Mag-log inلم يفارق طيف تلك الدموع الرقيقة ذهن كريس، وكأنها حفرت عميقاً في مكان ما من صدره لم يكن يعلم بوجوده.
في صباح اليوم التالي، وبينما كان جالسًا في مكتبه الفسيح، يراجع بعض الأوراق دون أن يدرك حرفاً مما كتب فيها، قطع حبل أفكاره صوت خطوات مساعده وهو يدخل الغرفة بحذر. *"سيدي.. هل تأمر بشيء بخصوص الفتاة في القبو؟ لقد مضى يوم كامل دون أن تتناول طعاماً أو شراباً."* رفع كريس رأسه ببطء، وتجمدت نظراته في الفراغ لثوانٍ معدودة، تذكر خلالها كيف انكسرت تلك النظرة الحادة وتحولت إلى تلك الدموع الصامتة التي أربكت كيانه البارحة. لمع في عينيه شعور غريب يمزج بين الغضب من نفسه والفضول الممزوج بالإنكار. وقف كريس فجأة دون أن ينطق بكلمة، وعبر الممر بخطوات واسعة وحاسمة نحو القبو، وكأنه يهرب من أفكاره الخاصة. عندما فتح باب القبو الخشبي، اندفع الهواء الراكد نحوه، ووجد سيلينا منكمشة في ذات الزاوية، شاحبة الوجه، وعيناها محمرتان من أثر البكاء الطويل، تبدو كعصفور مكسور الجناح لم يتبقَ فيه طاقة للمقاومة. توقف كريس لثانية على عتبة الباب، وحدق بها مطولاً قبل أن يتقدم نحوها بخطوات بطيئة هذه المرة، خلافاً لعادته. توقف فوقها مباشرة، وبصوت خشن حاول أن يخفي خلفه أي نبرة تردد أو ضعف، قال: *"لا تظني أن إظهار ضعفكِ أو دموعكِ البائسة سيجعلني أتراجع عن طريقتي.. أأفهمني؟!"* رغم قسوة كلماته، إلا أن يده امتدت فجأة ودون سابق إنذار لتلتقط زجاجة الماء الموضوعة على الطاولة الصغيرة بجانب الباب، وألقى بها بقسوة مدروسة قريبة منها على الأرض الحجرية، قبل أن يضيف بنبرة حادة: *"لكنني لستُ سفاحاً لأقتلكِ جوعاً.. كُلي واشربي، فمعركتي الحقيقية ليست مع جسدكِ الهزيل، ولن أسمح لكِ بالموت قبل أن تنتهي لعبتي للنهاية!"* استدار بعدها بسرعة مخلفاً وراءه صدى صوته، وأغلق الباب خلفه بقوة، هارباً من نظرة الامتنان الخفية التي لمعت لثانية واحدة في عينيها رغم كل شيء. --- مضت ساعة كاملة على إغلاق الباب، وصوت وقع خطواته الحازمة لا يزال يتردد في رأس سيلينا. كانت زجاجة الماء وقليل من الطعام البسيط ملقيين على الأرض الباردة أمامها، لكنها لم تحرك ساكناً؛ فجسدها المنهاك وروحها المكسورة رفضا كل محاولة للبقاء. لم تشعر بالجوع، بل كان البرد والوجع قد تمكنا منها حتى أفقداها القدرة على مد يدها. وفي غرفة المراقبة العلوية، كان كريس جالساً أمام الشاشة الصغيرة التي تنقل ما يدور في القبو، وعيناه مسمرتان بلا ملل على صورتها المنكمشة في الزاوية. لاحظ بمرور الوقت أنها لم تقترب من الطعام البتة، بل بقيت ساكنة في مكانها وكأنها تفضل الموت على أن تقبل شيئاً من يديه. شعر بفورة غضب مكتومة تسري في عروقه؛ فهو لم يترك الطعام رحمةً بها، بل لتبقى حية لتنفيذ خطته، ولم يكن ليسمح لها بأن تهزمه ببطئها أو باستسلامها المتمرد. وقف فجأة من مقعده بعصبية، وعبر الممر بخطوات واسعة وعنيفة، دافعاً باب القبو ليفتح على مصراعيه بصوت مزعج. تقدم نحوها بخطوات سريعة وصارمة حتى وقف فوقها مباشرة، ووجهه يقطر غضباً واجتهاداً في إخفاء أي شعور بالحيرة: *"ألم أطلب منكِ أن تأكلي وتُبقي نفسكِ حية لخصومتنا؟!"