في العام الخامس من زواجها برشيد، طلب منها للمرة الثالثة أن تسافر شيرين معهم إلى الخارج للاستقرار هناك.
وضعت أمل الطعام الذي قد أنهته للتو على الطاولة، ثم سألته بهدوءعن السبب.
لم يراوغ، ولم يحاول الالتفاف حول الحقيقة، بل واجهها مباشرة:
"لم أعد أرغب في إخفاء الأمر عنكِ. شيرين تعيش في المجمع السكني المجاور لنا."
"لقد رافقتني طوال تسع سنوات، وأنا مدين لها بالكثير. وهذه المرة، حين أسافر، لا بد أن تأتِ معي."
لم تصرخ أمل، ولم تنفجر بالبكاء، بل بهدوءِ تام... قامت بحجز تذكرة سفر لشيرين بنفسها.
ظن رشيد أنها أخيرًا قد تداركَت الأمر.
في يوم الرحيل، رافقتهما إلى المطار، شاهدتهما وهما يصعدان الطائرة، ثم... استدارت وصعدت إلى الطائرة التي ستعيدها إلى منزل والديها.
1
لحظة انفجار المختبر، ركض حبيبي جاسر شاهين بقلق نحو شذى رأفت بنت أخيه بالتبني والتي كانت في أبعد نقطة في المكان، وضمها بإحكام لصدره.
بعد توقف صوت الانفجار، قام فورًا بحملها وأخذها للمستشفى.
ولم ينظر إليّ حتى، أنا الملقاة على الأرض ومغطاة بالدماء ــ ــ
تلك الفتاة التي رباها لثمانية عشر عامًا احتلت قلبه بالكامل.
لم يعد هناك مكانًا لشخصٍ آخر.
أرسلني زميلي بالعمل للمستشفى، نجوت من الموت بصعوبة.
بعد خروجي من العناية المركزة، تورمت عيناي من البكاء، واتصلت بأستاذي.
"أستاذ كارم، لقد اتخذت قراري، أنا أوافق أن أذهب معك للعمل على الأبحاث السرية. حتى وإن كنا سنرحل بعد شهر، ولن نقدر على التواصل مع أي شخص لمدة خمس سنوات، فلا بأس بهذا."
بعد شهر، كان موعد زفافي المنتظر منذ وقتٍ طويل.
لكن، أنا لا أريد الزواج.
بعد قصة حبٍ دامت خمس سنوات، كان من المفترض أن أتزوج من خطيبي المحامي، لكنه ألغى زفافنا اثنتين وخمسين مرة.
في المرة الأولى، وبحجة أن متدربته الجديدة أخطأت في أحد الملفات، هرع عائدًا إلى مكتبه وتَركَني وحيدةً على الشاطئ طوال اليوم.
في المرة الثانية، وفي منتصف مراسم الحفل، غادر فجأة ليساعد نفس المتدربة بعد أن ادعى أنها تتعرض لمضايقات، وتَركَني أضحوكةً يسخر منها المدعوون.
وتكرر السيناريو ذاته مرارًا وتكرارًا؛ فبغض النظر عن الزمان أو المكان، كانت هناك دائمًا "مشكلة طارئة" تخص تلك الفتاة وتستدعي وجوده.
أخيرًا، وحينما تلاشى آخر أملٍ في قلبي، قررتُ أن أطوي صفحته إلى الأبد.
لكن في اليوم الذي حزمتُ فيه حقائبي ورحلتُ عن المدينة، جُن جنونه، وأخذ يقلب العالم بحثًا عني.
أثناء ما كنتُ أقطّع قطعة قطعة، بذلت قصارى جهدي للاتصال بأخي بدر العدواني.
قبل تشتت وعيي بلحظات، أجاب على الهاتف، وكانت نبرة صوته مليئة بالاستياء.
"ما الأمر مجددًا؟"
"بدر العدواني، أنقذ..."
لم أكمل كلامي، لكنه قاطعني مباشرة.
