جميع فصول : الفصل -الفصل 20

25 فصول

البارت الحادى عشر

اشرقت شمس الصباح الذهبية، لتداعب أشعتها أزهار الربيع المتفتحة في الشرفات، فتفوح رائحتها الزكية في الأرجاء، حاملةً بين طياتها خيوط أمل جديد يزرعه الله في نفوس الصالحين والأتقياء، وبداية لصفحة جديدة تخبئ الكثير لأبطالنا. في الشقة، نهضت سمر من نومها والنشاط يسري في عروقها استعدادًا لمخططها الجديد. توجهت نحو خزانتها وانتقلت منها ملابس تبرز مفاتنها؛ فارتدت بنطالًا من الجينز الثلجي الضيق للغاية الذي يلتصق بجسدها، ونسقت معه بلوزة ناعمة من الشيفون الأصفر الخفيف. وقفت أمام المرآة تطلق لشعرها الأسود العنان لينسدل على كتفيها، وتفننت في وضع مساحيق التجميل بجرأة؛ فكحلت عينيها بـخطوط حادة، وزينت شفتيها بأحمر شفاه لامع باللون الأحمر القاني المثيرة، ثم نثرت عطرها الفواح النفاذ في أرجاء الغرفة. ألقت على مظهرها نظرة أخيرة، وابتسمت لترسل لنفسها قبلة في المرآة؛ ورغم أنها في الحقيقة لم تكن على قدرٍ عالٍ من الجمال الرباني والأنوثة الطاغية مثل حور، إلا أنها كانت تملك دهاءً ينسيها ذلك، وتتقن جيدًا كيف تستخدم جسدها ودلالها كسلاحٍ فتاك في الإغراء، بل تفوقت في تجسيد هذا الدور ببراعة. خرجت سمر من غرفتها تتهادى
اقرأ المزيد

البارت الثانى عشر

أنهت حور ترتيب أركان المنزل وتنظيفه بعناية، ثم تفرغت لطهو الطعام ليكون جاهزًا فور عودة والدها. جلست بعد ذلك فوق الأريكة تلهو مع الصغير "آدم" وتداعبه بنعومة لتسلية وقته، وفجأة، ارتفع صوت رنين جرس الباب. قطبت حور حاجبيها بتعجب واستغراب؛ فليس هذا ميعاد عودة والدها من المصنع، ولا ميعاد شقيقها مصطفى، فخمن في سرها أن سمر فشلت في إيجاد عمل وعادت أدراجها سريعًا للخلف. نهضت حور وفتحت الباب، لكن ملامح وجهها تبدلت تمامًا واتسعت ابتسامتها الرقيقة لتشرق غمازتاها الساحرتان فور رؤية صديقة عمرها وتوأم روحها "جنة". لم تنتظر جنة بل اندفعت نحوها تأخذها بين أحضانها بقوة، وترحب بها بحفاوة واشتياق جارف أنساها تعب صعود الدرج. دلفت جنة إلى داخل ردهة المنزل، وراحت تتجول بعينيها في الأرجاء بدقة لتكتشف أن الشقة هادئة تمامًا وأن صديقتها بمفردها مع الصغير. في الحقيقة، كانت جنة ترغب في لقاء والد حور، عم عادل، مباشرة لتطرح عليه الأمر رسميًا؛ وبالرغم من غيابه، قررت ألا تؤجل الحديث وأن تفاتح حور أولاً بالسبب المصيري الذي جاءت من أجله. جلست الصديقتان معًا، وبدا التردد الواضح يكسو ملامح جنة؛ فهذه هي المرة الأولى في
اقرأ المزيد

