مشاركة

الفصل الثاني

مؤلف: Nada maamoun
last update تاريخ النشر: 2026-06-09 02:30:16

وقف الزمن بالنسبة ليارا للحظة، وهي تحدق في المرأة الواقفة أمام باب الغرفة تحمل باقة ورد بيضاء وكأنها لم تغب يومًا عن حياة سليم، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة أربكت يارا أكثر مما أغضبتها.

لم تكن بحاجة إلى سؤال نفسها عن هويتها.

كانت تعرفها جيدًا.

ريم.

الاسم الذي تردد على لسان سليم بعد استيقاظه مباشرة.

الاسم الذي دفنته السنوات في الماضي.

أو هكذا كانت تظن.

شعرت يارا بأن معدتها انقبضت بقوة، بينما كانت تراقب ريم تتقدم بخطوات واثقة نحو الغرفة.

في المقابل، لم تبدُ ريم متفاجئة لرؤيتها.

بل على العكس.

كانت تنظر إليها وكأنها كانت تتوقع وجودها.

توقفت أمامها مباشرة.

ولثوانٍ طويلة ساد صمت ثقيل بينهما.

ثم قالت ريم بابتسامة رقيقة:

"إزيك يا يارا؟"

خرج صوت يارا أكثر برودة مما توقعت:

"إنتِ بتعملي إيه هنا؟"

نظرت ريم إلى باب الغرفة قبل أن تعود بعينيها إليها.

"سمعت باللي حصل لسليم."

"ومن إمتى وإنتِ مهتمة تعرفي أخباره؟"

اختفت الابتسامة قليلًا عن وجه ريم.

لكنها سرعان ما استعادت هدوءها.

"مهما حصل بينا، كان جزء مهم من حياتي."

ارتفعت حرارة الغضب داخل صدر يارا.

جزء مهم من حياتها؟

كان خطيبها قبل أربع سنوات.

قبل أن تتركه وتسافر.

قبل أن تختفي من حياته تمامًا.

قبل أن يجمع القدر بينه وبين يارا.

لكنها لم ترد.

لأنها كانت منهكة أكثر من أن تدخل في معركة.

دفعت باب الغرفة ودخلت.

لتتجمد خطواتها في اللحظة التالية.

كان سليم ينظر نحو الباب.

وبمجرد أن وقعت عيناه على ريم...

اتسعت عيناه بدهشة.

"ريم؟"

ارتجف قلب يارا.

بينما ابتسمت ريم بخفة.

"حمد لله على سلامتك."

ظهرت على وجهه مشاعر لم ترها منذ استيقاظه.

ارتياح.

معرفة.

ذكرى.

أشياء حُرمت منها هي.

وشاهدت للمرة الأولى منذ الحادث كيف أشرق وجهه فعلًا.

شعور مؤلم لا يمكن وصفه.

أن ترى زوجك يتذكر امرأة أخرى بينما ينساك أنتِ.

اقتربت ريم من السرير.

"خضتنا عليك."

أطلق سليم ضحكة خافتة.

"أنا نفسي مش فاهم حصل إيه."

ثم التفت نحوها فجأة.

"آخر حاجة فاكرها إني كنت رايح أقابل والدك."

خفضت ريم عينيها للحظة.

أما يارا فشعرت وكأن أحدهم يعصر قلبها ببطء.

لأنه كان يتحدث عن زمن لم تكن موجودة فيه.

عن حياة سبقتها.

عن حب قديم لم تعد تعرف إن كان قد انتهى فعلًا.

في المساء، غادرت ريم أخيرًا.

لكن أثرها بقي.

جلس سليم صامتًا فوق السرير.

بينما كانت يارا ترتب بعض الأغراض بجانبه.

لاحظت نظراته المتكررة إليها.

ثم سأل فجأة:

"هو إحنا اتجوزنا إزاي؟"

توقفت يدها في الهواء.

التفتت نحوه ببطء.

