Chapter: 23- النهايةاستيقظت إيزابيلا متأخرةً، إن جاز تسميته استيقاظًا، فهي لم تنم، بل انتقلت من حالة وجع صامتة إلى أخرى.جلست على السرير، لم تطلب شيئًا، لم تتحدث، رفضت الاستحمام، ورفضت الفطور.ماريسا دخلت إليها بكوب شاي وبعض الخبز، جلست أمامها، وقالت بلطف:"عليكِ أن تأكلي شيئًا، إيزابيلا… جسدك بحاجة للطاقة."لكنها لم تجب.كانت تنظر إلى الفراغ بعينين لا ترى، لكن في داخلهما ألف سؤال، ألف مشهد، ألف دمعة مجمدة.وضعت ماريسا اللقمة الأولى على فمها، ولولا الضغط الخفيف على فكها لما فتحت فمها.أكلت ثلاث لقيمات، ثم أدارت رأسها بعيدًا… كأنها تقول:"كفى، هذا أكثر مما أحتمل."اليوم الثالث.لم تعد تجيب على أي مكالمة.حتى حين اتصل بها ديمتري، أجابت ماريسا، وأعطتها الهاتف.قال ديمتري، صوته حازم لكن خافت:"هو لا يزال يقاتل، إيزابيلا. ميخائيل عنيد، تعرفينه… لن يرحل قبل أن يعود إليكِ."لكنها لم ترد.حتى لم تهز رأسها.فقط كانت تمسك الهاتف بين أصابعها ثم أعادته إلى ماريسا دون كلمة.قالت ماريسا حينها:"صوته وحده… كان يكفيكِ سابقًا لتبتسمي، ما الذي تغير؟"قالت إيزابيلا، بصوت هامس:"أنه لم يعد هنا."اليوم الخامس.رفضت الذهاب إل
آخر تحديث: 2026-06-28
Chapter: 22كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل، والبيت ساكن كما لم يكن من قبل.بوابة القصر فُتحت دون أن يصدر عنها صرير، والسيارة السوداء دخلت الحديقة ببطء، كأنّها لا تريد إيقاظ الأشجار.في الداخل، خرج ميخائيل من السيارة دون أن يتحدث، وجهه كان مظللًا… الأنوار الخافتة انعكست على زر سترته، لكنه بدا كأنّه عاد من دفنٍ، لا من استجواب.في عينيه… لم يبقَ حوار. كل شيء داخله أصبح قرارًا.صعد السلالم بخطوات صامتة، وقف عند باب الجناح، لم يدخل فورًا.مد يده، فتح الباب بهدوء، ليجد ماريسا قد نامت على الكنبة، وإيزابيلا لا تزال مستلقية، كأنها تنتظر، كأن قلبها لم يسمح لها أن تنام إلا على صوته.اقترب، دون أن يصدر صوتًا، جلس على طرف السرير، ثم تنهد بصمت… ووضع يده على معصمها، بلطف.فتحت إيزابيلا عينيها. رغم الظلام، شعرت به.همست:"أنت عدت."لم يجب.لكن كفّه انتقل إلى شعرها، مرّ عليه ببطء…وهو لا يزال لا يقول شيئًا.ثم نطق، كلماته خرجت مثل طلقة:"رافائيل… كان مجرد أداة."شهقت أنفاسها، لكنها لم تتكلم.تابع، صوته هادئ… لكنه مثقل بثقل الحديد:"التي حملت السكين إلى يده… كانت داريا."أغمضت إيزابيلا عينيها، كأن كل شيء سقط في مكا
آخر تحديث: 2026-06-28
Chapter: 21فتح باب الشرفة بهدوء، ودخل الهواء البارد إلى صدره كطعنة طويلة، لكنه لم يزفر.وقف مكانه، محدقًا في اللاشيء، والمدينة تمتد تحت قدميه… صاخبة، لكن لا أحد يسمع ما يحدث في صدره.مدّ يده ببطء إلى الجدار، أسند كفه، ثم جبينه.أنفاسه خرجت من أنفه ببطء… كأن قلبه يئن… دون أن يشتكي.لم يكن غاضبًا بالصراخ.ميخائيل لا يعرف الصراخ.هو لا يصيح… بل ينفجر من الداخل، لكن بصمت قاتل.في رأسه، كانت داريا تتحرك كصوت قديم يعرفه جيدًا… لكن لا يعرف كيف يُسكته."رسالة واحدة، صوت واحد، يكفي ليزرع الحذر في قلب إيزابيلا."هي لا ترى، لكنها تشعر. وكل شعور… داريا تعرف كيف تُسممه.أغمض عينيه، ورأى المشهد:إيزابيلا، على السرير، تتلقى كلمات لا تعرف لها وجهًا، لكنه… يعرفه جيدًا.داريا لم تذهب إلى مدريد فقط لتراقب، هي جاءت لتفعل ما لم تستطع فعله في روسيا.أن تخترق من يحب… دون أن تمسّه.تراجع خطوة، ثم أخرج هاتفه.ضغط الرقم، اتصال مباشر:"ديمتري."جاء صوت أخيه من الطرف الآخر، متأهبًا:"هل تريدني أرسل رجالًا لها؟"ردّ ميخائيل بصوت خافت، لكن كل كلمة كانت مشبعة بالغضب المكبوت:"لا. داريا ليست في خطر. داريا هي الخطر."ثم تابع:"
