Share

صدى الإسم الغريب

Author: Oum saif
last update publish date: 2026-06-02 06:50:29

​📖 الجزء الثاني: صدى الاسم الغريب

​سقطت كلماته الأخيرة كصاعقة مدوية مزقت سكون الغرفة، وتركت في نفس "ليا" صدى مرعباً تداخل مع أصوات الرعد التي كانت تقصف في الخارج. "عُدتِ إليّ أخيراً... يا ميرا." كانت النبرة التي نطق بها هذا الرجل الغريب تحمل وزناً هائلاً من الشجن، وعاطفة مظلمة، جارفة، كأنها نتاج قرون من الانتظار الشديد والندم الحارق. لكن بالنسبة لـ "ليا"، لم تكن تلك الكلمات سوى تأكيد صارخ على أن هذا الكائن الماثل أمامها، بكل هيبته المرعبة، يراها شخصاً آخر؛ امرأة مجهولة لا تعرف عنها شيئاً سوى أنها بطلة كوابيسها الليلية.

​كانت أنامله ما تزال تلامس وجنتها برقة غريبة، حرارة خفيفة انبعثت من كفه لتخترق برودة جلدها الشاحب، ممزوجةً بتلك الرائحة الغامضة التي تجمع بين طهر المطر وغموض الرماد الأثري. ورغم الرعب الذي كان يشل أطرافها، إلا أن كبرياءها البشري وعنادها الفطري تحركا في أعماقها كجمر خامد نفخت فيه الريح.

​جمعت "ليا" كل ما تبقى لها من شجاعة، ورفعت يدها المرتجفة لتزيح يده القوية عن وجهها بحركة سريعة، متراجعةً خطوة أخرى إلى الجانب حتى كادت تتعثر بأطراف الغطاء الساقط على الأرض. تلاقت عيناها العسليتان اللامعتان ببريق الذهب مع عينيه السوداوين الكليتين، ونطقت بصوت حاولَتْ جاهدةً أن تجعله ثابتاً، رغم الارتجاف الواضح في حبالها الصوتية:

"ابتعد عني! من أنت؟ وكيف دخلت إلى هنا؟ أنا لستُ ميرا... أنا أدعى ليا! لقد أخطأت الشخص بالتأكيد!"

​توقفت يده في الهواء للحظة، وبدت على ملامحه الصارمة مسحة خفيفة من المفاجأة، سرعان ما تلاشت ليحل محلها ذلك البرود المهيب مجدداً. لم يبدُ عليه الغضب من رفضها، بل على العكس؛ تفرس في تفاصيل وجهها بنظرات فاحصة، مستمتعاً بهذا التمرد الذي يرى فيه روحاً مألوفة طال غيابها. أرجع يده إلى جانبه ببطء، وبقيت عيناه تحاصرانها كصياد يراقب طريدته الثمينة التي لا تملك أي فرصة للهروب.

​"ليا..." نطق اسمها بنبرة منخفضة، رخيمة، كأنه يتذوق الحروف على لسانه لأول مرة، ثم تابع وعيناه تزدادان عمقاً وظلمة: "الأسماء قد تتغير بتغير العوالم والأزمان يا صغيرتي، لكن الروح لا تخطئ مستقرها. هذه العينان اللتان تحملان بريق شمس الرماد، هذا العناد الذي يتحدى الموت، وتلك الدماء التي تجري في عروقكِ... كلها تخبرني أنكِ أنتِ. لقد بحثتُ عنكِ في غياهب النسيان لقرون، ولن أسمح لإنكارِكِ أو للزمن بأن يحجبكِ عني مجدداً."

​سخرية مريرة امتزجت بالخوف في صدر "ليا". كيف يمكن لشخص، أو بالأحرى لكائن لا ينتمي للبشر، أن يتحدث عن الأرواح والقرون بهذه السهولة؟ التفتت حولها بذعر، تنظر إلى الباب المحطم، وإلى الغبار الأسود المتناثر على الأرض والذي كان قبل دقائق كائنات حية تريد تمزيقها. كل شيء هنا كان يصرخ بأنها لم تعد في مأمن، وأن عالمها البسيط الهادئ قد انهار تماماً.

