أميرة الأندلس

أميرة الأندلس

last updateLast Updated : 2026-07-12
By:  Yallow Updated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
10Chapters
4views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

كانت جولنار في ربيعها العشرين، وقد نشأت في بلاط الأندلس، حيث كانت الفنون والعلوم تتألق كنجوم في سماء المعرفة. لم تكن مجرد أميرة تتقن فنون التطريز والحديث في مجالس النساء، بل كانت فارسة ماهرة، وشاعرة مرهفة الحس، وعازفة عود لا يشق لها غبار. كانت مكتبة والدها، الأمير عبد الرحمن، ملاذها الأثير، حيث كانت تقضي الساعات الطوال بين المخطوطات القديمة وكتب الفلسفة والفلك، تتغذى روحها على رحيق المعرفة. كانت تحلم بالحرية، بالترحال، باكتشاف عوالم جديدة تتجاوز أسوار قصرها الذهبية، لكنها كانت تدرك، في أعماقها، أن قدرها كأميرة قد خطّ لها مساراً آخر. في ذلك الصباح، لم يكن رنين الماء المتساقط في النافورة هو الوحيد الذي يملأ أذنيها، بل كان هناك همس خفي، صوت قلق يتسلل من أروقة القصر، يشي بحدث جلل. كانت قد لاحظت حركة غير معتادة بين الخدم والحاشية، وجوه متوجسة، ونظرات متبادلة تحمل الكثير من الأسئلة.

View More

Chapter 1

الفصل الأول: رنين الأندلس وصدى القدر

كانت شمس قرطبة، كعادتها، تلقي بوهجها الذهبي على أسوار قصر الزهراء، فتصبغ الحجارة المنحوتة بألوانٍ تتراقص بين الأحمر القرمزي والبرتقالي الدافئ. داخل حدائق القصر الغنّاء، حيث تتشابك أشجار البرتقال والليمون، وتتفتح زهور الياسمين بعبقها الفوّاح، كانت الأميرة جولنار تجلس عند حافة نافورة رخامية، ينساب منها الماء كخيوط الفضة، يداعب أوراق نبات الآس الخضراء. لم تكن جولنار كباقي أميرات عصرها؛ فعيناها اللوزيتان، اللتان تحملان لون عسل النحل، لم تكونا تعكسان مجرد جمال شرقي آسر، بل بريق ذكاء وفضول لا يهدأ. شعرها الأسود الفاحم، الذي كان ينسدل كشلال حرير على كتفيها، كان يتمايل مع كل حركة، يشي بروح لا تقبل القيود.

كانت جولنار في ربيعها العشرين، وقد نشأت في بلاط الأندلس، حيث كانت الفنون والعلوم تتألق كنجوم في سماء المعرفة. لم تكن مجرد أميرة تتقن فنون التطريز والحديث في مجالس النساء، بل كانت فارسة ماهرة، وشاعرة مرهفة الحس، وعازفة عود لا يشق لها غبار. كانت مكتبة والدها، الأمير عبد الرحمن، ملاذها الأثير، حيث كانت تقضي الساعات الطوال بين المخطوطات القديمة وكتب الفلسفة والفلك، تتغذى روحها على رحيق المعرفة. كانت تحلم بالحرية، بالترحال، باكتشاف عوالم جديدة تتجاوز أسوار قصرها الذهبية، لكنها كانت تدرك، في أعماقها، أن قدرها كأميرة قد خطّ لها مساراً آخر.

في ذلك الصباح، لم يكن رنين الماء المتساقط في النافورة هو الوحيد الذي يملأ أذنيها، بل كان هناك همس خفي، صوت قلق يتسلل من أروقة القصر، يشي بحدث جلل. كانت قد لاحظت حركة غير معتادة بين الخدم والحاشية، وجوه متوجسة، ونظرات متبادلة تحمل الكثير من الأسئلة. لم يطل انتظارها، فسرعان ما دخلت عليها مربيتها، السيدة فاطمة، وهي امرأة عجوز حكيمة، قضت عمرها في خدمة العائلة الأميرة. كانت ملامح فاطمة تحمل مزيجاً من الحزن والأسى، وهو ما لم يخطئ قلب جولنار في التقاطه.

