LOGINبعد وفاة جدها، تكتشف أوديت لوران أنها الوريثة الوحيدة لقصر تاريخي وثروة هائلة في باريس. لكن الوصية تنص على شرط غريب: "لن تنتقل الورثة كاملة إلا إذا تزوجت أوديت لوران من لوسيان موريه خلال ستة أشهر." تعتقد أوديت أن جدها كان يحاول التحكم بحياتها حتى بعد موته. لكن مع مرور الوقت تكتشف أن الوصية ليست الغاية... بل هي وسيلة لحمايتها.
View More# الفصل الأول
## الوصية كان المطر يهطل بهدوء فوق شوارع باريس القديمة، تاركًا لمعانًا فضيًا فوق الأرصفة الحجرية الممتدة على طول نهر السين. جلست أوديت لوران قرب النافذة في شقتها الصغيرة في الحي اللاتيني، تراقب قطرات الماء وهي تنزلق على الزجاج. كانت ليلة باردة على غير العادة، والمدينة التي أحبّتها دائمًا بدت أكثر هدوءًا من المعتاد. وضعت قلم الرصاص جانبًا بعد ساعات من العمل على مشروع تصميم داخلي للجامعة، ثم تمددت على الأريكة وهي تزفر بتعب. رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة. رقم مجهول. ترددت قليلًا قبل أن تجيب. — ألو؟ جاءها صوت رجل رسمي: — الآنسة أوديت لوران؟ اعتدلت في جلستها. — نعم؟ ساد الصمت لثانية. — يؤسفني إبلاغك أن جدك، السيد هنري لوران... توفي صباح اليوم. تجمدت أنفاسها. شعرت وكأن الكلمات اصطدمت بجدار داخل عقلها دون أن تستوعبها. — ماذا...؟ — السيد لوران توفي بهدوء في قصره. وقد تم تحديد موعد قراءة الوصية بعد ثلاثة أيام. ظلت صامتة. لا تعرف ماذا تشعر بالضبط. الحزن؟ الصدمة؟ الذنب؟ ربما مزيج من كل شيء. أغلقت الهاتف ببطء. وعادت تنظر إلى المطر. جدها. الرجل الذي لم تره منذ ثلاث سنوات. الرجل الذي كان يحبها أكثر من أي شخص آخر في طفولتها. والرجل نفسه الذي تشاجرت معه آخر مرة وغادرت قصره غاضبة. شعرت بغصة في حلقها. كان يجب أن تزوره. كان يجب أن تتصل. كان يجب أن تصلح الأمور. لكن الأوان قد فات. --- بعد ثلاثة أيام. توقفت سيارة الأجرة أمام بوابة حديدية ضخمة. رفعت أوديت رأسها ببطء. ها هو. قصر آل لوران. المكان الذي أمضت فيه أجمل سنوات طفولتها. كان القصر شامخًا وسط الأشجار العتيقة وكأنه خرج من إحدى الروايات القديمة. النوافذ العالية. الجدران الحجرية. والحديقة الواسعة التي كانت تركض فيها وهي صغيرة. شعرت بوخزة حنين مفاجئة. دفعت للسائق ثم نزلت. كانت ترتدي معطفًا أسود طويلًا، بينما انسدل شعرها الأصهب المائل للنحاسي فوق كتفيها. هبت نسمة باردة جعلت بعض الخصلات تلتصق بوجهها. تقدمت نحو المدخل. وعندما فتحت الأبواب الكبيرة... عادت الذكريات دفعة واحدة. رائحة الخشب القديم. السلالم الرخامية. الثريات الكريستالية. كل شيء كما تركته. وكأن الزمن توقف هنا. قادها أحد الموظفين إلى المكتبة الرئيسية. كانت الغرفة ممتلئة بأشخاص لم تتعرف على معظمهم. أقارب بعيدون. محامون. بعض رجال الأعمال. وجوه كثيرة لا تتذكر أسماءها. جلست بصمت. وبعد دقائق دخل المحامي المسؤول عن الوصية. وقف الجميع. ثم بدأ القراءة. مرت الدقائق ببطء. منزل هنا. أرض هناك. مبالغ مالية توزع على أفراد العائلة. كانت أوديت تستمع بشرود. حتى قال المحامي: — أما بالنسبة للوريثة الرئيسية... ارتفعت جميع الأنظار نحوها. شعرت بالتوتر فجأة. فتح الرجل ملفًا آخر. ثم تابع: — السيدة أوديت لوران هي الوريثة الوحيدة لقصر لوران التاريخي وكامل ممتلكات السيد هنري لوران. انطلقت همهمات في أنحاء الغرفة. اتسعت عينا أوديت. الوريثة الوحيدة؟ كامل الممتلكات؟ هذا غير منطقي. كان هناك عشرات الأقارب. لماذا هي؟ لكن الصدمة الحقيقية لم تأتِ بعد. رفع المحامي نظره عن الأوراق. وقال: — مع وجود شرط واحد فقط. ساد الصمت. — شرط؟ سألت أوديت. أومأ المحامي. — نعم. ثم قرأ بصوت واضح: — "لا تنتقل التركة كاملة إلى أوديت لوران إلا إذا تم عقد زواجها من السيد لوسيان موريه خلال ستة أشهر من تاريخ قراءة الوصية." ساد صمت مطبق. وكأن الهواء اختفى من الغرفة. حدقت أوديت فيه غير مصدقة. — ماذا؟ ضحك أحد أقاربها بسخرية. — هنري فقد عقله قبل موته على ما يبدو. لكن أوديت لم تكن تسمع شيئًا. كل ما كانت تسمعه هو الاسم. لوسيان موريه. من يكون أصلًا؟ لم تسمع بهذا الاسم في حياتها. نهضت بعنف. — هذا مستحيل. قال المحامي بهدوء: — الشرط موثق قانونيًا. — لا أعرف هذا الرجل! — أعلم ذلك. — إذًا كيف أتزوجه؟ — هذا ما أراده جدك. أعادت أوديت نظرها إلى الأوراق الموضوعة أمام المحامي. لم تستطع استيعاب ما سمعته. كان جدها معروفًا بحبه للنظام والتخطيط، لكنه لم يكن شخصًا يعبث بمصائر الناس. فلماذا إذًا؟ لماذا يربط مستقبلها بشخص غريب؟ تسللت عيناها نحو صورة قديمة معلقة فوق المدفأة. كانت صورة تجمع جدها وجدتها في شبابهما. ابتسمت بحزن. تذكرت يومًا كانت فيه في العاشرة من عمرها حين سألت جدها عن سر تمسكه بالقصر رغم كبر حجمه. وقتها ضحك وقال: — بعض البيوت لا تحفظ الذكريات فقط يا أوديت... بل تحفظ الأسرار أيضًا. لم تفهم قصده يومها. أما الآن، وللمرة الأولى، شعرت أن تلك الكلمات لم تكن مجرد مزحة عابرة. كان يخفي شيئًا. شيئًا كبيرًا. والأغرب أنه كان يعرف أنه سيموت قبل أن يخبرها به. شعرت بانقباض في صدرها. ربما كانت هذه الوصية رسالة أخيرة. أو تحذيرًا أخيرًا. لكنها لم تكن مستعدة للاعتراف بذلك بعد. حولها بدأت الهمسات ترتفع. بعض الأقارب كانوا ينظرون إليها بحسد واضح. آخرون بدوا غاضبين من استبعادهم من الميراث. سمعت امرأة تجلس في الصف الخلفي تهمس: — بالطبع اختارها... كانت المفضلة لديه دائمًا. فرد رجل بجانبها: — أو ربما لأنه يخفي شيئًا عنها. ارتجفت أصابع أوديت دون أن تشعر. يخفي شيئًا عنها. الغريب أن هذه العبارة أصابتها أكثر من أي شيء آخر. لأنها كانت تشعر بالأمر نفسه تمامًا. وكأن جميع الموجودين في هذه القاعة يعرفون شيئًا تجهله هي وحدها اشتعل الغضب داخلها. حتى بعد موته يحاول التحكم بحياتها؟ ألهذه الدرجة لم يكن يثق بها؟ أمسكت حقيبتها تريد المغادرة لكن أوقفها المحامي قبل مغادرتها — آنسة لوران، لحظة. التفتت إليه بضيق. — ماذا أيضًا؟ — بما أنك الطرف المعني بالوصية اريد ان اسجل رقم للطوارئ في حال حدوث اي شيء مدت هاتفها على مضض. أخذ المحامي الهاتف وسجل رقم لوسيان بنفسه. — انتهينا. أعاد إليها الهاتف. ولم تكلف نفسها حتى عناء النظر إلى الاسم الذي أضيف إلى قائمة جهات الاتصال. قبل مغادرتها بكل هدوء نطقت — أرفض. ثم استدارت مغادرة. لكن قبل أن تصل إلى الباب... انفتح الباب بنفسه. ودخل رجل طويل القامة. توقف الجميع عن الكلام. شعرت أوديت أن الغرفة كلها أصبحت