Home / الرومانسية / نور الآدم / البارت الثالث

Share

البارت الثالث

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-24 02:40:01

الفّتت نور حولها بقلبٍ واجف، تفتش بنظراتها في زوايا الصالون؛ أين هو ذلك العريس الأربعيني الذي تحدث عنه والدها؟ لم تجد أمامها سوى كائنٍ بدين، أصلع الرأس، برزت من فمه أسنان سوداء متهالكة تآكلت بفعل التسوس، بينما خطّت التجاعيد الغائرة مساراتٍ مشوهة على وجهه، واختلط ما تبقى من شعره بشعيرات بيضاء كثيفة. في بادئ الأمر، ظنت أنه والد العريس، لكن الكلمة هبطت عليها كالصاعقة.

انقبضت روحها برعب، ونظرت بعينين متسعتين من الهلع إلى ذلك الكائن الذي التفت نحوها، ووزع عليها ابتسامات سماجته المقززة. دارت الأرض بها، وتاهت في ملكوت أفكارها تبحث عن مخرج ما بك يا أبي؟ أترميني هكذا في بئر المجهول لمجرد إرضاء زوجتك؟ كيف لي أن أرتبط بإنسان كهذا؟ أين أنت يا سامح.. أين أنت يا حبيبي لأرتمي في أحضانك وأشكو إليك ما يريدون فعله بي؟

فجأة، انقطع حبل خيالاتها على صوت اتفاق عقيم يبرمه والدها مع الأستاذ توفيق؛ عقد القران غداً في حفلة عائلية ضيقة، تليها مباشرة إجراءات تخليص الأوراق الرسمية استعداداً للسفر إلى السعودية بعد أسبوعين.

شعرت نور في تلك اللحظة وكأنها هواء، كائن بلا وجود، يقررون مصيرها ويشكلون مستقبها دون أن يرف لهم جفن أو يأخذوا رأيها. تملكها دافع قوي للاستسلام التام، أن تنهي حياتها وتتخلص من هذا العذاب، ولكن، ما إن عادت ونظرت إلى ذلك الرجل الذي يبدو أكبر سناً من والدها، حتى انتفضت بداخلها غريزة البقاء والصمود. لا، لن تكون ضحية. لم تجد أمامها حلاً سوى الهروب؛ الهروب إلى حبيبها لتنعم معه بالحياة الهادئة التي طالما حلمت بها، ولم تكن تعلم أنها بهذا القرار تخطو أولى خطواتها نحو الجحيم.

جلست بينهم بجسدها كجثة خامدة، بينما كان عقلها يعمل كآلة لا تتوقف، ينسج خيوط خطة الهروب الكبير، وكيف ستترك لهم هذا البيت بما فيه.

انتهت الجلسة المشؤومة، وما إن غادر الرجل حتى اقتربت سامية منها وتحضنتها بتصنع، وهي تقطر كلمات المباركة المسمومة، بينما عيناها تلمعان بشماتة وغل لا يخفى على أحد. في تلك الأثناء، دلف نادر الذي لم يحضر سوى اللحظات الأخيرة من الجلسة؛ كانت ملامحه مكسوة بالدهشة والذهول، يتساءل في سره كيف وافقت شقيقته الأبية على هذا الكائن؟ دقق النظر في عينيها الفيروزيتين، وحاول قراءة ما وراء نظراتها الثابتة، فاستشعر أنها تنوي فعل شيء ما، خطة غامضة لم يستطع الوصول إلى كنهها، فبارك لها بنبرة خافتة يملؤها عدم الاقتناع.

دخلت نور غرفتها وأغلقت الباب بالمزلاج، سحبت هاتفها بلهفة وبدأت تحادث سامح. وكالعادة، انهمر صوته يثري أذنيها بكلمات الغزل والهيام، وهي ترد عليه بقلب ينبض بالأمل، حتى همست له بنبرة غامضة

- سامح.. جهز نفسك، بكرا هعملك مفاجأة عمرك ما كنت تتخيلها.

أجابها بنبرة ضاحكة مشتاقة

- ومفاجأة إيه دي يا روحي؟ أنا مستني على أحر من الجمر، أوعي تتأخري عليا.

