماً تفوقها الأكاديمي، كانت ترتدي ثوباً باهظ الثمن وتنظر إليها بنظرة ملؤها التشفي والتحقير، قبل أن تدير ظهرها وتدلف إلى القاعة الفاخرة بكبرياء زائف. ​توقفت الأنفاس في صدر رغد. انحنت برأسها لثوانٍ، وبدا وكأن الزمن تجمّد في ذلك الممر الضيق. ​لكن، لم تكن هناك دموع هذه المرة. ​ببطء شديد، استقامت وقفتها. تلاشت الرجفة من كتفيها، وحلت مكانها برودة وثقة مفاجئة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة حادة، وتمتمت بنبرة صوت واثقة: "أوف... ما
last updateLast Updated : 2026-06-29
Read more
الفصل الثاني
استجمعت رغد شتات نفسها، وارتدت ملابسها المحتشمة الراقية المعتادة، ووضعت نظاراتها الطبية لتخفي وراءها عينيها الحائرتين، وانطلقت بـ شخصيتها الخجولة والمنطوية نحو إحدى أكبر الشركات الاستثمارية في المدينة لتقديم طلب عمل. ​دخلت المبنى الشاهق بنبضات قلب متسارعة. وأثناء وقوفها في بهو الشركة الفاخر تنتظر دورها، التفتت فجأة لترى رجلاً يسير وسط حراسة خفيفة وموظفين يلحقون به بهيبة تخطف الأنفاس. كان هيثم. ​نظرت إليه رغد من بعيد، لكنها لم تتعرف عليه قط؛ فنظاراتها الطبية وهدوءها لم يسعفاها للربط بينه وبين الرجل الذي واجهته ليلة أمس. كل ما شعرت به في تلك اللحظة هو الذهول التام من هيبة هذا الرجل عشريني العمر، الحنطي البشرة، والذي كان يتحرك كملك غير متوج في مملكته. ​لكن سحر اللحظة انكسر سريعاً عندما نادى الموظف المسؤول على اسمها. دخلت المقابلة بآمال معلقة، لتواجه واقعاً مريراً؛ نظر المسؤول إلى مظهرها الهادئ ونظاراتها، وبدأ باحتقارها والتقليل من شأنها بكلمات باردة، قبل أن يلقي بملفها جانباً ويقول بنبرة جافة: "طلبكِ مرفوض.. لا نحتاج لأمثالكِ هنا." ​ ​خرجت رغد من باب الشركة والدموع تتلألأ في عي
last updateLast Updated : 2026-06-29
Read more
الفصل الثالث
رغم صخب النقاشات وحرص الجميع على إبراز أفضل ما لديهم، كان هيثم في عالم آخر تماماً. ظل شارداً طوال الاجتماع، عينيه مثبتتان على الأوراق أمامه لكن عقله لم يكن يرى سوى تلك اللحظة... غمزة غزل العفوية له. ​تسللت التفاصيل إلى مخيلته كشريط سينمائي يعاد ببطء، لترتسم على شفتيه ابتسامة تلقائية دافئة، كسر بها قناع الجدية الذي يرتديه دائماً. ​لم تمر هذه الابتسامة المرتبكة مرور الكرام على الموظفين الجالسين حول الطاولة، فبدأت الهمسات المكتومة تشتعل في زوايا الغرفة: — "هل سيدي يضحك حقاً؟" — "نعم، أعتقد ذلك.. يا إلهي، أظن أنه واقع في الحب!" ​تناهت تلك الهمسات الخافتة إلى مسامعه، فاستيقظ فجأة من شروده. شعر بالحرج، وتنحنح بقوة (سعل) ليعيد صوته الرخيم، مقاطعاً همساتهم. أعاد ترتيب أوراقه بجدية مصطنعة، ونظر إلى المدير المالي مباشرة ليعيد توجيه التركيز إلى العمل قائلاً بنبرة حازمة: — "حسناً.. كنا نتحدث عن الجدوى الاقتصادية. ما هي قيمة الأرباح المتوقعة في هذا المشروع بناءً على دراستكم الأخيرة؟" أدار المدير المالي عينيه بارتباك، محاولاً التخلص من ابتسامته الساخرة قبل أن يجيب بنبرة عملية: — "بن
