LOGINلم تكن مجرد قصة حب عابرة، ولا حكاية تقليدية بين فتاة وحارسها الشخصي… بل كانت رحلة غامضة تتشابك فيها الحقيقة مع الوهم، ويختلط فيها القلب بالخطر. في قلب هذه الحكاية، تقف فتاة رقيقة الجمال، تحمل خلف ابتسامتها عالمًا من الألم، تعيش أسيرة حياة فرضها عليها رجل يُفترض أنه والدها… رجل أعمال لامع في العلن، لكنه يخفي في الظلال أسرارًا لا تُروى. وعلى الطرف الآخر، يظهر رجل لم يأتِ صدفة. ضابط مخابرات يتقن التخفّي، يتسلل إلى حياتها تحت قناع "حارس شخصي"، لا لحمايتها فقط… بل لكشف حقيقة ذلك الرجل الذي يحيط بها من كل جانب. لكن كلما اقترب من الحقيقة، وجد نفسه يقترب منها أكثر… من روحها، من ضعفها، ومن ذلك الألم الذي لم يعتد مواجهته. ومع انكشاف الخيوط، يتسلل سؤال أخطر من كل الأسرار: هل ذلك الرجل هو والدها حقًا؟ أم أن الحقيقة أعمق وأكثر قسوة مما يمكن تحمّله؟ بين الخطر والمشاعر، بين الواجب والرغبة، سيجد البطل نفسه أمام معركة لا تشبه أي مهمة خاضها من قبل… معركة يكون فيها قلبه هو الخصم، وسلاحه هو الحكم. فأيّهما سيختار؟ أن ينفذ أوامره… أم يستسلم لنبضه؟
View Moreاستيقظ جاسر الشرقاوي على صوت المنبّه عند تمام السابعة صباحًا، ذلك الصوت الحاد الذي قطع سكون شقته الواسعة. فتح عينيه ببطء، لا لأن النعاس يثقل جفنيه، بل لأن عقله كان قد استيقظ قبله بلحظات، مدركًا أن هذا اليوم لن يكون عاديًا.
مدّ يده ليغلق المنبّه، ثم جلس على حافة السرير لثوانٍ، يحدّق في الفراغ أمامه. كان الصمت يحيط به من كل جانب، صمت اعتاده، بل وربما اختاره. نهض أخيرًا، واتجه نحو النافذة بخطوات ثابتة. سحب الستار قليلًا، فتسللت أشعة الشمس إلى الداخل، وانعكست على الأثاث الفاخر، لتكشف عن حياة تبدو مثالية لمن يراها من الخارج… لكنها، في الحقيقة، كانت باردة، خالية من الدفء. جاسر لم يكن رجلًا عاديًا. في الثلاثين من عمره، يحمل على كتفيه مسؤوليات لا يحتملها كثيرون. ضابط مخابرات، اعتاد أن يعيش في الظلال، أن يرى ما لا يُقال، وأن يشكّ في كل شيء. اختار أن يعيش وحيدًا، رغم أن والديه على قيد الحياة، ليس جفاءً… بل لأن حياته لم تترك له رفاهية القرب. عمله لا يعرف الاستقرار، ولا يسمح للعلاقات أن تنمو، ولا يعترف بالمشاعر إلا كضعف يجب تجنبه. بعد دقائق، كان قد ارتدى بدلته الرسمية بإتقان، وربط ربطة عنقه بحركة اعتيادية. نظر إلى انعكاسه في المرآة، فعادت تلك الملامح الصارمة التي يخفي خلفها كل ما لا يُقال. رجل متماسك، هادئ، لا يُظهر شيئًا… حتى لو كان بداخله عاصفة. فاليوم… لديه مهمة. …… دخل جاسر إلى مبنى المخابرات بخطوات واثقة، حتى توقف أمام باب مكتب العقيد شوقي. طرق الباب طرقات خفيفة، قبل أن يأتيه الصوت المألوف: "ادخل يا جاسر." فتح الباب، ودخل بقامته الطويلة وهيبته المعتادة. وما إن وقع نظر العقيد عليه، حتى ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه. "تفضل يا جاسر، لقد دعوتك اليوم لأوكل لك مهمتك الجديدة." جلس جاسر بهدوء، بينما مدّ العقيد يده بملفٍ سميك ووضعه أمامه. "هذه المهمة ليست سهلة." قالها بنبرة جادة، "وبما أنك من أكفأ ضباطنا، وقع الاختيار عليك." فتح جاسر الملف، وبدأت عيناه تتحركان بسرعة فوق السطور، يلتقط التفاصيل بدقة اعتاد عليها. تابع العقيد: "مدحت زهران… رجل أعمال معروف، لكننا نشتبه في تورطه بأعمال