"لم تحدث المشاكل طوال الوقت؟ نهاية الشهر سيكون حفل بلوغ زينب، إذا لم تحضري، فسأقتلك!"
بعد قوله ذلك، أغلق الهاتف دون تردد.
لم أستطع تحمل الألم، وأغلقت عيني للأبد، ولا تزال الدموع تسيل من زوايا عيني.
بدر العدواني، لست بحاجة لقتلي، لقد متّ بالفعل.
في مأدبة عشاء العائلة، أخرجت أمي صورًا لعدة رجال وسألتني من منهم أرغب في الزواج منه.
في هذه الحياة، لم أختر مازن رشوان مجددًا، بل أخرجت صورة من حقيبتي وناولتها إياها.
كان من بالصورة خال مازن الصغير، والرئيس الفعلي الحالي لعائلة رشوان، آسر رشوان.
اندهشت والدتي للغاية، ففي النهاية، كنت ألاحق مازن لسنوات عديدة.
لكن ما لم تكن تعرفه هو أنه بعد زواجي المدبر من مازن في حياتي السابقة، كان نادرًا ما يعود إلى المنزل.
كنت أظن أنه مشغول جدًا بالعمل، وفي كل مرة كنت أسأله، كان يُلقي باللوم كله عليّ أنا وحدي.
حتى يوم ذكرى زواجنا العشرين، كسرت صندوقًا كان يحتفظ به دائمًا في الخزانة.
فأدركت حينها أن المرأة التي أحبها طوال الوقت كانت أختي الصغرى.
عدم عودته إلى المنزل كان لأنه لم يرغب في رؤيتي فقط.
لكن في يوم الزفاف، عندما مددتُ الخاتم الألماس نحو آسر.
جن مازن.
كانت القاعة الكبرى في قصر فاندربيلت باردة كصاحبها. جلست إيليا بهدوء، يدها ترتجف قليلاً وهي تمسك القلم أمام ورقة "اتفاقية الطلاق".
دخل أرثر، خطواته الثقيلة تعكس سلطته. رمى معطفه الأسود على الأريكة ونظر إليها بعينين خالية من أي دفء.
"وقعي يا إيليا. لقد انتهت السنوات الثلاث. شقيقتي استعادت قدرتها على المشي، ولم يعد لوجودكِ في هذا البيت أي معنى."
لما نتكلم عن توم فيلتون، بيتذكر الناس فورًا دور 'دراكو مالفوي'، لكن الحساب المالي خلف النجومية مش واضح بالكامل. بناءً على مصادر متعددة وتقارير المشاهير، تقدر الثروة الصافية لتوم فيلتون بحوالي 15 إلى 20 مليون دولار، وغالب المصادر تميل لذكر رقم يقارب 18 مليون دولار.
الجزء الأكبر من هذا المبلغ جاي من دخله من التمثيل، وبالأخص من سلسلة 'هاري بوتر' التي أتاحت له عقود أفلام متعددة، ورواتب متزايدة مع كل جزء، بالإضافة إلى حقوق إعادة العرض والإتاويات وبيع البضائع المتعلقة بالسلسلة. لكن هذا ليس كل شيء؛ فيلتون كمان عمل في أفلام ومسلسلات وشارك في مسرحيات ومشروعات مستقلة، وكلها أضافت جزءًا من الدخل. كما أن أنشطة جانبية مثل الموسيقى، وحساباته الرقمية، وربما استثماراته الخاصة ساهمت في رفع الرقم النهائي.
من المهم أن نذكر أن الأرقام الدقيقة ليست منشورة رسميًا من قبله أو من وكالته، لذا أي رقم تراه غالبًا ما يكون تقديريًا بالاعتماد على تقارير الصحافة الاقتصادية ومواقع التقديرات الشهيرة. بالنسبة لمحبين السينما مثلنا، المهم هو أن توم بنى مسيرة مالية مستقرة ومنتجة بعد أن بدأ كطفل نجم، واللافت أنه حافظ على حضور فني متنوع وطاقة إنتاجية تستمر في إطالة عمر دخله، وهذا شيء يثير الإعجاب أكثر من الرقم نفسه.
