بيت / الرومانسية / ملك الليل و تمرد الطين / ندوب الخلود و دم الملك

مشاركة

ندوب الخلود و دم الملك

مؤلف: Oum saif
last update تاريخ النشر: 2026-06-06 04:37:12

​📖 الجزء السابع: نُدُوبُ الخُلُودِ وَدَمُ المَلِك

​انتهت المعركة الطاحنة عند أسوار القصر مع بزوغ خيوط الفجر الأرجواني الباهت، لكن دويّ صرخات الموت ونشيج السحر الأسود ظل يتردد في أعماق وجدان "ليا" كأنه صدى لعالم لا يرحم الضعفاء. كانت تجلس في جناحها الملكي، تحيط بها جدران الصخور البركانية السوداء الملساء التي بدت الآن كأنها تمتص كآبة الليل وثقله. لم تكن خائفة من الهلاك بقدر ما كانت متخبطة في مشاعر متناقضة يعجز لسانها البشري عن صياغتها؛ فمشهد "سعد" وهو يقاتل كإله للموت، يمزق صفوف الأعداء بهوس جنوني مستميت لحمايتها، زلزل كبرياءها الطيني وجعل عنادها يقف على أرض مهتزة.

​كانت "إيلارا" قد عادت إلى الغرفة بعد انسحاب فصائل الظلام، لكن ملامحها البنفسجية كانت مغطاة بغشاء من القلق الصامت وهي ترتب بعض الضمادات القطنية المغموسة في مياه الينابيع السحرية الباردة وبعض الأعشاب الطبية التي تفوح منها رائحة تشبه أوراق الشجر المحروقة.

​"هل انتهى كل شيء؟" سألت ليا بنبرة حاولت أن تبدو هادئة وغير مبالية، لكن عينيها العسليتين اللامعتين ببريق الذهب فضحتا لهفتها الخفية.

​"لقد تراجعت جيوش الأعداء وعادت إلى غياهب الشمال يا سيدة ليا،" أجابت إيلارا بصوت متهدج وهي تضع الوعاء الفضي على الطاولة الخشبية. "لكن الثمن كان غالياً هذه المرة. الأعداء استعملوا سيوفاً ملوثة بـ 'سم الرماد الحارق'، وهو السم الوحيد في العالمين الذي يمكنه أن يخترق دفاعات ملك الليل ويترك ندوباً لا تختفي بسهولة في جسده الخالد."

​قبل أن تتمكن "ليا" من طرح سؤال آخر، تحرك الهواء في الجناح فجأة، وتلاشت أضواء المشاعل الزرقاء لتحل محلها تلك العتمة الكثيفة والمألوفة التي تعلن عن حضور مليكها. انفتح الباب الخشبي العظيم، ودخل "سعد".

​كانت خطراته هذه المرة تحمل ثقلاً غريباً لم تعهده فيه من قبل؛ لم يكن ذلك الطيف الذي يمشي فوق الماء بلا صوت، بل كانت خطواته وئيدة، قاسية، كأن الأرض الصخرية تعاتبه على جراحه. كان قد تخلى عن درعه الفضي الداكن الملوث، ويرتدي قميصاً أسود ممزقاً عند الكتف الأيسر، حيث كان الدم الأسود القاني ينزف ببطء ليلطخ نسيج ثوبه المخملي. ملامحه الصارمة البالغة الوسامة كانت شاحبة لدرجة مرعبة، وعيناه السوداوان الكليتان تشتعلان بنار خافتة، متعطشة، تركزت فوراً على "ليا" بمجرد أن وطئت قدمه الغرفة.

​"اخرجي يا إيلارا،" نطق سعد بصوته العميق الرخيم، لكن نبرته كانت تحمل بحّة ألم مخفية بكبرياء ملكي أزلي. "واتركي وعاء الماء والضمادات هنا."

​انحنت "إيلارا" بسرعة وبدون إبداء أي اعتراض، وغادرت الجناح بخطوات مرتعشة، تاركةً باب الجناح يغلق خلفها تلقائياً، ليعود حصار الهوس والجاذبية المظلمة بين ملك الليل وبشرية الطين في بؤرة الضوء الشحيح للمشاعل.

​تحرك "سعد" نحو مقعد خشبي عريض قريب من الشرفة، وجلس عليه بثقل وهو يرجع رأسه إلى الوراء ومغلقاً عينيه، وفكه الصارم ينقبض بقوة ليقاوم السم الساري في عروقه. كان يتنفس بصعوبة، وصدره العريض المصنوع من فولاذ يرتفع وينخفض بنبضات متسارعة تخبر عن معركة داخلية صامتة لا تقل شراسة عن معركته ضد الجيوش.

