Home / الرومانسية / نور الآدم / البارت الثامن

Share

البارت الثامن

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-03 19:28:37

وضعت نور اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام المتواضعة، وجلست تشارك "ماما زينب" زادها البريء. تناولت طعامها بهدوء، ثم نهضت لتعد كوبين من الشاي الساخن بالنعناع، وعادت لتجلس بجوار العجوز التي كانت تطالعها بعينين تفيضان بألف سؤال وسؤال. ورغم فضول الأمومة الفطري، إلا أن زينب آثرت الصمت، تاركة لنور المساحة والوقت لتتحدث حين تشاء وتكشف ما تشاء.

ترجمت نور تلك النظرات الحانية، فارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة مغلفة بحزن دفين، بينما التمعت الدموع في عينيها الفيروزيتين كحبات لؤلؤ أوشكت على السقوط، وقالت بنبرة مخنوقة:

— أكيد حضرتك عاوزة تعرفي أنا إيه اللي جابني هنا.. وإيه اللي رماني الرمية دي في وقت زي ده؟

امتدت يد زينب الخشنة لتربت على ظهر الفتاة بنعومة تفيض حناناً، وقالت بصوت دافئ:

— لو عاوزة تحكي يا بنتي وتفضفضي أنا سمعاكي وقاعدالك، ولو مش عاوزة ومش قادرة.. فده مش هيغير أي حاجة واصلي؛ بيتي هيفضل مفتوح ليكي، وسرك في بير.

نظرت إليها نور بنظرات غمرها الاطمئنان، ولأول مرة منذ رحيلها تشعر بأرض صلبة تقف عليها، فقالت بثقة تولدت من رحم الانكسار:

— هحكيلك.. هحكيلك عشان حسيت منك بحنان لأول مرة في حياتي كلها أحسه، وعشان خلاص تعبت ومحتاجة أفضفض مع حد من غير ما يحكم عليا.

تنهدت بعمق، وعادت بذاكرتها إلى وراء الجدران وقالت:

— بصي يا ماما زينب.. أنا وأخويا نادر وعينا على الدنيا ملحيقناش نشوف أمنا، الموت خطفها بدري، ولقينا مكانها خالتنا "سامية". اتجوزت بابا وتقمصت دور الحنية لحد ما تمكنت، وبعدها ورتنا المعاملة المثالية لمرات الأب الحرفية. والموضوع زاد وبقى لا يُطاق لما خلفت بنتين.. كانت بتعاقبني على جمالي، وتكرهني من غير سبب، وعاوزة تتخلص مني بأي طريقة. أنا عملت المستحيل وتحملت الإهانة عشان أكمل تعليمي وأقفل على نفسي، وأخويا عشان يريح نفسه من النكد والشجار اليومي، نزّل نفسه الشغل في الإجازة عشان ما يحتكش بيها خالص ويهرب من البيت.

صمتت نور لتلتقط أنفاسها، وارتشفت رشفة من الشاي لتطرد غصة حلقها، ثم تابعت:

— خلصت جامعة من شهرين وقعدت في البيت، ومن وقتها وهي مش طايقاني، وبتخلق المشاكل من الهوا. حسيت بوحدة غريبة، ماليش سند ولا حد أشتكيله وأبكي في حضنه.. وفي وسط العتمة دي، اتعرفت على شاب على النت اسمه سامح. وهمني بحبه، وغرقني بكلام الغزل والوعود، وأنا زي الهبلة صدقته.. أو يمكن كنت محتاجة أصدق أي حد يقولي كلمة حلوة عشان أعيش. عشت معاه أحلام وردية، وفي يوم.. بابا دخل عليا وقالي إن جايلي عريس، وأنه قعد معاه وموافق عليه. ولما قابلت العريس ده.. لقيت كائن غريب، بدين وأصلع وسنانه متآكلة، وتقريباً في سن بابا! كان عاوز واحدة ياخدها ويسافر بيها السعودية علطول، من غير فرح ولا جهاز ولا شقة في مصر ولا أي حاجة تكلف بابا مليم. طبعاً خالتي رحبت جداً بالعريس اللي هيبعدني عن وشها للأبد ومن غير ما يصرفوا عليا قرش.. حسيت إن بابا بايعني، وإني سلعة بخلصوا منها.