أذكر توم هولاند دائمًا كواحد من الوجوه التي تجعلني أعود لأفلام السوبرهيروز بابتسامة صغيرة. أنا أرى فتى من لندن (ولد في الأول من يونيو 1996) صعد بسرعة من مسرحيات الويست إند إلى أكبر شاشات العالم، إذ بدأ مسيرته على خشبة المسرح في عروض غنائية مثل 'Billy Elliot' ثم دخل السينما بفيلم كارثي مؤثر 'The Impossible' قبل أن يتحول إلى نجم عالمي عندما ظهر لأول مرة في عالم مارفل عبر 'Captain America: Civil War' ثم تولى دور 'Spider-Man' في 'Spider-Man: Homecoming' و'Spider-Man: Far From Home' و'Spider-Man: No Way Home'.
أنا أقدر في عمله تنوع الخيارات؛ لم يقف عند شخصية واحده، بل جرب الدراما في 'The Devil All the Time' وجوًا أكثر نضجًا وداخليًا في 'Cherry'، وحتى الأكشن والمغامرة في 'Uncharted'. تدريباته البدنية واحترافيته في الحركة تجعل لقطات الأكشن مقنعة جدًا، ومع ذلك يحتفظ دائمًا بحس شبابي وطرافة في أدائه. وجوده الصوتي في فيلم الرسوم المتحركة 'Onward' أظهر جانبًا أكثر رقة ودفئًا في صوته وأسلوبه.
أما على الصعيد الشخصي فأنا أراه شخصًا يحمي خصوصيته قدر الإمكان رغم نجوميته الكبيرة؛ عائلته ومعارضته للإفراط في الظهور الإعلامي يعطيان انطباعًا عن توازن نسبي في حياته. علاقته مع زملائه الممثلين، لا سيما التعاون الطويل مع مارفل وزملائه، جعلته واحدًا من الوجوه المحبوبة لدى الجمهور الشاب والكبار على حد سواء. أتابعه لأنني أحب كيف يجمع بين الطاقة والشعور الحقيقي على الشاشة؛ هذا المزيج نادر وممتع، ويجعلني متشوقًا لرؤية اختياراته القادمة.
كنت أراقب أخبار الأفلام عنه بحماس في السنوات الأخيرة، وتبين لي أنه ظل نشطًا لكن اختياراته تحولت إلى أعمال أقل تجارية وأكثر تركيزًا على الأداء والمواد الجادة.
أنا شاهدت له عدة أعمال بارزة منذ عام 2020؛ أبرزها 'Greyhound' (فيلم حرب بحري صدر عبر خدمة بث) حيث لعب دور قائد سفينة في معركة غواصات، و'News of the World' الذي قدم فيه شخصية راوية وكبير السن في حكاية غربية هادئة لكنها مؤثرة. ثم جاء دور مختلف تمامًا في 'Pinocchio' (2022) حيث تجسّد شخصية جيبيتو في نسخة روبوتية/حية للمخرج روبرت زيميكس، ولا ننسى الدراما الإنسانية 'A Man Called Otto' (2022) التي جعلته يعيد تشكيل شخصية عجوز مليئة بالحنين واللطف.
ما أحبه في مساره الحديث هو أنه لم يعد يبحث عن نجاحات شباك التذاكر الضخمة بقدر ما يبحث عن قصص تمنحه مساحة ليؤدي، سواء بدور رئيسي بسيط أو بصوته. هذه الفترة من مسيرته تمنحني شعورًا بأنه يختار بحكمة ويعطي كل شخصية عمقًا يُذكَر.
كلما أعود لصفحات الرواية، ينقشع جزء من الصورة ويظهر لي سبب هروب توم إلى جزيرة جاكسون بوضوح أعذب من مجرد رغبة في اللعب. كنت صغيرًا حين قرأت 'مغامرات توم سوير' لأول مرة، وما علّمني توم هو تقنية التحوّل إلى بطل بقدر ما هي رغبة في الهروب من القيود اليومية. توم يهرب لأنه يريد أن يجرب الحرية من دون حراسة أو تعليمات؛ يريد أن يعيش بقواعده الخاصة، أن يكون قبطانًا في قصته، لا مجرد ولد يتلقى التعليمات من الكبار. الهروب بالنسبة له كان طقسًا للمراهقة: اختراع هوية، رسم حدود جديدة بينه وبين العالم البالغ.