​وقفت "ليا" في مكانها لثوانٍ، وعنادها يملي عليها أن تداري وجهها وتتركه يواجه ألمه بمفرده؛ أليس هو السجان الذي كبّلها بسوار "الرماد الحيّ" وفرض عليها وصايته المستبدة؟ لكن، رؤية هذا الجسد الصلب الذي بدا كالحصن المنيع وهو ينزف ويعاني بسبب الدفاع عنها، أيقظت في أعماق روحها الطينية إنسانيتها ورحمتها الفطرية التي لا يمكن لكبريائها أن يطمسها.

​مشت بخطوات وئيدة، حافية القدمين، نحو الطاولة. رفعت الوعاء الفضي والضمادات المغموسة بالماء البارد، وتحركت ببطء نحو المقعد حيث يجلس. عندما شعرت باقترابها، فتح "سعد" عينيه السوداوين ببطء، وثبتهما عليها بنظرة غامضة اختلط فيها الشوق بالذهول، كأنه لم يكن يتوقع أن تقترب منه "صغيرة الذهب" بإرادتها المحضة.

​"ماذا تفعلين يا ليا؟" همس سعد بنبرة منخفضة، تقطر جاذبية مظلمة رغم الألم. "ألم تخبريني في المكتبة أن قلبكِ لا يحمل لي سوى النفور وال كراهية؟ لِمَ لا تتركين ملك الليل ينزف حتى الموت، لعل وعسى ينفتح سواركِ اللعين وتتحررين من ظلي؟"

​لم تجبه "ليا" بكلمة، بل جثت على ركبتيها أمامه على الأرض الرخامية الباردة، ووضعت الوعاء بجانبها. رفعت يدها النحيلة، وأخذت قطعة قطنية مبللة بالمياه الباردة، واقتربت ببطء من كتفه الأيسر المجروح. عندما لامست بشرتها البشرية الدافئة كتفه الصلب النازف، جفل جسد "سعد" قليلاً، ولمعت حروف السوار الفضي حول معصمها بحرارة خفيفة، مؤكدة على ذلك الرابط الغامض والمقدس الذي يجمع بينهما.

​بدأت "ليا" تمسح الدم الأسود القاني برقة متناهية، وعيناها العسليتان تركزان بدقة على الجرح العميق الذي كان ينبعث منه بخار رمادي خفيف بفعل سم الرماد الحارق. كان جلد "سعد" بارداً كالثلج، لكن تحت هذا البرد كان هناك حريق مستعر يكاد يلتهم خلاياه الخالدة.

​"أنا لا أتمنى موتك يا سعد،" نطقت ليا أخيراً بصوت خافت، بليغ وفصيح، يحمل كبرياءها المعتاد ممزوجاً بنبرة حزن دفين. "أنا أمقت قيودك، وأرفض استبدادك وعقودك الملتوية، لكنني بشرية من طين... وطيني لا يعرف الشماتة في رجل يواجه الموت والسم لحماية روحي، حتى وإن كان يفعل ذلك من أجل امرأة أخرى ماتت في ماضيه."

​قبض "سعد" فجأة بيده اليمنى السليمة والقوية على معصمها الأيمن، مانعاً إياها من مواصلة مسح الجرح. لم تكن قبضته مؤلمة، بل كانت حارقة، مليئة بالعاطفة الجياشة والهوس المستبد الذي يكاد يحرق المكان. أجبرها على رفع رأسها لتلتقي عيناها بعينيه اللتين أصبحتا الآن أشبه ببحيرتين من الحبر الأسود المشع بنار الهوس.

​"لقد أخبرتكِ مراراً وتكراراً، وأقسمتُ بدماء الخلود التي تجري في عروقي... أنتِ لستِ امرأة أخرى!" قال سعد بصوت متهدج، ونبرته ترتجف بعشق مظلم خانق زلزل صمت الليل. "هذه الندوب التي ترينها على جسدي الآن، وهذه الدماء التي تسيل، ليست قرباناً لماضٍ مضى... بل هي فداء لنبضات قلبكِ الحالية. أنا مستعد لإبادة عوالم الليل والجن بأكملها، ومستعد لأن أتحول إلى رماد تذروه الرياح، على أن أرى قطرة دم واحدة تسيل من جسدكِ البشري الهش. تمردي عليّ كما تشائين، واكرهيني بكبريائكِ كما يحلو لكِ، لكن إياكِ وأن تشكي في أنكِ مالكة هذا العرش وهذا القلب الميت الذي أحياه وجودكِ."