أصغر فجأة. كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة. شعره البني العسلي بدا مرتبًا بعناية. أما عيناه... فكانتا خضراوين بشكل لافت. هادئتان. باردتان. وكأنهما تخفيان أسرارًا كثيرة. دخل بخطوات ثابتة. ثم توقف. وتلاقت عيناه بعيني أوديت للمرة الأولى. شعرت بشيء غريب. شيء يشبه الانزعاج. أو ربما التحدي. أما هو فلم يبدُ متفاجئًا على الإطلاق. وكأنه كان يتوقع وجودها. تقدم نحو المحامي. ثم قال بهدوء: — أعتذر عن التأخير. ابتلعت أوديت ريقها. ونظرت بينه وبين المحامي. ثم سألت بحدة: — من أنت؟ التفت إليها الرجل. وثبتت عيناه عليها لثوانٍ طويلة. قبل أن يجيب بصوت منخفض وواثق: — لوسيان موريه. تجمدت في مكانها. أما هو فأضاف: — وأعتقد أن علينا الحديث، آنسة لوران. لكن أوديت لم تكن تفكر بالحديث. كانت تفكر بشيء واحد فقط. كيف عرف جدها هذا الرجل؟ ولماذا بدا لوسيان وكأنه يعرف بالوصية قبل الجميع؟ **نهاية الفصل الأول.**# الفصل الثاني والعشرون ## الوجه الذي مُحي من الصورة ساد الصمت داخل المكتب. صمت ثقيل. مخيف. وكأن أحدًا سحب الهواء من الغرفة. كانت أوديت تحدق في الصورة القديمة غير قادرة على إبعاد عينيها عنها. الطفلة الصغيرة ذات الشعر النحاسي. الفستان الأبيض. اليد الصغيرة التي كانت ممسكة بيد رجل مجهول. كانت هي. لا شك في ذلك. لكن الرجل... الرجل الذي خُدش وجهه بالحبر الأسود عمدًا... من يكون؟ --- قال مارتن أخيرًا: — سأرسل الصورة إلى المختبر. ربما نستطيع استعادة جزء من الوجه. --- لكن أوديت لم تكن تستمع. كانت تنظر إلى الصورة فقط. إلى تلك اليد. إلى الطريقة التي كان الرجل يمسك بها يدها. --- شعور غريب اجتاحها. شعور بالأمان. رغم أنها لا تتذكره. --- وكأن جسدها تذكر شيئًا نسيه عقلها. --- لاحظ لوسيان شحوب وجهها. فأخذ الصورة من يدها بهدوء. --- — كفى لهذه الليلة. --- رفعت رأسها نحوه. --- — لا. --- — أوديت. --- — لا أريد النوم. لا أريد الانتظار. أريد أن أعرف من هو. --- ولأول مرة منذ أسابيع... لم يكن في صوتها غضب. بل خوف. --- خوف طفلة ضائعة. --- شعر لوسيان بانقباض مؤ
# الفصل الحادي والعشرون ## ما لا يُقال مرّ يومان منذ انهيار أوديت. ويومان منذ تلك الليلة التي شعرت فيها لأول مرة أن الأرض تهتز تحت قدميها من شدة التعب. لم تعد تبكي. ولم تنهَر مجددًا. لكن شيئًا ما تغير. شيء صغير. هادئ. وصعب التفسير. --- كانت تستيقظ كل صباح لتجد فطورها جاهزًا. وفي البداية ظنت أنها مصادفة. لكن عندما تكرر الأمر لليوم الثالث... بدأت تشك. --- — مادلين. قالتها وهي تدخل المطبخ. — نعم؟ — لماذا أصبح الفطور يظهر على طاولتي كل صباح؟ ابتسمت مادلين. ابتسامة تعرفها أوديت جيدًا. وهي الابتسامة التي تسبق الكوارث عادة. --- — لست أنا. --- ضيقت عينيها. — إذًا من؟ --- — اسألي السيد لوسيان. --- تجمدت. --- — لوسيان؟ --- — نعم. --- — مستحيل. --- ضحكت مادلين. --- — وأنا أقول الشيء نفسه كل صباح. --- غادرت أوديت المطبخ وهي تشعر بالارتباك. --- وفي المساء... وجدت فرصة مثالية لمواجهته. --- كان يجلس في المكتبة. غارقًا بين الملفات كالعادة. --- اقتربت منه. ثم وضعت يديها على الطاولة. --- — لماذا؟ --- رفع رأسه. --- — لماذا ماذا؟ --- — الفطور.
