تسجيل الدخول
فتحت الباب.
لم تكن ربة البيت العادية التي تخيلتها في ذهني طوال رحلة القطار المتعبة. كانت شيئاً آخر تماماً. كانت تقف هناك، تؤطرها إضاءة المدخل الدافئة، ترتدي ثوباً منزلياً حريرياً بلون الياقوت الداكن. قصير. قصير لدرجة أن قلبي توقف عن النبض لثانية كاملة. انسدل الحرير على جسدها بنعومة قاتلة، لا يخفي شيئاً بقدر ما يعلن عن كل شيء. منحنياتها لم تكن بحاجة إلى إعلان؛ كانت تعلن عن نفسها بصمت يرعبني. لم تكن ترتدي ما يثير الرجال، بل كان جسدها هو من يصرخ بالأنوثة رغماً عنها، وكأنه يتحداني أن أبقى ثابتاً. لم تكن تحاول إغرائي. هذا هو بالضبط ما جعل الأمر أسوأ. براءتها المطلقة، عفوية وقوفها كأنها تستقبل أخاً وليس رجلاً غريباً، كانت السكين التي ذبحت كل ثباتي الهندسي المزعوم. كنتُ قد خططت لكل شيء في حياتي. حساباتي دقيقة، معادلاتي منطقية. هندسة الجسور علمتني أن أتوقع الأحمال قبل أن تأتي. لكنني لم أتوقع امرأة بثوب ياقوتي تجعل كل خطوطي المستقيمة تنحني. "كريم؟" نطقت اسمي بصوت خفيض وناعم، وكأنها كانت تنتظرني منذ دهر. انزلقت عيناها العسليتان بعفوية تامة على جسدي. تفحصت عرض كتفيّ، ثم نزلت نحو ذراعيّ المفتولتين حيث تبرز عروقي من حمل الحقائب. شعرتُ بنظراتها تخترق قميصي المبتل بالعرق، تشعل ناراً في كل مسامي لا يطفئها برد المكيفات خلفي. للحظة، توقفت نظرتها عند عضلات صدري البارزة تحت القماش الرقيق، ثم صعدت ببطء إلى عينيّ. ابتسمت. كانت ابتسامتها كمن وجد شيئاً كان يبحث عنه طويلاً. "أنتِ.. راما؟" سألت بصوت أجش، محاولاً استجماع ما تبقى من وقاري. ضحكت. "أخيراً وصلت يا بطل! أحمد يتحدث عنك طوال الوقت، لكنه نسي أن يخبرني أنك.. بهذه الضخامة." مدّت يدها الناعمة لتمسك بمقبض حقيبتي الثقيلة. في تلك اللحظة، لامست أصابعها الباردة ظهر كفي الخشن. لم تكن لمسة مقصودة؛ كانت عفوية لامرأة ترحب بشقيق زوجها. لكنني شعرتُ بصدمة كهربائية زلزلت كياني. دمي غلى. جسدي انتفض. وشعرتُ بـ "اندفاع" مخجل مفاجئ جعلني أنحني للأمام لا شعورياً، لأخفي فضيحتي خلف الحقيبة القماشية. "أنا.. أنا سأحملها. إنها ثقيلة جداً عليكِ." قلتها وأنا أتصبب عرقاً، وقلبي يقرع طبول الحرب ضد كل مبادئي التي كنتُ أظنها حديدية. استدارت لتمشي أمامي: "تفضل، البيت بيتك. أحمد أوصاني أن أعتني بك كأنك أخي الصغير". كانت تمشي بوقار لا تدركه، لكن تمايل خصرها الفطري تحت الحرير كان يصرخ في وجهي. كنتُ أسير خلفها وعيناي مسمرتان على الأرض، أصارع أنفاسي التي هربت مني. رائحة الفانيليا بدأت تتسلل إلى مسامي، تخدر أعصابي، تلغي كل خريطة عقلية كنتُ قد رسمتها لهذه اللحظة. كل خطوة كانت بمثابة شهادة جديدة على فشلي في السيطرة على جسدي الغادر. وفجأة، دار المفتاح في القفل. دخل أحمد بهيبته المعتادة، بذلته الرسمية ورائحة القهوة المرة. "كريم! وصلت يا بطل!" ركضت راما نحو زوجها وألقت بنفسها في حضنه بعفوية الزوجة المحبة. طوق أحمد خصرها بملكية تامة وقبلها على جبينها، بينما هي تضحك بدلال طفولي. وقفتُ متجمداً كتمثال من جليد، أراقب يد أخي وهي تستقر على