البارت الثالث عشر

عقب نزول كل من جنة وحور من المنزل، سارتا في شوارع الحي الهادئة بخطى متمهلة. كانت حور تلاحظ نظرات جنة المترددة وحيرتها طوال الطريق؛ لذا لم تطق صمتًا، والتفتت إليها تسألها باهتمام وعينين تملؤهما الريبة - جرى إيه يا جنة؟ أنا حاسة إن في حاجة كدن.يعني وعاوزة تتكلمي فيه، بس شيفاكي عمالة تقدمي رجل وتأخري التانية.. قولي في إيه؟ تطلعت إليها جنة بابتسامة واسعة انفرجت عن أساريرها، وشعرت بالراحة لأن حور اختصرت عليها معاناة التمهيد والمقدمات الطويلة والدخول في تفاصيل الموضوع الصعب. وقالت حور مازحة لتلطيف الأجواء وهي تتهكم بكلماتها - أوعى تكوني جايبالي عريس يا بنتي وسط الزحمة دي ومن ورايا؟ صدمتها جنة عندما تلاشت ضحكتها سريعًا، وأكدت الأمر بنبرة جادة وقاطعة - فعلاً يا حور.. هو عريس، وعريس لقطة ومش هتلاقي زيه اتنين. في تلك اللحظة، تسمرت حور في مكانها فجأة، ووقفت تتطلع إلى صديقتها بذهول حقيقي صبّ الصمت على شفتيها. وفي ثوانٍ معدودة، دار شريط ذكرياتها المريرة أمام عينيها؛ تذكرت أحلام تخرجها الضائعة، وجسدها الذي ما زال يئن تحت وطأة كدمات شقيقها المتوحش، لتلتصق الدموع بمآقيها وتلتمع عيناها بـحزن شف
اقرأ المزيد

البارت الرابع عشر

دلفت جنة إلى داخل المنزل والبهجة تسبق خطوتها، ووجهها المشرق يحمل علامات النصر. ألقت تحية الصباح بصوت مرتفع تملؤه الحيوية على خالتها السيدة زينب، وتفاجأت بوجود إيناس التي كانت تجلس بملامح واجمة وبجوارها حقائبها. لم تنتظر جنة طويلاً، وسارعت بزفّ البشرى السعيدة التي طال انتظارها، قائلة بحماس - باركولي يا جماعة.. أنا جيت وجايبة لكم الميعاد المنتظر..... عم عادل والد حور وافق ومستنينا يوم الجمعة الجاية الساعة خمسة مساءً إن شاء الله عشان حسن يشوف العروسة. وما إن استقرت الكلمات في مسامع الحاجة زينب، حتى انطلقت من حنجرتها زغرودة مصرية مدوية مجلجلة، هزت أركان الشقة وعبرت عن كل ما يجيش في صدرها من فرحة عارمة ببدء خطوات استقرار بكرها وعزيز قلبها. في تلك الأثناء، كانت إيناس تتابع الموقف بنظرات حادة كالمغارز، يتدفق منها حقد دفين كاد يحرق الأرجاء. انكمشت ملامحها، والتفتت نحو جنة تسألها بجمود وقسوة ظهرت جلية في نبرة صوتها - ومين بقى العروسة دي يا جنة؟ مين البنت اللي هتنال المنزلة العالية دي وتمتلك أخويا وتدخل شقته الجديدة؟ لم تدقق جنة البريئة في المعنى المسموم والغل الكامن وراء السؤال؛ بل أجابت
اقرأ المزيد

البارت الخامس عشر

كان يقف أمام المرآة شاردًا، يتلمس أطراف قميصه وهو يبدل ملابسه بخطوات آلية وئيدة. غام في بحر من الهواجس، فها هو يستعد للذهاب إلى فتاة لا يعلم عنها شيئًا، حتى اسمها تاه من عقله المزدحم بتفاصيل السفر والعمل وترتيبات الشقة. بدأ بدافع الفضول البشري يحاول رسم ملامحها في مخيلته؛ حاول أن يركّب وجهًا في خياله، أن يصنع لها عينين، وطولاً، ونبرة صوت، لكن الصورة كانت دائمًا تنكسر في مخيلته وتتشظى قبل أن تكتمل. كل ما كان يرتسم أمامه هو ملامح باهتة لا ملامح لها، كلوحة رُسمت بـضباب، مما زاد من حالة التوجس والتردد الكامنة في صدره. هل تراه يكرر تجاربه الفاشلة لهذا الأسبوع؟ أم أن هذه المرة تخبئ له قدرًا مختلفًا؟ أفاق حسن فجأة من دوامة أفكاره المتلاطمة وتساؤلاته العميقة على صوت والدته، الحاجة زينب، وهي تطرق باب غرفته وتستعجله بنبرة ملؤها الحماس والبهجة - يلا يا حسن يا ابني.. اخلص وهمّ معانا شوية عشان منروحش متأخرين، الأصول أصول والناس مستنيانا ألقى حسن نظرة أخيرة على هندامه، وعدّل ياقة قميصه الفخم بنفَسٍ عميق، ثم فتح الباب وخرج إليهم بكامل هيبته ووقاره. كان يرتدي حُلة أنيقة كلاسيكية أظهرت عرض كتفيه
اقرأ المزيد

