All Chapters of طبيبة المريض النفسى: Chapter 21 - Chapter 30

109 Chapters

الفصل 21

عادت إيلينا أدراجها، ليس كهاربة، بل كشريكة مضطرة. دخلت القصر، وكان الهدوء فيه مخيفاً. صعدت الدرج، وكل خطوة كانت تزيد من دقات قلبها. فتحت باب جناح أدريان. كان المكان في حالة فوضى عارمة. الزجاج المحطم لا يزال متناثراً، والمكتب مقلوب رأساً على عقب. كان أدريان جالساً في الزاوية، يضم ركبتيه إلى صدره، ويده النازفة ملفوفة بقطعة قماش مهملة. عندما رأى ظلها على الباب، رفع رأسه. كانت عيناه، اللتان كانتا تلمعان بالجنون، الآن مليئتين بضعف طفولي مرعب. "لقد عدتِ؟" همس بصوت لا يكاد يُسمع. "ظننتكِ كسرتِ النظام ورحلتِ." اقتربت إيلينا منه ببطء، وتجاوزت بقايا الزجاج. لم تكن تشعر بالخوف منه هذه المرة، بل بشفقة عميقة ممزوجة برغبة في الانتقام، لا منه، بل من القوة التي جعلته هكذا. جلست أمامه، وأمسكت بيده المصابة. "أنا هنا،" قالت بهدوء. سحب يده بسرعة، متراجعاً للخلف. "لا تلمسيني! أنا... أنا قذر. أنا ابن الرجل الذي سرق حياة والدك. أنا وحش..." "أنت لست وحشاً،" قاطعته إيلينا، وجذبت يده مرة أخرى، هذه المرة بقوة. "أنت مريض، مريض بهذا القصر، وبهذا الجد، وبهذا الماضي. لكنك لست مذنباً بخطاياهم. نعم، لقد كذبتَ عل
Read more

الفصل 22

لم يكن الفجر في قصر "فولتير" يحمل معه نسمات الهدوء، بل كان يحمل توتراً كهربائياً يسري في الجدران. لم تمر سوى ساعات قليلة على "الصلح" الهش في الغرفة المحطمة، لكن إيلينا لم تكن قد نسيت، وبالتأكيد لم تكن قد سامحت. في المكتب الكبير، كانت الطاولات مغطاة بملفات الشركة، فواتير قديمة، وتقارير حسابية بدت للوهلة الأولى مملة، لكنها في الحقيقة كانت ساحة معركة. إيلينا كانت تجلس بتركيز شديد، تراجع الأرقام، بينما كان أدريان يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً. "هذا الترتيب خاطئ،" قال أدريان وهو يشير إلى كومة ملفات كانت إيلينا قد رتبتها. "السجلات المالية يجب أن تُصنف زمنياً، ثم أبجدياً حسب اسم الشركة المتعاقدة. طريقتكِ في الترتيب 'فوضوية' يا إيلينا، ستضيعين ساعات في البحث عن خيط واحد." رفعت إيلينا رأسها ببطء، ونظرت إليه بنظرة حادة جعلته يتوقف عن الكلام. "أدريان، إذا لمستَ ورقة واحدة من ملفاتي، سأجعلك تتمنى لو أنك بقيت محبوساً في غرفتك. أنا طبيبة، وأعرف كيف أحلل البيانات. 'فوضاي' هذه هي التي كشفت التلاعب الذي عجز نظامك 'المنظم' عن رؤيته لسنوات." تشنجت ملامح أدريان، وظهرت في عينيه تلك الشرارة المألوفة. "أنا
Read more