إضافة لذلك، الهروب يحمل طابعًا دراميًا فنيًا؛ توم يحب المسرحية ويحسن الأداء. شاهدت فيه شخصًا يجيد اختبار عواطف الآخرين — كيف يشعر عندما يراهم يبكون على غيابه أو عندما يتذوّق حلاوة العودة بعد أن يظنّ الجميع أنه مات. لكن الأهم أن الجزيرة أعطته مساحة ليفكّر ويختبر القرارات دون ضغوط، وفي النهاية يعود وقد صار قادرًا على اتخاذ مواقف أكثر نضجًا، مثل شجاعته في المحكمة تجاه قضية مولف بوتر لاحقًا. لذلك أرى الهروب مشروعًا طفوليًا لكنه فعّال: طريقة لتعلم الحرية، المسؤولية، ومكان لتكوين صداقة حقيقية مع هاك التي تجعل التجربة ذات معنى أعمق.
أجد نفسي أعود إلى صفحات 'مغامرات توم سوير' كلما احتجت لقليل من الشقاوة والحنين. لقد أحببت توم منذ صغري لأنه يجمع بين طيبة القلب وميل مزعج للمشاكسة، وهو مزيج يجعلني أضحك ثم أفكر في نفس الوقت. توم ليس بطلاً مثاليًا؛ أخطاؤه واضحة، لكنه يتعلم من تجاربه ببطء وبأسلوب واقعي يجعل كل درس محسوسًا. هذا التطور الجزئي يذكرني بأن النمو ليس خطيًا، وأن الطفولة مليئة بخطوات مترددة لكنها صادقة.
الحكاية نفسها مكتوبة بلغة تحتفظ بطاقة الحكي؛ فيها مواقف بسيطة تتحول إلى مغامرات ملهمة — سياج الطلاء، جزيرة المغامرة، والقضايا الأخلاقية الصغيرة التي تواجهه مع الأصدقاء. هذه المواقف تعمل كمرآة لأي قراء عبر العصور: الأطفال يرون فيها متعة وعنفوانًا، والكبار يستعيدون رغبة ضائعة في التمرد بحدودٍ آمنة. كذلك، الطابع الكوميدي والتصوير الحي للمجتمع الصغير يمنح القصة بعدًا اجتماعيًا يمس كل جيل.
أخيرًا، أعتقد أن توم محبوب لأنه يسمح لنا بالهروب دون التنازل عن العمق؛ قصة عن اللعب، ولكن أيضًا عن الشجاعة، والولاء، ومسؤولية اتخاذ القرارات. أحب كيف أن نص مارك توين يترك مجالًا للقراء ليملؤوه بذكرياتهم الخاصة، وهذا ما يجعل شخصية توم تعيش معنا طويلاً.
لم يَخطر ببالي أن مشهد القبر سيبقى معي لفترة طويلة، لكن طريقة تصويره في فيلم 'توم سوير' جعلت شعور الخوف والولاء يتداخلان بطريقة لا تُنسى.
أنا أتذكر كيف أُبرزت الصداقة من خلال اللقطات الضيقة على وجوه توم وهاك وهما يقسمان على السر: الكاميرا لم تَظهرهما فقط كشبان يلهوان، بل كشهود على عهدٍ داخلي لا يُمكن خيانته بسهولة. الحركة البطيئة، وضيق الإطار، والموسيقى الخافتة جعلت قسمهما يبدو مثل عهد يواجه العالم كله، وهذا ما جعل لاحقًا قرار توم بالشهادة في المحكمة أكثر تأثيراً — كان قرارًا ينبع من شعور بالمسؤولية تجاه صديق ومجتمع، وليس مجرد رغبة في المغامرة.