"إيه؟"

"قصدي... إزاي اتعرفنا؟"

لأول مرة منذ استيقاظه، يسأل عنها هي.

شعرت بشيء صغير من الأمل.

جلست على الكرسي بجواره.

وبدأت تحكي.

عن أول لقاء.

عن سوء التفاهم المضحك بينهما.

عن الأيام التي جمعتهما.

عن أول مرة اعترف لها بحبه.

كانت تتحدث بينما تتأمل ملامحه.

تبحث عن أي إشارة.

أي ذكرى.

أي لمعة معرفة.

لكن لا شيء.

كان يستمع فقط.

وفي النهاية قال:

"واضح إني كنت محظوظ."

ابتسمت رغم ألمها.

"كنت؟"

أجاب سريعًا:

"قصدي... أكيد كنت."

للحظة قصيرة شعرت بالدفء.

دفء صغير جدًا.

لكنه كان كافيًا لتتشبث به.

بعد ثلاثة أيام عاد سليم إلى المنزل.

وكان ذلك أصعب مما توقعت.

كل شيء في البيت يذكرهما بحياتهما السابقة.

الصور.

الذكريات.

الأماكن.

لكن بالنسبة له كانت مجرد أشياء غريبة.

أما بالنسبة لها فكانت شظايا قلبها المبعثرة في كل زاوية.

في الليلة الأولى لم تستطع النوم.

خرجت إلى الشرفة.

وقفت تنظر إلى أضواء المدينة البعيدة.

تحاول أن تستوعب حياتها الجديدة.

بعد دقائق سمعت صوت الباب خلفها.

التفتت.

وجدت سليم.

اقترب بهدوء ووقف بجوارها.

ساد الصمت.

ثم قال:

"إنتِ زعلانة مني؟"

تفاجأت بالسؤال.

"ليه؟"

"عشان مش فاكرك."

ابتلعت الغصة في حلقها.

"إنت مش عامل حاجة بإيدك."

خفض رأسه قليلًا.

ثم قال بصوت منخفض:

"بس كل ما أبصلك بحس إني ظلمتك."

ارتجف قلبها.

ولأول مرة منذ الحادث شعرت برغبة في البكاء أمامه.

لكنها قاومت.

قالت بهدوء:

"أنا مستعدة أستنى."

رفع عينيه إليها.

"لحد إمتى؟"

ابتسمت رغم ألمها.

"لحد ما تفتكرني."

ظل ينظر إليها طويلًا.

طويلًا جدًا.

حتى شعرت بالتوتر.

ثم قال فجأة:

"غريبة."

"إيه؟"

"إني مش فاكرك... بس بحس إني مرتاح وأنا معاكي."

توقفت أنفاسها للحظة.

بينما تابع:

"كأن في حاجة جوايا عارفاكِ حتى لو دماغي مش فاكرة."

لأول مرة منذ أيام...

ابتسمت بصدق.

لكن السلام لم يدم طويلًا.

في صباح اليوم التالي، كانت ترتب بعض الملفات القديمة داخل غرفة المكتب.

حين سقط ملف أسود سميك من أحد الأدراج.

انحنت تلتقطه.

وتجمدت.

لأنها لم تره من قبل.

رغم أنها تعرف كل شيء في هذا المنزل.

فتحت الملف بفضول.

لتجد عشرات الأوراق.

ملاحظات مكتوبة بخط سليم.

صور.

مستندات.

وأسماء.

الكثير من الأسماء.

بدأ قلبها ينبض بسرعة.

ماذا كان يفعل؟

ولماذا أخفى كل هذا؟

قلبت الصفحات بسرعة.

حتى وصلت إلى آخر ورقة.

وهناك...

وجدت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها.

صورة قديمة.

لريم.

لكنها لم تكن وحدها.

كان بجوارها رجل لا تعرفه.

وعلى الصورة كتب سليم بخطه:

"الحقيقة بدأت هنا."

اتسعت عينا يارا بصدمة.

وفي اللحظة نفسها تمامًا...

