LOGINكانت رحلة التاكسي قصيرة، لكنها كانت كافية لتنقل ديما من جحيم الشوارع إلى جنة الاستقرار الهادئ. وقفت ديما أمام باب خشبي بسيط في حي سكني تملؤه أشجار الياسمين. عندما فُتح الباب، استقبلتها "السيدة خديجة"، امرأة في أواخر الخمسينيات من عمرها، يكسو وجهها الدائري تجاعيد الرضا، وترتدي ثياباً بيتية محتشمة تفوح منها رائحة المخبوزات الدافئة. وخلفها، كانت تختبئ طفلة صغيرة ذات سبع سنوات بعينين واسعتين وفضوليتين، إنها ابنتها "يارا". "أهلاً بكِ يا ابنتي، البيت بيتكِ،" قالت السيدة خديجة بابتسامة أمومية صادقة أذابت جبل الجليد في صدر ديما. أخذتها السيدة خديجة في جولة سريعة، حتى وصلتا إلى غرفتها. كانت غرفة صغيرة مقارنة بجناح أمجد، لكنها كانت تشع بالنظافة والأمان. سرير خشبي ذو ملاءات بيضاء ناصعة تفوح منها رائحة معطر الملابس، نافذة تطل على حديقة صغيرة، وخزانة بسيطة. لأول مرة منذ أيام، شعرت ديما بأنها تتنفس هواءً نقياً لا يخالطه الخوف. في صباح اليوم التالي، استيقظت ديما مبكراً. ارتدت أنظف ما تملكه من ملابس بسيطة، وتوجهت لتبدأ يومها الأول في عيادة الأسنان. كانت العيادة راقية، لامعة، ومنظمة جداً. ا
أدخلت ديما المفتاح الصدئ في قفل باب غرفتها بيدين ترتجفان من فرط الإنهاك. وقبل أن تديره، شق سكون الممر المعتم صوت خطوات ثقيلة ومسرعة تصعد السلم الخرساني خلفها. تجمدت في مكانها، وتراجعت خطوة للخلف بذعر تلتفت لتدافع عن نفسها، لكن أنفاسها احتبست وهي تتفاجأ بـ "أنور" يقف في نهاية الممر المظلم، يلهث بشدة وثيابه مبتلة بقطرات المطر وكأنه كان يركض في سباق ضد الزمن. "ديما! أخيراً وجدتكِ!" قال أنور وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، وعلامات الراحة الطاغية تكتسي وجهه الذي كان شاحباً من القلق. تقدم خطوات سريعة نحوها، وأكمل بنبرة عتاب حادة ممزوجة بالخوف الحقيقي عليها: "لقد كدت أُجن طوال اليوم! اتصلت بكِ عشرات المرات وكان الخط مقطوعاً، وجئت إلى هذا الموتيل البائس ثلاث مرات متتالية ولم أجدكِ في غرفتكِ! أين كنتِ؟ ولماذا هاتفِك مغلق في وقت كهذا؟" نظرت إليه ديما بعينين محمرتين، غائرتين، وخاليتين من أي طاقة. لم تمتلك القدرة على صياغة تبريرات طويلة، ففتحت باب غرفتها بصمت ثقيل ودخلت، فتبعها بهدوء وأغلق الباب خلفه ليحميا أنفسهما من برودة الرواق. "لقد نفد شحن بطاريتي منذ الصباح الباكر..." همست ديما بصوت خافت
بعد أن قرأت ديما رسالة ندى القاسية أمام بوابة السكن الجامعي، شعرت وكأن جاذبية الأرض قد تلاشت، وأنها تسقط في هوة سحيقة لا قاع لها. الكلمات المكتوبة على شاشة هاتفها لم تكن مجرد حروف، بل كانت مسامير تدق في نعش حياتها السابقة. "لا أريد أن أتنفس نفس الهواء الذي تتنفسينه". أغلقت شاشة الهاتف ببطء شديد، ويدها ترتجف بضعف. لم تعد تملك في هذه المدينة الكبيرة صديقاً، ولا مأوى، ولا حتى عائلة تلجأ إليها. استدارت ومشت في شوارع المدينة بخطوات آلية مسلوبة الإرادة، لا تعرف أين تذهب ولا ماذا تفعل. كان العالم حولها يتحرك بسرعة جنونية؛ سيارات مسرعة ترش مياه الأمطار المتراكمة على الأسفلت، ضجيج باعة متجولين يصدح في الأرجاء، وطلاب يضحكون متوجهين لمحاضراتهم، يحتمون بمظلاتهم ومعاطفهم الأنيقة، بينما كانت هي تقف في منتصف كل هذا كشبح منسي، تلتف بسترتها الصوفية الباهتة التي لم تعد تقيها من البرد. ومع كل خطوة ثقيلة تخطوها، كان التوتر النفسي المريع والجوع الكافر ينهشان جسدها الضعيف. وفجأة، ودون أي سابق إنذار، داهمتها موجة غثيان عنيفة وقاسية جداً. لم يكن مجرد دوار عابر، بل شعرت بأن معدتها تتقلص بعنف وحشي، وأن ا
