لم أتخيل أن جيهيو سيكتب شيئًا بهذا الحزن الجميل؛ الصفحة الأولى من 'ليلة الأقنعة' جذبني فورًا بصوت سردي هادئ لكنه حاد. في الرواية، يروي جيهيو قصة صانع أقنعة في مدينة ساحلية تُعرف بذاكرتها الضائعة، كل قناع يحفظ جزءًا من حياة شخص ما — ذكريات، ندم، أمل مضى — وتبدأ رحلة البطل محاولًا إعادة تلك الذكريات إلى أصحابها أو دفنها نهائيًا.
الأسلوب يذكرني بأيام القراءة التي كنت ألهث فيها بين الواقع والخيال؛ الجُمل قصيرة أحيانًا، موسعة أحيانًا أخرى، والجمل الشعرية المتفرقة تمنح النص وقعًا خاصًا. أحب الطريقة التي يوزع بها جيهيو الحكاية عبر رسائل ومذكرات ومقاطع سينمائية قصيرة، مما يجعل القارئ يجمع الفسيفساء بنفسه. النهاية مفتوحة لكنها مُرضية بطريقة عاطفية؛ تركتني أفكر في هوياتي وأقنعة الناس من حولي — ولأيام بعدها بقيت أسمع صدى سطر واحد عن الذاكرة والرحيل.
ما عجبني في الأسلوب هو ثنائية السرد: من جهة حكاية شبه بوليسية عن سر ينتشر في المدينة، ومن جهة أخرى تأملات شخصية في مفهوم الذاكرة الجمعية. جيهيو في 'ليلة الأقنعة' يستخدم بنية لامركزية؛ كل فصل يكشف جزءًا من لغز أكبر، لكنه في الوقت نفسه يعمل كوحدة مكتملة تُضيء جانبًا من حياة شخصية ما. هذا التوزيع يسمح باستكشاف الأخطاء الجماعية — كيف تُباع الذكريات أو تُسلب — وكيف تشكّل هذه العمليات هوية المجتمع.
اللغة متينة وغير متكلفة، وهناك ميل لاستخدام الصور الحسية: أصوات الأمواج، رائحة القهوة، ملمس القماش على الوجه. أحببت كذلك كيف أن بعض فصول الرواية تمتاز بتكرار جُمل قصيرة وكأنها تعكس طقوسًا أو أغنية شعبية، ما أعطى النص بعدًا موسيقيًا. من منظور نقدي، أرى أن الرواية تقدم قراءة اجتماعية مشحونة بالعاطفة، ويمكن أن تقرأ كتحذير من تبخّر الذاكرة الجماعية بفعل قوى السوق أو النسيان الثقافي — وهذا ما يترك أثرًا طويلاً في المتلقي.
ما جذبني في 'ليلة الأقنعة' هو المزج الذكي بين التفاصيل اليومية والتأملات الفلسفية؛ جيهيو يكتب عن أشياء صغيرة — قطعة قماش، خبز صباحي، حَركة يد — لكن هذه التفاصيل تكشف عن نزعات كبيرة: الخوف من النسيان، الحاجة إلى الانتماء، والخيانة البطيئة بين الناس.
لا تعتمد الرواية على حبكة مُعقدة بقدر اعتمادها على بنية سردية مُفككة تعيد ترتيب الوقت والحدث بطريقة تجعل القارئ يعيد تقييم كل حدث بعد صفحة أو اثنتين. إن أردت قراءة شيء يقلقك جميلًا ويترك أثرًا طويلًا، فهذه رواية تستحق مكانًا في رفك.
كنت متأثرًا أكثر من المتوقع بنبرة الكتاب؛ جيهيو في روايته الأخيرة 'ليلة الأقنعة' يميل إلى السرد الذي يقفز بين منظور الشخصيات بمرونة، ويمنح كل شخصية صوتها المستقل عبر مذكرات ورسائل قصيرة. الرواية تسير في قالب رمزي مليء بالاستعارات عن الهوية والذاكرة، لكن ما يجعلها ناجحة هو قدرة الكاتب على ربط هذه الرموز بحياة يومية ملموسة تُشعر القارئ بضمير المدينة نفسها.
بصفتي قارئًا يميل إلى الأدب المتأمل، أعجبت بالطريقة التي يعالج بها موضوعات مثل فقدان الجذور والحنين بطريقة غير مباشرة؛ لا توجد فضائح كبيرة أو تطورات درامية صارخة، بل تراكم هادئ لمشاعر متضاربة. كذلك، توظيفه للأقنعة كجهاز سردي سمح بتقصّي طبقات الشخصيات واختبار صدقها، وهذا ما جعل النص غنيًا بالرؤى دون أن يصبح منحازًا أو موعظيًا. النهاية بالتأكيد مثيرة للنقاش، فهي لا تُغلق كل الأسئلة وتدع للقارئ مساحة للتأويل والتفكير.
أمسكت بالكتاب مترددة ثم انجرفت فيه سريعًا؛ 'ليلة الأقنعة' ليست مجرد قصة غامضة عن مدينة أو صنعة، بل هي عمل يتعامل مع موضوعات صعبة مثل الهجرة، فقدان الذاكرة، واستغلال الذكريات لصالح قوى اقتصادية غامضة. جيهيو هنا لا يكتفي بالسرد، بل يبني عالمًا متقنًا من الإشارات الصغيرة: سوق ليلي للأقنعة، أغانٍ قديمة تتكرر كمرساة للحب الضائع، ومقاطع من يوميات تتبدى كأدلة لجرائم غير مروية.
من زاوية نقدية، أسلوبه الأكثر نضجًا يظهر في تحكمه بالوتيرة وإدخاله لعناصر الواقعية السحرية دون أن يثقل النص بشرح زائد. هناك لحظات يذكر فيها أسماء أماكن وهمية كأنها حقيقية، ما يضيف طبقة من المصداقية على الخيال، وقد استمتعت جدًا بتصاعد التوتر الاجتماعي في منتصف الرواية حتى ذروة الفصل الأخير.
2026-01-29 19:28:26
10
View All Answers
Scan code to download App
Related Books
انتقام زوجته الخرساء في وداعها الأخير
Winter
10
5.5K
لمدة خمس سنوات، أحبت نييل زوجًا لم يبادلها الحب يومًا. عاشت في ظله كأنها مجرد بديلة للمرأة التي كان يتمناها حقًا، حتى قررت أخيرًا أن ترحل. لكن قبل أن تغادر، بدأت لعبة خطيرة من خلف الستار. متخفيةً وراء هوية سرية، شرعت الزوجة الصامتة في ابتزاز زوجها نفسه، كاشفةً الأسرار، مزيحةً الأقنعة عن الأكاذيب، وجاعلةً إياه يدفع ثمن كل دمعة ذرفتها بسببه. فماذا سيحدث عندما يتحول الزوج الذي تريد تدميره إلى رجل مهووس بذلك الغريب الغامض على الطرف الآخر من الهاتف؟
بعد زواج دام لثلاث سنوات لم استطع الحصول على قلب زوجي بينما اختي تهاني الغير شرعية حصلت عليه في ثلاث اشهر فقط لم احتمل إلقاء اللوم علي فقررت المغادرة وبدء حياة جديدة لكن لم أنسى العودة للانتقام من كل اللذين اذوني
ليس كل رجل يحب فتاة يحميها ويقدر ظروفها لأن بطلة روايتنا في هذه القصة تخلى عنها حبيبها في أحلك الأوقات بالنسبة لها بل وتحول من حبيب طفولتها إلى جلادها وباتت أسيرة لديه بسبب خطأ واحد ارتكبته