"ما الخطب يا فاطمة؟" سألت جولنار بصوت هادئ، لكن نبرتها كانت تحمل قلقاً خفياً. "أرى في عينيكِ ما لم أعهده."

تنهدت فاطمة بعمق، وجلست بجوار الأميرة، ثم أمسكت بيدها الرقيقة وقالت بصوت خافت، وكأنها تخشى أن يسمع الجدران همسها: "يا ابنتي، لقد جاء الخبر من مجلس الأمير. أمر جلل قد حلّ، وقدركِ قد خطّ له مساراً جديداً."

تشنجت أصابع جولنار قليلاً، فقد كانت تخشى مثل هذه اللحظات. كانت تدرك أن قدر الأميرات غالباً ما يكون مرتبطاً بمصالح الممالك، وأن حريتهن الشخصية غالباً ما تكون الثمن. "تكلمي يا فاطمة، لا تخفي عني شيئاً."

"لقد تقرر زواجكِ يا أميرتي،" قالت فاطمة، وعيناها تفيضان بالدموع. "زواج سياسي، من أمير بغداد، الأمير طارق، قائد الجند العباسي."

سقطت الكلمات على جولنار كالصاعقة. بغداد! عاصمة الخلافة العباسية، بعيدة كل البعد عن أندلسها الحبيبة. الأمير طارق! لم تسمع عنه سوى أنه قائد عسكري قوي، رجل حرب، لا رجل فنون وشعر. شعرت وكأن قلباً ثقيلاً قد استقر في صدرها، يضغط على أنفاسها. "زواج سياسي؟" همست، وكأنها تحاول استيعاب الكلمات. "لكن... لماذا؟ ومتى؟"

شرحت فاطمة لجولنار أن التحالفات السياسية بين الأندلس وبغداد أصبحت ضرورية لمواجهة تهديد خارجي مشترك يلوح في الأفق. كان والدها، الأمير عبد الرحمن، قد وافق على هذه الصفقة لضمان استقرار مملكته وحماية شعبه. كان زواج جولنار من الأمير طارق هو الثمن، هو الرهان الذي سيضمن هذا التحالف. كان القرار قد اتخذ بالفعل، ولم يكن هناك مجال للرفض أو النقاش. كانت جولنار مجرد قطعة شطرنج في لعبة أكبر، لعبة السلطة والنفوذ.

شعرت جولنار بالغضب يتأجج في صدرها. غضب من هذا القدر الذي يسلبها حريتها، من هذه التقاليد التي تحولها إلى سلعة، من هذا العالم الذي لا يرى فيها سوى أداة لتحقيق مصالح الرجال. كانت قد حلمت بالحب، بالزواج من رجل يشاركها شغفها بالفن والمعرفة، رجل يرى فيها روحاً لا جسداً. لكن أحلامها تحطمت على صخرة الواقع السياسي القاسي. كانت تعلم أن عليها أن تتقبل مصيرها، لكن روحها المتمردة كانت ترفض الاستسلام.

في الأيام التالية، عاشت جولنار في دوامة من المشاعر المتناقضة. كانت تحاول أن تظهر القوة والقبول أمام والدها وحاشية القصر، لكن في خلوتها، كانت دموعها تنهمر بصمت، تعبيراً عن حزنها على أحلامها الضائعة. كانت تتأمل في حديقة قصر الزهراء، في أشجار البرتقال التي كانت ترمز لها بالحرية والجمال، وتشعر وكأنها ستفارق جزءاً من روحها عندما تغادر الأندلس. كانت تستمع إلى أنغام العود الحزينة التي تعزفها أصابعها، وكأنها ترثي حياتها القديمة.