سمعت صوتًا خلفها.

صوتًا جعل قلبها يقفز من مكانه.

"إنتِ بتعملي إيه؟"

استدارت بسرعة.

لتجد سليم واقفًا عند باب الغرفة.

ينظر إلى الملف في يدها.

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في نظرته.

بل في الشحوب المفاجئ الذي غطى وجهه...

وكأنه تذكر شيئًا خطيرًا جدًا للتو."شحب وجه سليم بصورة مرعبة، حتى إن يارا نسيت للحظة أمر الملف نفسه، ونهضت من مكانها بسرعة وهي تحدق فيه بقلق، بينما كانت الورقة ما تزال بين أصابعها المرتجفة.

"سليم؟"

لم يجب.

ظل واقفًا مكانه وعيناه مثبتتان على الصورة.

الصورة نفسها.

كأنها ليست مجرد ورقة.

كأنها شبح خرج من الماضي ليقف أمامه فجأة.

اقتربت منه بخطوات حذرة.

"إنت كويس؟"

رفع يده إلى رأسه فجأة، ثم أغلق عينيه بقوة.

"آه..."

خرج التأوه من بين شفتيه منخفضًا ومؤلمًا.

فارتعبت يارا أكثر.

"سليم!"

لكن قبل أن تقترب أكثر، فتح عينيه بسرعة.

ثم انتزع الملف من يدها.

حركة مفاجئة جعلتها تتراجع خطوة للخلف.

نظر إلى الأوراق للحظات.

ثم أغلق الملف بعنف.

"مين قالك تفتحي الحاجات دي؟"

تجمدت.

لأن نبرته كانت مختلفة.

مختلفة تمامًا عن ذلك الرجل الهادئ الذي عاش معها الأيام الماضية.

"أنا... كنت برتب المكتب ووقع من الدرج."

تنفس ببطء.

كأنه يحاول السيطرة على نفسه.

ثم مرر يده فوق وجهه.

"آسف."

ساد الصمت.

لكن قلب يارا لم يهدأ.

شيء ما حدث.

شيء أكبر من مجرد صداع أو ذكرى عابرة.

اقتربت منه مجددًا.

"إنت افتكرت حاجة؟"

رفع عينيه إليها.

ولثانية قصيرة جدًا...

رأت الخوف فيهما.

الخوف الحقيقي.

لكن سرعان ما اختفى.

"لا."

كذب.

كانت متأكدة من ذلك.

بعد ثلاث سنوات من الزواج كانت تعرف متى يكون صادقًا ومتى يخفي شيئًا.

وهذه كانت إحدى تلك اللحظات.

في تلك الليلة لم تستطع النوم.

كانت مستلقية على السرير داخل غرفتها بينما يعم الصمت المنزل كله.

أما عقلها فلم يتوقف عن التفكير.

الصورة.

الملف.

الجملة المكتوبة بخط سليم.

"الحقيقة بدأت هنا."

أي حقيقة؟

ولماذا ريم تحديدًا؟

وما علاقة كل هذا بفقدان ذاكرته؟

أغمضت عينيها.

لكن النوم رفض الاقتراب.

نهضت أخيرًا واتجهت إلى المطبخ لتشرب بعض الماء.

وبينما كانت تعود إلى غرفتها سمعت صوتًا خافتًا.

توقفت.

أعادت الإنصات.

الصوت جاء من غرفة المكتب.

انعقد حاجباها.

في هذه الساعة؟

اقتربت بهدوء.

ثم فتحت الباب قليلًا.

واتسعت عيناها.

كان سليم هناك.

يجلس وحده في الظلام.

أمام الملف.

الملف نفسه.

وبين يديه الصورة.

ظل يحدق فيها طويلًا.

طويلًا جدًا.

حتى شعرت يارا بشيء غريب في صدرها.

ثم فجأة سمعته يهمس باسم واحد.

"ريم..."

تجمدت.

وكأن أحدهم صب عليها ماءً مثلجًا.