​توقفت أنفاس "ليا" وهي تستمع إلى كلماته التي كانت تنزل على مسامعها كالحمم البركانية الدافئة. شعرت بصدق عاطفته ورعب هوسه؛ رجل يملك قوة دمار شاملة، ولكنه يصبح هشاً وخائفاً كطفل أمام احتمال فقدانها. تحركت يدها اليسرى تلقائياً، وبدون وعي منها، وضعت كفها الناعم على خده الصارم البارد، ومسحت قطرة دم سوداء كانت عالقة هناك.

​"إنك مجنون يا سعد..." همست ليا والدموع تترقرق في عينيها العسليتين كحبات اللؤلؤ الذهبي. "عشقك هذا مجنون ومستبد، إنه يخنقني... يطالب بروح لا أعلم إن كانت تنتمي إليك أم لا."

​أطلق "سعد" تنهيدة عميقة، وأغمض عينيه مستمتعاً بلمسة كفها الدافئة على خده، كأنها الدواء الوحيد الذي يمكنه إبطال سحر سم الرماد الحارق في جسده. مال برأسه قليلاً ليطبع قبلة رقيقة، حارقة، على باطن كفها النحيل، ثم همس بنبرة تقطر عشقاً واثقاً لا يعرف الانكسار:

"دعي الجنون يخنقنا معاً يا صغيرة الذهب. ما دام طينكِ يلمس ظلالي برقة، وما دام قلبكِ يخفق بالرعب والجاذبية في حضوري، فإن سوار 'الرماد الحيّ' سيبقى معقوداً حول معصمكِ إلى الأبد. لن تتعلمي كراهيتي يا ليا... لأن روحكِ خُلقت من ضلع ليلى الأزلية، وكل ثغرة تبحثين عنها في دستوري ستعيدكِ في النهاية لتكوني ملكة في عريني رغماً عن كبريائكِ المتمرد."

​أرخت "ليا" يدها ببطء، ونظرت إلى السوار الفضي الذي بدا في تلك اللحظة مستقراً وهادئاً، كأنه يبتسم لسخرية القدر. علمت في أعماق نفسها أن المعركة الحقيقية لم تعد مع جيوش الظلام الخارجية التي دحرها "سعد" عند البوابة، بل هي معركة الكبرياء والعاطفة داخل هذا الجناح المغلق؛ حرب شرسة بين عناد طينها البشري الذي يطالب بالحرية والهوية المستقلة، وبين هوس ملك الليل وعشقه المظلم الذي يزحف ببطء وثبات ليمتلك وجدانها بالكامل.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ملك الليل و تمرد الطين   محاكم الرماد و انكسار التاج الجليدي

    ​📖 الجزء الرابع والعشرين: مَحَاكِمُ الرَّمَادِ وَانْكِسَارُ التَّاجِ الجَلِيْدِيّ​توقفت حركة الكون لثوانٍ معدودة فوق أسوار المقاطعة الصخرية، كأن الطبيعة الفانتازية نفسها انحنت طوعاً أمام الإعصار الذهبي الذي أطلقته "ليا" من معصمها المقيد. كان الرماد الحيّ يتطاير في الهواء كأنه شرارات بليغة تحرق بقايا الضباب الرمادي وصقيع الشمال المسموم. ساد صمت مقدّس ومرعب في ساحة المعركة؛ فجيوش الممالك السبع، الذين جاؤوا يحملون رايات الإبادة، تراجعوا خطوات إلى الوراء، ودروعهم الجليدية تصطك ببعضها البعض رعباً وذهولاً من مشهد الملكة البشرية التي تقف عند حافة الشرفة الملكية كراية نصر لا تنكسر.​في أسفل السور، وسط برك الدماء الزرقاء والميض الفضي المتناثر، كان "سعد" واقفاً كأنه إله الموت الخالد الذي رُوي بنار الشغف والافتخار الطاغي. كان سيفه الأسود العريض منغرساً في الأرض، وعروقه الفضية تنبض بضياء مستعر تحت جلده الشاحب البالغ الوسامة. التفت ببطء برأسه الشامخ نحو الأعلى، وثبّت عينيه السوداوين الكليتين فوق قامتها الشامخة بنظرات تفيض بهوس جنوني وعشق مستميت؛ لقد رأى في عناد طينها البشري وجبروتها الساحر الليل