في إحدى الليالي، تسللت إلى مكتبة والدها، حيث كانت تجد العزاء دائماً. تجولت بين الرفوف، تتلمس الكتب القديمة، وكأنها تبحث عن إجابة، عن مخرج. وقعت عيناها على كتاب قديم عن تاريخ الخلافة العباسية. فتحته وبدأت تقرأ عن بغداد، عن عظمة هارون الرشيد، عن بيت الحكمة، عن العلماء والفلاسفة الذين أثروا العالم. شعرت ببعض الفضول يتسلل إلى قلبها. ربما لم تكن بغداد مجرد سجن، ربما كانت عالماً جديداً ينتظرها، عالماً يمكنها أن تجد فيه بعضاً من أحلامها الضائعة. لكن هذا الأمل كان خافتاً، محاطاً بالخوف من المجهول، ومن رجل لا تعرف عنه شيئاً سوى أنه قائد عسكري صارم.

كانت تعلم أن رحلتها إلى بغداد ستكون رحلة بلا عودة، رحلة ستغير حياتها إلى الأبد. كانت تستعد لمواجهة قدرها، لكنها كانت عازمة على ألا تستسلم لليأس. كانت جولنار أميرة الأندلس، وستظل تحمل روح الأندلس معها أينما ذهبت. كانت ستواجه الأمير طارق، وقصر بغداد، وكل التحديات التي تنتظرها، بروحها المتمردة وذكائها الحاد. كانت تعلم أن هذه الصفقة السياسية قد تكون بداية لنهاية أحلامها، أو ربما، بداية لقصة لم تكتب بعد، قصة حب تتحدى كل القيود، قصة ستغير مجرى التاريخ. كانت الشمس تغرب على قرطبة، تلقي بظلالها الطويلة على القصر، وكأنها تودع الأميرة الشابة، التي كانت على وشك أن تبدأ رحلتها نحو المجهول، نحو بغداد، نحو قدرها المحتوم.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
10 Chapters
الفصل الأول: رنين الأندلس وصدى القدر
كانت شمس قرطبة، كعادتها، تلقي بوهجها الذهبي على أسوار قصر الزهراء، فتصبغ الحجارة المنحوتة بألوانٍ تتراقص بين الأحمر القرمزي والبرتقالي الدافئ. داخل حدائق القصر الغنّاء، حيث تتشابك أشجار البرتقال والليمون، وتتفتح زهور الياسمين بعبقها الفوّاح، كانت الأميرة جولنار تجلس عند حافة نافورة رخامية، ينساب منها الماء كخيوط الفضة، يداعب أوراق نبات الآس الخضراء. لم تكن جولنار كباقي أميرات عصرها؛ فعيناها اللوزيتان، اللتان تحملان لون عسل النحل، لم تكونا تعكسان مجرد جمال شرقي آسر، بل بريق ذكاء وفضول لا يهدأ. شعرها الأسود الفاحم، الذي كان ينسدل كشلال حرير على كتفيها، كان يتمايل مع كل حركة، يشي بروح لا تقبل القيود.كانت جولنار في ربيعها العشرين، وقد نشأت في بلاط الأندلس، حيث كانت الفنون والعلوم تتألق كنجوم في سماء المعرفة. لم تكن مجرد أميرة تتقن فنون التطريز والحديث في مجالس النساء، بل كانت فارسة ماهرة، وشاعرة مرهفة الحس، وعازفة عود لا يشق لها غبار. كانت مكتبة والدها، الأمير عبد الرحمن، ملاذها الأثير، حيث كانت تقضي الساعات الطوال بين المخطوطات القديمة وكتب الفلسفة والفلك، تتغذى روحها على رحيق المعرفة.
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
الفصل الثاني: ظل الأمير ورهبة القصر