last updateLast Updated : 2026-06-29
Read more
الفصل الرابع
​استيقظت رغد في وقت متأخر من المساء. كانت الغرفة غارقة في الظلام والهدوء، باستثناء ضوء هاتفها الذي كان يضيء وينطفئ دون توقف، مصحوباً بذبذبات إشعارات متتالية لا تهدأ. ​اعتدلت في سريرها وهي لا تزال ترتدي برنس الحمام، وأمسكت الهاتف بكسل، لكن ملامحها تغيرت فوراً عندما رأت سيل الرسائل والروابط المرسلة إليها. فتحت أحد الروابط لتجد مقطع فيديو واسع الانتشار... لقطات واضحة تشعل مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر فيها هي بنفسها وهي تبرح نور ضرباً، وتمزق فستانها بقسوة وجرأة لا مثيل لهما! ​اتسعت عينا رغد بذهول وصدمة حقيقية، وأفلتت منها صرخة مكتومة: — "لا.. لا.. مستحيل! ليست أنا.. كيف فعلت هذا؟!" ​ضربت جبهتها بيدها وهي تحاول تذكر أي تفصيل من ذلك الشجار، لكن عقلها كان صفحة بيضاء تماماً: — "لا بد أنني كنت ثملة جداً.. لا أتذكر حتى أنني شربت شيئاً! أوه.. ماذا سأفعل الآن؟!" ​بأصابع ترتجف، نزلت إلى خانة التعليقات لترى ردود أفعال الناس، فكانت الآراء منقسمة بشكل حاد. قرأت تعليقاً يقول: "يا إلهي، إنها قوية جداً! ما أشجعها.. إنها رائعة حقاً!" بينما يقول تعليق آخر أسفله مباشرة: "ما هذه الوقاحة؟ فتاة بدون
last updateLast Updated : 2026-06-29
Read more
الفصل الخامس
ضرب هيثم سطح المكتب بقبضته بقوة جعلت الأوراق ترتجف، ونظر نحو الأفق بغيظ وهو يهمس بفحيح: "سأريكِ..." ​ومنذ تلك اللحظة، بدأت الطلبات تنهال على رأس رغد دون توقف. تحول مكتبها الصغير إلى ساحة معركة حاسمة؛ الأوامر تأتي متلاحقة والمهام تتراكم فوق بعضها بعضاً: "أحضري القهوة"، "اجمعي هذه الأوراق"، "عدّلي هذا الملف"، "أعيدي صياغة هذا التقرير". استمر الوضع على هذا النحو الصارم حتى غرق مكتبها تماماً بملفات تكاد تُخفي ملامحه. ​نظرت رغد إلى كومة المعاملات أمامها بتعب، ثم التفتت إلى مجيد وقالت بنبرة يملؤها الإرهاق: "إن العمل كثير جداً... لا يمكنني إنهاؤه اليوم بأي حال." ​نظر إليها مجيد بملامح هادئة، وأجابها ببساطة: "أعتقد أنكِ ستعملين لوقت إضافي." ​مع رنين هذه الكلمة الأخيرة في أذنها، تجمّد الزمن للحظة، وانقشع الحاضر لتجد نفسها في ماضي بعيد... لمحت طاولتين متجاورتين، وجلست هي أمام كتابها عاجزة، لا تعرف كيف تجيب على المسائل المعقدة، بينما الأُخرى بجانبها تدرس بذكاء وتفوق واضحين. التفتت إليها توأمتها، وبابتسامة حانية لطيفة قالت لها: "أعتقد أنكِ ستدرسين لوقت إضافي". ​عادت رغد إلى الواقع
last updateLast Updated : 2026-06-29
Read more
الفصل السادس