شعور مؤلم اجتاحها.

ألم لم يكن سببه الاسم نفسه.

بل الطريقة التي نطق بها.

كأنه يبحث عن إجابة.

كأنه يحاول فهم شيء ناقص.

لم تدخل.

عادت إلى غرفتها بهدوء.

لكن النوم أصبح أبعد من أي وقت مضى.

في اليوم التالي.

استيقظت على صوت جرس الباب.

فتحت لتجد والدتها.

ابتسمت أمينة فور رؤيتها.

ثم احتضنتها بقوة.

"عاملة إيه يا بنتي؟"

كادت يارا تبكي من مجرد سماع صوتها.

لكنها تماسكت.

دخلت والدتها وجلست معها لبعض الوقت.

ثم سألتها بحذر:

"وسليم؟"

تنهدت يارا.

"زي ما هو."

ربتت أمينة على يدها.

"هيفتكر يا حبيبتي."

أرادت أن تصدق ذلك.

حقًا أرادت.

لكن الأيام كانت تمر ببطء قاتل.

دون أي تغيير حقيقي.

بعد قليل نزل سليم من غرفته.

وبمجرد أن رأت أمينة ابتسمت له.

"إزيك يا ابني؟"

ابتسم بأدب.

"الحمد لله."

راقبته أمينة للحظات.

ثم قالت بحزن:

"لسه مش فاكرها؟"

نظر إلى يارا.

ثم هز رأسه ببطء.

"لا."

شعرت يارا بوخزة جديدة.

رغم أنها سمعت الإجابة عشرات المرات من قبل.

إلا أنها كانت تؤلمها في كل مرة.

مر أسبوع آخر.

وبدأت الأمور تستقر قليلًا.

أو هكذا ظنت.

حتى جاء مساء الجمعة.

كانت تجلس في غرفة المعيشة تقرأ كتابًا عندما دخل سليم فجأة.

بدا متوترًا.

على غير عادته.

رفع هاتفه أمامها.

"ريم كلمتني."

أغلقت الكتاب ببطء.

"وبعدين؟"

"قالت إنها عايزة تقابلني."

ساد الصمت.

شعرت يارا بأن قلبها انقبض.

لكنها أجبرت نفسها على التماسك.

"وده قرارك إنت."

ظل صامتًا للحظة.

ثم قال:

"إنتِ متضايقة؟"

ضحكت ضحكة قصيرة.

"مفروض أبقى مبسوطة يعني؟"

نظر إليها طويلًا.

ثم جلس أمامها.

"أنا مش فاهم."

"إيه اللي مش فاهمه؟"

"كل ما حد يجيب سيرتها بحس إن في حاجة غلط."

رفعت رأسها نحوه بسرعة.

لأول مرة يقول شيئًا كهذا.

"إزاي؟"

مرر يده فوق شعره بضيق.

"مش عارف."

ثم أضاف:

"هي المفروض كانت أهم شخص في حياتي وقتها."

"آه."

"بس لما بتكلم معاها... بحس إن في حاجة ناقصة."

تسارعت نبضات قلب يارا.

أما هو فتابع:

"ولما ببقى معاكي بحس بالعكس."

للحظة نسيت كيف تتنفس.

لكن قبل أن تستطيع الرد...

رن هاتفه.

نظر إلى الشاشة.

ثم عقد حاجبيه.

"رقم غريب."

أجاب.

وبمجرد أن وضع الهاتف على أذنه...

اختفت الألوان من وجهه.

وقف فجأة.

"إنت مين؟"

ساد الصمت.

ثم اتسعت عيناه بصدمة.

"إزاي؟!"

قفزت يارا من مكانها.

"في إيه؟"

لكن سليم لم يسمعها.

كان يستمع فقط.

وجهه يزداد شحوبًا ثانية بعد ثانية.

ثم أغلق المكالمة.

ببطء.

وبدا كأن العالم كله توقف حوله.

اقتربت منه.

"سليم؟"

رفع رأسه نحوها.