سقطت دمعة حارة على وجنتها، فمسحتها بسرعة وتابعت بنبرة حادة من الخزي:

— هربت.. هربت منهم الصبح ورحت للندل اللي حكيتلك عنه في القاهرة، وساعتها بس.. فقت على الصدمة. إكتشفت إن كل كلامه كان وهم وخداع، ومكنش جاهز للجواز ولا عاوزني أصلاً.. كان عاوز يجر رجلي لحاجة تانية ولما لقى طبعي حامي خاف وقالي ارجعي لأهلك. ساعتها الدنيا لفت بيا، ولقيت نفسي تايهة في شوارع القاهرة مش عارفة أعمل إيه ولا أروح فين.. دخلت محطة رمسيس وركبت أول قطر واقفت قدامه على الرصيف عشان أهرب من خيبتي، ولقيت نفسي هنا في الإسكندرية.. بس، هي دي حكايتي يا ماما زينب.

كانت السيدة زينب تستمع إليها بإنصات تام، ودموعها تنهمر في صمت على حال هذه المسكينة النقية التي تكالبت عليها الظروف والدنيا. لم تجد العجوز كلمات تسعفها أمام هذا الكم من القهر، فكان ردها الفوري أن جذبت نور بقوة نحو صدرها، وأخذتها بين أحضانها العريضة الدافئة.

وما إن استقرت نور في ذلك الحضن الأمومي الذي حُرمت منه طويلاً، حتى انهارت حصونها تماماً، وأطلقت العنان لنحيب مكتوم، وبكت بحرقة بين أحضان السيدة زينب، لتغسل بدموعها مرارة الخديعة وقسوة الأيام.

✨✨✨✨✨✨✨

انحنى نادر على الشاشة، وكانت ملامحه تزداد قتامة وتصلباً كلما مرر عينيه بين تلك السطور الفاضحة لخسة ذلك الشاب، بينما تحلق الباقون حوله كجوارح تنتظر فريستها. كانت سامية تتابع حركة أصابعه بعينين تلمعان بانتصار تشوبه الشماتة، وندى تقف خلفها بملامح جامدة تشاهد انهيار البنيان الذي طالما حسدت نور عليه، في حين جلس محمود مطرق الرأس، يتنفس بصعوبة وكأن جدران الغرفة تضيق على صدره، وكل حرف يقرأه نادر بصوت متحشرج ينزل على كرامة الأب كالسوط الحامي.

أما في الركن البعيد من الصالة، فكانت "نهى" تجلس وحيدة، منطوية على نفسها فوق مقعد صغير. لم تقترب من حلقة الشك تلك، ولم يطاوعها قلبها أن تنظر إلى شاشة تفضح انكسار شقيقتها الكبرى. كانت ندى وسامية في وادٍ، وهي في وادٍ آخر تماماً؛ غلبتها الدموع وهي تتذكر رقة نور وحنانها، وشعرت بغصة حارقة في حلقها على حال أختها التي رمت بنفسها في المجهول هرباً من جحيم لم تعد تقوى على احتماله. كانت تدعو في سرها بقلب مرتجف أن يحميها الله أينما كانت، وأن تجد مأوى يرحم ضعفها بعد أن تبرأ منها أقرب الناس إليها.

✨✨✨✨✨✨✨

جلس نادر أمام شاشة الهاتف، يضغط على أيقونة المحادثات والوجوم يكسو وجهه، لكن الصدمة شلّت حركته تماماً وهو يقرأ الكلمات المتطايرة من الشاشة. كلمات حب متبادلة، وتفاصيل دقيقة عن حياتهم وبيتها، تمنحها لذلك الشاب المدعو سامح.

