تسجيل الدخولفي الليلة التي كان يُفترض أن تكون أجمل ليالي حياتها، وقفت ديما خليل أمام المرآة، وثوب الزفاف الأبيض يلامس جسدها كقَيدٍ حريري. لم تكن عروساً تحلم بالحب. كانت قنبلة موقوتة، تُحسب ثوانيها من جديد بعد عشر سنوات من الصمت. زاهر النجم لا يعرف أنه يتزوج العدو. لا يعرف أن المرأة التي ستضع خاتمه في يدها، نفس المرأة التي رأت عائلتها تُذبح بأمرٍ يحمل توقيع اسمه. هو يظنها مجرد صفقة سياسية أخرى تُحكم قبضته على التنظيم. لكنه لا يدرك أنه فتح الباب بيده لمن ستهدم إمبراطوريته حجراً حجراً. هي تخطط لتدميره من الداخل. هو يشك فيها من أول نظرة. وبينهما، انجذابٌ لا يريده أحدهما ولا يستطيع أحدهما الهروب منه. لكن الحقيقة أبشع مما تتخيل ديما، وأعمق مما يعرفه زاهر. القاتل الحقيقي لا يزال يجلس على الطاولة معهما، يبتسم، ويخطط للجولة الأخيرة. فهل تقف هذه الزفاف على حافة الحب... أم على حافة الدمار الكامل؟
عرض المزيدنظرت ديما إلى انعكاسها في المرآة الطويلة، ولم تتعرف على الوجه الذي يقابلها. عروس بعينين هادئتين، شفتين مرسومتين بعناية، وثوب أبيض ينسدل حول جسدها كأنه نسيج من الثلج. كل شيء فيها يقول: امرأة سعيدة تنتظر يوم زفافها. لكن تحت هذا السطح الناعم، كان هناك شيء آخر تماماً، شيء بارد كالحديد، ينتظر لحظته منذ عشر سنوات.
منذ عشر سنوات، تخلّت عن اسم "خليل" كما يتخلى الجندي عن بدلته القديمة. صارت "ديما السرايا"، ابنة عائلة لا ماضٍ لها يستحق الذكر، لا أعداء، لا قصة دمٍ تستوجب الانتقام. هذا الاسم الجديد كان درعها طوال سنتين كاملتين من التخطيط الصامت، سنتين بنتهما خالتها سلمى حجراً حجراً، حتى وصلت ديما إلى هذه اللحظة بالضبط: عروساً تدخل بيت آل النجم من بابه الأمامي، دون أن يشكّ فيها أحد. "تأكدي أنك تتذكرين كل شيء." كان صوت سلمى يتردد في ذهنها وهي تضع آخر لمسة على شعرها. "زاهر النجم ليس رجلاً غبياً. هو الوحيد القادر على كشفك إن ارتكبتِ خطأً واحداً." ديما ابتسمت لنفسها في المرآة، ابتسامة لا تحمل فرحاً، بل تصميماً. "لن أرتكب أخطاء يا خالتي. لقد انتظرت طويلاً لهذا اليوم." لم تكن تتذكر وجوه عائلتها بوضوح كامل، الزمن كان قاسياً مع الذكريات الطفولية. لكنها تتذكر الصوت، صوت الانفجار الذي مزّق ليلتهم الأخيرة في ضيعة آل خليل قرب دمشق، وصوت أمها وهي تصرخ باسمها قبل أن تختفي إلى الأبد بين الدخان والنار. كانت ديما في الثامنة من عمرها. ولم يخبرها أحد لاحقاً بالحقيقة كاملة، إلا أن التحقيقات السرية التي قامت بها سلمى على مدى سنوات أشارت بثبات إلى اسم واحد: آل النجم. وعلى رأسهم، والد زاهر، الذي ورث عنه الابن العرش والسلطة، ومعهما — كما تظن ديما — جريمة لم تُغفر. اليوم، ستضع خاتمها في يد الرجل الذي تحمّله مسؤولية كل ما خسرته. لن يكون هذا حباً. سيكون بداية النهاية له. طرق الباب بهدوء، ودخلت إحدى مساعدات قاعة الزفاف لتعلن أن السيارة جاهزة. أخذت ديما نفساً عميقاً، ونظرت للمرة الأخيرة إلى صورة العروس في المرآة، قبل أن تستجمع كل