استيقظت رغد على صدى بكاء مكتوم ومليء بالذعر في أرجاء المنزل؛ كان بكاء جدتها الممزوج بصوت عمها الأصغر "سامر". هبت من فراشها كالمذعورة، ركضت نحو الممر، وكل ما وقعت عليه عيناها هو مشهد الإسعاف وهي تغادر المكان مسرعة. ​لم تفكر، لم تتساءل، لم تدرك ما حدث. حملت هاتفها فقط وخرجت تركض في الشارع بملابسها المبعثرة، تلاحق أضواء سيارة الإسعاف التي تبتعد، إلى أن تعثرت بقدمها وسقطت على الأرض. في تلك اللحظة، اقترب منها بعض الشبان، بدأت نظراتهم تضايقها وتثير فيها رعباً أكبر. ​بيدٍ مرتجفة، حاولت الاتصال بعمها "سامر" لتستنجد به، لكن من شدة ارتباكها أخطأت في اختيار الرقم وضغطت على اسم "مجيد". لم تكن تعلم أن الرقم الذي كانت تتصل به ليس رقم "مجيد" الشخصي، بل كان رقماً مسجلاً في هاتف المدير "هيثم" الذي كان قد استخدمه "مجيد" في وقت سابق. ​لم يجد الهاتف "مجيد" في جهات اتصالها، وبقيت رغد في الشارع محاصرة بالخوف، بينما كان الهاتف يرن في مكان آخر تماماً... في مكتب "هيثم".تلقى هيثم المكالمة، ونظر إلى شاشة هاتفه بابتسامة غامضة، وقال بصوت خافت: "ترى ماذا تلعبين الآن يا آنسة رغد؟" ​أجاب ليسمع صوت رغد يأتيه من ا
last updateLast Updated : 2026-06-29
Read more
الفصل السابع
استيقظت رغد وخيوط الشمس الباردة تداعب وجهها. جلست في سريرها تشعر بصداع يمزق رأسها، وحيرة تملأ قلبها. حاولت جاهدة ترتيب خيوط ليلة أمس؛ تتذكر بكاء جدتها، صدمة نقل عمها لؤي في سيارة الإسعاف، وركضها خلفهم في الشارع المظلم... ثم ماذا؟ ​فراغ تام! صفحة بيضاء في ذاكرتها. نظرت إلى كفيها وقدميها، وحدثت نفسها بقلق: ​"هل أُغمي عليّ في الشارع من شدة الخوف؟ لا بد أن هناك شخصاً ابن حلال عثر عليّ وأنقذني، أو ربما عدت إلى البيت دون وعي..." ​نفضت الأفكار من رأسها بسرعة، فالأولوية الآن لعمها. ارتدت ملابسها المحتشمة المعتادة ونظارتها الطبية الكبيرة، وانطلقت فوراً نحو المستشفى. ​ ​دخلت رغد الرواق المعقم بخطوات قلقة حتى وجدت جدتها وعمها الأصغر سامر يقفان أمام غرفة العناية المركزة بملامح يكسوها الذهول والتعب. اقتربت منهما بلهفة: — "جدتي! عمي سامر! أخبراني أرجوكما، ما الذي حدث لعمي لؤي؟ كيف سقط فجأة؟" ​التفتت إليها الجدة بنظرات غامضة، ممزوجة بالشك والريبة بعد حركة "تباً لكم" التي فعلتها غزل ليلة أمس، لكنها أجابت بنبرة حائرة ومجهدة: — "لا أحد يدري يا رغد... الأطباء يقولون إن جسده سليم تماماً، لكن عقله
last updateLast Updated : 2026-06-29
Read more
الفصل الثامن
لم يطل وقوف هيثم في الظل يراقب نحيبها؛ بل استدار وعاد إلى مكتبه والبركان يغلي في رأسه. الحيرة كادت تذهب بعقله الصارم الذي اعتاد على تفسير كل شيء بالأرقام والمنطق.​جلس خلف مكتبه، وجذب هاتفه المحمول بسرعة وضغط على زر الاتصال بمجيد. وما هي إلا ثوانٍ حتى كان مجيد يقف أمامه بوقاره المعتاد.​نظر إليه هيثم بعينين حادتين كالصقر ونبرة صوت منخفضة ولكنها حاسمة تحمل أمراً لا يقبل النقاش:— "مجيد... أريدك أن تضع شخصاً موثوقاً للغاية، ظلاً لا يراه أحد، لمراقبة رغد على مدار الـ 24 ساعة."​عقد مجيد حاجبيه بتعجب طفيف، لكنه حافظ على هدوئه وسأل:— "مراقبة داخل الشركة أم خارجها أيضاً يا سيدي؟"​اتكأ هيثم بظهره إلى الخلف، وشبك أصابعه ببعضها وعيناه تشعان ببريق غامض وهو يجيب:— "في كل مكان! أريد تقريراً كاملاً ومفصلاً عن كل دقيقة في حياتها. من تقابل، أين تذهب، كيف تتصرف مع عائلتها، وحتى طريقتها في المشي والكلام خارج أسوار هذه الشركة. أريد فك شفرة هذه الفتاة بأي ثمن."​أومأ مجيد برأسه بمهنية وسجل الأمر: "علم وسينفذ فوراً يا سيدي. سأحضر لك التقرير الأول مع نهاية الأسبوع."مرت عدة أيام ثقيلة وهادئة في الظاهر