وقع عيناه على سطر جعل الدماء تجمد في عروقه، وهي تصف سامية بالأفعى، وتنعجت ندى بذيلها. كان يتنقل بين الرسائل بذهول، يقرأ ويعيد القراءة، بينما أنفاسه تتهدج.

تمتم نادر بصوت مخنوق وهو ينظر لزوجة أبيه

- مش ممكن.. مش دي أختي اللي ربيتها على إيدي.. دي حافظها أكتر من نفسي

ارتفعت ضحكة خافتة شامتة من شقيقته، بينما انطلقت زوجة أبيه في ولولة ممسرحة وهي تصفق بكفيها

- يا فضيحتنا وسط الناس.... هربت.. هربت مع صايع عشان تتجوزه وتجيب راس العيلة في الوحل.... ملناش عين نرفعها في المنطقة تاني

ألقى الهاتف على المقعد بجوارهم ودون أن ينطق بكلمة واحدة، اندفع خارج المنزل، تاركاً خلفه ثرثرتهم التي تنهش في عرض أخته.

كان يسير بلا وعي، خطواته تقوده وجسده يتحرك آلياً حتى وجد نفسه واقفاً أمام ضفاف النيل. الهواء البارد يلفح وجهه، لكن النيران المشتعلة في صدره كانت أقوى.

وقف ينظر إلى المياه المتلاطمة، يغرق في بحر من جلد الذات

- العيب في مين؟ العيب عليا أنا؟ ولا هي اللي غلطت؟

طافت بعقله تفاصيل المحادثات التي رآها؛ تذكر إلحاح ذلك الشاب عليها، كيف كان يطالبها بإرسال صورها مراراً وتكراراً وهي ترفض وتتمنع بخوف، حتى لانت مقاومتها في النهاية وأرسلت له صوراً بحجابها.

قبض نادر على يده بقوة وعيناه تملؤهما الدموع

- تعبان.. ديب وبيلف حوالين فريسته لحد ما نهش براءتها.. وأنا فين؟ أنا اللي هربت من البيت وسيبتها لوحدها.. انشغلت عنها وسلمتها بإيدي للضياع ده

انهمرت دموعه بغزارة وهو يتساءل بقلب محروق

- أنتِ فين دلوقتي يا حبيبتي؟ اتجوزك فعلاً ولا استغل طيبتك؟ هلاقيكي إزاي؟

وفي وسط عاصفة الألم والندم، قفزت إلى مخيلته صورتها القديمة؛ وجهها المشرق، ابتسامتها الهادئة التي تحفر غمازتيها في وجنتيها، وحنانها الفياض الذي كان ينسيه هموم الدنيا. غطى وجهه بكفيه وانفجر باكياً على ضياع أخته النظيفة التي تلوثت في غيابه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نور الآدم    92

    وصلا إلى الفيلا الفخمة، والتفتت إليه نور تسأله بـحرج - مستر آدم.. هي فين الاستراحة اللي هقعد فيها؟ عشان أودي حاجتي علطول. لم يجبها آدم، ولم يمنحها أدنى استعداد لـلمجادلة أو النقاش في تلك اللحظة؛ فـهو يخشى بـصدق لحظة انهيار عاطفي يفقد فيها ثباته ويعترف لها بكل شيء. اكتفى بـنبرة حازمة - ادخلي الفيلا الأول يا نور.. لحد ما أتاكد إنهم خلصوا تجهيزها وتنظيفها. وما إن دلفت من الباب، حتى تلاشت غيوم الصمت؛ إذ هرولت نحوها رحمة بـشقاوة طفولية عارمة، وطوقت عنقها بـأحضان حارة قائلة بـإنتصار - نور.... مش مصدقة... كل الأسئلة والنقاط اللي راجعتيها معايا امبارح بالليل جتلي النهاردة في الامتحان بالظبط أنا حليت ابتسمت نور من أعماق قلبها بـحب، وقبّلت وجنتها بـسعادة مفرطة على هذا الإنجاز، فـأردفت رحمة بـفرحة - واليوم كان آخر يوم في الامتحانات خلاص، يعني أنا من اللحظة دي انا فاضية ليكي تماماً يا قمر شدتها رحمة من يدها لـتصعد بها الدرج، لكن نور اعتذرت بـرقة - استني يا رحمة، مش هينفع.. أنا ورايا مهمة تانية خالص، لازم أروح أشوف الاستراحة وأرتب حاجتي فيه. في تلك الأثناء، أقبل عليهما كمال بيه بـوجهه ا