* صرخ بصوت أجش ركّز فيه كل حدته، وهو ينحني نحوها. بأصابعه الخشنة والقاسية، قبض بقوة على ذقنها، ضاغطاً على وجنتيها بإحكام صارم جعل فمها ينفرج رغماً عنها، ليرفع رأسها لتلتقي عيناهما المشتعلتان بنظراتها الذابلتين. *"يبدو أنكِ لا تفهمين سوى بالعنف، ولا ترغبين في الموت بطوعكِ!"* هدر بصوت حاد ومرعب، وهو يلتقط بيده الأخرى طبق الطعام الملقى على الأرض، ممسكاً بالملعقة وملئها بالكمية المتاحة. قرب الملعقة من شفتيها المفتوحتين عنوة بقبضته الحديدية على ذقنها، وبنبرة لا تقبل التراجع قال: *"افتحي فمكِ وكلي.. وإن ظننتِ أن بإمكانكِ الامتناع، فسأطعمكِ إياه غصباً عنكِ ولو كلفني الأمر ابتلاعه بالقوة!"* حاولت سيلينا المقاومة برفضها الصامت وإغلاق عينيها بمرارة، لكن قبضته المحكمة على ذقنها لم تترك لها مخرجاً؛ فدفع الطعام إلى داخل فمها بلا رحمة، ليجبرها على ابتلاعه مرغمة وسط أنفاسها المختنقة ودموعها الساخنة التي عادت لتجرّح وجنتيها الشاحبتين بوجع وقهر قاتل.مرت الأيام تحت سقف منزل ميلينا الواسع ببطء مشحون بالتوتر الخفي؛ فبينما كانت الأم تحيط سيلينا برعاية بالغة وحنان غامر، ظلت حقيقة واحدة غائبة تماماً عن وعيها؛ إذ لم تكن ميلينا تدرك أبداً أن هذه الفتاة البريئة لم تكن مجرد ضحية هربت من جحيم جوزيف، بل كانت **زوجة** ابنها رسمياً على الورق وفي واقع معقد لم تجرؤ سيلينا على الإفصاح عنه، خوفاً من ردة فعل قد تعصف بما تبقى من استقرارها المؤقت. وفي أحد الأمسيات الهادئة، وأثناء جلوس الثلاثة في غرفة المعيشة الفسيحة، أرادت سيلينا أن تساعد ميلينا في ترتيب بعض الأطباق على الطاولة الكبيرة، فمدت يدها لرفع كوب زجاجي ببطء. لكن توترها المفاجئ جعلها تتعثر في اللحظة الأخيرة، ليسقط الكوب ويتهاوى على الأرض متكسراً بصوت حاد ومزعج هز سكون المكان. هبّ كريس واقفاً من مكانه بعصبية طاغية، وتأجرت ملامحه بحدة مفرطة ليتهافت عليها بكلمات لاذعة ومحقرة أمام والدته ودون أي مراعاة لحالها المنهكة: *"ألا توجد طريقة تفعلين بها أي شيء بهدوء ودون إثارة الفوضى؟! أنتِ حقاً لستِ سوى عبء إضافي ومصدر إزعاج لا ينتهي، فابتعدي عن طريقي فوراً ولا تقتربي من شيء!"* انكمشت سيلينا على نفس