أغلقت الهاتف والابتسامة تزين ثغرها، وشعرت بسعادة عارمة غسلت كل مخاوفها؛ غداً سينتهي الكابوس، وغداً يلتئم شملها بحبيبها. دثرت نفسها بغطائها وغطت في نوم عميق، ترسم في منامها أحلاماً وردية عن لقائهما الحار، وبيتهما الدافئ، وحياتهما القادمة

استيقظت نور في الصباح لتجد البيت على غير عادته؛ كانت سامية تتحرك بنشاط غريب، تُعد طعام الإفطار، وترتيبات عقد القران المقررة مساءً تقام على قدم وساق. تحركت نور بخفة كأنها تستعد للحفل، لكنها في الخفاء أحضرت حقيبة يدها الكبيرة، ووضعت فيها كل ما يثبت هويتها: بطاقتها الشخصية، شهادة ميلادها، وشهادة تخرجها الجامعي، بالإضافة إلى بعض النقود التي نجحت في ادخارها طوال الأشهر الماضية.

خرجت من غرفتها بكامل أناقتها، وقالت لسامية بهدوء مصطنع

-؛ أنا خارجة يا خالتي، رايحة مع صاحبتي للكوافير عشان أجهز لكتب الكتاب بالليل.

رحبت سامية بالفكرة فوراً وابتسمت باتساع؛ فلم يعد يفصلها عن التخلص من هذه الفتاة للأبد سوى ساعات قليلة.

انطلقت نور بخطوات حثيثة نحو محطة قطار المنصورة المكتظة بالمسافرين. كانت تتلفت حولها برعب، ينهش الخوف صدرها من أن يلمحها أحد معارف والدها فيعيدها إلى تلك الزيجة البغيضة. سألت عن القطار المتجه إلى القاهرة، ووقفت على الرصيف تنتظره على أحر من الجمر. ما إن وصل القطار، حتى استقلته وجلست بجوار النافذة، تتأمل المساحات الخضراء وهي تشعر بأن الحرية باتت على بعد بضع ساعات فقط، وتتخيل ملامح الفرحة التي ستكسو وجه سامح حين يعلم بقرارها الشجاع بالزواج منه لبناء بيتهما سوياً.

تحرك القطار مسرعاً، يطوي البلاد طياً، حتى أطلق صافرته معلناً الوصول إلى محطة مصر برمسيس. نزلت نور وتلفتت حولها بذهول؛ كانت هذه هي المرة الأولى التي تطأ فيها قدماها أرض العاصمة. صخب رهيب، وبشر يركضون في كل اتجاه، كلٌّ في وادٍ هائم. تقدمت بتوجس من أحد المارة وسألته عن كيفية الوصول إلى منطقة إمبابة، فوصف لها الطريق بدقة.

استقلت وسيلة المواصلات كما أُرشدت، حتى نزلت في قلب إمبابة. وقفت في منتصف الشارع حائرة، تتطلع إلى المباني المتلاصقة؛ فهي لا تعلم عن عنوان سامح سوى اسم المنطقة فقط. سحبت هاتفها وضغطت على زر الاتصال بنبضات مرتجفة.

رن الهاتف عدة مرات قبل أن يأتيها صوته المخمور بالنوم ومستنكراً

- أيوه يا نور.. متصلة بدري كدة ليه يا بنتي؟

شعرت بنغزة في قلبها من طريقته الجافة، لكنها بررت الأمر في سرها بأنه أثر النوم، فأجابت بصوت يتدفق فرحة ولهفة

- سامح.... أنا هنا في إمبابة

نزلت الكلمة على مسامعه كالصاعقة التي أطارت النوم من عينيه، هبّ واقفاً من فراشه وعيناه متسعتان بجنون، وتمتم بذهول

- إمبابة؟ نهار أسود.. يا بنت المجنونة

انتفض صديقه حازم المستلقي على الفراش الآخر في الغرفة، ونظر إليه بدهشة من ردفة فعله العنيفة قائلاً

- في إيه يا ابني قومت مفزوع كدة ليه؟ زي ما تكون حية قرصتك في سريرك

وقف سامح لثوانٍ وهو يشعر بالدم يتجمد في عروقه، ونظر إلى صديقه بشرود تام وقال بصوت خافت مذهول

- البت نور.. بنت المجنونة هربت من أهلها وجت على هنا.. قال إيه جاية عشان نتجوز

انفجر حازم ضاحكاً بقهقهة عالية حتى دمعت عيناه، وقال من بين ضحكاته الساخرة وهو يضرب كفاً بكف

- إلبس يا معلم تدبس يا بطل.. وريني بقى هتتصرف إزاي.