​"أنت مجنون!" هتفت ليا وهي تشير بسبابتها نحو الباب، والدموع بدأت تترقرق في عينيها رغماً عنها: "لا يهمني ما تقوله عن القرون والأرواح! لقد رأيتك للتو تبيد تلك المخلوقات وكأنها لا شيء... إنك مرعب، ولا أعرف ما الذي تريده مني. أرجوك، اخرج من شقتي ودعني وشأني!"

​خطى "سعد" خطوة واحدة إلى الأمام، خطوة كانت كافية لتقليص المسافة بينهما، لتعود هيبته الطاغية وتهيمن على المساحة الضيقة للغرفة. انخفضت درجة حرارة المكان بشكل ملحوظ، وبدا أن الظلال المحيطة به تتحرك وتتمدد طوع إرادته، كأنها جنود مخلصون ينتظرون إشارة من سيدهم.

​"أدعكِ وشأنكِ؟" سأل بنبرة حملت هدوءاً مخيفاً، ثم تابع وهو ينظر إلى الخنجر الأثري الساقط على الأرض: "لو تركتكِ وشأنكِ الليلة، لكنتِ الآن مجرد جثة هامدة تتغذى على روحها مخلوقات الظل. تلك الكائنات التي أبدتُها لم تكن سوى الطليعة، الأعداء في عالمي قد علموا بوجودكِ، وهم لن يتوقفوا حتى يريقوا دماءكِ لكسر عرشي. العالم الذي تظنينه آمناً، يا ليا، أصبح مسرحاً لمطاردتكِ."

​شعرت "ليا" ببرودة تسري في عمودها الفقري. الكوابيس التي كانت تظنها مجرد أوهام نفسية ناتجة عن وحدتها، أصبحت الآن تهديداً حقيقياً بالموت. تذكرت فحيح تلك الكائنات، ومخالبها التي كانت على بعد سنتيمترات من عنقها، وأدركت أن هذا الرجل الغامض، رغم غرابة أطواره وهوسه المخيف بها، هو الشيء الوحيد الذي يقف بينها وبين فناء محتم.

​"الأعداء؟ عالمك؟" تمتمت ليا وهي تضع يدها على رأسها الذي بدأ يؤلمها من كثرة الصدمات المتتالية: "أنا مجرد فتاة يتيمة، أعيش حياة بسيطة وأعمل في مكتبة قديمة... لِمَ قد يرغب أي كائن في قتلي؟ ما الذنب الذي اقترفته؟"

​لمعت عينا "سعد" بوميض مظلم، واقترب منها أكثر حتى أصبحت أنفاسه الدافئة تلامس جبينها. انحنى قليلاً ليصل لمستوى عينيها، ونطق بنبرة تقطر حزناً دفيناً وهوساً مستبداً: "ذنبكِ الوحيد هو أنكِ تملكين الروح التي تخصني. في الماضي، ارتكبتُ خطأً فادحاً... سمحتُ للقوانين والحروب بأن تأخذكِ مني، وتركتكِ تموتين بين يدي والرماد يغطي وجهكِ الجميل. عاهدتُ نفسي حينها، وأنا أعتلي عرش الليل بقلب من حديد، أنني إذا وجدتكِ مجدداً، فسأحرق العالمين، عالمي وعالمكِ، لحمايتكِ. لن تخرجي من تحت ظلي بعد الآن."

​كلمات العشق المظلم هذه لم تزد "ليا" إلا رعباً وتمهيداً للمواجهة. لم تكن تريد أن تكون ملكاً لأحد، ولم تكن تريد أن تدفع ثمن أخطاء ماضٍ لا تتذكره. كبرياؤها البشري جعلها تشعر بالاختناق من هذه الحماية القسرية التي يحاول فرضها عليها.

​"أنا لست ملكاً لك!" صرخت ليا، وعيناها الذهبيتان تتحديان ظلمات عينيه: "ولست نسخة من حبيبتك الراحلة! إذا كنت تريد حمايتي كما تزعم، فأخبرني كيف أدافع عن نفسي، ودعني أواجه مصيري بحريتي. لا تفرض عليّ وجودك!"