الفصل 23

هذه عدالة،" ردت إيلينا بصلابة. "إذا كان هناك من يبتزك، فسنكشفه. وإذا كان هناك من يهددنا، فسنواجهه. لن أسمح لكم أن تجعلوني جزءاً من صمتكم مرة أخرى." استدار أدريان ونظر إلى إيلينا. للمرة الأولى، لم يكن يراها كـ "مريضة" أو "سجينة"، بل كشريك يمتلك من القوة ما لا يملكه هو. "نحن سنكشفهم، يا جدي. سواء وافقت أم لا." ضحك الجد ضحكة باهتة، مخيفة. "لقد نجحتِ في تحويله إلى متمرد، يا إيلينا لكن تذكري، المتمردون غالباً ما يموتون في الميدان." خرج الجد، وترك المكتب في حالة صمت مطبق. كان أدريان ينظر إلى إيلينا، وكانت النظرات بينهما هذه المرة مختلفة. لم تكن نظرات حب، بل كانت نظرات اعتراف بالندية. "إذن، نحن ضد العالم؟" سألت إيلينا، وهي تلملم أوراقها. "نحن ضد العاصفة،" رد أدريان، واقترب منها حتى شعرت بحرارة أنفاسه. "لكن كوني حذرة.. العاصفة لا ترحم." "أنا لا أحتاج لرحمتك، أدريان. أحتاج فقط أن تكون بنفس الشجاعة التي أظهرتها للتو،" قالت، ومرت من جانبه متجاهلة القرب الجسدي الذي حاول فرضه، متجهة نحو الباب. "إلى أين أنتِ ذاهبة؟" سأل. التفتت إليه بابتسامة غامضة. "سأذهب لمقابلة ماركوس. أخبرني أن لديه معلوم
Read more

الفصل 24

لأنني أحاول حمايتك من حماقتكِ!" صرخ في وجهها. "أنتِ تبحثين في أشياء ستجعلنا أهدافاً لقتلة محترفين، وتظنين أننا نلعب لعبة شطرنج!" "نحن نلعبها بالفعل!" قالت وهي تقف وتواجهه، عيناها تشتعلان بتحدٍّ. "أنت خائف من كشف الحقيقة لأنك تعتقد أنك ستقف وحيداً. أنت لا تخاف عليّ، أنت تخاف أن تفقد سيطرتك على 'نظامك' إذا انهار القصر!" أمسكها أدريان من ذراعيها، بقوة جعلتها تتأوه خفيفاً، لكنها لم تبتعد. "أنا لا أخاف من الفقد. أنا أخاف من الفوضى التي تسببينها. أنتِ كالإعصار في وسط صحرائي المنظمة." "إذن، ابقَ في صحرائك!" ردت إيلينا وهي تبتعد عنه بحركة حادة، مما جعله يترنح قليلاً بسبب دهشته من قوتها. "إذا كنت لا تستطيع تحمل وجودي، فأنت لا تستحق الحقيقة التي أبحث عنها." صمت الغرفة كان خانقاً. كان الغضب بينهما يتصاعد، لكن تحته كان هناك شيء آخر، شيء غامض، شرارة توتر ليست فقط عداء، بل جاذبية عنيفة ومربكة. كلاهما شعر بها، وكلاهما حاول إنكارها. فجأة، انفتح الباب، ودخل ماركوس وهو يحمل صحناً من الفاكهة، وكأنه دخل إلى حفل شاي وليس إلى ساحة معركة. "صباح الخير يا طيور الحب،" قال ماركوس بابتسامة واسعة، متجاهلاً ا
Read more

الفصل 25

تلاقت أعين أدريان وإيلينا. كانت لحظة صمت طويلة. لأول مرة، شعر أدريان أن إيلينا ليست "مريضة" عليه علاجها، بل هي "خصم" عليه احترامه، و"شريك" عليه الثقة به. "شريك؟" قالت إيلينا بابتسامة خفيفة. "هل ستتمكن من ذلك يا أدريان؟ أم أن كبرياءك سيمنعك من العمل تحت إمرتي في بعض الأمور؟" اقترب أدريان منها، ولم يعد هناك أي توتر عصبٍ، بل كان هناك شيء من الهدوء المريب. "سأعمل معكِ يا إيلينا، لكن لا تنسي.. في نهاية المطاف، أنا من يضع القواعد." "سنرى بشأن القواعد،" قالت وهي تغمز له. في تلك الليلة، كانت إيلينا في غرفتها، تراجع الملفات التي أخذتها من مكتب أدريان سراً. كان هناك اسم تردد كثيراً في التقارير: "السيد كمال". لم يكن مجرد محاسب، بل كان الطبيب الخاص للجد. شخص ما طرق الباب. "إيلينا؟" كان صوت أدريان. فتحت الباب ببطء. كان يقف هناك، وبيده كوب من الشاي الساخن. "لم تستطيعي النوم؟" "أنا أعمل،" قالت وهي تفسح له المجال. "وجدنا شيئاً يا أدريان. الطبيي كمال. لقد كان طبيب والدك، وهو الآن طبيب جدك." تغيرت ملامح أدريان. "كمال؟ إنه رجل عجوز يعيش في أطراف المدينة. إنه لا يتدخل في العمل." "أعتقد أنه يتدخل
Read more

