LOGINجئتُ إلى العاصمة بحلمٍ واحد. غادرتُها بجرحٍ لا اسم له. أخي هو من فتح لي الباب. لكنّها هي من فتحت في صدري ما لم أعرف أنه موجود. نظرةٌ واحدة، ورائحة فانيليا لن أنساها حتى الممات، وعالمي كله انقلب رأساً على عقب. راما. زوجة أخي. ثلاث كلمات تكفي لتجعل كل ما أشعر به جريمة. لم تفعل شيئاً. لم تقصد شيئاً. وهذا — والله — هو الأصعب. لأن الإنسان يستطيع أن يكره المتلاعبة، لكن كيف يكره البريئة؟ كيف يحارب امرأة سلاحها الوحيد أنها لا تعرف أنها تدمّره؟ كنتُ أبني الجدران، فتهدمها بابتسامة. كنتُ أهرب، فيعيدني عطرها. كنتُ أقسم أنني أقوى من هذا، فتلمسني يدها بالخطأ وأعود من الصفر. وحين ظننتُ أن الأمر لا يمكن أن يزداد سوءاً — اكتشفتُ السر. سرٌّ عن أخي. عن البيت. عن كل من أحببتُ وثقتُ بهم في هذه الحياة. ومنذ تلك اللحظة، أصبحتُ أحمل ما يكفي لأحرق الجميع — بمن فيهم أنا. هل سأصمت وأرى راما تعيش كذبةً لا تستحقها؟ أم سأتكلم وأدمّر كل شيء بيدي؟ وفي الوقت الذي كنتُ أصارع فيه نفسي — كانت الأقدار تطبخ مفاجأةً لم يكن أحدٌ منّا مستعداً لها. لعبة المرايا — حين يصبح الصمت أخطر من الاعتراف.
View Moreفتحت الباب.
لم تكن ربة البيت العادية التي تخيلتها في ذهني طوال رحلة القطار المتعبة. كانت شيئاً آخر تماماً. كانت تقف هناك، تؤطرها إضاءة المدخل الدافئة، ترتدي ثوباً منزلياً حريرياً بلون الياقوت الداكن. قصير. قصير لدرجة أن قلبي توقف عن النبض لثانية كاملة. انسدل الحرير على جسدها بنعومة قاتلة، لا يخفي شيئاً بقدر ما يعلن عن كل شيء. منحنياتها لم تكن بحاجة إلى إعلان؛ كانت تعلن عن نفسها بصمت يرعبني. لم تكن ترتدي ما يثير الرجال، بل كان جسدها هو من يصرخ بالأنوثة رغماً عنها، وكأنه يتحداني أن أبقى ثابتاً. لم تكن تحاول إغرائي. هذا هو بالضبط ما جعل الأمر أسوأ. براءتها المطلقة، عفوية وقوفها كأنها تستقبل أخاً وليس رجلاً غريباً، كانت السكين التي ذبحت كل ثباتي الهندسي المزعوم. كنتُ قد خططت لكل شيء في حياتي. حساباتي دقيقة، معادلاتي منطقية. هندسة الجسور علمتني أن أتوقع الأحمال قبل أن تأتي. لكنني لم أتوقع امرأة بثوب ياقوتي تجعل كل خطوطي المستقيمة تنحني. "كريم؟" نطقت اسمي بصوت خفيض وناعم، وكأنها كانت تنتظرني منذ دهر. انزلقت عيناها العسليتان بعفوية تامة على جسدي. تفحصت عرض كتفيّ، ثم نزلت نحو ذراعيّ المفتولتين حيث تبرز عروقي من حمل الحقائب. شعرتُ بنظراتها تخترق قميصي المبتل بالعرق، تشعل ناراً في كل مسامي لا يطفئها برد المكيفات خلفي. للحظة، توقفت نظرتها عند عضلات صدري البارزة تحت القماش الرقيق، ثم صعدت ببطء إلى عينيّ. ابتسمت. كانت ابتسامتها كمن وجد شيئاً كان يبحث عنه طويلاً. "أنتِ.. راما؟" سألت بصوت أجش، محاولاً استجماع ما تبقى من وقاري. ضحكت. "أخيراً