البارت السادس عشر

أنهت فرح جولتها اليومية بنفاد صبر وإرهاق شديدين، وزاد من ثقل اليوم عليها غياب أخيها الأصغر الذي اعتاد مرافقتها، لكن وعكة صحية مفاجئة ألزمته الفراش وحرمتها من سند وجوده بجوارها. وقفت على عتبة الجمعية، تفرك كفيها بقلة حيلة وتجول ببصرها في أرجاء الشارع بحثاً عن سيارة أجرة تقلها إلى المنزل. وفي لمح البصر، انشق سكون الشارع عن هدير محرك صاخب؛ اندفعت دراجة بخارية من بوابة الجمعية بسرعة جنونية، عابرة فوق بركة ماء ملوث بتهور، لتتطاير المياه الآسنة في الهواء وتستقر بكثافة فوق ملابس فرح. اشتعلت النيران في صدرها، ولم تتمالك أعصابها الفلتانة فصرخت خلفه بحنق وعصبية - مش تفتح يا بني آدم أنت؟ التفت السائق على أثر صياحها، وبحركة مباغتة، دار بدراجته وعاد أدراجه ليقف قبالتها تماماً. نزع الخوذة عن رأسه ببرود مستفز، ثم ترجل عن دراجته وتقدم نحوها بخطوات واثقة، رامقاً إياها بنظرات حادة وهو يسأل بجفاء - أنتِ بتقولي لمين الكلام ده؟ ولمي لسانك وأنتِ بتتكلمي معايا. تضاعف ضيق فرح وغضبها؛ فقد ظنت لثوانٍ أنه عاد نادماً ليعتذر عن حماقته، لكنها وجدته يقف أمامها بصلف وبرود لا يطاق. تراجعت خطوة للوراء، مدركة أن
اقرأ المزيد

البارت السابع عشر

عاد حسن إلى المنزل بصحبة والدته وأخويه، والوجوم الذي كان يعلو وجهه قبل الزيارة قد تبدد تماماً، ليحل محله هدوء مريب وهوام لم يخفَ على أحد منذ أن وطئت قدماه بيت حور.جلس في الصالون بجوارهم، بجسد حاضر وعقل غائب؛ فما زالت تلك الكلمات القليلة المتعثرة التي تفوهت بها وهي تستأذن للمغادرة ترن في أذنيه، تطرب لها روحه كأعذب الألحان. تمنى في سرّه لو ملك القدرة على اختزال المسافات والعودة إلى غرفتها الآن، فقط ليشبع جوع أذنيه باحتضان صوتها مجدداً.صورتها وهي ترتبك، وعيناها شديدتا الصفاء والاتساع حين التقت بنظراته لأول مرة، طُبعت بين حنايا قلبه كوشم لا يُمحى، حتى ودّ لو أنه يفتح ضلوع صدره، ويودعها داخل حماه، ثم يغلق عليها الضلوع إلى الأبد فلا يراها إنس ولا جان.يا الله.. أكل هذا يحدث لي من الوهلة الأولى؟تساءل في نفسه بعجب شديد؛ لقد سافر وعاش في الغربة، ورأى من النساء الكثير والكثير، لكنها المرة الأولى في حياته التي يختبر فيها هذا الشعور الطاغي، كأن روحه كانت مبتورة والتحمت أخيراً.من حوله، انطلق جدل أفراد العائلة، وتصاعدت الأصوات بين مؤيد ومعارض لتلك الزيجة، وهو غارق في ملكوته الخاص لا يعي شيئاً م
اقرأ المزيد

البارت الثامن عشر

بينما كان عادل منهمكاً في عمله الشاق، يتصبب عرقاً ويسابق الوقت لإنجاز مهامه، تناهى إلى مسامعه صوت مألوف أتاه من الخلف يلقي عليه التحية بنبرة بشوشة وابتسامة دافئة. التفت عادل، وتجمد في مكانه لبرهة يرد التحية بشرود وعقل مضطرب؛ تضاربت الأفكار في رأسه كعاصفة مفاجئة، وساوره ظن سيئ بأن الشاب قادم اليوم ليعتذر عن إتمام الخطبة بعد أن أعاد حساباته. وفي ثوانٍ معدودة، بدأ عادل يعزي نفسه ويرسم في مخيلته صورة كئيبة لابنته حور وهي تتألم وتتجرع مرارة الخيبة عقب معرفتها بالرفض. قطع حسن حبل ظنونه السوداء وهو يتقدم خطوة، قائلاً باعتذار مهذب - أنا آسف جداً يا عم عادل إني جيتلك فى شغلك من غير ميعاد ولا استئذان.. بس بصراحة الموضوع مهم ومستحيل يستحمل التأجيل. توجس عادل خيفة، وسأله بنبرة حاول جعلها متماسكة - خير يا ابني.. في إيه؟ أخذ حسن نفساً عميقاً، ونظر إليه بثبات قائلاً - أنا جاي النهاردة عشان أعرف رأي حور ورأيك في موضوع جوازنا.. طمني بالله عليك. تنفس عادل الصعداء، وشعر بموجة عارمة من الارتياح تجتاح صدره وتبدد هواجسه. التقط أنفاسه ثم قال بابتسامة عاتبة وعفوية - يا ابني ده ممرش أربع وعشرين ساعة
اقرأ المزيد

