كانت شمس قرطبة، كعادتها، تلقي بوهجها الذهبي على أسوار قصر الزهراء، فتصبغ الحجارة المنحوتة بألوانٍ تتراقص بين الأحمر القرمزي والبرتقالي الدافئ. داخل حدائق القصر الغنّاء، حيث تتشابك أشجار البرتقال والليمون، وتتفتح زهور الياسمين بعبقها الفوّاح، كانت الأميرة جولنار تجلس عند حافة نافورة رخامية، ينساب منها الماء كخيوط الفضة، يداعب أوراق نبات الآس الخضراء. لم تكن جولنار كباقي أميرات عصرها؛ فعيناها اللوزيتان، اللتان تحملان لون عسل النحل، لم تكونا تعكسان مجرد جمال شرقي آسر، بل بريق ذكاء وفضول لا يهدأ. شعرها الأسود الفاحم، الذي كان ينسدل كشلال حرير على كتفيها، كان يتمايل مع كل حركة، يشي بروح لا تقبل القيود.كانت جولنار في ربيعها العشرين، وقد نشأت في بلاط الأندلس، حيث كانت الفنون والعلوم تتألق كنجوم في سماء المعرفة. لم تكن مجرد أميرة تتقن فنون التطريز والحديث في مجالس النساء، بل كانت فارسة ماهرة، وشاعرة مرهفة الحس، وعازفة عود لا يشق لها غبار. كانت مكتبة والدها، الأمير عبد الرحمن، ملاذها الأثير، حيث كانت تقضي الساعات الطوال بين المخطوطات القديمة وكتب الفلسفة والفلك، تتغذى روحها على رحيق المعرفة.
Last Updated : 2026-07-12 Read more