  • نور الآدم    91

    في ساحة جامعة المنصورة، كان الصخب يملأ الأرجاء، ممزوجاً بـأنفاس الراحة والترقب؛ فـاليوم هو الطوق الأخير، والورقة الأخيرة في ماراثون اختبارات نهاية العام. وقفت إسراء بجوار نادر، يقلبان صفحات المذكرة بـآلية، لكن عقل نادر لم يكن يرى الحروف؛ بل كان غارقاً في تفاصيل وجهها، يتأملها بـألمٍ صامت غلف نظراته بـمسحة من الوجع الخفي. كان صدره يغلي بـتساؤلات المجهول المرعب... اليوم تنتهي اللقاءات الرسمية تحت مظلة الجامعة، فماذا يخبئ لهما الغد؟ هل ستظل إسراء متمسكة بـعهودهما أمام أمواج الحياة العاتية، أم ستستسلم في النهاية لتيار خالد وثروته وتتركه وحيداً على ضفاف الخيبة؟ لمح حدس إسراء الأنثوي تلك الغيمة السوداء التي احتلت عينيه، فـأغلقت المذكرة فجأة، والتفتت إليه تسأله بـنبرة حانية يملؤها القلق - مالك يا نادر؟ اتغيرت فجأة ليه تنهد نادر بـمرارة، وخرج صوته مبحوحاً ومشحوناً بـالخوف الذي ينهش ضلوعه - مرعوب يا إسراء.. مرعوب من فكرة الفراق. الامتحانات خلصت، والوقت اللي كان بيجمعنا انتهى.. وخايف المجهول يبعدك عني. صمتت إسراء لـلحظات ثقيلة، وتصلبت ملامحها الرقيقة، ثم صوّبت نحوه نظرة حادة امتزج فيها ال

  • نور الآدم    90

    في شقة كريم الدافئة، ساد صمتٌ مهيب أبلغ من كل قصائد العشق وكلمات الغزل؛ صمتٌ تعزف فيه نبضات القلوب ألحان الاستقرار. كان كريم يجلس على الأريكة المريحة، وقد طوق سالي بذراعيه القويتين، جاذباً إياها إلى حصن صدره العريض، بينما كانت هي تستكين بين يديه كـعصفور وجد عشه الآمن بعد عاصفة طويلة. قطعت سالي ذلك الصمت الحاني، ورفعت رأسها قليلاً لتنظر إلى عينيه بـنظرة رجاء طفولية تذيب الصخر، وهمست بدلال - كريم.. أنا عاوزة نسافر شرم الشيخ تاني. اتسعت عينا كريم بـدهشة بالغة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة متعجبة؛ فلم يمضِ على عودتهم من هناك أسبوع واحد! نظر إليها وداعب أرنبة أنفها بخفة قائلاً بنبرة ضاحكة - شرم الشيخ تاني يا سالي؟ إحنا لسه راجعين مكملناش أسبوع... لحقتي توحشك بالسرعة دي؟ لوت سالي شفتيها بـدلال أنثوي أسر، واقتربت من وجهه أكثر حتى تلاقت أنفاسهما، وقالت بنبرة تفيض غنجاً - لأني ببساطة محسيتش إني قضيت شهر عسل بجد.. الفترة اللي قضيتها معاك هناك كانت فترة خطوبة وبس، وكنا لسه بعاد.. أنا دلوقتي عاوزة شهر عسل حقيقي وإحنا سوا انطلقت ضحكة كريم الرجولية، الصافية والدافئة، لتملأ أرجاء الغرفة إثر كلما