المكان الذي أشعل جسدي قبل قليل. في تلك اللحظة، وسط شعوري القاتل بالذنب تجاه الرجل الذي صنعني، والذي انتشلني من فقر القرية إلى هذا القصر، ولدت في صدري شرارة سوداء.. غيرة مسمومة لم يكن من المفترض أن توجد. كنتُ أحسد أخي على امرأة لا يحق لي أن أفكر فيها. نظرت إليّ راما من فوق كتف أخي، وبابتسامة صافية تماماً قالت: "أحمد، أخوك خجول جداً! لم يسمح لي حتى بمساعدته في الحقيبة". ضحكت ببراءتها المعتادة. لم تكن تدرك أنني في تلك اللحظة كنتُ أتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعني قبل أن أفعل ما لا يُحمد عقباه. ولم تكن تعلم أن هذه الليلة ستكون بداية نهايتي كرجل شريف.رنّ هاتفي في المساء، واسم سارة على الشاشة فاجأني، لأننا لم نتحدث منذ ذلك اللقاء المتوتر في المقهى، اللقاء الذي شعرتُ بعده بخزي عميق من استخدامي لها كملاذ هاربٍ في لحظة ضعف. أجبتُ بحذر. "سارة؟" "كريم، أحتاج أن أتحدث معك." جاء صوتها مباشراً، يحمل قلقاً واضحاً. "هل لديك دقائق؟" "بالطبع، تكلمي." "أحمد اتصل بي." قالت بسرعة، كأنها تريد أن تخرج الجملة قبل أن تتردد فيها. "مرتين، كريم. مرة بمكالمة، ومرة طلب أن نلتقي في مقهى. قال أنه قلق عليك، يريد أن يفهمك بشكل أفضل." شعرتُ بجسدي يتجمد، وقلق فوري يتسلل إلى صدري. "ماذا سألك؟" "أسئلة غريبة." قالت سارة، وفي صوتها تردد واضح. "عن حالتك النفسية، عن كيف تتصرف تحت الضغط، عمّن تثق به حين تمر بأزمة. في البداية ظننتُ أنه قلق حقيقي، لكن في اللقاء الثاني، بدا الأمر مختلفاً، كأنه يبحث عن شيء محدد، لا قلق عابر." أحسستُ بغضب يتصاعد في داخلي، غضب موجه نحو أخي الذي بدأ، بدقة محسوبة، يستخدم امرأة بريئة كأداة في حربه. "سارة، أنا آسف جداً." قلتُ بصدق. "أحمد ليس قلقاً عليّ. هو يحاول أن يجد طريقة لإيذائي، وللأسف، استخدمك في هذا الطريق دون أن تعرفي." صمتت ل
اتصلتُ بسارة بعد أيام من مكالمتنا الأولى، أحمل في صوتي نبرة محسوبة بعناية أكبر هذه المرة، أكثر حرصاً بعد أن شعرتُ بتردد طفيف في صوتها آخر مرة تحدثنا. "سارة، مرحباً مرة أخرى." بدأتُ، بنبرة هادئة، ودودة. "أعرف أن مكالمتنا السابقة بدت غريبة قليلاً، وأريد أن أوضح لك شيئاً، إن سمحتِ لي بوقت قليل من حياتك." ترددت للحظة قبل أن تجيب. "حسناً، تكلم." "أفكر، بصراحة، أنه من الأفضل أن نتحدث وجهاً لوجه." قلتُ، أحاول أن أجعل الطلب يبدو طبيعياً، بل ضرورياً. "الأمر متعلق بكريم، وأشعر أن الهاتف لا يمنحني المساحة الكافية لأشرح كل قلقي بشكل صحيح. هل يمكننا أن نلتقي في مكان عام، مقهى مثلاً؟ لن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً." صمتت سارة لحظة أطول هذه المرة، وشعرتُ بحذرها يتصاعد عبر الخط، حذر امرأة بدأت تستشعر أن هناك طبقة أعمق من هذه القصة لم تُكشف لها بعد. "أحمد، لماذا تهتم بهذا القدر؟" سألت أخيراً، بصوت يحمل فضولاً حقيقياً مختلطاً بشك متنامٍ. "أنتما، أنت وكريم، لطالما كنتما متباعدين نوعاً ما، حتى قبل كل ما حدث في عائلتكم مؤخراً. لماذا الآن، فجأة، أصبحتَ قلقاً عليه بهذا الشكل؟" شعرتُ بضربة خفيفة من توتر،