الفصل 26

كان محرك السيارة السوداء يزأر في عتمة الليل، مخترقاً سكون الطريق الصحراوي المؤدي إلى أطراف المدينة، حيث يسكن السيد كمال. داخل السيارة، كان التوتر يطفو فوق السطح مثل زيت فوق ماء، لا يختلط، لكنه حاضر بقوة. أدريان كان يقبض على المقود بقوة، مفاصل أصابعه بيضاء كأنها منحوتة من رخام. كان يراقب الطريق بتركيزٍ مرضي، يتفحص كل مرآة، كل زاوية. "إذا توقفتِ عن مراقبتي وكأنني سأرتكب حادثاً متعمداً، فقد نصل أحياء،" قال أدريان بصوتٍ أجش، عيناه لم تتحركا عن الطريق. إيلينا، التي كانت تجلس بجانبه، التفتت إليه بابتسامة مستفزة. "أنا لا أراقبك يا سيد فولتير، أنا أراقب ردود أفعالك. أنت تقود وكأنك في سباق فورمولا 1، بينما نحن في طريق ريفي موحش. هل تحاول إثارة إعجابي، أم تحاول قتلي؟" سخر أدريان، وظهرت في عينيه لمعة حادة. "لو أردت قتلكِ، لما اخترت حادث سيارة. كنت سأختار شيئاً أكثر... دقة." "أوه، كالمبضع الجراحي مثلاً؟" ردت إيلينا بسرعة، مستغلةً ذكرى الغرفة المحطمة. "لطيف جداً منك." أدريان صمت للحظة، لكن فكه انقبض. "أنتِ لسانكِ يحتاج لجراحة" "وأنت أعصابك تحتاج لجرعة كبيرة من الهدوء،" قالت وهي تلتفت للنافذة
Read more

الفصل 27

نظر إليها أدريان، وأخيراً، توقف عن القيادة بعنف. أوقف السيارة في مكان مظلم، والتفت إليها. كان وجهه قريباً جداً من وجهها. "أنتِ تعيشين في خطر دائم الآن. هل تفهمين ذلك؟ لا توجد عودة." "أنا لم أطلب العودة،" قالت، وهي تمسح الدم عن خده بإصبعها. كانت الحركة عفوية، لكنها جعلت الزمن يتوقف. "أنا أطلب الحقيقة." أمسك أدريان بمعصمها. "الحقيقة ستدمر كل شيء. ستدمرني أنا." "ربما أنت بحاجة للدمار لكي تُبنى من جديد،" همست. في تلك اللحظة، في وسط هذا الطريق المظلم، بين الخطر والموت، كانت هناك لحظة صمت لا يمكن وصفها. كانت هناك "وميض مظلم" غريب؛ كلاهما كان يعلم أن القرب منهما يعني الاحتراق، لكن لا أحد منهما كان يريد الابتعاد. أدريان اقترب أكثر، أنفاسه لاهثة، وعيناه تعكسان صراعاً داخلياً عنيفاً. "أنتِ تجعلينني أريد أشياء لا أستطيع السيطرة عليها." "أحياناً، السيطرة هي الشيء الوحيد الذي يجب أن تفقده،" ردت إيلينا بجرأة. لكن قبل أن يقتربا أكثر، رن هاتف أدريان. كان ماركوس. رد أدريان بحدة. "ماذا؟" "أدريان، الجد... لقد دخل المشفى. أصيب بنوبة قلبية بعد أن اقتحم رجال ملثمون القصر." تجمّد أدريان. كل الألوان
Read more