وكانت نظراته مختلفة.

مرعبة.

"أنا افتكرت حاجة."

تجمدت في مكانها.

"إيه؟"

ابتلع ريقه بصعوبة.

ثم قال:

"قبل الحادث."

تسارعت أنفاسها.

"افتكرت إيه؟"

نظر إليها.

ثم إلى الفراغ خلفها.

وكأنه يرى شيئًا لا تراه هي.

وقال بصوت منخفض:

"أنا ما كنتش رايح الشغل يوم الحادث."

شعرت يارا بأن الأرض تميد تحتها.

"إيه؟"

"أنا كنت رايح أقابل حد."

"مين؟"

ساد صمت ثقيل.

طويل.

مخيف.

ثم أجاب:

"مش فاكر."

أغمض عينيه.

وأكمل بصعوبة:

"بس فاكر إني كنت مرعوب."

ارتجفت أصابع يارا.

بينما تابع:

"وفاكر إني كنت ماسك الملف ده."

اتسعت عيناها.

"ملف ريم؟"

هز رأسه ببطء.

ثم همس:

"وكان فيه حد بيهددني."

سقطت الكلمات كالصاعقة.

حد بيهدده؟

من؟

ولماذا؟

وما علاقة ريم بالأمر؟

أسئلة كثيرة انفجرت داخل عقلها.

لكن قبل أن تنطق بأي منها...

رن جرس الباب.

التفت الاثنان نحو المدخل.

ساد الصمت.

رن الجرس مرة ثانية.

ثم ثالثة.

شعرت يارا بانقباض غريب.

بينما توجه سليم نحو الباب.

فتح الباب ببطء.

ثم تجمد.

وفي اللحظة التالية شعرت يارا بالدم يتجمد في عروقها هي الأخرى.

لأن المرأة الواقفة أمام الباب لم تكن سوى ريم.

لكنها لم تكن وحدها.

كان يقف بجوارها رجل غريب طويل القامة.

وجهه متوتر.

وعيناه مثبتتان مباشرة على سليم.

أما ريم فبدت شاحبة بصورة لم ترها من قبل.

وقبل أن يتمكن أي منهم من الكلام...

قال الرجل بصوت متوتر:

"لازم نتكلم حالًا."

عقد سليم حاجبيه.

"إنت مين؟"

نظر الرجل إلى ريم للحظة.

ثم عاد ببصره إليه.

وقال الجملة التي جعلت الجميع يتجمدون:

"أنا الشخص اللي كنت رايح تقابله يوم الحادث... والشخص اللي حاول يحذرك قبل ما كل حاجة تنهار."**

نهاية الفصل الثاني.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
تعليقات (2)
goodnovel comment avatar
الكاتبة علية مصطفى خضر موجه عام الصحافة والاعلام التربوي
جميلة جميلة بجد
goodnovel comment avatar
منال صلاح
بالتوفيق استمري
عرض جميع التعليقات

أحدث فصل

  • زوجي الذي لا يتذكرني   الفصل الحادي والاربعون

    الفصل الحادي والأربعون"ليلى."ساد الصمت لثوانٍ، حتى خُيّل للجميع أن الضابط قد أخطأ في الاسم، أو أنهم أساؤوا السمع من شدة التوتر، لكن ملامحه الجادة لم تترك مجالًا لأي تفسير آخر.كانت يارا أول من تكلم.خرج صوتها ضعيفًا، يكاد يكون همسًا:"إنت... قولت مين؟"نظر إليها الضابط، ثم أعاد الكلمة بوضوح:"ليلى."شعرت يارا بأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها، ولولا أن سليم كان يقف بجوارها وأسندها بسرعة، لسقطت على الأرض.قالت وهي تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالدموع:"هي... عايشة؟"تنهد الضابط ببطء."اللي كلمني قال إن فيه بنت طلبت تقابلنا، وقالت إن اسمها ليلى."شهقت يارا وهي تمسك بذراع سليم بقوة."خدني لها... حالًا."قال الضابط:"اهدَي الأول، إحنا لسه منعرفش إذا كانت هي فعلًا ولا حد بينصب لنا فخ."لكن يارا لم تعد تسمع شيئًا.بعد سنوات من البحث...بعد الرسائل...والصور...والأسرار...أصبح الاسم الذي كانت تحلم بسماعه حقيقة.اقترب منها سليم وأمسك كفيها بين يديه."بصيلي."رفعت عينيها إليه.قال بهدوء:"هنروح سوا."أومأت وهي تحاول السيطرة على دموعها."بس أوعدني...""بإيه؟""لو طلع فخ... مش هتجازفي بنفسك.