​ابتسم "سعد" ابتسامة خفيفة، باردة، لم تصل إلى عينيه. كانت ابتسامة تحمل مزيجاً من الإعجاب بعنادها، والمعرفة المسبقة بأنها لا تملك خياراً آخر. "الحرية رفاهية لا تملكينها الآن يا صغيرة الذهب،" قال بصوت حاسم ينهي أي نقاش: "وقوانين عالمي لا تعترف بالحرية عندما يتعلق الأمر بسلامة ملكة المستقبل. الأعداء يقتربون، وهياكل الظلام بدأت تتشكل في أطراف هذه المدينة. بقاؤكِ هنا يعني موتكِ قبل شروق الشمس."

​وقبل أن تتمكن "ليا" من الرد أو الاعتراض، رفع "سعد" يده اليمنى وحرك أصابعه في الهواء بحركة دائرية سحرية. انبعثت من كفه خيوط فضية مضيئة، تداخلت مع الظلال المحيطة بهما، لتبدأ الغرفة في الاهتزاز والاضطراب. شعرت "ليا" بالدوار، والأرض الخشبية تحت قدميها بدأت تتلاشى كأنها تتحول إلى سائل من العتمة.

​"ماذا تفعل؟ توقف!" صرخت وهي تحاول التمسك بأي شيء، لكن جسدها بدأ يفقد توازنه.

​امتدت ذراعا "سعد" القويتان لتلتقطا جسدها النحيل بحزم وقوة لا تترك مجالاً للإفلات. أحاطها برداءه الأسود المخملي، ليحجب عنها رؤية الغرفة الآخذة في التلاشي، وهمس قرب أذنها بنبرة تفيض بالسلطة المطلقة والعشق الخانق: "سآخذكِ إلى حيث لا يجرؤ الموت على لمسكِ... إلى قصري. وهناك، ستتعلمين كيف تخضعين لحمايتي، وكيف تعيدين ترانيم العشق التي نسيها قلبكِ."

​أغلقت "ليا" عينيها وهي تشعر بجسدها يرتفع في الهواء، والجاذبية تنعدم من حولها، بينما كان صوت نبضات قلب "سعد" القوية والمنتظمة هو الشيء الوحيد الذي تسمعه وسط عاصفة السحر والظلام التي نقلتهما إلى عالم آخر تماماً.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملك الليل و تمرد الطين   محاكم الرماد و انكسار التاج الجليدي

    ​📖 الجزء الرابع والعشرين: مَحَاكِمُ الرَّمَادِ وَانْكِسَارُ التَّاجِ الجَلِيْدِيّ​توقفت حركة الكون لثوانٍ معدودة فوق أسوار المقاطعة الصخرية، كأن الطبيعة الفانتازية نفسها انحنت طوعاً أمام الإعصار الذهبي الذي أطلقته "ليا" من معصمها المقيد. كان الرماد الحيّ يتطاير في الهواء كأنه شرارات بليغة تحرق بقايا الضباب الرمادي وصقيع الشمال المسموم. ساد صمت مقدّس ومرعب في ساحة المعركة؛ فجيوش الممالك السبع، الذين جاؤوا يحملون رايات الإبادة، تراجعوا خطوات إلى الوراء، ودروعهم الجليدية تصطك ببعضها البعض رعباً وذهولاً من مشهد الملكة البشرية التي تقف عند حافة الشرفة الملكية كراية نصر لا تنكسر.​في أسفل السور، وسط برك الدماء الزرقاء والميض الفضي المتناثر، كان "سعد" واقفاً كأنه إله الموت الخالد الذي رُوي بنار الشغف والافتخار الطاغي. كان سيفه الأسود العريض منغرساً في الأرض، وعروقه الفضية تنبض بضياء مستعر تحت جلده الشاحب البالغ الوسامة. التفت ببطء برأسه الشامخ نحو الأعلى، وثبّت عينيه السوداوين الكليتين فوق قامتها الشامخة بنظرات تفيض بهوس جنوني وعشق مستميت؛ لقد رأى في عناد طينها البشري وجبروتها الساحر الليل