خيوط هدوئها المصطنع وتسير نحو الباب. كان الممر الفسيح المؤدي إلى صالة الانتظار، حيث ستلتقي بموكب العائلة قبل دخولها رسمياً، خالياً إلا من بعض الحراس الواقفين بصمت. وبينما كانت تهمّ بالعبور، خرج رجل من غرفة جانبية، متأنق ببدلة سوداء فاخرة، وابتسامة هادئة على وجهه. كانت تعرفه: حسام النجم، عمّ زاهر، ويده اليمنى في كل شؤون العائلة. لم يكن هناك ما يستدعي القلق من وجوده، فهو ضيف شرف طبيعي في هذا اليوم. توقف حسام أمامها، وأطال النظر إليها بطريقة لم تستطع تفسيرها على الفور، بين الفضول والتقييم. "تبدين رائعة يا ديما." قال بصوت مهذّب، ثم اقترب خطوة واحدة، وأضاف بنعومة لا تخلو من شيء غامض: "زاهر محظوظ حقاً." أرادت أن تشكره وتمضي، لكنه لم يتحرك من مكانه. ابتسم ابتسامة هادئة أثارت قشعريرة لم تستطع كبتها، واقترب خطوة أخرى، وقال بصوت لا يتجاوز الهمس: "ثوبكِ جميل... يشبه كثيراً ثوب والدتكِ." ثم انصرف، كأن شيئاً لم يكن، تاركاً وراءه عبارة معلّقة في الهواء كحبل مشنقة. تجمّدت ديما في مكانها، وقلبها توقف عن النبض للحظة كاملة. لم يكن أحد يعرف عن والدتها، لم تذكر اسمها لأي إنسان غير سلمى منذ عشر سنوات. فمن أين يعرف حسام النجم شكل ثوب أمها؟ ولماذا يعرف عنها أصلاً؟وقف زاهر عند النافذة، يراقب حسام وهو يخرج من سيارته الأولى بهدوئه المعتاد، يرتدي معطفاً طويلاً يخفي ملامح وجهه جزئياً تحت ضوء الأعمدة الخافت عند البوابة، ويتجه نحو المدخل الرئيسي بخطى ثابتة لا تشي بأي استعجال أو غضب ظاهري. التفت إلى ديما، وقال بصوت منخفض حاسم: "سأذهب لاستقباله بنفسي، قبل أن يدخل البيت ويبدأ بأي تحرك غير محسوب. ابقَي هنا." "لا." ردّت ديما بثبات مفاجئ، تقف بجانبه مباشرة. "إن كان هذا متعلقاً بالصندوق، فأنا جزء من هذه المعركة منذ يوم زفافي، ولن أقف في الخلف الآن وأترك القرار لك وحدك." نزل الاثنان معاً إلى الصالة الرئيسية، وفتح أحد الخدم الباب لحسام في تلك اللحظة بالضبط، فدخل بابتسامته الهادئة المعهودة، وكأن زيارة في منتصف الليل أمر طبيعي تماماً بالنسبة له. "زاهر، ديما، سعيد لأنكما مستيقظان. كنت أخشى أن أضطر لإيقاظكما من نومكما." "ما الذي يجعل زيارة في هذا الوقت ضرورية، حسام؟" سأل زاهر بنبرة باردة، يقف بثبات يحمل كل سلطته الظاهرة، دون أن يسمح لأي قلق داخلي بالظهور على وجهه. "لم يحدث أن زرتنا في منتصف الليل من قبل دون إشعار مسبق." ابتسم حسام، وجلس على أحد المقاعد دون أن
تجمد زاهر في مكانه، يدفع ديما بلطف خلف ظهره بحركة غريزية، عينه ثابتة على الظل الواقف بين الأشجار، يحاول أن يحدد ملامحه في الإضاءة الخافتة دون أن يكشف موقعه بحركة مفاجئة. بعد ثوانٍ طويلة من الصمت المشحون، تحرك الظل ببطء نحوهما، وبدأت ملامحه تتضح تدريجياً، حتى تنفس زاهر بارتياح حذر وهو يتعرف على الوجه القادم. "ياسين؟" قال بصوت منخفض يحمل مزيجاً من الارتياح والانزعاج معاً. "ماذا تفعل هنا في هذا الوقت من الليل؟" اقترب ياسين أكثر، ووجهه يحمل تعبيراً جاداً غير معتاد، حتى بالنسبة