بعد مرور ايام من الهدوء نوعاً ما اضطر كريس لمغادرة مكانه القديم لفترة تقارب الشهر، محتاجاً للعودة مؤقتاً والإقامة في منزل والدته "ميلينا" التي كانت تسكن في منطقة بعيدة ونائية عن عيون أعدائه. ولم يكن أمامه أي خيار سوى اصطحاب سيلينا معه طوال تلك المدة لضمان سلامتها، خصوصاً مع تعقيدات وضعه الأمني. في تلك الليلة الباردة، فتحت ميلينا باب منزلها لتفاجأ بابنها يقتحم العتبة برفقة فتاة غريبة شاحبة ومذعورة. دخل كريس برفقة سيلينا إلى الداخل، وبقي صامتاً تماماً وملامحه متجهمة كعادته، دون أن ينطق بكلمة واحدة ليشرح لأمه سبب وجودها معه. تقدمت ميلينا خطوتين، وطلعت في سيلينا بفضول شديد ونظرات متفحصة تقلبها بين وجهها المرتجف وهيئتها المنهكة، قبل أن تلتفت نحو ابنها وترفع حاجبها بتهكم لتهمس بصوت واثق: *"ما هذا يا كريس؟ أهذه هي الفتاة التي سببت لك تلك الورطة وسألتني عنها في منتصف الليل بسبب... الدورة الشهرية؟!"* تجمّدت سيلينا في مكانها من شدة الخجل والإحراج، وارتد الدم إلى وجهها حتى كاد ينفجر، بينما كصّ كريس على أسنانه بغيظ، وأشاح بوجهه بضيق من إحراج والدته المباشر. وقبل أن تزيد ميلينا في أسئلتها، ال
تجمّد الدم في عروق كريس من صيغة سؤال والدته المباغت. انتفض وكأن لسعة كهربائية سرت في ملامحه الحادة، ليتسع عكساً ذلك الجمود المعتاد ويحل محله ارتباك مفاجئ لم يعتده طوال سنين حياته المظلمة. نظر بسرعة نحو سيلينا التي كانت تنكمش تحت البطانية وتئن بصمت، ثم أعاد الهاتف إلى أذنه وهو يجزّ على أسنانه بحرج بالغ وقلق من أن تخرج الأمور عن سيطرته. *"أمي... أرجوكِ، لا تذهبي بتفكيركِ إلى تلك الزوايا المعقدة والسخيفة!"* حاول كريس أن يبدو متماسكاً، لكن صوته الموشح بالعصبية والمحشور بالحرج فضحه تماماً: *"الأمر ليس كما تفكرين فيه أبداً. إنها... إنها ظروف طارئة وقاهرة جعلتني أجد نفسي أمام هذا الموقف رغماً عني، وليست كما تتخيلين!"* من الطرف الآخر للخط، علت ضحكة خفيفة ودافئة من والدته، لكنها كانت محملة بالفضول والدهشة التي لا تُخفى: *"ظروف طارئة وقاهرة؟! يا بني، أنت لا تتوجه لطلب المساعدة في مثل هذه الأمور الدقيقة والخاصة إلا إذا كانت تعني لك شيئاً حقيقياً... فتاة تتألم في مكانك وتطلب مساعدتك، وأنت تتصل بأمك تسأل عن الدواء والعلاج بخوف واضح؟ من تكون هذه الفتاة يا كريس؟ ومتى ستخبرني بالحقيقة؟"* شعر كريس
توسعت عينا سيلينا بذهول وذعر وهي تقف وسط الصيدلية المعقمة، متلطخة بدموعها ومرجفة من شدة الألم والبرد. أشار كريس بيده بخشونة نحو الأرفف المليئة بالأنواع والأحجام المختلفة، وخفض صوته ليكون حاداً ومسموعاً لها وحدها كي لا يلفت أنظار الصيدلي أكثر: *"هيا! لا تستمري بالوقوف هكذا كالصنم! أيتها... أي واحدة منهن تخصكِ؟! اختاري بسرعة قبل أن أفقد أعصابي تماماً!"* شعر الصيدلي بالارتباك الشديد من هيئة كريس المخيفة ونظراته المشتعلة، فتقدم بخطوات مترددة ليحاول التدخل والمساعدة بهدوء: *"سيدي، هل يمكنني مساعدتك في اختيار النوع المناسب؟"* رمقه كريس بنظرة حادة وصارمة جعلت الصيدلي يتراجع للخلف فوراً، ليجيب بفظاظة مقتضبة وهو يخفي حرجه الداخلي وغضبه: *"لا، شكراً.. نحن بخير."