  • ملك الليل و تمرد الطين   صقيع المكائد و تورة الظلال الحارقة

    ​📖 الجزء الثالث والعشرين: صَقِيْعُ المَكَائِدِ وَثَوْرَةُ الظِّلَالِ الحَارِقَة​دوت أبواق الحرب في أرجاء المقاطعة كصرخات تنانين جريحة تنبش في جوف الصخر العتيق. كان الصوت يهتز داخل الجدران الصقيلة للحصن الملكي، محملاً برعب لم تشهده عوالم الليل منذ قرون. تحول الأثير البنفسجي المألوف خارج النوافذ الشاهقة إلى ضباب رمادي كثيف، يزحف ببطء ليلتهم النجوم الفضية، معلناً عن وصول جيوش مقاطعة الشمال الجليدية، التي تقود حلف الممالك السبع في زحفها المقدس لإبادة "عرش الطين والظلال".​عند البوابة الكبرى للجناح الملكي، كان المشهد ينبض برومانسية مظلمة بالغة الفخامة والخطورة. لم يكن الخوف يجد طريقاً إلى عيني "ليا" الذهبيتين؛ بل كان كبرياء الطين البشري يشتعل في صدرها كثورة بركان هامد. ثبتت خيوط رداء الزمرد الداكن حول جسدها النحيل، وأعادت وضع تاج الرماد فوق رأسها الفاحم المسترسل بكبرياء شامخ، وبدت في تلك اللحظة كآلهة إغريقية صِيغت من نار وعناد لا يعرف اللين.​أما "سعد"، فقد كان يقف أمامها كأنه تجسيد للموت الخالد. نزع كل ملامح الهدوء التي زينت فراشهما قبل قليل، وحلت مكانه هيبته الطاغية والوحشية. عروقه الف

  • ملك الليل و تمرد الطين   لهيب الأنفاس و مكائد الأسوار العتيقة

    ​📖 الجزء الثاني والعشرين: لَهِيْبُ الأَنْفَاسِ وَمَكَائِدُ الأَسْوَارِ العَتِيْقَة​عاد الملكان إلى الحصن الصخري الشامخ، لكن العودة لم تكن تهدئة للنفوس، بل كانت إيذاناً ببدء عصرٍ جديد تتماوج فيه الخطوب. كان الهواء داخل القصر الملكي يحمل هدوءاً مسموماً؛ فالقادة في الممالك السبع علموا بأن البوابة الأولى للأفق المنسي قد فُتحت وأُغلقت في ليلة واحدة، وأن الملكة البشرية لم تعد مجرد جارية في قفص مذهب، بل أصبحت الكيان الذي يتحكم بـ "مفتاح الرماد الحيّ".​في الجناح الملكي الفسيح، ساد ظلام ناعم تكسره إضاءة المشاعل الزرقاء الدافئة التي تنعكس على الجدران الصخرية الصقيلة. كانت الأجواء مشحونة بطاقة الرومانسية المظلمة التي تعقب المعارك الكبرى، حيث تلتقي الرغبة الجارفة بكبرياء النفوس التي ترفض الانحناء.​كان "سعد" واقفاً بجانب النافذة الشاهقة المطلة على المقاطعات الغربية، وقد نزع رداءه العسكري الثقيل، ليبقى بقميصه الحريري الأسود المفتوح الصدر. كانت عروقه الفضية تلمع من تحت جلده الشاحب البالغ الوسامة كأنهار من الضياء المنبعث من أعماق الأرض، بينما كان جرحه في كتفه الأيسر ينزف خيوطاً فضية خفيفة، أثراً

  • ملك الليل و تمرد الطين   سحق الطيف و ميثاق الذات الجديد

    ​📖 الجزء الحادي والعشرين: سَحْقُ الطَّيْفِ وَمِيثَاقُ الذَّاتِ الجَدِيد​التحمت عاصفة الرماد الحيّ المنبعثة من سوار "ليا" بطاقة القهر الزرقاء المستعرة لطيف "ليلى" في منتصف قاعة العرش المقبورة، لتحدث فرقعة سحرية مدوية مزقت بقايا جدران المرايا الكريستالية. تداخلت الألوان في الفضاء؛ ذهب الطين البشري النقي يحارب زرقة الندم القديم، بينما كانت شظايا الأوبسيديان الأسود تتطاير كسكاكين حارقة في الأثير، تجرح صمت المكان وتعلن أن هذه المعركة ليست مجرد قتال بالسيوف، بل هي تصفية حسابات بين عصرين: عصر القرابين المستضعفة، وعصر السيادة الطينية المتمردة.​كان "سعد" واقفاً كالسد المنيع أمام "ليا"، رغماً عن الوميض الفضي الغزير الذي كان ينزف من عروق كتفه الشاحب البالغ الوسامة؛ فالضربة الأثيرية التي تلقاها نيابة عنها كانت تنهش نسيج خلوده مباشرة. انقبض فكه الصارم بقوة، وعيناه السوداوان الكليتان تلاحقان طيف "ليلى" بوحشية مطلقة وإصرار جنوني على إبادتها، ليس خوفاً على عرشه، بل رعباً من أن تسلب منه النسمة الدافئة التي أعادت النبض لصدره الميت.​"تراجعي إلى الخلف يا ليلى...!" زأر سعد بصوته العميق الرخيم الذي ترد

