Share

الفصل 47

Author: سارة
last update publish date: 2026-07-17 00:46:12

داخل الغرفة، تحول وجه غزل من القناع المغري إلى قناعٍ جامدٍ خالٍ من أي تعبير. لم ترتجف، ولم تبكِ. وقفت أمام المرآة، وضعت يدها على زجاجها البارد، وأطبقت أصابعها بقوة حتى ابيضت مفاصلها.

​— "جبان،" همست لنفسها، لكن النبرة لم تكن نبرة رغد، بل كانت نبرة "غزل" الحادة والمتهكمة. "يعتقد أن المسافة بين غرفتين ستعالج شكوكه."

​تحركت غزل في الغرفة بخطواتٍ محسوبة، كأنها حيوانٌ مفترسٌ في قفص. فتحت حقيبتها المهنية، وأخرجت منها قلماً ودفتر مذكراتٍ صغيراً، لم يكن يخص العمل. بدأت تكتب بحدة، كانت تدون ردود فعل هيث
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 57

    أخذت البوظة بخجل، وقالت بصوت خافت يشوبه الامتنان:— "شكراً..."​لم يجبها بكلمة واحدة، بل عاد لتشغيل المحرك وتابع القيادة نحو عيادة الدكتورة نهال بملامح جامدة. طوال الطريق، كانت "رغد" تتذوق المثلجات بصمت، بينما سرقت عيناها عدة نظرات خلسة لتتأمل ظل وجهه الجانبي، وتحديداً خط أنفه المستقيم وتركيزه العميق على الطريق، متساءلة عن حقيقة هذا الرجل الذي يجمع بين القسوة المطلقة والاهتمام المفاجئ.​وما إن وصلا ودخلا العيادة، حتى بادلتهما الدكتورة نهال التحية بابتسامة عملية هادئ ثم قالت بنبرة مهنية هادئة لا تتناسب أبداً مع حجم الكارثة التي تنطق بها:— "أقترح أن تبقي مع هيثم طوال اليوم يا رغد... هكذا سنتمكن من أن نعرف ما يحدث بالضبط في فترات فقدانك للذاكرة."​اتسعت عينا رغد بذهول تام، ونظرت إلى الطبيبة وكأنها شخص غريب تراه للمرة الأولى في حياتها. تلاحقت أنفاسها في صدرها حتى كادت تختنق، وهي تنقل بصرها المذعور بين ملامح نهال الهادئة جداً، ووجه هيثم الجامد كتمثال من الجليد والذي لم يبدِ أي رد فعل، كأنه كان يعلم مسبقاً بما سيقال.​تراجعت رغد خطوة للخلف، وقالت بصوت مهتز يقطر بالاستنكار والرفض المطلق:—

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 56

    ذلك اليوم المشؤوم...​يوم تجرأ والده وأحضر عشيقته وطفله غير الشرعي إلى عقر دارهما دون أدنى احترام لروح الفقيدة. يومها، لم يتماسك هيثم أمام الوقاحة التي رآها، فصرخ في وجه أبيه بانهيار وغضب أعمى:— "ألم يمر حتى شهر واحد على وفاة أمي لتجلب هذه إلى هنا؟!"​ولم تكن الإجابة سوى صفعة قوية ومدوية هبطت على وجهه من أبيه، صفعة تركت طعماً مراً في حلقه ونيرانًا تحرق صدره. يومها، وسط دموعه المكبوتة ونظرات الشماتة، أقسم هيثم بصوت مرتعش أمام المرآة أنه سيبني نفسه من الصفر، وأنه لن يحتاج إلى أحد كائناً من كان، وسيدوس على كل من تجرأ على كسر رأسه.​لكن وسط ذلك الحطام النفسي، تذكر كيف أتت جدته إليه بحنان باغت، فحضنته بقوة وكأنها تريد أن تجمع أجزائه المتناثرة، وهمست في أذنه بكلمات دافئة:— "أنا في مكان أمك يا بني... وأقسم أنني لن أموت إلا حين أراك تتزوج وتؤسس عائلتك الخاصة التي تحميك وتحمي بيتك."​فتح عينيه ببطء، وابتسم بمرارة خفية وهو يستعيد عهده القديم؛ ليُدرك أن هذه الصفقة المؤقتة لم تكن مجرد هروب من ورطة رغد، بل كانت الحصن الوحيد ليفيء بوعده القديم للجدة، ولو كان الثمن هو الدخول في لعبة مع عناد رغد ال

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 55

    عقدت "رغد" حاجبيها بتعجب أكبر، وقد تشتت غضبها أمام بروده الغريب، لتردد بصوت مهتز ومخترق:— "الجدة تتصل بكَ أنت؟! وكيف يكون..."​لم تنهِ جملتها؛ فقد اقترب منها هيثم أكثر، متملاً أي مسافة فاصلة بين وجهيهما حتى كاد يلتصق بها، ثم مد أصبعه برفق ولمس طرف أنفها بحركة خفيفة، وقال بصوت هامس وخبيث يخفي ابتسامة ساخرة:— "ايتها الحمقاء... إنها جدتي أنا، وليست جدتكِ أنتِ."أدركت "رغد" فجأة مدى تسرّعها وغبائها في تلك اللحظة، فاحمرّت وجنتاها خجلاً وارتباكاً من قربه الشديد وتصرفه المباغت. وقبل أن تستوعب تماماً ورطتها أو تفكر في ردّ فعل مناسب، كان هيثم قد ابتعد عنها بخفة، ووقف مستقيماً وهو يعدل ياقَتَه ببرود وهدوء تام كأن شيئاً لم يكن.​نظر إليها نظرة جادة ومدروسة، ثم قال بنبرة عملية واثقة:— "سأعقد معكِ صفقة يا رغد.. هل ترغبين في إنهاء ديونكِ بالكامل في أسرع وقت ممكن؟"​علّقت عيناها به بذهول للحظة، مستوعبة ثقل العرض، ثم أومأت برأسها تدريجياً وبإيجاب وهي تشعر بفضول قاتل تجاه ما ينويه.نظر إليها هيثم بنظرة ثابتة وخالية من أي تردد، وبنبرة هادئة حملت وزن قرار مصيري، قال بثقة تامة:— "تزوجيني."​اتسعت عينا