  • زوجي الذي لا يتذكرني   الفصل الاربعون

    الفصل الأربعون"اقتربتم أكثر مما ينبغي."لم تستوعب يارا الكلمات في البداية، وكأن عقلها رفض تصديقها، لكنها ما إن رأت ملامح الضابط الجامدة حتى شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.قالت بصوت مرتجف:"بابا... اختفى؟"أومأ الضابط ببطء."الجيران سمعوا صوت تكسير قبل حوالي نص ساعة، ولما الشرطة وصلت كان البيت فاضي."هتفت وهي تتراجع خطوة:"لا... مستحيل."أمسك سليم بذراعها قبل أن تفقد توازنها."يارا... بصيلي."رفعت عينيها إليه، وكانت الدموع قد بدأت تتجمع فيهما.قال بهدوء:"هنروح حالًا.""لو حصله حاجة..."قاطعها بحزم:"مش هيحصله حاجة."ورغم أنه لم يكن يملك دليلًا يؤكد ذلك، إلا أن ثقته منحتها قدرًا بسيطًا من القوة.---وصلوا إلى المنزل بعد أقل من عشرين دقيقة.كان الشريط الأصفر يحيط بالمكان، وعدد من رجال الشرطة ينتشرون في الحديقة.دخلت يارا مسرعة.توقفت في منتصف الصالة.الأثاث مقلوب.إطار صورة مكسور على الأرض.والمكتبة الخشبية التي كان والدها يعتز بها قد أُفرغت محتوياتها بالكامل.همست:"بابا..."بدأت تتجول بين الغرف بجنون."بابا!"لكن لم يجبها أحد.دخلت غرفته.كان السرير مرتبًا.وساعته التي لا يخلعها أبد

  • زوجي الذي لا يتذكرني   الفصل التاسع والثلاثون

    ظل الضابط يحدق في شاشة الهاتف لثوانٍ، بينما خيم صمت ثقيل على أرجاء المخزن، وكأن الجميع توقف عن التنفس في انتظار أن ينطق أحدهم بكلمة تنفي ما رأوه للتو.كانت الرسالة قصيرة...لكنها كانت كافية لتقلب كل شيء."تأخرتم... لقد وصلت إلى ليلى قبلكم."انتزعت يارا الهاتف من يد الضابط دون أن تشعر.قرأت الرسالة مرة ثانية...ثم ثالثة...وأخيرًا رفعت رأسها وهي تتمتم:"يعني... ليلى عايشة."قال الضابط بحزم:"ما نستنتجش حاجة بسرعة."التفتت إليه بعينين دامعتين."لو كانت..." ابتلعت غصتها، "لو كانت ماتت... مكنش كتب كده."لم يجد الضابط ردًا.لأن الاحتمال الذي تحاول التمسك به كان منطقيًا.اقترب سليم منها بهدوء، وأخذ الهاتف من يدها قبل أن تضغط على أي شيء قد يمحو دليلًا مهمًا.قال بصوت منخفض:"هنلاقيها."نظرت إليه.لم يكن يعدها وعدًا فارغًا.بل كان يتحدث بثقة جعلت قلبها يهدأ قليلًا.تنهدت وهي تخفض رأسها.فربت برفق على كتفها.ولأول مرة منذ ساعات...لم تبتعد.---بدأ رجال الشرطة بتفتيش المخزن مرة أخرى، لكن هذه المرة بدقة أكبر.اقترب أحدهم من الضابط."يا فندم.""ها؟""في آثار تراب جديدة عند الباب الخلفي."تحرك ال