شعر سامح بالخناق يضيق حول عنقه، وفكر بتردد وخوف

- ألبس إيه يا عم أنت؟ دي أمي تطردني من البيت علطول.. هتقولي هصرف عليك ولا على المحروسة اللي جايبها معاك؟

صمت لبرهة، ثم نظر إلى حازم بملامح جادة وتابع

— وبعدين البت دي مش شمال، يعني مش جاية تقضي وقت.. دي جاية وعاوزة جواز رسمي يا حازم، وشكلها غشيمة.

وقف حازم يشاركه الحيرة، وعقد حاجبيه متسائلاً

- طب والعمل؟ هتعمل إيه مع المصيبة دى يا فالح

لمعت عينا سامح بمكر وخسة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة لئيمة وهو يجيب صديقه

- ولا أي حاجة.. أنا هروح أقابلها وأقولها إني مش جاهز للجواز اليومين دول، وأقنعها ترجع لأهلها بالذوق.. أنا مش ناقص وجع دماغ ومشاكل مع أهالي الصعيد ولا فلاحين المنصورة

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نور الآدم    92

    وصلا إلى الفيلا الفخمة، والتفتت إليه نور تسأله بـحرج - مستر آدم.. هي فين الاستراحة اللي هقعد فيها؟ عشان أودي حاجتي علطول. لم يجبها آدم، ولم يمنحها أدنى استعداد لـلمجادلة أو النقاش في تلك اللحظة؛ فـهو يخشى بـصدق لحظة انهيار عاطفي يفقد فيها ثباته ويعترف لها بكل شيء. اكتفى بـنبرة حازمة - ادخلي الفيلا الأول يا نور.. لحد ما أتاكد إنهم خلصوا تجهيزها وتنظيفها. وما إن دلفت من الباب، حتى تلاشت غيوم الصمت؛ إذ هرولت نحوها رحمة بـشقاوة طفولية عارمة، وطوقت عنقها بـأحضان حارة قائلة بـإنتصار - نور.... مش مصدقة... كل الأسئلة والنقاط اللي راجعتيها معايا امبارح بالليل جتلي النهاردة في الامتحان بالظبط أنا حليت ابتسمت نور من أعماق قلبها بـحب، وقبّلت وجنتها بـسعادة مفرطة على هذا الإنجاز، فـأردفت رحمة بـفرحة - واليوم كان آخر يوم في الامتحانات خلاص، يعني أنا من اللحظة دي انا فاضية ليكي تماماً يا قمر شدتها رحمة من يدها لـتصعد بها الدرج، لكن نور اعتذرت بـرقة - استني يا رحمة، مش هينفع.. أنا ورايا مهمة تانية خالص، لازم أروح أشوف الاستراحة وأرتب حاجتي فيه. في تلك الأثناء، أقبل عليهما كمال بيه بـوجهه ا

  • نور الآدم    91

    في ساحة جامعة المنصورة، كان الصخب يملأ الأرجاء، ممزوجاً بـأنفاس الراحة والترقب؛ فـاليوم هو الطوق الأخير، والورقة الأخيرة في ماراثون اختبارات نهاية العام. وقفت إسراء بجوار نادر، يقلبان صفحات المذكرة بـآلية، لكن عقل نادر لم يكن يرى الحروف؛ بل كان غارقاً في تفاصيل وجهها، يتأملها بـألمٍ صامت غلف نظراته بـمسحة من الوجع الخفي. كان صدره يغلي بـتساؤلات المجهول المرعب... اليوم تنتهي اللقاءات الرسمية تحت مظلة الجامعة، فماذا يخبئ لهما الغد؟ هل ستظل إسراء متمسكة بـعهودهما أمام أمواج الحياة العاتية، أم ستستسلم في النهاية لتيار خالد وثروته وتتركه وحيداً على ضفاف الخيبة؟ لمح حدس إسراء الأنثوي تلك الغيمة السوداء التي احتلت عينيه، فـأغلقت المذكرة فجأة، والتفتت إليه تسأله بـنبرة حانية يملؤها القلق - مالك يا نادر؟ اتغيرت فجأة ليه تنهد نادر بـمرارة، وخرج صوته مبحوحاً ومشحوناً بـالخوف الذي ينهش ضلوعه - مرعوب يا إسراء.. مرعوب من فكرة الفراق. الامتحانات خلصت، والوقت اللي كان بيجمعنا انتهى.. وخايف المجهول يبعدك عني. صمتت إسراء لـلحظات ثقيلة، وتصلبت ملامحها الرقيقة، ثم صوّبت نحوه نظرة حادة امتزج فيها ال