  • ملك الليل و تمرد الطين   معبد العهد و مرايا الخديعة الأزلية

    ​📖 الجزء العشرون: مَعْبَدُ العَهْدِ وَمَرَايَا الخَدِيعَةِ الأَزَلِيَّة​على أعتاب "معبد العهد المقبور"، تلاشت الأصوات تماماً، وساد صمت مهيب يشبه صمت المقابر قبل قيام الساعة. كانت البوابة الكريستالية السوداء ترتفع لعشرات الأمتار، ينساب على سطحها المصقول سائل أثيري بنفسجي يشع ببريق خافت، كأنه دموع الآلهة القديمة التي جُمدت في لحظة قهر. لم يكن هناك مقبض أو قفل؛ فالقوانين التي شيدت هذا المكان لم تكن تعترف بالحديد أو الصخر، بل كانت ترتكز على ذبذبات الأرواح وعقود الدم.​وقفت "ليا" بثبات، وتاجها الأسود يمنح ملامحها البشرية رفعة ملكية لا تُقهر. نظرت إلى البوابة الكريستالية، ثم التفتت إلى "سعد" الذي كان يقف كالجبل الأشم وراءها، وعيناه السوداوان ترقبان حركاتها بامتزاج حارق بين الهوس المطلق والوجل الخفي. كان يعلم أن دلف هذا المكان يعني تعرية الماضي بالكامل، وتعرية الماضي قد تسلب منه النظرة العاشقة التي تلمع في عيني بشرية روّضت ظلامه.​"هنا صِيغَ قيدكِ يا ليا، وهنا دُفنت الحقيقة التي حجبها الخلود عن طين البشرية،" نطق سعد بصوته العميق الرخيم، ونبرته المستبدة تحمل بحة حزن أثري غامض. "البوابة لا ت

  • ملك الليل و تمرد الطين   غياهب الأفق و ترانيم العهد المقبور

    ​📖 الجزء التاسع عشر: غَيَاهِبُ الأُفُقِ وَتَرَانِيمُ العَهْدِ المَقْبُور​ما إن وطئت قدما "ليا" الحافيتان أرض "الأفق المنسي" حتى تلاشت برودة الحصن الصخري المألوفة، ليحل محلها طقس غريب يمزج بين حرارة الرماد الساخن وبرودة الأثير الأزلي. لم تكن هناك أرض رخامية أو صخور بركانية؛ بل كان السير فوق سجادة ممتدة من الغبار الفضي الناعم الذي يتطاير مع كل خطوة كأنه ذرات من النجوم الميتة. السماء في هذا العالم المحرم لم تكن سوداء، بل كانت عبارة عن لوحة متحركة من التموجات البنفسجية والرمادية الداكنة، تعبرها شهب فضية خافتة لا تضيء المكان بقدر ما تزيد غياهبه عمقاً وغموضاً.​التفتت "ليا" لتنظر خلفها، فوجدت البوابة الهلامية السوداء قد تحولت إلى شق صغير يطفو في الهواء، يشع بنور السوار الفضي المستقر في معصمها الأيمن، كأنه خيط رفيع يربطهما بعالم الممالك السبع. انقبض قلبها البشري قليلاً أمام هذا الفراغ الشاسع، لكنها سرعان ما استعادت كبرياءها الشامخ، وثبتت تاج الرماد فوق رأسها الفاحم، ورفعت عينيها العسليتين اللامعتين بنور الذهب لتتأمل الأفق الممتد أمامها.​كان "سعد" يمشي بجانبها كظلال حية لا تنفصم عن جسدها.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status