เข้าสู่ระบบفي صباح اليوم التالي، كان جحيمي لا يزال مستمراً، بل وتطور ليتخذ شكلاً جديداً من العذاب المنظم الذي لا مفر منه. كنا نجلس ثلاثتنا حول مائدة الإفطار؛ أحمد يرتشف قهوته وعيناه مسمرتان على شاشة جهازه اللوحي يتابع مؤشرات الأسهم ببرود، وراما تجلس قبالتي، تقضم قطعة من الخبز المحمص وتدندن مع الموسيقى الهادئة المنبعثة من المذياع. أما أنا، فكنت أراقب طبقي بصمت، أعدّ حبات الزيتون وأتضرع إلى الله أن يمر هذا اليوم بسلام، دون أن تتقاطع نظراتي مع عينيها العسليتين اللتين أحرقتا ثباتي ليلة أمس.
فجأة، مسح أحمد فمه بمنديل ورقي، ونهض بحدة ليرتدي سترته الأنيقة التي تفوح برائحة السلطة والمال. "لدي اجتماعات متتالية اليوم حتى المساء. راما، حبيبتي، خذي بطاقتي الائتمانية واصطحبي كريم في جولة. العاصمة ستخنقه إذا بقي محبوساً في الشقة. أريه الأسواق، واشتري له بعض الملابس التي تناسب شباب الجامعة هنا؛ ملابسه الريفية هذه لن تنفعه." قالها ببساطة، وكأنه يطلب منها ترتيب المكتبة، دون أن ينتبه للبريق الذي التمع في عيني راما حماساً، ولم يلاحظ قطرات العرق الباردة التي نبتت فجأة على جبهتي. "لا داعي يا أحمد،" قاطعته بسرعة وبصوت أجش، محاولاً التملص من هذا الفخ. "أنا لست بحاجة لملابس، وأفضل البقاء لترتيب أوراقي الجامعية." "هراء!" قاطعتني راما بحماس، وهي تنهض لتأخذ البطاقة من يد زوجها وتطبع قبلة سريعة على خده.. قبلة جعلت قبضة يدي تتشنج تحت الطاولة. "ستخرج معي يا كريم. أنا أيضاً أشعر بالملل، وسيكون من الممتع أن ألعب دور المرشدة السياحية لأخي الصغير." أخي الصغير. الكلمة التي تستخدمها دائماً كدرع براءة لتبرير كل اقتراب يمزقني. غادر أحمد الشقة تاركاً إياي فريسة محاصرة في قفص مع أكثر الكائنات إثارة وعفوية على وجه الأرض. ذهبت إلى غرفتي، وارتديت بنطالاً من الجينز الأزرق الداكن، حرصت على أن يكون سميكاً بما يكفي ليقمع أي تمرد جسدي مفاجئ قد يفضحني في الزحام. نظرت إلى وجهي المنهك في المرآة؛ عيناي تحملان ظلالاً داكنة، وملامحي تبدو كملامح رجل يسير طوعاً نحو حبل المشنقة. عندما خرجت، كانت راما بانتظاري بفستان صيفي أصفر فاتح، مطبوعاً بزهور بيضاء صغيرة. كان الفستان بريئاً في تصميمه، لكنه على جسدها كان يبدو كخطيئة مجسدة. كان ضيقاً عند الخصر ليبرز امتلاءها، ويتسع عند الفخذين ليسمح للنسيم باللعب بحوافه مع كل خطوة. "هيا بنا!" قالتها بابتسامة مشرقة، وسحبتني من ذراعي دافعة إياي نحو الباب. في سيارة الأجرة، كانت المسافة بيننا معدومة. مع كل منعطف، كان جسدها يميل ليصطدم بكتفي، وفخذها العاري تحت حافة الفستان يحتك بجينزي الخشن. كنت أجلس متصلباً كتمثال حجري، ألصق نفسي بباب السيارة البارد، بينما رائحة الفانيليا والأوركيد تملأ المقصورة الخانقة وتلغي عمل عقلي المنطقي. وصلنا إلى السوق المفتوح، متاهة من البشر والضجيج. "تمسك