وصلت يا بطل! أحمد يتحدث عنك طوال الوقت، لكنه نسي أن يخبرني أنك.. بهذه الضخامة." مدّت يدها الناعمة لتمسك بمقبض حقيبتي الثقيلة. في تلك اللحظة، لامست أصابعها الباردة ظهر كفي الخشن. لم تكن لمسة مقصودة؛ كانت عفوية لامرأة ترحب بشقيق زوجها. لكنني شعرتُ بصدمة كهربائية زلزلت كياني. دمي غلى. جسدي انتفض. وشعرتُ بـ "اندفاع" مخجل مفاجئ جعلني أنحني للأمام لا شعورياً، لأخفي فضيحتي خلف الحقيبة القماشية. "أنا.. أنا سأحملها. إنها ثقيلة جداً عليكِ." قلتها وأنا أتصبب عرقاً، وقلبي يقرع طبول الحرب ضد كل مبادئي التي كنتُ أظنها حديدية. استدارت لتمشي أمامي: "تفضل، البيت بيتك. أحمد أوصاني أن أعتني بك كأنك أخي الصغير". كانت تمشي بوقار لا تدركه، لكن تمايل خصرها الفطري تحت الحرير كان يصرخ في وجهي. كنتُ أسير خلفها وعيناي مسمرتان على الأرض، أصارع أنفاسي التي هربت مني. رائحة الفانيليا بدأت تتسلل إلى مسامي، تخدر أعصابي، تلغي كل خريطة عقلية كنتُ قد رسمتها لهذه اللحظة. كل خطوة كانت بمثابة شهادة جديدة على فشلي في السيطرة على جسدي الغادر. وفجأة، دار المفتاح في القفل. دخل أحمد بهيبته المعتادة، بذلته الرسمية ورائحة القهوة المرة. "كريم! وصلت يا بطل!" ركضت راما نحو زوجها وألقت بنفسها في حضنه بعفوية الزوجة المحبة. طوق أحمد خصرها بملكية تامة وقبلها على جبينها، بينما هي تضحك بدلال طفولي. وقفتُ متجمداً كتمثال من جليد، أراقب يد أخي وهي تستقر على المكان الذي أشعل جسدي قبل قليل. في تلك اللحظة، وسط شعوري القاتل بالذنب تجاه الرجل الذي صنعني، والذي انتشلني من فقر القرية إلى هذا القصر، ولدت في صدري شرارة سوداء.. غيرة مسمومة لم يكن من المفترض أن توجد. كنتُ أحسد أخي على امرأة لا يحق لي أن أفكر فيها. نظرت إليّ راما من فوق كتف أخي، وبابتسامة صافية تماماً قالت: "أحمد، أخوك خجول جداً! لم يسمح لي حتى بمساعدته في الحقيبة". ضحكت ببراءتها المعتادة. لم تكن تدرك أنني في تلك اللحظة كنتُ أتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعني قبل أن أفعل ما لا يُحمد عقباه. ولم تكن تعلم أن هذه الليلة ستكون بداية نهايتي كرجل شريف.في مساء الأربعاء، بعد أن انتهيتُ من مراجعة مادة الميكانيكا وأغلقتُ الكتاب، أرسلتُ لراما أسألها إن كانت مستيقظة. "نعم. تعال." وصلتُ بعد عشرين دقيقة. كانت في الصالة بدفترها أمامها وقلمها في يدها لكنها وضعته حين دخلتُ. هذا أيضاً شيء لاحظتُه: أن راما حين تضع قلمها حين تراني لا تفعل ذلك من مجاملة. تفعله لأن شيئاً فيها يُقرر أن ما ستتحدث فيه أهم مما كانت تفعله. "كيف المذاكرة؟" سألت. "وصلتُ إلى ما يكفيني الليلة." "والمادة؟" "أصعب مما أتوقعه عادةً. وأنا بدأتُ أعتبر هذا علامة جيدة." ابتسمت. ثم أمسكت قلمها ووضعته في جانب