غير قانونية؛ تجارة سلاح ومخدرات وأكثر من ذلك." توقف لحظة، ثم أضاف: "وابنته الوحيدة… رهف. قد تكون جزءًا من هذه اللعبة." توقفت عينا جاسر للحظة عند صورتها… شيء ما لم يفهمه مرّ في داخله، لكنه تجاهله سريعًا. أغلق الملف بهدوء وقال: "لا تقلق يا فندم، سأبذل قصارى جهدي للوصول للحقيقة." نظر إليه العقيد بثقة: "نعلم ذلك، فأنت لم تخذلنا من قبل." نهض جاسر وأدى التحية العسكرية، ثم غادر المكتب… لكن هذه المرة، لم تكن أفكاره مرتبة كما اعتاد. كيف سيتسلل إلى حياتهم؟ وكيف سيقترب… دون أن يُكشف؟ ...... على الجانب الآخر من المدينة، كانت بداية يوم مختلفة تمامًا. استيقظت رهف على ضوء الصباح الذي تسلل إلى غرفتها، ففتحت عينيها ببطء، وكأنها تحاول تأجيل واقع لا ترغب في مواجهته. بشرتها البيضاء، وشعرها الأسود الطويل الذي انسدل حولها كستارٍ ليلي… كانت تبدو كلوحة هادئة، تخفي خلفها ضجيجًا لا يُرى. نهضت بهدوء واستعدت للذهاب إلى الجامعة. كانت في سنتها الرابعة بكلية الألسن، قسم اللغة الإنجليزية… عالمها الوحيد الذي تشعر فيه بشيء من الحرية. لكن الحرية… لم تكن كاملة. بعد أن انتهت، نزلت إلى الطابق السفلي بخطوات مترددة، وفي داخلها دعاء صامت أن يكون قد غادر. لكن الحظ لم يكن في صفها. كان مدحت زهران يجلس على مائدة الإفطار. لكنها قررت تجاهله كأنه غير موجود. خطوة واحدة كانت تفصلها عن الباب… قبل أن يخترق صوته المكان: "يا لكِ من ابنة عاقة، كيف تتجاهلين والدكِ هكذا؟" توقفت للحظة، ثم التفتت ببرود: "أنا متأخرة على المحاضرة. إذا لم يكن لديك شيء مهم، سأذهب." لم تنتظر ردّه، وخرجت مسرعة وكأن الهواء خارج الفيلا أخفّ من داخله. …… في الخارج، اتجهت نحو السيارة، وقالت بصوت حاولت أن تجعله طبيعيًا: "صباح الخير يا عم عثمان، إلى الجامعة بسرعة، من فضلك." "حاضر يا آنسة رهف." انطلقت السيارة… ومعها أخذت رهف نفسًا عميقًا، كأنها تحاول النجاة من شيء لا يُرى. …… بعد انتهاء المحاضرات، خرجت رهف برفقة زميلتها ندى. لم تكن تملك أصدقاء حقيقيين، فقط وجوه عابرة وعلاقات سطحية. وذلك بسبب حادث من الماضي. ندى… كانت الأقرب، لكنها لم تكن تعرف كل شيء. وبينما كانتا تسيران، اعترض طريقهما ثلاثة شبان. تجمدت ملامح حور فورًا. حاولت تجاوزهم، لكن أحدهم أمسك يدها. انتزعتها بسرعة، وتراجعت للخلف: "ماذا تريد يا مازن؟ ابتعد عني!" ابتسم مازن بسخرية: "اهدئي… لمَ تبدين خائفة هكذا؟ أنا أريد التحدث معكِ فحسب." "وأنا لا أريد." قالتها بحدة، ثم أمسكت بذراع ندى واندفعت نحو الخارج. لم تتوقف إلا عند بوابة الجامعة. قالت ندى بقلق وهي تلهث: "مهلًا يا رهف، أنا فقط لا أعلم لماذا لا تخبري والدكِ أن مازن وأصدقائه يزعجونكِ؟ مازن معروف بسمعته السيئة في الجامعة، والجميع يعلم أنه إن أعجب بفتاة يحصل عليها مهما حدث. أنا خائفة عليكِ." سكتت رهف. كانت خائفة أيضًا، لكن لا يمكنها إخبار والدها بهذا الأمر، فهو إن علم لن يتصرف مثل الآباء الأخرين، بل سيلقي باللوم عليها وقد يمنعها من الذهاب إلى الجامعة. هو لا يحبها ولم يحبها قط، لكن لا أحد يعلم ذلك سواها. فهو أمام الجميع الأب المثالي الذي يعامل ابنته كالأميرات. ولم يكن بإمكانها أن تخبر أحد عن معاملته السيئة لها وإلا سيزداد عقابها ولن ينقذها منه أحد. عادت رهف من دوامة أفكارها وقالت بهدوء مصطنع: "أنا فقط لا أريد إزعاج أبي بهذه المشاكل التافهة، فهو مشغول دائما كما تعلمين." نظرت لها ندى بعدم اقتناع: "كما تشائين… لكن كوني حذرة." أومأت رهف، ثم اتجهت نحو السيارة. وقبل أن تصعد، ألقت نظرة سريعة خلفها… وكأنها تشعر أن شيئًا ما يقترب. شيء سيغير كل شيء. …… في مكانٍ ما… كان جاسر يفتح نفس الملف مرة أخرى. وبين سطور الحقيقة… كانت قصة أخرى تبدأ.