بي جيداً، لا أريد أن أضيع أمانة أحمد!" ضحكت راما وهي تشق طريقها بين المارة، بينما كنت أسير خلفها، أراقب تمايل خصرها وأصارع رغبة شيطانية في إخفائها عن عيون الرجال الذين كانت نظراتهم تلتهمها بنهم. كل نظرة وقحة موجهة إليها كانت تستفز غريزة حمائية ذكورية عمياء بداخلي، تجعلني أقبض يدي حتى تبرز عروقي، متناسياً أنني لا أملك أي حق في الغيرة عليها. ومع ازدياد الزحام، وبحركة عفوية تماماً، شعرت بيديها الصغيرتين تلتفان حول ذراعي الأيمن. توقفت أنفاسي. لتحتمي من التدافع، طوقت ذراعي بكلتا يديها وتشبثت بي. كان جذعها ملتصقاً بي تماماً، ومع كل خطوة، كان صدرها الناعم يضغط بشكل مباشر وإيقاعي ضد عضلة ذراعي القاسية. "المكان مزدحم جداً!" صاحت وهي ترفع رأسها لتنظر إليّ، وتضغط بجسدها أكثر عليّ لتفسح المجال للمارة. كانت تلك القشة التي قصمت ظهر إرادتي. الحرارة المنبعثة منها، واحتكاك صدرها المتكرر بذراعي، أيقظا الوحش الذي حاولت تخديره. اندفعت الدماء بضراوة، وشعرت بانتصاب قاسٍ ومؤلم يمزقني تحت قماش الجينز الضيق. كان الألم الجسدي حقيقياً؛ فالقماش السميك يضغط بقسوة، وكل خطوة تتطلب جهداً خرافياً لإخفاء "عرجي" الناتج عن محاولتي تفادي الاحتكاك المؤلم. وضعت يدي اليسرى في جيب بنطالي، أضغط على القماش لأسفل لعلي أخفف من بروز هذه الفضيحة. توقفت راما فجأة في زقاق ضيق، وبسبب تدافع رجل يحمل صناديق، تراجعنا معاً نحو واجهة زجاجية لمتجر مغلق. أصبحتُ محاصراً بين الزجاج البارد خلف ظهري، وراما التي وقفت أمامي مباشرة، ملتصقة بي لدرجة أنني شعرت بنبض قلبها يضرب صدري. رفعت رأسها، المسافة بين وجهينا لا تتعدى سنتيمترات. نظرت إلى عيني المحمرتين وإلى العرق الذي يغطي جبهتي بمسحة من القلق البريء. "كريم، هل أنت بخير؟" سألت، ورفعت يدها الباردة لتضعها على جبهتي، وهي حركة زادت من اقتراب حوضها من حوضي المحتقن. "وجهك شاحب، وتتصبب عرقاً.. هل تشعر بالدوار؟ قلبك يدق بسرعة جنونية، أستطيع الشعور به!" أغمضت عيني بقوة، أضغط على أسناني حتى كادت تتكسر. كيف أشرح لها أن قلبي لا يدق بسبب الزحام؟ كيف أخبرها أنني أتعرق لأنني أبذل طاقة مدينة كاملة لأمنع نفسي من دفعها نحو هذا الزجاج وتذوق تلك الشفتين اللتين تقتلانني ببراءتهما؟ "أنا... أحتاج إلى الماء." همست بصوت ممزق، وأنا أضم قبضتي بشدة داخل جيبي لأتحمل ألم الانتصاب الذي يكاد يخرق بنطالي، محاولاً دفعها عني ببطء شديد، مرعوباً من أن تشعر بـ "الحقيقة" إذا احتكت بأسفل بطني أكثر. "الجو حار جداً يا راما... حار جداً." ولكن، قبل أن أتمكن من الابتعاد، انزلقت يدها من جبهتي لتستقر على صدري، وشعرت بأصابعها تتحسس نبضي المتسارع من فوق القميص الأبيض الرقيق. "لا، لست بخير.. أنت تحترق يا كريم." قالتها بهمس جعلني أترنح، ولم تكن تدرك أن لمستها تلك كانت الصاعقة التي ستفجر كل حصوني المتبقية.