كان الفجر لا يزال يلفظ أنفاسه الباردة عندما عبرت ديما البوابة الحديدية الضخمة لقصر أمجد. وقفت في الشارع الخالي، تحمل حقيبتها الصغيرة المهترئة، وتلتف بسترتها الصوفية الباهتة التي لم تعد تقيها من صقيع هذا العالم. التفتت للمرة الأخيرة لتنظر إلى تلك الجدران العالية التي ابتلعت براءتها وقلبها. لقد خرجت إلى "الحرية"، لكنها حرية موحشة وباردة كالموت. مشت ديما لساعات في الشوارع شبه الخالية، حتى وصلت إلى حي شعبي بعيد عن أحياء الطبقة الراقية ومحيط الجامعة. لم تفكر في الذهاب إلى سكن الطالبات؛ كرامتها المحطمة وروحها المنهكة منعتاها من مواجهة أي وجه مألوف. بما تبقى معها من جنيهات قليلة كانت تخبئها في حقيبتها منذ شهور، استأجرت غرفة مزرية في فندق رخيص (موتيل) بالكاد يصلح للاستخدام الآدمي. كانت الغرفة ضيقة، جدرانها متقشرة، والسرير يئن تحت وطأة الجلوس عليه، بينما يتسرب هواء بارد من نافذتها رديئة الإغلاق. التناقض المرعب بين جناح أمجد الملكي المليء برائحة المسك والدفء، وبين هذه الغرفة العفنة، كان كفيلاً بكسر ما تبقى من تماسكها. جلست على حافة السرير ودفنت وجهها بين يديها، لكنها لم تبكِ؛ لقد جفت دموع
في تلك اللحظة القاتلة، تحول القصر من جنة دافئة إلى مقبرة جليدية. على الأرضية الرخامية الباردة، كانت ديما تجثو على ركبتيها، وعيناها متسعتان تحدقان في المشهد الذي مزق روحها إلى أشلاء. أمجد، الرجل الذي اعترفت للتو بعشقها له، الرجل الذي جهزت نفسها لتسليمه كيانها طوعاً، ينام عارياً تماماً، محتضناً جسد نوال العاري بتملك وحميمية أحرقت عينيها. ارتجف جسد ديما بعنف، وعضت على باطن يدها بقوة حتى كادت تدميها، لتمنع صرخة قهر حيوانية من تمزيق سكون القصر. الخذلان لم يكن مجرد شعور، بل كان ألماً جسدياً يعتصر حنجرتها ويطعن صدرها. كيف صدقتُه؟ صرخ صوت داخل عقلها. كيف ظننتُ للحظة أن هذا الشيطان قد يحبني؟ أنا لست سوى جارية اشتراها بعقد، وبمجرد أن اقترب العقد من نهايته، عاد إلى عالم الأثرياء وأحضر عشيقته الحقيقية إلى نفس الأريكة التي طالما دنسني عليها! لملمت ديما شتات كرامتها المهدورة. لم تصرخ، ولم تفتعل مشهداً. الانكسار العميق يصنع صمتاً أشد رعباً من الضجيج. نهضت على ساقين ترتجفان، واستدارت لتعود أدراجها نحو الطابق العلوي، دون أن تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة. في الصالة، وبعد أن اختفى طيف ديما تماماً
كان سكون الليل في القصر يشبه الهدوء الذي يسبق العواصف المدمرة. بصعوبة بالغة، تمكنت نوال من إدخال أمجد عبر الباب الأمامي للقصر باستخدام بصمته. كان جسده الضخم عبئاً ثقيلاً يترنح غائباً عن الوعي تماماً، محمولاً على كتفها الرقيق. وقفت في بداية الردهة الواسعة، تلهث وتتأمل الدرج الرخامي الدائري الذي يؤدي إلى الأجنحة العلوية حيث تنام ديما. فكرت نوال بخبث ودهاء؛ محاولة صعود هذا الدرج بجسد أمجد الفاقد للوعي مغامرة غبية، فقد يتعثران، أو يُصدران جلبة توقظ ديما أو أحد الحراس. هدفها لم يكن إيصاله لسريره، بل كان خلق "مسرح جريمة" مثالي. حولت نوال أنظارها نحو الصالة الرئيسية الكبرى، الأقرب إلى الباب. كانت صالة استقبال فاخرة، تتوسطها أريكة مخملية واسعة. تمايلت به نحو الأريكة، وأسقطته عليها ليتمدد بتثاقل، غارقاً في سبات عميق فرضه عليه مزيج الكحول والإنهاك النفسي. وقفت نوال فوقه، تتأمل ملامحه الرجولية الصارمة التي ارتخت أخيراً. ببطء شديد واستمتاع ماكر، بدأت بفك أزرار قميصه الأسود واحداً تلو الآخر، ثم سحبته عن كتفيه العريضين لتعري صدره الصلب. نزعت عنه حزامه وبنطاله، حتى جردته من ملابسه تماماً، تا


![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://yfbwww.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)