* خفضت سيلينا رأسها بخجل قاتل ووجه أحمر كالدم، وانهمرت دموعها بغزارة أكبر ليس من ألم جسدها فحسب، بل من الموقف السخفي والمحرج الذي وجدت نفسها فيه. مدت يدها بوهن شديد، وأشارت بأصابع ترتجف نحو علبة وردية اللون في الزاوية، وهمست بصوت يكاد لا يسمع: *"تـ... تلك..."* ما إن رأت عيناه العلبة التي أشارت إليها، حتى مد يده الطويلة وقطفها بخش
أنهى كريس مكالمته بهدوء، وألقى بالهاتف على الطاولة الخشبية الصغيرة بجانبه. ما إن أبعد الجهاز عن أذنه حتى اختفت فجأة تلك النبرة الدافئة وذلك اللين المفاجئ الذي ملأ ملامحه قبل ثوانٍ، لتعود قناع الجمود والصرامة تكسو وجهه الحاد. التفت ببطء نحو سيلينا، وهنا تجمّدت عيناه عليها. كانت ترمقه بنظرة غريبة وعميقة من زاوية الغرفة الضيقة؛ نظرة امتزجت فيها الدهشة الضائعة بملامح مكسورة، كأنها ترى فيه إنساناً حقيقياً ينبض بالقلب والمشاعر لأول مرة خلف كل ذلك الجبروت والقسوة. شعر كريس فجأة وكأن دفاعاته قد انكشفت أمينها وكأن شيئاً خفياً من روحه قد فُضح، فاشتعلت عيناه بنبرة غضب وعصبية فورية ليهدر بصوت خشن ومرتفع: *"ما الذي تحدقين به هكذا؟! أما زلتِ تملكين القدرة على التمادي بنظراتكِ البلهاء والمستفزة؟!"* أرعبها صوته الحاد والمفاجئ، فتركت مكانها وهرعت كالعصفور المذعور، مختبئة بسرعة داخل الحمام الصغير ومغلقة الباب خلفها باهتزاز شديد. مرت دقائق طويلة وثقيلة داخل الغرفة المظلمة، بينما كان كريس يزفر بأنفاس حارقة ويحاول تهدئة فوضى أفكاره المشتعلة. وفجأة، انفتح باب الحمام ببطء شديد. خرجت سيلينا بخطوات بطيئة
انطلقت السيارة الرياضية بشراسة جنونية تشق الشوارع المظلمة، وكأنها تهرب من جحيم محقق، لكن الجحيم الحقيقي كان محصوراً بالكامل داخل مقصورة السيارة الضيقة التي تملؤها أنفاس كريس المحترقة وسخطه المشتعل. بعد مسافة طويلة قضاها في صمت مميت يقطعه صوت المحرك الصاخب، أوقف كريس السيارة فجأة على جانب طريق مظلم ومنعزل بعيداً عن صخب المدينة، وضغط على المكابح بحدة جعلت سيلينا تندفع للأمام بفعل القصور الذاتي. التف نحوها بجذعه ببطء، وكأن حركة واحدة خاطئة قد تفجر ما تبقى من أعصابه. اشتعلت عيناه القاتمتان بنيران الغضب والغيرة البشعة التي لم تجد متنفساً لها سوى إراقة ما تبقى من كبرياء سيلينا المكسور. قبض بيده على ذقنها بخشونة وقسوة، رافعاً وجهها نحوه لتضطر لمواجهة نظراته المشتعلة، ليهدر بصوت فحيحي ومقترب يكاد يمزق صمت السيارة: *"أعجبكِ ما حدث هناك، أليس كذلك؟ ألم يسركِ أن يلتفت إليكِ أحدهم بهذه الطريقة ويضعكِ في باله؟"* هزت سيلينا رأسها بانهيار تام، وانفجرت باكية بصوت مخنوق ومرجف: *"أقسم لكَ... أقسم أنني لم أكن مسرورة! كنت أموت رعباً! أنا أكره تلك النظرات، ولم أنظر إليه حتى!"* لكن كريس لم يستمع لدف