رنّ هاتفي في المساء، واسم سارة على الشاشة فاجأني، لأننا لم نتحدث منذ ذلك اللقاء المتوتر في المقهى، اللقاء الذي شعرتُ بعده بخزي عميق من استخدامي لها كملاذ هاربٍ في لحظة ضعف. أجبتُ بحذر. "سارة؟" "كريم، أحتاج أن أتحدث معك." جاء صوتها مباشراً، يحمل قلقاً واضحاً. "هل لديك دقائق؟" "بالطبع، تكلمي." "أحمد اتصل بي." قالت بسرعة، كأنها تريد أن تخرج الجملة قبل أن تتردد فيها. "مرتين، كريم. مرة بمكالمة، ومرة طلب أن نلتقي في مقهى. قال أنه قلق عليك، يريد أن يفهمك بشكل أفضل." شعرتُ بجسدي يتجمد، وقلق فوري يتسلل إلى صدري. "ماذا سألك؟" "أسئلة غريبة." قالت سارة، وفي صوتها تردد واضح. "عن حالتك النفسية، عن كيف تتصرف تحت الضغط، عمّن تثق به حين تمر بأزمة. في البداية ظننتُ أنه قلق حقيقي، لكن في اللقاء الثاني، بدا الأمر مختلفاً، كأنه يبحث عن شيء محدد، لا قلق عابر." أحسستُ بغضب يتصاعد في داخلي، غضب موجه نحو أخي الذي بدأ، بدقة محسوبة، يستخدم امرأة بريئة كأداة في حربه. "سارة، أنا آسف جداً." قلتُ بصدق. "أحمد ليس قلقاً عليّ. هو يحاول أن يجد طريقة لإيذائي، وللأسف، استخدمك في هذا الطريق دون أن تعرفي." صمتت ل
اتصلتُ بسارة بعد أيام من مكالمتنا الأولى، أحمل في صوتي نبرة محسوبة بعناية أكبر هذه المرة، أكثر حرصاً بعد أن شعرتُ بتردد طفيف في صوتها آخر مرة تحدثنا. "سارة، مرحباً مرة أخرى." بدأتُ، بنبرة هادئة، ودودة. "أعرف أن مكالمتنا السابقة بدت غريبة قليلاً، وأريد أن أوضح لك شيئاً، إن سمحتِ لي بوقت قليل من حياتك." ترددت للحظة قبل أن تجيب. "حسناً، تكلم." "أفكر، بصراحة، أنه من الأفضل أن نتحدث وجهاً لوجه." قلتُ، أحاول أن أجعل الطلب يبدو طبيعياً، بل ضرورياً. "الأمر متعلق بكريم، وأشعر أن الهاتف لا يمنحني المساحة الكافية لأشرح كل قلقي بشكل صحيح. هل يمكننا أن نلتقي في مكان عام، مقهى مثلاً؟ لن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً." صمتت سارة لحظة أطول هذه المرة، وشعرتُ بحذرها يتصاعد عبر الخط، حذر امرأة بدأت تستشعر أن هناك طبقة أعمق من هذه القصة لم تُكشف لها بعد. "أحمد، لماذا تهتم بهذا القدر؟" سألت أخيراً، بصوت يحمل فضولاً حقيقياً مختلطاً بشك متنامٍ. "أنتما، أنت وكريم، لطالما كنتما متباعدين نوعاً ما، حتى قبل كل ما حدث في عائلتكم مؤخراً. لماذا الآن، فجأة، أصبحتَ قلقاً عليه بهذا الشكل؟" شعرتُ بضربة خفيفة من توتر،
ذهبنا إلى السوق معاً في صباح هادئ، كريم يمشي بجانبي، يداه في جيوب سترته، وعيناه تتجولان بين الأكشاك بفضول رجل لم يعتد هذه التفاصيل الصغيرة من الحياة اليومية، أو ربما لم يسمح لنفسه من قبل بالاستمتاع بها بهذا البساطة. "ماذا تريد لنا الليلة؟" سألتُه، وأنا أتفقد صناديق الخضار، أبحث عن طماطم نضرة. "أي شيء تطبخينه أنتِ، سيكون أفضل من أي طعام آخر." قال بابتسامة خفيفة، وأخذ سلة التسوق