الدفتر. إشارة صغيرة تقول إنها أغلقت ما كانت تفعله. "أخبرتني أمي أنها تريد أن تعرفك." قالت. "أعرف. كيف تشعرين حيال ذلك؟" "أتساءل كيف تشعر أنت." "أشعر أن هذا طبيعي. وأشعر أيضاً أنه مهم. لأن هذا النوع من اللقاءات يعني أن ما بيننا وصل لمكان يستحق أن يُرى." "وهو وصل؟" "من منظوري، نعم." "ومن منظوري أيضاً." قالت بهدوء. جلسنا في الصمت القصير الذي يكون بعد الجمل التي تقول أشياء كبيرة بكلمات قليلة. "متى؟" سألتُ. "أمي ستعود في نهاية الشهر القادم. إن أردتَ يمكننا أن نُرتب
زرتُ منال ويوسف في يوم الجمعة في وقت الضحى. لم تكن هذه الزيارة الأولى، زرتُهما مرتين من قبل في الأشهر الماضية. لكن الزيارتين السابقتين كانتا في أوقات كان ذهني فيهما في أماكن متعددة في نفس الوقت. هذه الزيارة كانت مختلفة لأن ذهني كان في مكان واحد: هذا البيت وهذا الطفل وهذه الجلسة. منال فتحت الباب بوجه يحمل التعب الجميل الذي يحمله والدا الأطفال الصغار، تعب لا تريد منه الراحة لأنك تعرف سببه وتُحبه. يوسف كان مستيقظاً هذه المرة. جالس في كرسيه الصغير يُحاول أن يُحرك رأسه نحو كل صوت وكل حركة في الغرفة. طفل في أسبوعه العاشر أو الحادي عشر، في تلك المرحلة التي يبدأ فيها العالم يصبح له معنى لكن بطريقة غير منظمة. جلستُ أمامه على الأرض لأكون في مستواه. نظر إليّ. أو بالأحرى نظرت عيناه في اتجاهي. كان هناك شيء في طريقة توجهه، توقف عن حركته الصغيرة المستمرة ونظر. "مرحباً يا يوسف." قلتُ بصوت منخفض لا يُفزع. "يُحب الأصوات الهادئة." قالت منال من الكنبة خلفي. "الأصوات العالية تُقلقه." "إذن نتحدث بهدوء." جلستُ أمامه وقتاً بدون أن أفعل شيئاً بالمعنى الفعلي. فقط كنتُ هناك. وأحياناً هذا كافٍ. فكّرتُ
في الأسبوع الثالث من الفصل دخلتُ محاضرة ميكانيكا المواد في الصباح الباكر ووجدتُ القاعة شبه فارغة لأنني وصلتُ مبكراً بنفس الدقائق العشر التي صارت عادة منذ بدأ الفصل. اخترتُ مقعدي في المنتصف ووضعتُ دفتري وقلمَي وأخرجتُ الكتاب وفتحتُه على الفصل الذي سيُدرسه الأستاذ اليوم. قرأتُ الصفحتين الأولى ببطء قبل أن تبدأ المحاضرة، ليس لأن القراءة المسبقة تجعلك تعرف الإجابات بل لأنها تُعطيك خريطة تعرف فيها أين تُوجد انتباهك حين يتحدث الأستاذ. جلس خالد إلى جانبي قبل بداية المحاضرة بدقيقتين. "الفصل الثالث؟" سأل وهو يُخرج دفتره. "نعم. قرأتُ الصفحتين الأولى." "مفيد؟" "يُعطيك خريطة." قلتُ. أومأ. "سأجرب هذا." بدأ الأستاذ. مادة ميكانيكا المواد في أسلوب هذا الأستاذ تحديداً كانت مختلفة. لم يبدأ بالتعريفات ولم يبدأ بالمعادلات. بدأ بسؤال: "لماذا تنكسر الجسور؟" الغرفة هدأت بطريقة تفعلها حين يُفاجئها سؤال لم تتوقعه. "لأن المواد لها حدود." قال أحدهم. "صحيح جزئياً." قال الأستاذ. "لكن الأدق: لأن المهندسين في بعض الأحيان يُصممون الجسر ليتحمل ما يجب أن يتحمله ولا يُحسبون هامش الخطأ. والمواد ليست مثالية وال
