"البعض يظن أن الحبر مجرد سائل أسود يجف على الورق، لكنني أعلم يميناً أن بعض الحبر يملك أنفاساً، ونبضاً، وأحياناً.. يملك صوتاً يصرخ." جلستُ في ركني المعتاد بدار النشر القديمة، المطر يضرب زجاج النافذة بانتظام يبعث على الهدوء الذي أفضله دائماً. كفتاة انطوائية تعشق العزلة، لم أكن أجد سلامي النفسي إلا بين جدران الكتب الرطبة ورائحة الأوراق العتيقة. وظيفتي كمصححة لغوية تجعلني أعيش في الظل، خلف الكلمات، أصلح الأخطاء الإملائية وأعيد ترتيب الحروف الساقطة، دون أن يلتفت إليّ أحد. لكن اليوم، لم يكن يوماً عادياً أبداً. وضعتُ أمامي مخطوطة مجهولة وصلت إلى الدار هذا الصباح عبر البريد دون اسم للكاتب، فقط مغلف جلدي قديم يحمل أوراقاً صفراء باهتة مكتوبة بخط يدٍ أنيق، ولكنه مهتز. بمجرد أن لامست أصابعي الصفحة الأولى، لم أشعر بملمس الورق الجاف.. بل سرت في جسدي رعشة غريبة، برودة مفاجئة جعلت أنفاسي تتسارع. وبدا وكأن صوتاً خافتاً وعميقاً، مليئاً باللوعة والخوف، يهمس مباشرة في أعماق قلبي: "أنقذيني.. قبل أن يجف الحبر، وتختفي الحقيقة للأبد." تراجعتُ إلى الخلف قليلاً، وأنا أنظر إلى الورقة بذهول. نظفتُ نظارتي وأع
Last Updated : 2026-07-09 Read more