في بغداد، مدينة السلام، حيث تتمازج أصوات الباعة في الأسواق الصاخبة مع تراتيل المساجد الشاهقة، وحيث تتدفق دجلة الخير كشريان حياة يروي الأرض، كان الأمير طارق يجلس في مجلسه الخاص، يطالع خريطة واسعة للخلافة العباسية. لم يكن طارق كباقي أمراء عصره؛ فملامحه الحادة، وعيناه السوداوان اللتان تحملان نظرة ثاقبة، لم تكونا تعكسان مجرد هيبة وسلطة، بل عمق تفكير وحنكة عسكرية لا تضاهى. شعره الأسود القصير، الذي كان يزينه وشاح من الحرير الفاخر، كان يشي برجل لا يعرف الترف بقدر ما يعرف الواجب. كان في الثانية والثلاثين من عمره، وقد قضى معظم حياته في ساحات القتال، يدافع عن حدود الخلافة ويوسع نفوذ إمارته.نشأ طارق في بيئة عسكرية صارمة، حيث تعلم الفروسية وفنون القتال منذ نعومة أظفاره. لم يكن يوماً يرى في القصور الفخمة سوى مراكز للسلطة، وفي الزواج سوى وسيلة لتعزيز التحالفات. كانت حياته مكرسة لإمارته، لشعبه، وللخلافة العباسية. لم يكن لديه وقت للأحلام الرومانسية أو المشاعر الرقيقة. كان يرى في زواجه من أميرة الأندلس، جولنار، مجرد صفقة سياسية ضرورية لتوحيد الصفوف ضد تهديد خارجي يلوح في الأفق، تهديد يهدد استقرار الخ
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
الفصل الثالث: رحلة الغربة ولقاء القدر
كانت الرحلة من قرطبة إلى بغداد رحلة شاقة وطويلة، امتدت لأسابيع عبر سهول وجبال وصحارٍ قاحلة. كانت جولنار تجلس في هودجها الفاخر، الذي كان مزيناً بالحرير المطرز والذهب، لكن قلبها كان مثقلاً بالغربة والحزن. كانت تتأمل المناظر الطبيعية التي تتغير من حولها، من خضرة الأندلس اليانعة إلى قسوة الصحراء العربية، وكأنها ترى في هذا التغير انعكاساً لحياتها التي انقلبت رأساً على عقب. كانت تتذكر كلمات فاطمة، مربيتها، التي ودعتها بدموع حارة، ونصائحها بأن تكون قوية وصابرة، وأن تتذكر دائماً أنها أميرة الأندلس.كان الوفد المرافق لجولنار كبيراً، يضم حراساً وفرساناً وخدم، بالإضافة إلى بعض العلماء والشعراء الذين أرسلهم والدها ليكونوا رفقاء لها في غربتها. كان زياد الأندلسي، قائد حرس والدها، على رأس الفرسان، يراقب الطريق بعين يقظة، ويحرص على سلامة الأميرة. كان زياد فارساً شجاعاً، مخلصاً لعائلة جولنار، وقد نشأ معها في القصر، وكانت بينهما علاقة أخوة وصداقة عميقة. كانت جولنار تشعر ببعض الأمان بوجوده، لكنها كانت تدرك أن وجوده لن يغير من حقيقة مصيرها.في إحدى الليالي، بينما كان الوفد يخيم في واحة خضراء، تسللت جولنا
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
الفصل الرابع: همسات القصر ومكائد الظلال