من جهة أخرى، حسيت بخيانة أخفقت فيها علاقات أُخرى، مثل لحظات التورط في الأكاذيب أو جرح مشاعر بيكي بسبب مباهات توم الطفولية. الفيلم لم يصوّر الخيانة كحدث واحد مبالغ فيه، بل كطبقات: خيانة القناعات الصغيرة، وخيانة الصدق، وخيانة الظلم حين تُتهم أبرياء مثل موف بوتر. عندما واجه توم ضميره وقرر التصريح بالحقيقة، شعرت أن الخيانة تحولت إلى توبة، وأن الصداقة الحقيقية في العمل هي التي تنقذ الناس لا تتركهم يغرقون.
تفاجأت بشدّة عندما قرأتُ 'كوخ العم توم' في مرحلة ما من شبابي، وبقيت صورها عالقة في رأسي.
الكتاب يعرض تجربة العبيد في الجنوب من منظور إنساني ومؤثر: يصوّر الطفولة الممزقة، الأسر التي تُباع وتفترق، والعمل الشاق، والعنف الجسدي والنفسي الذي يمارَس ضدهم. أكثر ما لفت انتباهي هو شخصية العم توم نفسها؛ رجل هادئ ومؤمن يواجه القسوة بإيمان وصبر، وتحول معاناته إلى نوع من الملحمة الشخصية التي تُحرّك المشاعر.
في الوقت نفسه، أسلوب هاريت بيتشر ستو ينتمي إلى الأدب العاطفي أو الـ'sentimental'؛ تستخدم الحكايات المؤثرة والمشاهد الدرامية لصنع تعاطف الشارع مع قضية الإلغاء. لذلك كانت الرواية سلاحًا فعالًا في الضغط على الرأي العام الشمالي ضد العبودية، لكنها أيضًا لم تخلُ من تبسيط أو تنميط بعض الشخصيات، وقد وُجِّهت لها لاحقًا انتقادات تتعلق بالصور النمطية وتصويرها الزاوي للمستعبد. في النهاية، أذكر الكتاب كعمل قوي أثر في التاريخ، رغم كل تناقضاته الشخصية والأدبية.
من الناحية النقدية ألاحظ أن تصنيف فيلم لتوم هانكس بأنه «مأخوذ عن قصة حقيقية» يعتمد بالكامل على أي عنوان نتحدث عنه.
كمثال واضح، هناك أفلام مثل 'Sully' و'Captain Phillips' و'Catch Me If You Can' و'Bridge of Spies' التي استندت إلى أحداث حقيقية أو مذكرات، والنقاد عادة يذكرون ذلك صراحة عند مراجعاتهم. لكن النقاد لا يتوقفون عند العبارة نفسها؛ هم يميزون بين «مأخوذ عن قصة حقيقية» و«مستوحى من أحداث حقيقية» أو «مبسّط لأغراض الدراما». هذا الفرق مهم لأن بعض الأعمال تحترم الوقائع والوقائع القانونية أكثر من غيرها، بينما بعضها الآخر يغيّر الزمن والأدوار والأحداث لخدمة الحبكة.
أُتابع مراجعات طويلة لأفلام توم هانكس لأرى مناقشة الواقعية مقابل الحرية الفنية: النقد عادة يثني على الدقة التقنية أو الأداء القوي، لكنه يفرّق عندما يصنع السيناريو نسخًا درامية بعيدة عن السجل التاريخي. في النهاية، النقاد يميلون إلى توضيح إلى أي مدى يمكن الوثوق بوصف «مأخوذ عن قصة حقيقية» بدلًا من تبنّيه حرفيًا، وهذا مفيد جدًا للمشاهد الذي يريد فهم الفاصل بين الحقائق والخيال.