ذهبنا إلى السوق معاً في صباح هادئ، كريم يمشي بجانبي، يداه في جيوب سترته، وعيناه تتجولان بين الأكشاك بفضول رجل لم يعتد هذه التفاصيل الصغيرة من الحياة اليومية، أو ربما لم يسمح لنفسه من قبل بالاستمتاع بها بهذا البساطة. "ماذا تريد لنا الليلة؟" سألتُه، وأنا أتفقد صناديق الخضار، أبحث عن طماطم نضرة. "أي شيء تطبخينه أنتِ، سيكون أفضل من أي طعام آخر." قال بابتسامة خفيفة، وأخذ سلة التسوق من يدي، حركة صغيرة، لكنها حملت شيئاً من الحماية البسيطة التي أحببتُها فيه منذ البداية. مشينا بين الأكشاك، نختار الخضار، نتجادل بخفة حول نوع الجبن الأفضل للطبخة التي قررتُ تحضيرها، نضحك على بائع يحاول أن يبيعنا فواكه بسعر مرتفع بحجة أنها "مستوردة خصيصاً". كانت لحظات بسيطة، عادية، من النوع الذي لم أكن أتخيل أنني سأحظى به مجدداً بعد كل ما حدث. "تعرفين،" قال كريم، بينما نقف أمام كشك التوابل، "هذه أول مرة أتسوق فيها مع أحد منذ سنوات. أمي كانت تفعل ذلك، حين كنتُ صغيراً، لكن بعد أن كبرتُ، أصبح كل شيء... منفصلاً، كل واحد يعيش حياته الخاصة." نظرتُ إليه، إلى وجهه الذي بدا، في تلك اللحظة، أصغر سناً، أقل ثقلاً من الرجل
ذهبتُ إلى شقتها مباشرة من بيت أبي، أحمل معي ثقل تلك المواجهة كحجر في صدري، أحتاج مكاناً أتنفس فيه بحرية، بلا أقنعة، حتى لو لساعة واحدة فقط. فتحت الباب، ونظرت إلى وجهي، وعرفت فوراً، بحدس امرأة تعرفني جيداً، أن شيئاً ثقيلاً حدث. "أحمد؟ ما بك؟" دخلتُ، وجلستُ على كنبتها، وشعرتُ، للمرة الأولى منذ أيام، بأنني أستطيع أن أتنفس بعمق دون أن أحسب كل كلمة. "كان عندي أبي اليوم." قلتُ، وصوتي يحمل تعباً صادقاً، تعباً لم أعد أحتاج أن أُصطنعه. "سألني مباشرة إن كنتُ نظيفاً تماماً في هذه القصة." جلست ليلى أمامي، وجهها يحمل قلقاً فورياً. "وماذا قلتَ له؟" "أنكرتُ كل شيء، بالطبع." قلتُ بمرارة. "تماسكتُ، لعبتُ دور الضحية، أكدتُ أنني الزوج المخدوع وحسب، وأنه لا يوجد شيء آخر يحتاج أن يعرفه." نظرت إليّ ليلى طويلاً، وفي عينيها رأيتُ شيئاً جديداً، شيئاً بين القلق والتقييم البارد. "هل صدّقك؟" "لا أعرف بالضبط." اعترفتُ بصدق. "بدا أنه صدّقني، أو على الأقل قرر أن يمنحني فرصة، لكنه قال شيئاً أزعجني، ليلى. قال أنه إن اكتشف يوماً أنني كذبتُ، فهذا سيكون أثقل عليه من كل ما فعله كريم وراما معاً." تنهدت ليلى، وأم
اتصل بي أبي صباحاً، صوته يحمل تلك النبرة الآمرة التي لم تتغير منذ كنتُ طفلاً. "تعال إلى البيت اليوم. أحتاج أن أتحدث معك، وحدنا، بلا أمك هذه المرة." عرفتُ، من نبرته، أن هذا اللقاء لن يكون عابراً. وصلتُ إلى بيت العائلة في المساء، ووجدتُه يجلس في صالته المعتادة، وجهه يحمل ثقلاً تراكم عليه منذ مكالمتنا الأولى، كأنه لم ينم جيداً منذ أيام. "اجلس." قال، بلا تحية، بلا سؤال عن حالي. جلستُ، وشعرتُ بحذر يتسلل إليّ، حذر ابن يعرف أن أباه لا يستدعيه لهذا اللقاء بلا سبب محدد. "أحمد، أريد أن أسألك سؤالاً، وأريد إجابة صادقة كاملة، لا الرواية التي قدمتها لي في تلك المكالمة." قال أبي، ونظر إليّ مباشرة، عيناه تحملان شيئاً بين الشك والأمل في أن يكون مخطئاً. "تكلم، أبي." "هل أنت نظيف تماماً في هذه القصة؟ هل هناك شيء فعلتَه، شيء يجعل ما حدث بين كريم وراما أقل وضوحاً من الصورة التي رسمتَها لي؟" شعرتُ بقلبي يتسارع، وكل خلية في جسدي تستعد لدفاع محسوب، دفاع تدرّبتُ عليه في رأسي طوال الأيام الماضية، منذ أن بدأتُ أخشى أن يصل هذا السؤال إليّ بهذا الوضوح المباشر. "أبي، لماذا تسألني هذا مرة أخرى؟" قلتُ، وحا
وجدتُ رقم سارة في جهات اتصال هاتفي القديمة، من أيام كانت تأتي إلى بيتنا برفقة كريم، تلك الأيام البريئة التي بدت الآن بعيدة كأنها تخص حياة أخرى تماماً. ترددتُ قليلاً قبل أن أتصل، أراجع في ذهني الكلمات التي سأقولها، النبرة التي يجب أن أتبناها: ليس غضباً، ليس حدّة، بل قلقاً أخوياً هادئاً، الصورة التي أحتاج أن أبنيها لكل من حولي الآن. رنّ الهاتف مرتين، ثم سمعتُ صوتها. "أحمد؟" جاء صوتها مفاجئاً، مستغرباً. "مرحباً، كل شيء بخير؟" "سارة، مرحباً." قلتُ بنبرة هادئة، محسوبة بعناية. "أعرف أن هذا غريب، أن أتصل بعد كل هذا الوقت، لكنني... أحتاج أن أتحدث معك عن كريم." صمتت للحظة، وشعرتُ بحذر يتشكل في صمتها، حذر امرأة تستشعر أن شيئاً غير عادي يقف خلف هذه المكالمة. "كريم؟ هل هو بخير؟" "لا أعرف بصراحة." قلتُ، وسمحتُ لصوتي أن يحمل قلقاً مصطنعاً بدقة. "يمر بوقت صعب جداً، سارة. أمور عائلية معقدة، وأنا، كأخيه الأكبر، أشعر بالقلق الشديد عليه. وفكرتُ، بما أنكما كنتما مقربين، أنك قد تعرفين شيئاً يساعدني على فهم ما يدور في رأسه." "تعرف أن علاقتنا انتهت منذ فترة." قالت بحذر متزايد. "لم نتحدث كثيراً مؤخرا
اتصلتُ به للمرة الخامسة، والهاتف يرنّ، يرنّ، ثم يصمت، كأن الصوت نفسه يستسلم لاستحالة الوصول إليه. لم أتركه يذهب إلى البريد الصوتي هذه المرة. أغلقتُ المكالمة بنفسي قبل أن يفعل النظام ذلك، كأنني أحاول أن أحتفظ بآخر قطعة من السيطرة في يدٍ بدأت تشعر، للمرة الأولى منذ ضغطتُ "إرسال"، بأنها لا تملك شيئاً
رنّ الهاتف، وعلى الشاشة اسم واحد جعل معدتي تنقبض قبل أن ألمسها: "أبي." لم أرد فوراً. تركتُه يرنّ مرتين، ثلاثاً، أحاول أن أجمع نفسي من شتات لم أتوقع أن يأتي بهذه السرعة. عرفتُ، في اللحظة التي رأيتُ فيها الاسم، أن أحمد قد تكلّم. لم يكن هناك طريق آخر ليصل الخبر بهذه السرعة. أجبتُ أخيراً. "أبي." "ك
قضيت تلك الليلة في جحيم لا يُطاق، أتقلب فوق السرير الواسع الذي بدا وكأنه ساحة معركة لأفكاري المحرمة، بينما تلفني ملاءات باردة لا تمنحني أي عزاء. كلما أغمضت عيني، رأيت نظرات راما وهي تتفحص جسدي، وشعرت برنين صوتها المبحوح وهو ينطق اسمي، يخترق صمتي كسهم ملتهب. كنت أسمع خطوات أحمد المكتومة في الممر، خف
كان مشهد احتضان أحمد لزوجته ينبغي أن يكون دافئاً، لكنه بالنسبة لي كان كصب الزيت على حريق اندلع في أعماقي. وقفت هناك، متجمداً كتمثال من جليد، وعيناي مسمرتان على يد أحمد التي استقرت بملكية مطلقة على خصر راما.. الخصر ذاته الذي كاد يذهب بعقلي قبل ثوانٍ. كان أحمد نقيضه تماماً؛ ببدلته الرسمية ورائحة ال