مرت الأيام الأولى لجولنار في قصر الأمير طارق كأنها دهر. كانت تشعر وكأنها طائر حبيس في قفص ذهبي، محاطة بالخدم والحشم، لكنها وحيدة في أعماقها. كان الجناح المخصص لها فخماً بكل معنى الكلمة، يضم غرفاً واسعة مزينة بالنقوش الإسلامية البديعة، وأثاثاً فاخراً من خشب الأبنوس والعاج، لكنه لم يكن يحمل دفء بيتها في الأندلس. كانت تقضي معظم وقتها في غرفتها، تتأمل الحدائق الغناء من نافذتها، أو تقرأ الكتب التي أحضرتها معها من قرطبة، محاولة أن تجد بعض العزاء في صفحاتها.كانت علاقتها بالأمير طارق باردة ورسمية. كان يزورها بين الحين والآخر، يتبادلان أطراف الحديث عن شؤون القصر والإمارة، لكن حديثهما كان خالياً من أي مشاعر. كانت تشعر وكأنه يؤدي واجباً، لا أكثر. كانت نظراته تحمل دائماً تلك الصرامة التي تخفي وراءها الكثير، لكنها لم تستطع أن تفك شفرتها. كانت تتساءل عما يدور في عقله، وعما إذا كان يشعر بنفس الوحدة التي تشعر بها.في إحدى الصباحات، بينما كانت تتناول إفطارها في غرفتها، دخلت عليها ليلى، الجارية التي خصصت لخدمتها. كانت ليلى فتاة في مثل عمرها، ذات ملامح رقيقة وعينين ذكيتين. كانت تتحدث بلهجة بغدادية لطيف
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
الفصل الخامس: صدى الأندلس في قلب بغداد
بعد المواجهة الحادة مع الأمير طارق، شعرت جولنار وكأن جدران القصر قد ضاقت عليها أكثر من أي وقت مضى. كانت كلماته القاسية، التي تذكرها بأنها مجرد زوجة سياسية، تتردد في أذنيها كصدى مؤلم. انسحبت إلى جناحها، ورفضت مقابلة أي أحد، حتى ليلى التي حاولت التخفيف عنها. كانت تشعر بالغضب، باليأس، وبحنين جارف إلى الأندلس، إلى حريتها التي سلبت منها. جلست عند نافذتها، تتأمل النجوم التي بدت باهتة في سماء بغداد مقارنة بنجوم قرطبة المتلألئة، وتذكرت ليالي الأندلس الدافئة، حيث كانت تعزف على عودها تحت ضوء القمر، وتتلو قصائد الحب والحرية.في الأيام التالية، حاولت جولنار أن تلتزم بالتقاليد الصارمة للقصر. كانت تحضر مجالس الحريم، وتستمع إلى أحاديث النساء عن الموضة والمجوهرات، لكن روحها كانت غائبة. كانت تشعر وكأنها تمثل دوراً، دور الأميرة الصامتة التي لا تملك من أمرها شيئاً. كانت تلاحظ نظرات سمية، ابنة الوزير جعفر، التي كانت تحمل مزيجاً من الشماتة والغيرة. كانت سمية تحاول دائماً أن تظهر تفوقها عليها، وأن تذكرها بأنها غريبة في هذا القصر، وأن مكانتها ليست سوى نتيجة لصفقة سياسية.لكن جولنار لم تكن لتستسلم بسهولة. كا
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
الفصل السادس: عين مسرور وأسرار المدينة
بينما كانت جولنار تحاول أن تجد موطئ قدم لها في قصر الأمير طارق، كانت بغداد، المدينة الصاخبة، تخفي في أزقتها وحواريها الكثير من الأسرار والتحركات المريبة. كان مسرور، بائع العطور المتجول، هو العين الساهرة على هذه الأسرار. لم يكن مسرور مجرد بائع بسيط، بل كان شبكة معلومات متنقلة، يعرف كل صغيرة وكبيرة تدور في المدينة. كانت ابتسامته الدائمة ولسانه المعسول يخفيان وراءهما عقلاً حاداً وذكاءً فطرياً، جعله قادراً على جمع المعلومات دون أن يثير الشكوك.