أذكر جيداً كيف تحوّلت رسائل الحبر على جدران المدرسة إلى مسرحية رعب صغيرة لكل طالب في 'وحجرة الأسرار': في البداية كان الكشف أمام الطلبة شيئاً غير مباشر لكنه فعّال للغاية — رسائل مخيفة بالخط الأحمر تقول إن الحجرة فُتحت وأن أعداء الوريث سيُطردون، ثم تأتي حالات التجمّد المتتابعة فتزيد الذعر. تلك الكتابات لم تكن مجرد تهديدات عابرة، بل كانت دليلاً واضحاً على تدخل قوة ذكية تعمل من وراء الكواليس، وكمراهق كنت أرصد ردود فعل الزملاء بين خوف واهتمام وفضول ممن كانوا يتساءلون من المسؤول.
ما جعل الأمور أكثر غموضاً هو أن المؤلف الحقيقي للأحداث لم يظهر كقائد مرعب يهدد الطلاب وجهًا لوجه، بل استخدم وسيطاً أنعم بكثير: مفكرة مسمومة احتفظت بذكاء مصغّر لتوم ريدل. هذه المفكرة لم تُظهِر نفسه علناً أمام الجميع، بل سيطرت على جيني وسخرت يدها لتدوّن وتترك آثارها في أنحاء القلعة. في مقابل ذلك، رأينا توم الشاب يظهر كذكرى حية داخل صفحات الدفتر، يتحدث مع هاري وحده ويكشف تدريجياً عن ماضيه: أنه كان الوريث الحقيقي لسليذرين، وأنه هو من فتح الحجرة قبل خمسين عاماً، وأنه تلاعب بالإدعاءات لتوجيه اللوم إلى هاجريد.
اللحظة الحاسمة كانت في الحجرة نفسها، حيث انكشف كل شيء لِهاري ليس أمام كامل الطلبة لكن أمامه مباشرة وبشكل قاسٍ: توم ريدل، بذاكرته المحفوظة، روى كيف استخدم البازيليسك لهدفه ودفع جيني لتنفيذ إرادته، وأظهر له صوراً وأدلة لا تقبل الجدل. كما أعلن عن اسمه الحقيقي بطريقته المثيرة — ترك تركيب الحروف ليكشف عن نفسه— وكشف طموحه المُظلم. أخيراً، حين دُمّر الدفتر على يد هاري، تلاشت الذكرى وسيطر الشعور بالارتياح لأن الحقيقة ظهرت وتم إيقاف الخطر، وأتذكر شعور الراحة حين علم الجميع أن مصدر الشر لم يعد قادراً على اللعب بأرواح الطلبة. تلك السلسلة من الكشوفات — من الرسائل العامة إلى الاعترافات الخاصة داخل الحجرة — كانت ذكية ومرعبة معاً، وتركت أثرها على كل من شهدها.
لا أنسى مشهد عبور إليزا النهر المجمد؛ صورته ما تزال تعيش معي كصورة تكسر القلب. أتذكر كيف رسمت هاريت بيتشر ستو التوتر الخانق عندما تحمل الأم طفلها وتركض فوق الجليد، كل خطوة فيها رعب وأمل مختلطان، وكنت أجد نفسي أتعرق وأبكي معها كما لو أن حياتي على المحك.
هناك أيضاً مشهد وفاة العم توم الذي يثير فيّ حزناً طازجاً؛ سكين الألم اللامتناهي وطاعته المذهلة لله تجعل المشهد أكثر قسوة لأنه لا ينهي الكرامة بل يؤكدها. رؤية رجل بسيط يتحمل الضرب والظلم بصمت ومحبة تقشعر لها الأبدان وتفتح باب التساؤل عن معنى الإنسانية والعدالة.
وأخيراً، وفاة 'إيفا' برقتها ونقائها تضيف طبقة من الحزن النقي؛ طيبة الفتاة الصغيرة التي تموت وتترك بصمة على قلوب الشخصيات والقراء تجعل بكاءي مختلفاً — ليس فقط على خسارته بل على ما تمثله برائتها من أمل مهشم. هذه المشاهد الثلاثة مع بعضها تخلق مزيجاً عاطفياً صعب الهروب منه، وأنا كلما ارتجعت عنها أشعر بثقل الزمن والضمير.