  • نور الآدم    90

    في شقة كريم الدافئة، ساد صمتٌ مهيب أبلغ من كل قصائد العشق وكلمات الغزل؛ صمتٌ تعزف فيه نبضات القلوب ألحان الاستقرار. كان كريم يجلس على الأريكة المريحة، وقد طوق سالي بذراعيه القويتين، جاذباً إياها إلى حصن صدره العريض، بينما كانت هي تستكين بين يديه كـعصفور وجد عشه الآمن بعد عاصفة طويلة. قطعت سالي ذلك الصمت الحاني، ورفعت رأسها قليلاً لتنظر إلى عينيه بـنظرة رجاء طفولية تذيب الصخر، وهمست بدلال - كريم.. أنا عاوزة نسافر شرم الشيخ تاني. اتسعت عينا كريم بـدهشة بالغة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة متعجبة؛ فلم يمضِ على عودتهم من هناك أسبوع واحد! نظر إليها وداعب أرنبة أنفها بخفة قائلاً بنبرة ضاحكة - شرم الشيخ تاني يا سالي؟ إحنا لسه راجعين مكملناش أسبوع... لحقتي توحشك بالسرعة دي؟ لوت سالي شفتيها بـدلال أنثوي أسر، واقتربت من وجهه أكثر حتى تلاقت أنفاسهما، وقالت بنبرة تفيض غنجاً - لأني ببساطة محسيتش إني قضيت شهر عسل بجد.. الفترة اللي قضيتها معاك هناك كانت فترة خطوبة وبس، وكنا لسه بعاد.. أنا دلوقتي عاوزة شهر عسل حقيقي وإحنا سوا انطلقت ضحكة كريم الرجولية، الصافية والدافئة، لتملأ أرجاء الغرفة إثر كلما

  • نور الآدم    89

    توقفت السيارة، وترجل آدم منها بوقاره المعهود، ثم دار ليفتح لها الباب بنفسه، مما زاد من تعجبها وارتباكها. ترجلت بخطوات متثاقلة تتبعه، وصعدت خلفه الدرج الرخامي المؤدي للمدخل الرئيسي. دلف آدم إلى القصر ملقياً تحية الصباح بصوت جهوري على والده، ثم التفت خلفه بلمح البصر فلم يجد نور بجواره؛ انتفض قلبه رعباً وركض إلى الخارج مسرعاً، ليجدها واجفة، واقفة بوجل وحياء شديد أمام الباب الخارجي لا تجرؤ على الدخول، فأمسك كفها برقة غامرة وأدخلها قسراً إلى حمى أمانه. دخلت نور بتمهل وريبة، وتجولت عيناها في أرجاء المكان المذهل؛ رأت قادحاً من الفخامة والرفعة، قصراً منيفاً ذو أثاث راقي يمزج بين العصرية والكلاسيكية، وتزدان زواياه بقطع ثنائية من التحف والأنتيكات الأثرية النادرة. تقدمت مذهولة، وألقت تحية الإسلام بصوت خافت ينم عن حيائها الشديد. انتفض كمال بيه من مقعده مرّحباً بها ترحيباً حاراً شديداً، وتقدم منها وعلامات العتاب الأبوي تكسو وجهه البشوش، قائلاً - كده يا نور؟ تخبي عليا ومتقوليليش على اللي حصل وتلجأي لي؟ إنتي ناسية مكانة دادة زينب الله يرحمها عندي؟ دي كانت موصياني عليكي وصية موت، وإنتي بنتي زي رح

  • نور الآدم    88

    في ساحة جامعة المنصورة، وسط حركة الطلاب الصاخبة وأجواء التوتر التي تسبق الامتحانات، وقفت إسراء بجوار نادر، يقلبان معاً صفحات المذكرات في مراجعة أخيرة سريعة قبل الدخول إلى قاعة اختبار اليوم. كانت أنفاسهما تتلاحق مع كل معلومة يراجعانها، حتى قطع هذا الاندماج صوت نغمة رسالة خاصة وقصيرة انبعثت من هاتف نادر. أخرج نادر هاتفه بفضول، وما إن فتح الرسالة وقرأ محتواها حتى اتسعت عيناه، وانفرجت أساريره عن ابتسامة فرحة حقيقية طال انتظارها؛ لقد كانت الرسالة إشعاراً بنجاح تحويل أول مبلغ مالي لحسابه من الجريدة الإلكترونية التي تعاقد معها مؤخراً وبدأ يكتب لحسابها. التفت إلى إسراء والبريق يلمع في عينيه، وعبر عن رغبته الجارفة التي كانت تؤرق مضجعه - إسراء.. مش متخيلة الفلوس دي جت في وقتها إزاي أنا كان نفسي من كل قلبي أهادي نها بأي حاجة باسمي قبل فرحها اللي قرب، ومكنتش عارف هعمل ده إزاي. تهلل وجه إسراء لسعادته، ولمست بـيدها الرقيقة كفه تشد من أزره، وقالت بنبرة مشجعة تفيض حباً - مبروك يا حبيبي، وتعيش وتعمل وتجيب.. مفيش وقت للتأجيل، إحنا نخلص الامتحان من هنا، وتنزل فوراً النهاردة تصرف المبلغ ده، وننقي سوا