  • نور الآدم    89

    توقفت السيارة، وترجل آدم منها بوقاره المعهود، ثم دار ليفتح لها الباب بنفسه، مما زاد من تعجبها وارتباكها. ترجلت بخطوات متثاقلة تتبعه، وصعدت خلفه الدرج الرخامي المؤدي للمدخل الرئيسي. دلف آدم إلى القصر ملقياً تحية الصباح بصوت جهوري على والده، ثم التفت خلفه بلمح البصر فلم يجد نور بجواره؛ انتفض قلبه رعباً وركض إلى الخارج مسرعاً، ليجدها واجفة، واقفة بوجل وحياء شديد أمام الباب الخارجي لا تجرؤ على الدخول، فأمسك كفها برقة غامرة وأدخلها قسراً إلى حمى أمانه. دخلت نور بتمهل وريبة، وتجولت عيناها في أرجاء المكان المذهل؛ رأت قادحاً من الفخامة والرفعة، قصراً منيفاً ذو أثاث راقي يمزج بين العصرية والكلاسيكية، وتزدان زواياه بقطع ثنائية من التحف والأنتيكات الأثرية النادرة. تقدمت مذهولة، وألقت تحية الإسلام بصوت خافت ينم عن حيائها الشديد. انتفض كمال بيه من مقعده مرّحباً بها ترحيباً حاراً شديداً، وتقدم منها وعلامات العتاب الأبوي تكسو وجهه البشوش، قائلاً - كده يا نور؟ تخبي عليا ومتقوليليش على اللي حصل وتلجأي لي؟ إنتي ناسية مكانة دادة زينب الله يرحمها عندي؟ دي كانت موصياني عليكي وصية موت، وإنتي بنتي زي رح

  • نور الآدم    88

    في ساحة جامعة المنصورة، وسط حركة الطلاب الصاخبة وأجواء التوتر التي تسبق الامتحانات، وقفت إسراء بجوار نادر، يقلبان معاً صفحات المذكرات في مراجعة أخيرة سريعة قبل الدخول إلى قاعة اختبار اليوم. كانت أنفاسهما تتلاحق مع كل معلومة يراجعانها، حتى قطع هذا الاندماج صوت نغمة رسالة خاصة وقصيرة انبعثت من هاتف نادر. أخرج نادر هاتفه بفضول، وما إن فتح الرسالة وقرأ محتواها حتى اتسعت عيناه، وانفرجت أساريره عن ابتسامة فرحة حقيقية طال انتظارها؛ لقد كانت الرسالة إشعاراً بنجاح تحويل أول مبلغ مالي لحسابه من الجريدة الإلكترونية التي تعاقد معها مؤخراً وبدأ يكتب لحسابها. التفت إلى إسراء والبريق يلمع في عينيه، وعبر عن رغبته الجارفة التي كانت تؤرق مضجعه - إسراء.. مش متخيلة الفلوس دي جت في وقتها إزاي أنا كان نفسي من كل قلبي أهادي نها بأي حاجة باسمي قبل فرحها اللي قرب، ومكنتش عارف هعمل ده إزاي. تهلل وجه إسراء لسعادته، ولمست بـيدها الرقيقة كفه تشد من أزره، وقالت بنبرة مشجعة تفيض حباً - مبروك يا حبيبي، وتعيش وتعمل وتجيب.. مفيش وقت للتأجيل، إحنا نخلص الامتحان من هنا، وتنزل فوراً النهاردة تصرف المبلغ ده، وننقي سوا