في ذلك المساء، كان مسرور يجلس في مقهى شعبي في قلب سوق بغداد، يحتسي كوباً من الشاي الساخن، ويستمع إلى أحاديث الناس. كانت أذناه تلتقطان كل كلمة، وعيناه تراقبان كل حركة. لاحظ مسرور مجموعة من الرجال الغرباء، يرتدون ملابس لا تشبه ملابس أهل بغداد، يتحدثون بصوت خافت في زاوية المقهى. كانت كلماتهم المتقطعة، التي تتحدث عن "صفقة" و"موعد" و"الوزير جعفر"، تثير فضوله. كان مسرور يعلم أن الوزير جعفر رجل طموح، لا يتورع عن فعل أي شيء لزيادة نفوذه، وأن له أعداء كثر.بعد أن غادر الرجال المقهى، تبعهم مسرور خلسة، متخفياً في زحام السوق. قادوه إلى بيت مهجور في أطراف المدين
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
الفصل السابع: لقاء في بيت الحكمة ونظرات الأمير
كانت جولنار قد وجدت في بيت الحكمة ملاذاً لروحها المتعطشة للمعرفة، وهروباً من قيود القصر وهمساته. كانت تقضي ساعات طويلة بين رفوف الكتب، تتصفح المخطوطات النادرة، وتستمع إلى نقاشات العلماء والفلاسفة. كانت تشعر وكأنها تعود إلى الأندلس، إلى مكتبة والدها، حيث كانت تجد ذاتها الحقيقية. الشيخ الحسن، بابتسامته الحكيمة وعلمه الواسع، أصبح مرشدها وصديقها، يفتح لها آفاقاً جديدة من المعرفة، ويساعدها على فهم تعقيدات بغداد وتاريخها.في أحد الأيام، بينما كانت جولنار منهمكة في قراءة مخطوط قديم عن الفلك، دخل الأمير طارق إلى بيت الحكمة. لم يكن حضوره مفاجئاً، فقد كان يزور بيت الحكمة بين الحين والآخر للاطلاع على آخر الاكتشافات العلمية، أو للتشاور مع العلماء حول بعض القضايا التي تهم الإمارة. لكن هذه المرة، كانت عيناه تبحثان عن شيء آخر. كان قد سمع من الشيخ الحسن عن شغف جولنار بالمعرفة، وعن ذكائها الحاد، وكان يشعر بفضول متزايد تجاهها.لاحظت جولنار وجوده، وشعرت ببعض التوتر. كانت هذه هي المرة الأولى التي تراه فيها خارج إطار القصر الرسمي، وفي مكان يجمع بينهما شغف مشترك. رفعت عينيها إليه، وتبادلا نظرة سريعة. كانت
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
الفصل الثامن: رسائل خفية وشكوك متزايدة
بعد لقائها الودي مع السيدة زبيدة، شعرت جولنار ببعض الأمل يتسلل إلى قلبها. لم تعد تشعر بأنها وحيدة تماماً في هذا القصر الغريب. كانت زياراتها لبيت الحكمة قد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من روتينها اليومي، حيث كانت تجد العزاء في صحبة الشيخ الحسن ورفقة الكتب. كانت قد بدأت تشعر بأن بغداد لم تعد مجرد سجن ذهبي، بل عالماً جديداً مليئاً بالمعرفة والاكتشافات.في إحدى الأمسيات، بينما كانت جولنار تتصفح بعض المخطوطات القديمة في جناحها، لاحظت وجود رسالة صغيرة مطوية بعناية بين صفحات أحد الكتب. كانت الرسالة مكتوبة بخط أنيق، وتحمل توقيعاً غامضاً: "عين بغداد". فتحت جولنار الرسالة بفضول، وبدأت تقرأ. كانت الرسالة تحذرها من مؤامرة تحاك في الخفاء، وتذكرها بأن هناك من يتربص بها وبزوجها. كانت الرسالة غامضة، لكنها كانت تحمل الكثير من التحذير.شعرت جولنار ببعض القلق. كانت تتساءل من هو "عين بغداد"، ومن الذي يحاول تحذيرها. هل هو صديق أم عدو؟ هل هذه الرسالة حقيقية أم مجرد خدعة؟ قررت أن تحتفظ بالرسالة سراً، وأن تراقب الأحداث عن كثب. كانت تدرك أن عليها أن تكون حذرة، وأن لا تثق بأي أحد بسهولة في هذا القصر المليء بالأسرار.ف