  • ملك الليل و تمرد الطين   صقيع المكائد و تورة الظلال الحارقة

    ​📖 الجزء الثالث والعشرين: صَقِيْعُ المَكَائِدِ وَثَوْرَةُ الظِّلَالِ الحَارِقَة​دوت أبواق الحرب في أرجاء المقاطعة كصرخات تنانين جريحة تنبش في جوف الصخر العتيق. كان الصوت يهتز داخل الجدران الصقيلة للحصن الملكي، محملاً برعب لم تشهده عوالم الليل منذ قرون. تحول الأثير البنفسجي المألوف خارج النوافذ الشاهقة إلى ضباب رمادي كثيف، يزحف ببطء ليلتهم النجوم الفضية، معلناً عن وصول جيوش مقاطعة الشمال الجليدية، التي تقود حلف الممالك السبع في زحفها المقدس لإبادة "عرش الطين والظلال".​عند البوابة الكبرى للجناح الملكي، كان المشهد ينبض برومانسية مظلمة بالغة الفخامة والخطورة. لم يكن الخوف يجد طريقاً إلى عيني "ليا" الذهبيتين؛ بل كان كبرياء الطين البشري يشتعل في صدرها كثورة بركان هامد. ثبتت خيوط رداء الزمرد الداكن حول جسدها النحيل، وأعادت وضع تاج الرماد فوق رأسها الفاحم المسترسل بكبرياء شامخ، وبدت في تلك اللحظة كآلهة إغريقية صِيغت من نار وعناد لا يعرف اللين.​أما "سعد"، فقد كان يقف أمامها كأنه تجسيد للموت الخالد. نزع كل ملامح الهدوء التي زينت فراشهما قبل قليل، وحلت مكانه هيبته الطاغية والوحشية. عروقه الف

  • ملك الليل و تمرد الطين   لهيب الأنفاس و مكائد الأسوار العتيقة

    ​📖 الجزء الثاني والعشرين: لَهِيْبُ الأَنْفَاسِ وَمَكَائِدُ الأَسْوَارِ العَتِيْقَة​عاد الملكان إلى الحصن الصخري الشامخ، لكن العودة لم تكن تهدئة للنفوس، بل كانت إيذاناً ببدء عصرٍ جديد تتماوج فيه الخطوب. كان الهواء داخل القصر الملكي يحمل هدوءاً مسموماً؛ فالقادة في الممالك السبع علموا بأن البوابة الأولى للأفق المنسي قد فُتحت وأُغلقت في ليلة واحدة، وأن الملكة البشرية لم تعد مجرد جارية في قفص مذهب، بل أصبحت الكيان الذي يتحكم بـ "مفتاح الرماد الحيّ".​في الجناح الملكي الفسيح، ساد ظلام ناعم تكسره إضاءة المشاعل الزرقاء الدافئة التي تنعكس على الجدران الصخرية الصقيلة. كانت الأجواء مشحونة بطاقة الرومانسية المظلمة التي تعقب المعارك الكبرى، حيث تلتقي الرغبة الجارفة بكبرياء النفوس التي ترفض الانحناء.​كان "سعد" واقفاً بجانب النافذة الشاهقة المطلة على المقاطعات الغربية، وقد نزع رداءه العسكري الثقيل، ليبقى بقميصه الحريري الأسود المفتوح الصدر. كانت عروقه الفضية تلمع من تحت جلده الشاحب البالغ الوسامة كأنهار من الضياء المنبعث من أعماق الأرض، بينما كان جرحه في كتفه الأيسر ينزف خيوطاً فضية خفيفة، أثراً