  • زوجي الذي لا يتذكرني   الفصل الثامن والثلاثون

    "قبل الحادث... أنا كنت رايح المخزن ده... عشان أقابل كامل عزام."لم يكن وقع الجملة أقل من صدمة أصابت الجميع بالشلل للحظات، حتى إن يارا نسيت أن تتنفس وهي تحدق في وجه سليم الذي بدا شاحبًا على غير عادته، بينما كانت عيناه مثبتتين على المفتاح القديم وكأنه يحمل بين طياته جزءًا ضائعًا من ذاكرته.قطع الضابط الصمت أولًا وهو يسأله بلهجة جادة:"إنت متأكد من اللي بتقوله؟"أغمض سليم عينيه لثوانٍ، ثم قال بصوت هادئ لكنه واثق:"مش فاكر كل التفاصيل... لكن متأكد إن المخزن ده كان آخر مكان كنت رايح له قبل الحادث، وكامل عزام هو اللي طلب يقابلني."تبادل الجميع النظرات.قال يوسف:"يبقى مفيش وقت نضيعه."التفت الضابط إلى رجاله."جهزوا العربيات... هنطلع حالًا."---بعد أقل من أربعين دقيقة كانت السيارات تقف أمام مبنى صناعي قديم يقع في أطراف المدينة، وقد بدت المنطقة مهجورة تمامًا، فلا أصوات سوى صفير الرياح وهي تصطدم بالأبواب الحديدية الصدئة، ولا ضوء إلا أعمدة الإنارة المتباعدة التي بالكاد تكشف معالم المكان.ترجل الجميع من السيارات.ورفعت يارا رأسها تتأمل المبنى الذي بدا كأنه لم يدخله أحد منذ سنوات.قالت بصوت منخف

  • زوجي الذي لا يتذكرني   الفصل السابع والثلاثون

    "ده... كان شغال عند والدي."ساد الصمت داخل مكتب الضابط، ولم يجرؤ أحد على مقاطعة سليم، بينما بقي هو يحدق في الصورة القديمة وكأنها أيقظت جزءًا آخر من ذاكرته، وقد شحب وجهه بصورة أثارت قلق الجميع، حتى يارا اقتربت منه بخطوات مترددة وهي تراقب ملامحه التي تغيرت فجأة.قالت بصوت منخفض:"إنت متأكد؟"أخذ نفسًا عميقًا، ثم أومأ ببطء."أيوة... مش فاكر اسمه، لكن وشه مستحيل أنساه."أخذ الضابط الصورة من يده سريعًا."كان بيشتغل إيه عند والدك؟"أغمض سليم عينيه محاولًا استرجاع المزيد.مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يجيب:"مش مجرد موظف."نظر الجميع إليه.فأكمل:"كان أقرب واحد لوالدي... وكان مسؤول عن أغلب شغله."سأل يوسف بقلق:"يعني مدير أعماله؟"هز سليم رأسه."تقريبًا."ثم وضع يده فوق جبينه عندما شعر بوخزة مؤلمة داخل رأسه.اقتربت يارا منه فورًا."كفاية... متضغطش على نفسك."رفع عينيه إليها.ولم يكن يرى سوى خوفها عليه.ابتسم ابتسامة خفيفة رغم الألم.وقال:"أنا كويس."لكنها لم تقتنع.وضعت يدها على ذراعه وقالت بنبرة حازمة:"مش لازم تفتكر كل حاجة النهارده."نظر إليها الضابط ثم قال:"هي معاها حق."جلس سليم ببطء، بينما