last updateLast Updated : 2026-06-29
Read more
الفصل التاسع
كان هيثم يقف في مكتبه، والصور التي بين يديه لم تعد مجرد أوراق، بل أصبحت دليلاً قاطعاً في عقله على وجود "مؤامرة". فكرة التوأمين التي تبلورت في ذهنه أشعلت فتيل غضب عارم لم يسبق له مثيل؛ كيف لفتاتين—رغد الضعيفة وغزل المتمردة—أن تتلاعبا بعقل رجل مثل هيثم؟ لقد شعر بالإهانة، وبالرغبة في الانتقام لكرامته التي استبيحت.​في تلك اللحظة، كانت رغد تسير في الممر، تحمل فنجان القهوة الساخنة لتقدمه لمكتب المدير، غافلةً عن العاصفة التي تنتظرها خلف ذلك الباب. وما إن اقتربت حتى فُتح الباب بعنف، وخرج هيثم كالإعصار، وعيناه تشتعلان بنيران الشك.​دون مقدمات، قبض هيثم على معصمها بقوة جبارة، مما أدى إلى ارتطام الفنجان بالأرض وتحطمه، لتنتشر القهوة الساخنة وتلطخ ملابسه وتصيب يد رغد. انتفضت رغد مرتجفة، والذعر يملأ عينيها خلف نظارتها، بينما سحبها هيثم بعنف إلى داخل المكتب وأغلق الباب خلفه.​صرخ هيثم بصوتٍ زلزل أرجاء الغرفة:— "ألا زلتِ تظنين أنكِ تمثلين دور البريئة؟ أهذا التلاعب يعجبكِ؟ أتظنين أنني أحمق لأصدق هذا الوجه الذي يتبدل كالقناع؟"​تجمدت رغد مكانها، لا تفهم شيئاً من اتهاماته، حتى لاحظ هيثم فجأة أن القهوة
last updateLast Updated : 2026-07-01
Read more
الفصل العاشر
بينما هبطت خطوط المساء الصفراء المحمرة، معلنةً عن قدوم ليلٍ لا يحمل في طياته السكينة، عاد هيثم إلى مكتبه. لم يكن ينوي العمل؛ كان يريد فقط مكاناً يبتعد فيه عن أشباح منزله. فمنذ أن عاد آدم قبل أيام، أصبح البيت بالنسبة له ساحة من الذكريات المرة؛ فهو لا يحتمل تلك العقدة التي تنهش روحه، رؤية تدليل والده لآدم، ذلك التدليل الذي كان دائماً ما يراه "مستحقاً" لآدم و"محرماً" عليه هو.​استلقى هيثم على الأريكة الجلدية في الغرفة الجانبية للمكتب، وترك رأسه يغوص في الوسادة، بينما بدأت ذكرياته تتشكل كشرائط سينمائية أمام عينيه.​بدأت صور "غزل" تقتحم ذهنه؛ تمردها، جرأتها التي تتحدى بها قوانين الجاذبية، وتلك القبلة التي لا يزال طعم التحدي فيها عالقاً على شفتيه. وفجأة، تحولت الصورة إلى "رغد"؛ خوفها، ارتعاش يديها، احمرار وجنتيها خجلاً، ودموعها التي كانت تسقط كقطرات من مطرٍ نقي.​ابتسم هيثم للحظة لا إرادية، ابتسامة تلاشت بسرعة لتترك مكانها لملامح الجدية والانكسار. قلبَ جسده على الأريكة، ونظر إلى السقف المعتم، ثم قال بصوتٍ خافت، يكاد يكون مجرد صدىً لأنفاسه:— "أعتقد أنني دخلت مرحلة الجنون... إذا لم أفك شفرة
last updateLast Updated : 2026-07-01
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status