  • نور الآدم    87

    في غرفته الهادئة، كان نادر يجلس مستنداً برأسه إلى الخلف، عيناه عالقتان بالسقف بينما عقله ما زال يتردد فيه صدى صوت شقيقته نور. أحدثت مكالمتها الصباحية في نفسه هزة عنيفة؛ فقد أيقظت في حناياه حنيناً جارفاً وشوقاً كاد يفتك بضلوعه لتلك الأخت التي تحملت الكثير، وباتت تواجه غمار الحياة وحيدة في مكان بعيد. وتحت وطأة هذه العاطفة المشحونة، سحب دفتراً قريباً، وأمسك بقلمه ليدع مشاعره تتدفق على السطور. راحت الكلمات تولد من رحم وجعه وشوقه، لينسج قصيدة من أعذب قصائد الحنين، تقطر حروفها بدموع الفراق وأمل اللقاء. لم يمضِ سوى وقت قليل على انتهائه ووضعه للقلم، حتى انقطع سكون الغرفة بـطرقات رقيقة على الباب. أذن بالدول، لتطل عليه "نها" وهي تحمل بين يديها صينية صغيرة عليها كوب من الشاي الساخن يتصاعد منه البخار مع بعض الشطائر . ارتسمت على وجه نها ابتسامة حانية تفيض بالحب الأخوي، وتقدمت منه واضعة الصينية على طرف المكتب. بادلها نادر الابتسامة بـودّ، لكن عينية نظرتا إليها بنظرة مغلفة بالحزن المكتوم، وقال بنبرة دافئة امتزج فيها الفخر بالأسى - تسلم إيدك يا نها.. مش عارف من بعدك مين هيحن عليا ويعملي الشاي د

  • نور الآدم    البارت الثامن

    وضعت نور اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام المتواضعة، وجلست تشارك "ماما زينب" زادها البريء. تناولت طعامها بهدوء، ثم نهضت لتعد كوبين من الشاي الساخن بالنعناع، وعادت لتجلس بجوار العجوز التي كانت تطالعها بعينين تفيضان بألف سؤال وسؤال. ورغم فضول الأمومة الفطري، إلا أن زينب آثرت الصمت، تاركة لنور المساحة

  • نور الآدم    البارت السابع

    ولج آدم إلى مبنى شركته الفارهة بهيبته الرجولية الطاغية، فخطواته الواثقة المدروسة وجسده الرياضي الممشوق كانا كفيلين ببث حالة من الاستنفار الصامت في أرجاء المكان. كانت ملامحه الجادة الخالية من التعبير تشع صرامة حادة، تجبر الجميع على الالتفات إليه بتقدير ممزوج بالوجل. اصطف الموظفون على جانبي الممر يل

  • نور الآدم    البارت السادس

    في بقعة هادئة وراقية، شيدت فيلا ضخمة تتحدث واجهتها عن الثراء الفاحش، بينما يفوح من داخلها عبق الفخامة الكلاسيكية. قُسم الطابق السفلي ببراعة ليضم غرفة مكتب فارهة بجدران خشبية، وصالوناً واسعاً، وغرفة سفرة ممتدة، يطلان جميعاً على تراس فسيح يمتص خيوط الصباح الأولى. أما الطابق العلوي، فقد احتوى على الأج

  • نور الآدم    البارت الخامس

    سقط محمود على المقعد كالجثة الهامدة، ووضع رأسه بين يديه وهو يئن بألم وحزن حقيقي تغلغل في نبرته- نور هربت.. سابت البيت وهربت يا ساميةفي تلك اللحظة، انطلقت صرخة مدوية من فم سامية، ولطمت خديها بعنف وعويل مصطنع هز أركان المكانيا لهوي يا خرابي... يا فضيحتنا وسط الناس! شفت.. شفت أهو ده آخر دلعك فيها

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status