ومع انتهاء ساعات الدوام، خرج جاسر من المبنى كعادته، دون أن يلاحظ السيارة السوداء التي كانت تقف في الجهة المقابلة من الشارع. وقد جلس خلف مقودها خالد، واضعًا نظارة شمسية أخفت جزءًا كبيرًا من ملامحه، بينما كانت عيناه تتابعان كل حركة يقوم بها زميله.أدار جاسر محرك سيارته، وانطلق بهدوء.انتظر خالد عدة ثوانٍ، ثم شغّل سيارته هو الآخر، محافظًا على مسافة كافية حتى لا يثير أي شك، فقد كان يعلم أن جاسر يتمتع بحس أمني مرتفع، وأن أي خطأ بسيط قد يجعله يكتشف أنه مراقَب.لذلك لم يحاول الاقتراب كثيرًا.بل كان يترك بينهما عدة سيارات كلما سنحت الفرصة، ويغير الحارة بين حين وآخر، حتى يبدو مجرد سائق عادي يشق طريقه وسط الزحام.وبينما كانت شوارع المدينة تزدحم شيئًا فشيئًا مع اقتراب المساء، ظل خالد يتبعه بصبر شديد، غير عابئ بطول الطريق أو إشارات المرور التي كانت تؤخره أحيانًا.فقد كان يشعر أن هذه الساعات قد تكون أهم ساعات حياته.كان يريد شيئًا واحدًا فقط...أن يعرف إلى أين يذهب جاسر بعد انتهاء عمله.في البداية ظن أنه سيتجه إلى أحد المقرات السرية، أو إلى منزل عائلته، أو ربما إلى مكان يلتقي فيه بمصدر معلومات.ل
منذ اللحظة التي انتهى فيها الاجتماع، لم تغب صورة جاسر عن ذهن خالد، ولم يكن السبب إعجابه بقدراته كما كان يظن الجميع.بل على العكس تمامًا، فقد كان ذلك الرجل يمثل بالنسبة إليه عقدةً قديمة تراكمت خيوطها عامًا بعد عام، حتى تحولت إلى حقدٍ دفين لم يعد قادرًا على إخفائه.إذ لم يكن يتذكر مهمةً واحدة خاضها الفريق إلا وكان اسم جاسر هو الذي يتصدر التقارير، وهو الذي يحصد كلمات الإشادة من القيادات.بينما كان هو يقف دائمًا في الخلف، يؤدي واجبه كما يؤديه الآخرون، ثم يختفي اسمه كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.كم مرة عاد إلى منزله وهو يستعيد كلمات الثناء التي كان العقيد شوقي يوجهها إلى جاسر؟وكم مرة أقنع نفسه أن الأمر مجرد صدفة، وأن الفرصة القادمة ستكون من نصيبه؟لكن السنوات مضت، ولم يتغير شيء، بل ازداد الأمر سوءًا، حتى أصبح يشعر أن وجود جاسر وحده يحجب عنه الضوء.وأنه مهما بذل من جهد فلن يراه أحد ما دام ذلك الرجل يقف في المقدمة.ولم يتوقف الأمر عند حدود العمل.بل لاحظ في الأشهر الأخيرة أن العقيد شوقي أصبح يعتمد على رأي جاسر في أكثر القرارات حساسية، وأن بقية أفراد الفريق باتوا ينظرون إليه باعتباره القائد غير
وما إن أنهى خالد جملته الأخيرة، حتى خيم صمت ثقيل فوق قاعة الاجتماعات. ولم يكن ذلك الصمت نابعًا من اقتناع أحد بما قاله، بل من المفاجأة التي أحدثها اقتراحه. فقد كان الجميع يدرك أن الحديث عن استخدام رهف في العملية ليس أمرًا عابرًا، خاصة أنها لم تعد مجرد شاهدة محتملة، بل أصبحت هدفًا مباشرًا لمدحت منذ أن اختفت عن أنظاره. لكن خالد، وعلى الرغم من إدراكه لكل ذلك، ظل جالسًا في مكانه بكل هدوء، وقد عقد ذراعيه أمام صدره. بينما ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة بالكاد تُرى، وهو يراقب وجوه الحاضرين واحدًا تلو الآخر، حتى استقرت عيناه على جاسر، وكأنه كان ينتظر منه تحديدًا رد الفعل الذي يعرف أنه سيأتي. ولم يخب ظنه. ففي اللحظة التي سمع فيها جاسر اسم رهف مقترنًا بكلمة "طُعم"، شعر وكأن شيئًا اشتعل داخل صدره دفعة واحدة. حتى إنه لم يمنح نفسه فرصة للتفكير أو لضبط انفعاله، فاندفع يقول بنبرة حادة قطعت الصمت: "رهف لن تتدخل في هذا الأمر." خرجت الجملة أسرع مما ينبغي، وأعلى مما اعتاد الجميع سماعه منه. فاتجهت إليه الأنظار في اللحظة نفسها. نظر العقيد شوقي إليه باستغراب، بينما عقد أحد الضباط حاجبيه، أما بسام فقد أد
دخل جاسر مبنى المخابرات بخطوات سريعة، وما تزال آثار ابتسامته الصباحية عالقة على وجهه رغم محاولته إخفاءها. فقد غادر المنزل قبل أقل من ساعة بعدما تناول الفطور مع رهف في أجواء مختلفة تمامًا عن كل ما عاشاه خلال الأيام الماضية. أجواء هادئة امتلأت بالأحاديث البسيطة والابتسامات الخجولة والنظرات التي كانت تقول أكثر مما تستطيع الكلمات التعبير عنه، حتى إنه شعر وهو يغادر الشقة بأن حملًا ثقيلًا كان يجثم فوق صدره قد بدأ يخف أخيرًا. إلا أن ذلك الشعور لم ينسه الهدف الذي يسعى إليه منذ أشهر، بل زاده إصرارًا. عليه أن يقبض على مدحت بأسرع وقت ممكن. فبمجرد أن يسقط ذلك الرجل في أيديهم، لن يبقى هناك سبب واحد يجبره على إخفاء هويته عن رهف، وسيستطيع أن يروي لها الحقيقة كاملة، دون خوف من أن يعرضها للخطر أو أن يمنح مدحت فرصة لاستغلالها. ولهذا، دخل المبنى اليوم بعزيمة لم يشعر بها منذ فترة طويلة. وما إن وصل إلى الطابق المخصص لفريق العمليات، حتى لمح بسام يقف عند باب قاعة الاجتماعات. ابتسم بسام ابتسامة خفيفة وهو يقول: "أخيرًا وصلت." نظر إليه جاسر باستغراب. "هل بدأ الاجتماع؟" هز بسام رأسه. "ال
استيقظت حور في ذلك الصباح وكأنها لم تنم أصلًا. لم يكن هناك كابوس محدد أيقظها… بل كان شعور ثقيل، مستمر، يضغط على صدرها منذ أن فتحت عينيها. ظلت مستلقية لعدة دقائق، تحدّق في السقف الأبيض، وكأنها تنتظر أن يتغير شيء… أن تختفي فكرة واحدة فقط من رأسها. لكنها لم تختفِ. الحفل. تنهدت ببطء وأغمضت عينيه
انتهت المحاضرة الأخيرة، وخرجت حور من القاعة وهي تشعر بإرهاقٍ غريب… لم يكن إرهاق الجسد، بل ثقل ذلك الشعور الدائم بأنها مراقبة. فظهور فهد في حياتها يشعرها بأن خطواتها لم تعد طبيعية. كل شيء أصبح محسوبًا، وكل حركة مرصودة. تنهدت وهي تسير نحو بوابة الجامعة، تحاول إقناع نفسها أن تتجاهل وجوده، أن تتصر
استيقظ جاسر الشرقاوي على صوت المنبّه عند تمام السابعة صباحًا، ذلك الصوت الحاد الذي قطع سكون شقته الواسعة. فتح عينيه ببطء، لا لأن النعاس يثقل جفنيه، بل لأن عقله كان قد استيقظ قبله بلحظات، مدركًا أن هذا اليوم لن يكون عاديًا. مدّ يده ليغلق المنبّه، ثم جلس على حافة السرير لثوانٍ، يحدّق في الفراغ أمامه
مرّ باقي الأسبوع هادئًا على غير العادة… هدوءٌ لم يبعث في نفس رهف الطمأنينة، بل جعلها أكثر توترًا، وكأن شيئًا ما يُدبَّر في الخفاء. كانت الأيام تتشابه؛ جامعة، صمت، وتجنّب دائم لأي احتكاك غير ضروري مع والدها. وفي صباح يوم الأحد، استيقظت رهف على شعورٍ غريب، كأن قلبها ينبّهها إلى أن هذا اليوم لن يمر






Ratings
reviewsMore