الفصل 28

كان القصرُ بعد عودتهم من المشفى يُشبه مقبرةً من الرخام الصامت. الضوء الخافت المتسلل من النوافذ الطويلة كان يلقي بظلالٍ متراقصة على الجدران، وكأن القصر نفسه يتنفس قلقاً. أدريان، الذي لم يهدأ منذ لحظة خروجه من غرفة جده، كان يذرع المكتب بخطواتٍ موزونة، يحصي خطواته، يفرك يديه بمعقمٍ كحوليٍّ برائحةٍ نفاذة. إيلينا كانت تجلس خلف المكتب، ملفات "أورورا" مبعثرة أمامها كخارطةِ حربٍ لا ترحم. كانت تقرأ تقارير طبية، تقارير جعلت الدماء تجمد في عروقها. "عشرون خطوة من النافذة إلى المكتب.. ثم استدارة بـ 180 درجة.. ثم عشرون أخرى،" تمتم أدريان بصوتٍ مسموع، وعيناه لا تكفان عن مراقبة تماثل الأثاث. "لماذا أزحتِ الملفات يا إيلينا؟ كانت مرتبة بشكلٍ مائلٍ بزاوية 45 درجة. هذا يفسد التوازن." رفعت إيلينا نظرها، عيناها تشتعلان غضباً ممزوجاً بالشفقة. "أدريان، توقف! أنت لا تحصي خطواتك، أنت تحصي الأيام التي سنعيشها قبل أن نُقتل. التوازن الذي تبحث عنه لا وجود له في هذا العالم!" توقف أدريان فجأة، التفت إليها ببطء، ونظرة "الذنب المقدس" عادت لتسكن عينيه. "أنا أحاول ألا أنهار، إيلينا. جدي يسارع الموت، ونحن نفتح ملفاتٍ
Read more

الفصل 29

خيم الصمت على المكتب الفاخر، لكنه لم يكن صمتاً هادئاً؛ كان صمتاً مشحوناً بتوترٍ حاد. التفت أدريان إلى النافذة، ظهره لغرفته التي لطالما كانت مملكته المنظمة. وضع يده على حافة المكتب الخشبي، وبحركة لا إرادية، بدأ يمسح بإصبعه بقعة غير مرئية على سطح الخشب البراق. "رسالة جدي كانت مبهمة،" قال أدريان بصوتٍ بارد، يغلفه القلق. "كانت تحذيراً مشفراً بأن 'أورورا' بدأت تصفية كل من يقترب من أبحاثهم. جدي ليس من النوع الذي ينهار، لكن يبدو أنهم ضربوه في مقتل.. ضربوا كبرياء عائلته." اقتربت إيلينا منه، لم تكن خائفة، بل كانت تنظر إليه كطبيبة تراقب مريضاً يرفض الاعتراف بمرضه. وضعت يدها على المكتب، وبحركة متعمدة، أزاحت قلمه الذهبي الذي كان يضعه في خط مستقيم تماماً، ليدور القلم ويصبح في وضعٍ مائلٍ بشكلٍ عشوائي. تشنجت عضلات فك أدريان. نظر إلى القلم، ثم إلى عيني إيلينا. "لماذا فعلتِ ذلك؟" "لأن العالم مائل يا أدريان،" قالت بهدوء، وكأنها تناقش حالة سريرية. "لقد جلستَ هنا تحصي خطواتك وتمسح الغبار غير الموجود بينما نحن نغرق. أنت تعتقد أنك تسيطر على الفوضى، لكنك في الحقيقة سجينٌ لها." ضحك ماركوس الذي كان يرتكي
Read more

الفصل 30

​"هذا ليس عبثاً، هذا ترويض،" قالت وهي تتقدم منه ببطء، وتتوقف على بعد سنتيمترات فقط من وجهه، دون أن تلمسه. "أريدك أن تشتهي هذه الفوضى، أريدك أن تتعلم أن الجمال يكمن في 'اللا كمال'. القبلة التي سأعطيك إياها لاحقاً، ستكون فوق هذا الحبر.. وسنلطخ بها كل شيء." ​في هذه اللحظة، وفي الطابق السفلي من القصر، كان الصمت يلف مكتب السكرتير إلياس. كانت يده ترتجف وهي تمسك بتلك الورقة القديمة التي سحبها من الأرشيف السري للجد ألكسندر. لم تكن مجرد فتاة عذراء من اللواتي مررن بحياة أدريان، بل كانت "ليليان".. الفتاة التي ظن أدريان أنه قتلها ببروده وساديته قبل سنوات، الفتاة التي كانت السبب الأول في تعمق مرضه بالـ "نظافة" بعد حادثة غامضة لم تُحكَ تفاصيلها بعد. ​"لقد عادت لباريس،" همس إلياس وهو ينظر لصورة حديثة أرسلها له أحد المخبرين. "وإذا عرفت أن إيلينا هي المرأة الجديدة في حياته.. ستحول باريس إلى ساحة من الدماء." ​بالعودة للجناح العلوي، وصل أدريان إلى حافة الانهيار. لم يعد يحتمل البعد، ولم يعد يحتمل القيود. فجأة، وبحركة برقية كسر فيها كل قوانين إيلينا، فك قيود يديه وهجم عليها، ليسقطا سوياً فوق السجاد الف
Read more
PREV
123456
...
11
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status