  • زوجي الذي لا يتذكرني   الفصل السادس والثلاثون

    "ريم."ظل الاسم أمام أعينهم لعدة ثوانٍ دون أن ينطق أحد بحرف واحد، بينما كانت يارا تمسك بالورقة ويداها ترتجفان، ثم رفعت رأسها ببطء نحو سليم، فوجدته يحدق في التوقيع بنفس الصدمة، وكأنه يحاول الربط بين الفتاة التي ظهرت في المستشفى قبل ساعات وبين الرسالة التي وصلت إلى المنزل في منتصف الليل.قال يوسف بعدما أخذ الورقة منها:"دي أكيد مش صدفة."أجابه سليم وهو يمد يده ليأخذ الرسالة مرة أخرى:"ولا أنا مصدق إنها صدفة."ثم قلب الورقة بين أصابعه أكثر من مرة، وقال:"الورقة جديدة... والحبر لسه واضح... يعني الرسالة اتكتبت من وقت قريب."اقترب الضابط منها بعدما استدعاه يوسف هاتفيًا، وألقى نظرة سريعة عليها، ثم قال:"يبقى اللي كتبها كان واقف هنا من وقت قليل."نظرت يارا إلى الحديقة الممتدة أمام المنزل، وكان الظلام لا يزال يسيطر عليها، بينما تتحرك الأشجار مع الهواء الخفيف، فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.همست:"يعني كان بيراقبنا."نظر إليها سليم فورًا، ثم قال بحزم:"ومن النهارده محدش هيخرج لوحده."اعترضت بسرعة:"أنا مش طفلة."ابتسم ابتسامة صغيرة رغم التوتر."وأنا ما قلتش إنك طفلة.""أمال؟"اقترب منها قليلًا.

  • زوجي الذي لا يتذكرني   الفصل الحادي والعشرون

    الفصل الحادي والعشرون"أنا مش ليلى..."ساد صمت ثقيل داخل المنزل.لم يتحرك أحد.ولم ينبس أحد بحرف.أما الفتاة التي تقف أمامهم فكانت تبكي، وعيناها مثبتتان على يارا، وكأنها ترى شخصًا تعرفه منذ عمر كامل.ثم أكملت بصوت مرتجف:"أنا بنت ليلى."شعرت يارا بأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.تراجعت خطوة إ

  • زوجي الذي لا يتذكرني   الفصل العشرين

    الفصل العشرون"لقيت ليلى... وهي عايزة تشوف يارا."ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.لثوانٍ طويلة لم يتحرك أحد.ولم يتنفس أحد تقريبًا.كانت الكلمات أكبر من أن يستوعبها العقل.أما يارا...فبقيت تنظر إلى والدها دون أن ترمش.وكأنها لم تسمع.ثم تحركت شفتاها أخيرًا."إيه...؟"خرجت الكلمة همسًا.رفع والدها عينيه

  • زوجي الذي لا يتذكرني   الفصل التاسع عشر

    الفصل التاسع عشر "ليلى... أختي التوأم؟!" خرجت الكلمات من فم يارا بالكاد، وكأنها فقدت القدرة على التنفس للحظات، بينما كانت عيناها مثبتتين على والدها في انتظار أن يبتسم ويخبرها أن الأمر مجرد مزحة سيئة، لكنه لم يبتسم. بل ظل ينظر إليها بعينين يملؤهما الحزن. شحب وجهها أكثر. ثم هزت رأسها ببطء. "لا..

  • زوجي الذي لا يتذكرني   الفصل الثامن عشر

    "بابا فاق؟!"خرجت الكلمات من فم يارا بصورة مرتجفة، وكأنها لا تصدق ما سمعته للتو، بينما كانت تنظر إلى يوسف بوجه شاحب وعينين متسعتين من الصدمة.أومأ يوسف ببطء."الممرضة هي اللي اتصلت دلوقتي."تقدمت نحوه بسرعة."هو كويس؟ اتكلم؟ قال حاجة؟"هز رأسه."قالت إنه أول ما فاق طلب يشوفك."ساد الصمت.ثم أكملت ي

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status