لرجل يتعامل دائماً بجدية مطلقة. "كنت أبحث عنكما منذ ساعة كاملة، سيدي. لاحظت غيابكما عن الجناح، وحين سألت الحراس، أخبرني أحدهم أنه رآكما تتجهان نحو الحديقة الخلفية في وقت غير معتاد، فقررت أن أتأكد بنفسي من سلامتكما، خصوصاً بعد كل ما حدث هذا الأسبوع." شعر زاهر بثقل خفي من خيبة واضحة على وجه ياسين، رجل خدمه بصدق طوال سنوات، استُثني هذه المرة من خطوة كان يظن أنه يستحق أن يعرف بها. "أعتذر، ياسين. لم أرد استثناءك تحديداً، لكنني فضّلت ألا يعرف أحد بهذه الخطوة، حتى أقرب الناس إليّ، إلى أن أتأكد من شيء بنفسي." نظر ياسين
سار زاهر وديما بهدوء عبر الحديقة الخلفية للقصر، بعيداً عن أي إضاءة قوية قد تجذب انتباه الحراس الليليين، حتى وصلا إلى غرفة صغيرة متواضعة بجانب البيت الزجاجي للنباتات، حيث يسكن أبو سليم منذ أكثر من ثلاثين عاماً، بعيداً عن أعين الجميع وأهميتهم المزعومة في هذا العالم الفاخر. طرق زاهر الباب بلطف، فانفتح بعد لحظات على رجل عجوز نحيل، يرتدي قميصاً صوفياً بسيطاً، وعيناه تحملان حدة لم تتوقعها ديما من رجل يبدو في الظاهر مجرد بستاني هادئ. نظر أبو سليم إلى زاهر طويلاً، ثم إلى ديما، ثم عاد إلى زاهر مرة أخرى، وقال بصوت منخفض هادئ: "لم تأتِ إلى هذه الغرفة منذ كنت طفلاً صغيراً تركض بين الأشجار، سيد زاهر. أعرف أن زيارة في هذا الوقت من الليل لا تأتي لمجرد الشوق." "أحتاج أن أسألك عن شيء، أبو سليم." قال زاهر مباشرة، يدرك أن هذا الرجل لا يحتاج مقدمات طويلة. "والدي ترك لي رسالة، يذكر فيها شيئاً يدعى 'الصندوق الأزرق'، ويقول إنك الشخص الوحيد الذي يعرف مكانه." تغيّرت ملامح أبو سليم فوراً، من هدوئه المعتاد إلى توتر عميق بدا غريباً على وجهه المعتاد على الصبر الطويل. دعاهما للدخول بصمت، وأغلق الباب خلفهما بحذر
بدأ زاهر القراءة بصوت منخفض، يشارك ديما كل كلمة دون أن يقصد إخفاء أي حرف عنها، كأن صوته وحده قادر على تحمّل ثقل هذا الاعتراف الأخير من رجل لم يعرفه زاهر يوماً بهذا العمق: "يا زاهر، إن كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أجد الشجاعة الكافية لأخبرك بكل هذا بصوتي وأنا حي، وأرجو أن تسامحني على هذا الجبن الأخير في حياة مليئة بقرارات قاسية لم أكن أتمنى أن أتخذها. منذ سنتين تقريباً، بدأت أشك في كل ما حدث ليلة ضيعة آل خليل. لم تكن شكوكي تأتي من فراغ، بل من تفاصيل صغيرة تراكمت ببطء: مستندات لا تتطابق توقيتاتها، شهادات أعيد صياغتها أكثر من مرة، وشخص واحد كان دائماً في المركز من كل خطوة، يقدّم الأدلة، ويستعجل القرار، ويصرّ على ضرورة الحسم السريع." توقف زاهر للحظة، يكاد صوته يختنق، قبل أن يكمل: "لم أجرؤ على ذكر اسمه صراحة هنا، يا زاهر، خوفاً من أن تقع هذه الرسالة بين يدي شخص غير مقصود، لكنك تعرفه جيداً، وأنا أثق أنك ستصل إلى الحقيقة بنفسك حين يحين وقتها، كما تفعل دائماً منذ صغرك. ما أستطيع قوله بوضوح هو أنني وجدت، قبل وفاتي بقليل، طريقة للتأكد بشكل غير مباشر أن آل خليل لم يكونوا الخونة الذي