  • ملك الليل و تمرد الطين   سحق الطيف و ميثاق الذات الجديد

    ​📖 الجزء الحادي والعشرين: سَحْقُ الطَّيْفِ وَمِيثَاقُ الذَّاتِ الجَدِيد​التحمت عاصفة الرماد الحيّ المنبعثة من سوار "ليا" بطاقة القهر الزرقاء المستعرة لطيف "ليلى" في منتصف قاعة العرش المقبورة، لتحدث فرقعة سحرية مدوية مزقت بقايا جدران المرايا الكريستالية. تداخلت الألوان في الفضاء؛ ذهب الطين البشري النقي يحارب زرقة الندم القديم، بينما كانت شظايا الأوبسيديان الأسود تتطاير كسكاكين حارقة في الأثير، تجرح صمت المكان وتعلن أن هذه المعركة ليست مجرد قتال بالسيوف، بل هي تصفية حسابات بين عصرين: عصر القرابين المستضعفة، وعصر السيادة الطينية المتمردة.​كان "سعد" واقفاً كالسد المنيع أمام "ليا"، رغماً عن الوميض الفضي الغزير الذي كان ينزف من عروق كتفه الشاحب البالغ الوسامة؛ فالضربة الأثيرية التي تلقاها نيابة عنها كانت تنهش نسيج خلوده مباشرة. انقبض فكه الصارم بقوة، وعيناه السوداوان الكليتان تلاحقان طيف "ليلى" بوحشية مطلقة وإصرار جنوني على إبادتها، ليس خوفاً على عرشه، بل رعباً من أن تسلب منه النسمة الدافئة التي أعادت النبض لصدره الميت.​"تراجعي إلى الخلف يا ليلى...!" زأر سعد بصوته العميق الرخيم الذي ترد

  • ملك الليل و تمرد الطين   معبد العهد و مرايا الخديعة الأزلية

    ​📖 الجزء العشرون: مَعْبَدُ العَهْدِ وَمَرَايَا الخَدِيعَةِ الأَزَلِيَّة​على أعتاب "معبد العهد المقبور"، تلاشت الأصوات تماماً، وساد صمت مهيب يشبه صمت المقابر قبل قيام الساعة. كانت البوابة الكريستالية السوداء ترتفع لعشرات الأمتار، ينساب على سطحها المصقول سائل أثيري بنفسجي يشع ببريق خافت، كأنه دموع الآلهة القديمة التي جُمدت في لحظة قهر. لم يكن هناك مقبض أو قفل؛ فالقوانين التي شيدت هذا المكان لم تكن تعترف بالحديد أو الصخر، بل كانت ترتكز على ذبذبات الأرواح وعقود الدم.​وقفت "ليا" بثبات، وتاجها الأسود يمنح ملامحها البشرية رفعة ملكية لا تُقهر. نظرت إلى البوابة الكريستالية، ثم التفتت إلى "سعد" الذي كان يقف كالجبل الأشم وراءها، وعيناه السوداوان ترقبان حركاتها بامتزاج حارق بين الهوس المطلق والوجل الخفي. كان يعلم أن دلف هذا المكان يعني تعرية الماضي بالكامل، وتعرية الماضي قد تسلب منه النظرة العاشقة التي تلمع في عيني بشرية روّضت ظلامه.​"هنا صِيغَ قيدكِ يا ليا، وهنا دُفنت الحقيقة التي حجبها الخلود عن طين البشرية،" نطق سعد بصوته العميق الرخيم، ونبرته المستبدة تحمل بحة حزن أثري غامض. "البوابة لا ت

  • ملك الليل و تمرد الطين   غياهب الأفق و ترانيم العهد المقبور

    ​📖 الجزء التاسع عشر: غَيَاهِبُ الأُفُقِ وَتَرَانِيمُ العَهْدِ المَقْبُور​ما إن وطئت قدما "ليا" الحافيتان أرض "الأفق المنسي" حتى تلاشت برودة الحصن الصخري المألوفة، ليحل محلها طقس غريب يمزج بين حرارة الرماد الساخن وبرودة الأثير الأزلي. لم تكن هناك أرض رخامية أو صخور بركانية؛ بل كان السير فوق سجادة ممتدة من الغبار الفضي الناعم الذي يتطاير مع كل خطوة كأنه ذرات من النجوم الميتة. السماء في هذا العالم المحرم لم تكن سوداء، بل كانت عبارة عن لوحة متحركة من التموجات البنفسجية والرمادية الداكنة، تعبرها شهب فضية خافتة لا تضيء المكان بقدر ما تزيد غياهبه عمقاً وغموضاً.​التفتت "ليا" لتنظر خلفها، فوجدت البوابة الهلامية السوداء قد تحولت إلى شق صغير يطفو في الهواء، يشع بنور السوار الفضي المستقر في معصمها الأيمن، كأنه خيط رفيع يربطهما بعالم الممالك السبع. انقبض قلبها البشري قليلاً أمام هذا الفراغ الشاسع، لكنها سرعان ما استعادت كبرياءها الشامخ، وثبتت تاج الرماد فوق رأسها الفاحم، ورفعت عينيها العسليتين اللامعتين بنور الذهب لتتأمل الأفق الممتد أمامها.​كان "سعد" يمشي بجانبها كظلال حية لا تنفصم عن جسدها.

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status