أخبرتني أمي أنها ستأتي للمدينة في رسالة قصيرة أرسلتها في منتصف أسبوع عادي: "سأزور خالتك وأريد أن أراكِ. الخميس أو الجمعة إن ناسبكِ." الخميس ناسبني. أخذتُ إجازة في وقت الغداء وذهبتُ لاستقبالها في بيت خالتي. حين فتحت الباب ورأيتُ أمي جالسة في الصالة بمعطفها لا تزال لم تُغيّره بعد أن أتت من الطريق، وقفتُ لثانية. رؤيتها بالجسد كاملة دائماً مختلفة عن سماع الصوت. "راما." وقفت وفتحت ذراعيها. احتضنتُها بالطريقة التي أفعلها في زيارة عادية وبطريقة مختلفة في الوقت نفسه، لأن الزيارات العادية بعد المحادثات الصادقة التي أجريناها في الأشهر الماضية لم تعد عادية بنفس الطريقة. جلسنا. خالتي أعدّت قهوة وانشغلت في المطبخ بطريقة الناس الذكيين الذين يعرفون متى يمنحون الناس مساحة. "كيف حالكِ؟" سألت أمي وعيناها تقرآن وجهي. "بخير حقيقي. ليس بخير المجاملة." "أرى ذلك." قالت. "وجهكِ مختلف." "بأي طريقة؟" "أخف." قالت بعد لحظة تفكير. "وجهكِ أخف. كان دائماً يحمل شيئاً حتى في الأوقات التي كنتِ سعيدة فيها. الآن أقل." جلستُ مع هذا الوصف. أمي ترى أشياء لا أستطيع رؤيتها بنفسي لأنها تحتاج مسافة لا تملكها عين من
في صباح اليوم التالي، كان جحيمي لا يزال مستمراً، بل وتطور ليتخذ شكلاً جديداً من العذاب المنظم الذي لا مفر منه. كنا نجلس ثلاثتنا حول مائدة الإفطار؛ أحمد يرتشف قهوته وعيناه مسمرتان على شاشة جهازه اللوحي يتابع مؤشرات الأسهم ببرود، وراما تجلس قبالتي، تقضم قطعة من الخبز المحمص وتدندن مع الموسيقى الهادئة
جلستُ خلف الطاولة الرخامية كمن يحتمي بخندق في معركة خاسرة، أراقب راما وهي تنهي قهوتها ببطء مستفز. وضعت كوبها في الحوض برنين خافت، ثم التفتت نحوي بالكامل. كانت نظرتها العسلية تتنقل بين وجهي المتوتر المتعرق وكوبي الذي تجمد بخاره. "ألم تعجبك القهوة؟" سألت وهي تمسح يديها بمنشفة صغيرة، ثم بدأت تتقدم ن
كان مشهد احتضان أحمد لزوجته ينبغي أن يكون دافئاً، لكنه بالنسبة لي كان كصب الزيت على حريق اندلع في أعماقي. وقفت هناك، متجمداً كتمثال من جليد، وعيناي مسمرتان على يد أحمد التي استقرت بملكية مطلقة على خصر راما.. الخصر ذاته الذي كاد يذهب بعقلي قبل ثوانٍ. كان أحمد نقيضه تماماً؛ ببدلته الرسمية ورائحة ال
قضيت تلك الليلة في جحيم لا يُطاق، أتقلب فوق السرير الواسع الذي بدا وكأنه ساحة معركة لأفكاري المحرمة، بينما تلفني ملاءات باردة لا تمنحني أي عزاء. كلما أغمضت عيني، رأيت نظرات راما وهي تتفحص جسدي، وشعرت برنين صوتها المبحوح وهو ينطق اسمي، يخترق صمتي كسهم ملتهب. كنت أسمع خطوات أحمد المكتومة في الممر، خف












reviews