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
الفصل التاسع: زياد الأندلسي.. ظهور من الماضي
في خضم هذه الأجواء المشحونة بالترقب والمؤامرات، وبينما كانت جولنار تحاول فك رموز الرسالة الغامضة من "عين بغداد"، وصل إلى بغداد وفد دبلوماسي رفيع المستوى من الأندلس. كان الوفد يحمل رسائل من أمير قرطبة إلى الخليفة العباسي، ويضم في صفوفه شخصية لم تتوقع جولنار رؤيتها في هذا التوقيت بالذات: زياد الأندلسي، قائد حرس والدها وصديق طفولتها. كان زياد قد جاء ضمن الوفد بصفته أحد الفرسان الموثوق بهم، لكن في أعماقه، كان يحمل دافعاً آخر لرحلته الطويلة إلى بغداد: الاطمئنان على جولنار، التي تركها خلفه بقلب مثقل.عندما رأت جولنار زياد في قاعة الاستقبال الكبرى، شعرت بمزيج من الفرح والحنين والألم. كانت رؤيته تذكرها بوطنها الأم، بحريتها الضائعة، وبأحلامها التي تحطمت على صخرة الواقع. كانت عيناها تلتقيان بعيني زياد للحظة، شعرت فيها وكأن الزمن قد توقف. كانت نظراته تحمل الكثير من الشوق والقلق، وكأنه يحاول قراءة ما يدور في أعماقها. تقدمت منه، وتبادلا التحية الرسمية، لكن في أعماقهما، كانت هناك ألف كلمة لم تقال.كان الأمير طارق يراقب هذا اللقاء من بعيد. كان قد سمع عن زياد الأندلسي، وعن قربه من جولنار في الأندلس.
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
الفصل العاشر: عاصفة الغيرة وندم الأمير
بعد المواجهة العاصفة في حدائق القصر، انسحب الأمير طارق إلى جناحه، وقلبه يشتعل غضباً لم يعهده من قبل. كانت صورة جولنار وزياد وهما يتحدثان في الظلام تتردد في ذهنه، تغذي نيران الشك والغيرة. كان قد حاول جاهداً أن يقنع نفسه بأن هذا الزواج مجرد واجب سياسي، وأن مشاعره تجاه جولنار لا تتجاوز حدود الاحترام. لكن رؤيتهما معاً، بهذه الطريقة الحميمية، حطمت كل قناعاته، وكشفت عن مشاعر عميقة كان يجهلها أو يتجاهلها. شعر بالخيانة، بالغضب، وبإهانة كبريائه كأمير وقائد.في المقابل، عادت جولنار إلى جناحها، وقلبها ينزف ألماً وإهانة. كانت كلمات طارق القاسية، ونظراته الغاضبة، قد جرحتها بعمق. كانت تشعر وكأنها قد تعرضت للظلم، وأنها أصبحت ضحية لمكيدة دبرتها سمية ببراعة. كانت تعلم أن زياد لم يكن سوى صديق مخلص، وأن حديثهما لم يتجاوز حدود الحنين إلى الوطن. لكن طارق لم يمنحها فرصة للدفاع عن نفسها، بل حكم عليها من النظرة الأولى. شعرت باليأس، وبالوحدة، وبحنين جارف إلى الأندلس، حيث كانت حريتها مصونة، وكرامتها محفوظة.في اليوم التالي، ساد صمت مطبق على القصر. كانت الأجواء مشحونة بالتوتر، والخدم والحشم يتجنبون الحديث عن ما
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status