  • نور الآدم    87

    في غرفته الهادئة، كان نادر يجلس مستنداً برأسه إلى الخلف، عيناه عالقتان بالسقف بينما عقله ما زال يتردد فيه صدى صوت شقيقته نور. أحدثت مكالمتها الصباحية في نفسه هزة عنيفة؛ فقد أيقظت في حناياه حنيناً جارفاً وشوقاً كاد يفتك بضلوعه لتلك الأخت التي تحملت الكثير، وباتت تواجه غمار الحياة وحيدة في مكان بعيد. وتحت وطأة هذه العاطفة المشحونة، سحب دفتراً قريباً، وأمسك بقلمه ليدع مشاعره تتدفق على السطور. راحت الكلمات تولد من رحم وجعه وشوقه، لينسج قصيدة من أعذب قصائد الحنين، تقطر حروفها بدموع الفراق وأمل اللقاء. لم يمضِ سوى وقت قليل على انتهائه ووضعه للقلم، حتى انقطع سكون الغرفة بـطرقات رقيقة على الباب. أذن بالدول، لتطل عليه "نها" وهي تحمل بين يديها صينية صغيرة عليها كوب من الشاي الساخن يتصاعد منه البخار مع بعض الشطائر . ارتسمت على وجه نها ابتسامة حانية تفيض بالحب الأخوي، وتقدمت منه واضعة الصينية على طرف المكتب. بادلها نادر الابتسامة بـودّ، لكن عينية نظرتا إليها بنظرة مغلفة بالحزن المكتوم، وقال بنبرة دافئة امتزج فيها الفخر بالأسى - تسلم إيدك يا نها.. مش عارف من بعدك مين هيحن عليا ويعملي الشاي د

  • نور الآدم    البارت الحادى والأربعون

    في الصباح الباكر، تهادت خيوط الشمس الذهبية لتنعكس على واجهة فيلا كمال درويش. هبط آدم درجات السلم الرخامي الفسيح متوجهاً صوب المائدة لتناول وجبة إفطاره المعتادة قبل الذهاب إلى العمل، لكنه تجمد مكانه بابتسامة خفية حين وجد رحمة تجلس في انتظاره بكامل أناقتها وقد بدلت ملابسها مبكراً. نظرت إليه رحمة بعي

  • نور الآدم    البارت التاسع والثلاثون

    على ضفاف النيل الخالد، حيث تنساب المياه بهدوء يحاكي سكون الليل، كان نادر يجلس بجوار إسراء فوق أحد المقاعد الخشبية المطلة على المجرى الساحر. كانت كفّه تحتضن يدها برقة، بينما كان عقله يسبح في بحر عميق من الأفكار المتلاطمة، شاردًا بين دروب حياته المعقدة ومستقبله الضبابي. كان يعيش صراعًا ثلاثي الأبعاد

  • نور الآدم    البارت السابع والثلاثون

    أشرقت شمس هذا اليوم الحاسم معلنةً عن موعد الندوة الثقافية السنوية الكبرى، ذلك الحدث الفكري المهيب الذي ينتظره المبدعون الشباب كل عام بشغف وخوف. تنعقد هذه الندوة تحت رعاية وإشراف أديب مصر الكبير، الذي يمتلك عيناً ناقدة لا تخطئ، ليختار بنفسه متسابقاً واحداً يرى في قلمه المهارة، وفي لغته حسن انتقاء ال

  • نور الآدم    البارت السادس والثلاثون

    أشرقت شمس هذا اليوم الحاسم معلنةً عن موعد الندوة الثقافية السنوية الكبرى، ذلك الحدث الفكري المهيب الذي ينتظره المبدعون الشباب كل عام بشغف وخوف. تنعقد هذه الندوة تحت رعاية وإشراف أديب مصر الكبير، الذي يمتلك عيناً ناقدة لا تخطئ، ليختار بنفسه متسابقاً واحداً يرى في قلمه المهارة، وفي لغته حسن انتقاء ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status