من يدي، حركة صغيرة، لكنها حملت شيئاً من الحماية البسيطة التي أحببتُها فيه منذ البداية. مشينا بين الأكشاك، نختار الخضار، نتجادل بخفة حول نوع الجبن الأفضل للطبخة التي قررتُ تحضيرها، نضحك على بائع يحاول أن يبيعنا فواكه بسعر مرتفع بحجة أنها "مستوردة خصيصاً". كانت لحظات بسيطة، عادية، من النوع الذي لم أكن أتخيل أنني سأحظى به مجدداً بعد كل ما حدث. "تعرفين،" قال كريم، بينما نقف أمام كشك التوابل، "هذه أول مرة أتسوق فيها مع أحد منذ سنوات. أمي كانت تفعل ذلك، حين كنتُ صغيراً، لكن بعد أن كبرتُ، أصبح كل شيء... منفصلاً، كل واحد يعيش حياته الخاصة." نظرتُ إليه، إلى وجهه الذي بدا، في تلك اللحظة، أصغر سناً، أقل ثقلاً من الرجل
ذهبتُ إلى شقتها مباشرة من بيت أبي، أحمل معي ثقل تلك المواجهة كحجر في صدري، أحتاج مكاناً أتنفس فيه بحرية، بلا أقنعة، حتى لو لساعة واحدة فقط. فتحت الباب، ونظرت إلى وجهي، وعرفت فوراً، بحدس امرأة تعرفني جيداً، أن شيئاً ثقيلاً حدث. "أحمد؟ ما بك؟" دخلتُ، وجلستُ على كنبتها، وشعرتُ، للمرة الأولى منذ أيام، بأنني أستطيع أن أتنفس بعمق دون أن أحسب كل كلمة. "كان عندي أبي اليوم." قلتُ، وصوتي يحمل تعباً صادقاً، تعباً لم أعد أحتاج أن أُصطنعه. "سألني مباشرة إن كنتُ نظيفاً تماماً في هذه القصة." جلست ليلى أمامي، وجهها يحمل قلقاً فورياً. "وماذا قلتَ له؟" "أنكرتُ كل شيء، بالطبع." قلتُ بمرارة. "تماسكتُ، لعبتُ دور الضحية، أكدتُ أنني الزوج المخدوع وحسب، وأنه لا يوجد شيء آخر يحتاج أن يعرفه." نظرت إليّ ليلى طويلاً، وفي عينيها رأيتُ شيئاً جديداً، شيئاً بين القلق والتقييم البارد. "هل صدّقك؟" "لا أعرف بالضبط." اعترفتُ بصدق. "بدا أنه صدّقني، أو على الأقل قرر أن يمنحني فرصة، لكنه قال شيئاً أزعجني، ليلى. قال أنه إن اكتشف يوماً أنني كذبتُ، فهذا سيكون أثقل عليه من كل ما فعله كريم وراما معاً." تنهدت ليلى، وأم
اتصل بي أبي صباحاً، صوته يحمل تلك النبرة الآمرة التي لم تتغير منذ كنتُ طفلاً. "تعال إلى البيت اليوم. أحتاج أن أتحدث معك، وحدنا، بلا أمك هذه المرة." عرفتُ، من نبرته، أن هذا اللقاء لن يكون عابراً. وصلتُ إلى بيت العائلة في المساء، ووجدتُه يجلس في صالته المعتادة، وجهه يحمل ثقلاً تراكم عليه منذ مكالمتنا الأولى، كأنه لم ينم جيداً منذ أيام. "اجلس." قال، بلا تحية، بلا سؤال عن حالي. جلستُ، وشعرتُ بحذر يتسلل إليّ، حذر ابن يعرف أن أباه لا يستدعيه لهذا اللقاء بلا سبب محدد. "أحمد، أريد أن أسألك سؤالاً، وأريد إجابة صادقة كاملة، لا الرواية التي قدمتها لي في تلك المكالمة." قال أبي، ونظر إليّ مباشرة، عيناه تحملان شيئاً بين الشك والأمل في أن يكون مخطئاً. "تكلم، أبي." "هل أنت نظيف تماماً في هذه القصة؟ هل هناك شيء فعلتَه، شيء يجعل ما حدث بين كريم وراما أقل وضوحاً من الصورة التي رسمتَها لي؟" شعرتُ بقلبي يتسارع، وكل خلية في جسدي تستعد لدفاع محسوب، دفاع تدرّبتُ عليه في رأسي طوال الأيام الماضية، منذ أن بدأتُ أخشى أن يصل هذا السؤال إليّ بهذا الوضوح المباشر. "أبي، لماذا تسألني هذا مرة أخرى؟" قلتُ، وحا