البارت التاسع عشر

أشرقت شمس ذلك اليوم المنتظر، لتعلن عن بداية الصبح الأكثر تميزاً في حياة حسن. استيقظ بهمة ونشاط لم يعهدهما من قبل، واندفع نحو نافذة غرفته ليفتحها على مصراعيها، مستقبلاً شعاع الضحى الدافئ الذي غمره بفرحة غامرة، وتسلل برفق ليداعب جفونه ويتخلل أنسجة جسده، حتى استقر في أعماق قلبه النقي، يشع فيه بنور الأمل والتفاؤل. وقف حسن يستنشق نسيم الصباح العليل، يملأ به رئتيه ببطء وعمق، ولسان حاله يؤكد أن هذا اليوم هو أجمل أيام عمره على الإطلاق. التفت نحو خزانة ملابسه، وفتحها وهو يشعر بحيرة عذبة تداعب عقله؛ فالأمر اليوم مختلف، والسعادة التي تملأ كيانه تجعله راغباً في أن يكون بأبهى وأجمل صورة تليق بلقاء حور. تنقلت عيناه بين الثياب، حتى استقر خياره في النهاية على قميص كاروهات أنيق يمتزج فيه اللونان الأحمر والأسود بجاذبية، ومعه بنطال جينز أزرق عصري. خرج من غرفته بخطوات واثقة، وقرر الصعود إلى الطابق الأعلى حيث تقع شقته الجديدة التي أسسها لتكون عش الزوجية. دلف من الباب وتجول ببصره في أرجاء المكان وعيناه تلمعان بالبهجة؛ فكل ركن وكل قطعة أثاث هنا تحمل قصة وتفاصيل شقاء وغربة. وقف في منتصف الصالون، وراحت عينا
اقرأ المزيد

البارت العشرون

يجلس عادل وحور أمام شاشة التلفاز بجسدين حاضرين وعقلين غائبين؛ فكل نبضة تمر تقربهما من الموعد الحاسم. كانت حور مأخوذة بفيضان مشاعرها، تتساءل بوجل... هل سينتهي الأمر هنا؟ فذلك الرجل الذي لم تلتقِ به إلا لماماً، زرع في صدرها راحة عجيبة هزت قناعاتها السابقة بالرفض، وجعلتها تترقب قدومه بلهفة خفية أنكرتها على نفسها. وفي تلك الأثناء، كان عادل يحمل على كتفيه هماً أثقل من الجبال؛ شارد الذهن في كيفية تدبير تكاليف جهاز ابنته، ولديه يقين دامغ بأن ابنه مصطفى لن يمد له يد العون ولو بنذر يسير، فأنانيته أعمت بصيرته. أما في الغرفة المجاورة، فكانت سمر تجوب الأركان كالنمر الحبيس، ينهش الغضب ملامحها وهي تنزل اللعنات على زوجها مصطفى لعجزه عن إيقاف هذه الزيجة. كان مصطفى يستمع إلى ثورتها بدهشة واستنكار؛ فما الذي يهمها إن تزوجت حور أو عنست؟ في كلتا الحالتين لن يدفع هو قرشاً واحداً، لكنه آثر الصمت تجنباً للسيد جلال الذي يسكن تفكير زوجته في الخفاء. قطع هذا التوتر صوت جرس الباب. انتفضت حور كعصفور ذعور وركضت لتهرع إلى غرفتها، بينما نهض عادل بأنفاس متثاقلة ليفتح الباب. وما إن سحب الترباس حتى أطل وجه حسن، وعينا
اقرأ المزيد
السابق
123
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status