# الفصل العشرون ## عندما يقترب الخطر مرت عدة أيام منذ حادثة اقتحام المكتب. عدة أيام لم يظهر خلالها أي أثر جديد للمقتحم. ولا أي تفسير للشعار المنقوش على الزر المعدني. M.R. --- احتفظت أوديت بالزر داخل درج غرفتها. ورغم أنها حاولت إقناع نفسها بأنه مجرد دليل صغير... إلا أنها كانت تعود إليه كل ليلة تقريبًا. تتأمله. وتحاول تذكر إن كانت رأته من قبل. لكن دون جدوى. --- في المقابل... كان لوسيان أكثر انشغالًا من المعتاد. كثير من المكالمات. كثير من الاجتماعات. وكثير من الساعات التي يقضيها خارج القصر. --- وهذا كان يزعجها. --- ليس لأنها تحتاج مساعدته. بالطبع لا. --- بل لأنها كانت معتادة على وجوده. وهذه الحقيقة وحدها أزعجتها أكثر. --- في إحدى الأمسيات... كانت تجلس في المكتبة عندما دخل مارتن. المحقق الخاص. يحمل ملفًا بني اللون. --- — لدي شيء قد يهمكم. قالها وهو يضع الملف فوق الطاولة. --- نهضت أوديت فورًا. بينما أغلق لوسيان الحاسوب أمامه. --- فتح مارتن الملف. وأخرج صورة قديمة. --- اتسعت عينا أوديت. --- كانت الصورة م
# الفصل التاسع عشر ## آثار من الماضي تجمدت أوديت في مكانها. بينما كانت كلمات لوسيان الأخيرة تتردد داخل رأسها. "الشخص الذي اقتحم المكتب... كان يبحث عن الشيء نفسه الموجود داخل الصندوق." اختفى دفء اللحظة التي جمعتهما على الشاطئ. واختفى هدوء الغروب. ليحل محله شعور ثقيل بالخطر. رفعت عينيها نحوه. — ماذا تقصد؟ أعاد الهاتف إلى جيبه. وبدت ملامحه أكثر توترًا مما كانت عليه قبل دقائق. — الحارس وجد باب مكتب جدك مكسورًا. اتسعت عيناها. — ماذا؟ — يبدو أن شخصًا اقتحم المكان قبل وقت قصير. نهضت فورًا. — هل سُرق شيء؟ هز رأسه. — لا أعرف بعد. علينا أن نرى الأمر بأنفسنا. --- سارا بسرعة عبر الحديقة. كان القصر هادئًا على نحو غريب. حتى أصوات الليل بدت بعيدة. ومع كل خطوة كانت أوديت تشعر بانقباض أكبر داخل صدرها. لم يكن المكتب مجرد غرفة. كان آخر مكان بقي يحمل أثر جدها. آخر مكان شعرت فيه أن جزءًا من ماضيها ما زال موجودًا. عند نهاية الممر المؤدي إلى جناح هنري لوران... كان الحارس ينتظرهما. وبدا عليه الارتباك. — سيدي. قالها وهو يلتفت إلى لوسيان. —