وجدتُ رقم سارة في جهات اتصال هاتفي القديمة، من أيام كانت تأتي إلى بيتنا برفقة كريم، تلك الأيام البريئة التي بدت الآن بعيدة كأنها تخص حياة أخرى تماماً. ترددتُ قليلاً قبل أن أتصل، أراجع في ذهني الكلمات التي سأقولها، النبرة التي يجب أن أتبناها: ليس غضباً، ليس حدّة، بل قلقاً أخوياً هادئاً، الصورة التي أحتاج أن أبنيها لكل من حولي الآن. رنّ الهاتف مرتين، ثم سمعتُ صوتها. "أحمد؟" جاء صوتها مفاجئاً، مستغرباً. "مرحباً، كل شيء بخير؟" "سارة، مرحباً." قلتُ بنبرة هادئة، محسوبة بعناية. "أعرف أن هذا غريب، أن أتصل بعد كل هذا الوقت، لكنني... أحتاج أن أتحدث معك عن كريم." صمتت للحظة، وشعرتُ بحذر يتشكل في صمتها، حذر امرأة تستشعر أن شيئاً غير عادي يقف خلف هذه المكالمة. "كريم؟ هل هو بخير؟" "لا أعرف بصراحة." قلتُ، وسمحتُ لصوتي أن يحمل قلقاً مصطنعاً بدقة. "يمر بوقت صعب جداً، سارة. أمور عائلية معقدة، وأنا، كأخيه الأكبر، أشعر بالقلق الشديد عليه. وفكرتُ، بما أنكما كنتما مقربين، أنك قد تعرفين شيئاً يساعدني على فهم ما يدور في رأسه." "تعرف أن علاقتنا انتهت منذ فترة." قالت بحذر متزايد. "لم نتحدث كثيراً مؤخرا
استيقظت على شعور غريب. الدفء اختفى. الرائحة تلاشت. فتحت عينيّ، فلم أجد راما بجانبي. لكن وسادتي كانت لا تزال تحمل أثر رائحة شعرها، وانطباعاً خفيفاً على خدي من شفتيها، ربما وضعته هناك وأنا نائم في اللحظات التي سبقت الفجر. نهضت ببطء. كان جسدي متعباً، لكن قلبي كان خفيفاً بطريقة لم أفهمها. نظرت إلى الس
رنّ الهاتف، وعلى الشاشة اسم واحد جعل معدتي تنقبض قبل أن ألمسها: "أبي." لم أرد فوراً. تركتُه يرنّ مرتين، ثلاثاً، أحاول أن أجمع نفسي من شتات لم أتوقع أن يأتي بهذه السرعة. عرفتُ، في اللحظة التي رأيتُ فيها الاسم، أن أحمد قد تكلّم. لم يكن هناك طريق آخر ليصل الخبر بهذه السرعة. أجبتُ أخيراً. "أبي." "ك
كان واقفاً عند النافذة حين فتحتُ محادثة أحمد. لم ألتفت إليه، لكنني شعرتُ بثقل عينيه ينتقل من الزجاج إلى الهاتف في يدي، كأن جسده يقرأ نياتي قبل أن تصل أصابعي إلى الصورة الأولى. "ما هذا؟" صوته جاء حاداً، يقطع الصمت الذي بنيناه طوال الساعة الماضية. لم أرفع عيني عن الشاشة. "شيء يخصني." اقترب. سمعتُ
استيقظتُ على صوت مطر خفيف يضرب زجاج النافذة. كان الصباح رمادياً، باهتاً، كأن السماء نفسها تشعر بثقل هذا اليوم. اليوم الأخير قبل أن يسافر أحمد. غداً سنبقى وحدنا. خرجتُ من غرفتي فوجدت أحمد جالساً على الكنبة، يرتدي بنطالاً رياضياً رمادياً وقميصاً أبيض. كان يقلب هاتفه بعصبية. راما في المطبخ تعد القهو