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 54

    تنهد هيثم بعمق ليطرد توتر اللحظة، متذكراً فوراً تحذيرات الدكتورة الصارمة: "إياك ومواجهتها، لا تذكر اسم (غزل) مباشرة أمامها، فالعقل قد يرفض الحقيقة ويدخل في حالة إنكار مدمرة"..​أغمض عينيه بثقل، ثم فتحهما ليرسم على محياه ابتسامة هادئة ومصطنعة ليخفي ارتباكه، وقال بنبرة عملية:— "ليس مهمّاً الآن يا رغد.. انسَيْ ما قلتُه، اذهبي وارتِحي أولاً، فالرحلة كانت متعبة."​التزمت الصمت طوال ما تبقى من الطريق، وكان التوتر يملأ الأجواء بينهما. وما إن توقفت السيارة أخيرًا أمام عمارة منزلها، حتى فتحت الباب وهمت بالنزول، لكنها تفاجأت بالمكان.​التفتت إليه بذعر طفيف وعيناها تتحركان بيّن واجهة البناء ورجال الأمن، لتقول بصوت مهتز ومفجوع:— "انتظر.. لماذا أتينا إلى هنا؟! هذا ليس منزلي! لماذا لم نذهب إلى البيت؟!"نزِل هيثم بسرعة من السيارة، والتف حولها ليمسك بمعصمها برفق حين همّت بالاحتجاج، ثم نظر إليها بنظرة حازمة ومصطنعة تخفي خلفها ألماً عميقاً. قال بصوت قاطع وثابت لا يقبل النقاش:​— "أنتِ مطرودة من البيت يا رغد.. ولا مكان تذهبين إليه سواي."​عقدت حاجبيها بذهول صاعق، وسحبت يدها بقوة وكأن كلماته كانت صفعة ع

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 53

    فتحت "رغد" عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من كابوس طويل وثقيل. لمعت في عينيها نظرة مليئة بالحيرة العميقة، والحزن المكتوم، واهتزاز الثقة كمن فقدت مرساته في منتصف العاصفة. نظرت إلى هيثم الواقف بجانب السرير، ثم التفتت برأسها لتتفقد المكان، وكأنها تحاول تجميع شتات عقلها المبعثر.​لم تدم لحظات صمتها طويلاً؛ نهضت بسرعة من السرير الطبيه، وألقت نظرة سريعة على حقيبتها، ثم أمسكت بهاتفها المحمول وهمّت بالمغادرة بخطوات متسرعة ومرتجفة.​مدّ هيثم يده بسرعة وأمسك بمعصمها ليمنعها من الهروب، لكنها سحبت يدها بقوة وعنفوان مفاجئ، وكأن لمسها يثير فزعها. التفتت نحو الدكتور طارق الذي كان يتابع الموقف بقلق بالغ، وقالت بصوت متهدج بالكاد يحمل نفسه:— "عفواً يا استاذي.. أنا لست بخير أبداً، سأزورك لاحقا."​وقبل أن يتسنى لأي منهما قول حرف واحد، استدارت وركضت بخطوات هاربَة خارج المستوصف.​انطلق هيثم خلفها بخطوات واسعة حتى أدركها قرب البوابة الرئيسية للجامعة، حيث كانت تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة. مدّ يده وأمسك بيدها مجدداً، لكن هذه المرة بحزم تملؤه المسؤولية، وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:— "أنا من أحضرك إلى هنا، وأتحمل

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 52

    ترجلا من السيارة ودخلا إلى حرم الجامعة الواسع. كان الهواء محملاً برائحة الأشجار القديمة والذكريات المنسية. بدآ يتجولان في الساحة الرئيسية المورقة، حيث كانت الأجواء تبدو هادئة بشكل مخادع.​وفجأة، وبدون مقدمات، تركت "غزل" مسارها، واندفعت تجري بخفة نحو إحدى الحدائق الجانبية. وقفت بين الشجيرات، وبدأت تقطف بعض الزهور المزروعة بعناية، وكأنها تحاول الهروب من التوتر المتصاعد بداخلها عبر الانشغال بتفاصيل طفولية وعبثية.​في تلك اللحظة، مر أحد عمال الصيانة بجانب هيثم، محملًا ببعض الأدوات. لم يتردد هيثم؛ مد يده بسرعة وأمسك بمعصم العامل بإحكام، وسأله بصوت حازم:— "أريد أن أفرغ مسألة سريعة.. أين أجد الدكتور طارق، أستاذ الفيزياء؟"​توقف العامل وأشار بيده نحو أحد المباني القريبة قائلاً:— "إنه في القاعة رقم أربعة في ذلك المبنى، لديه محاضرة الآن."​أومأ هيثم برأسه شاکراً، ثم التفت خلفه حيث كانت "غزل" لا تزال منشغلة بقطف الزهور ورميها بعصبية. نادى عليها بنبرة لا تقبل النقاش، ركّبت الجملة ببرود مدروس:— "غزل.. اتبعيني الآن."​انطلق هيثم بخطوات واسعة نحو المبنى المقصود، تاركاً إياها تقف مذهولة لبرهة، قبل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status