آخر تحديث: 2026-06-27
Chapter: 20كان المركز هادئًا هذا الصباح، الاستقبال مضاء بنور ناعم،والممرات خالية تقريبًا، كأنّ الصباح نفسه قرر أن يتنفس ببطء… ليمنحها فرصة للتقدّم.دخلت إيزابيلا ممسكة بذراع ميخائيل، خطوتها الأولى كانت بطيئة، لا من الخوف، بل لأنها أرادت أن تشعر الأرض تحتها.هو لم يتكلم، لم يدلها، لم يوجّهها…فقط كان يمشي إلى جانبها، يده تمسك بكفّها، وأصابعه تُرسل نبضًا هادئًا تحت جلدها:"أنا هنا… أنا لن أترككِ."في غرفة العلاج، جلست على المقعد المخصص، ظهرها مستقيم، وجسدها مشدود بتوتر خفيف.أخصائية العلاج، شابة في منتصف الثلاثينات، تحدثت بهدوء وهي تضع ملفًا صغيرًا على الطاولة:"اليوم، سنبدأ بتحفيز الإدراك الحسي من خلال الحركة البطيئة في البيئة. الهدف هو أن تعتمدي على السمع واللمس لتخطيط المساحة."أومأت إيزابيلا برأسها.صوتها لم يخرج، لكنها أمسكت بيد ميخائيل لحظة، ثم همست:"ابقَ… ولا تقل شيئًا، فقط… كن هنا."نظر إليها، ورغم أنه لم يتعوّد على هذا الدور، على الجلوس صامتًا بينما من يُحب يتألم أمامه دون أن يتدخل، لكنه فقط أومأ… ثم جلس على الكرسي المقابل، يداه مشبوكتان، ووجهه… مشدود الصمت.بدأ التمرين.وضعت الأخصائية
آخر تحديث: 2026-06-27
Chapter: 19السماء في مدريد كانت رمادية، لكن لا تمطر.الهواء معتدل، وحفيف الأشجار في الطريق الطويل المؤدي إلى القصركان يُحدث صوتًا متقطعًا يشبه الهمس... كأن الطبيعة تُرحّب بحذر.تحركت سيارات آل روستوف داخل البوابة الرئيسية للقصر،بوابة من الحديد الأسود، تتوسطها الحروف الأولى من اسم العائلة محفورة بزخارف فخمة.في السيارة الأمامية، جلس أليخاندرو إلى جوار ابنته إيزابيلا، التي كانت تضع يدها على النافذة المغلقة، كأنها تتحسس الأصوات من الزجاج.قال بهدوء، وهو يُراقب الطريق داخل القصر:"اقتربنا... خمس دقائق فقط، وستكونين في غرفتك."لم تُجب.لكن أصابعها انزلقت ببطء على الزجاج، ثم سحبت يدها إلى حضنها.جلس خلفها فرانسيسكو، يُحدق بظهر مقعدها، وكأن شقيقته... أصبحت امرأة لا يعرفها تمامًا.هادئة جدًا، ساكنة جدًا، لكن داخله يعرف:البركان لا يهدأ... بل ينتظر.وصلت السيارة إلى البهو الخارجي، أمام القصر المبني من الحجر الكريمي اللون، والنوافذ الواسعة ذات الشرفات الحديدية.الواجهة ذاتها، التي اعتادت إيزابيلا أن تركض نحوها في طفولتها... اليوم لا ترى منها شيئًا، لكنها سمعت الصدى... وتذكرت.توقفت السيارة. فتح السائق ا
آخر تحديث: 2026-06-27
Chapter: 18في صباح اليوم التالي، كان الضوء الشتوي يتسلل إلى أروقة المشفى من خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، لكنه لم يصل إلى الغرفة رقم (٤).هناك… النور لم يعد يعني شيئًا.داخل الغرفة، كانت إيزابيلا ممددة بهدوء تحت البطانية البيضاء.وجهها شاحب، وأنفاسها بطيئة لكن منتظمة.الأجهزة من حولها لا تزال تومض وتنبض، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا… ولا نائمة تمامًا.كانت تُبقي عينيها مغمضتين أغلب الوقت، لكن بين الحين والآخر، تفتح جفنيها المرتبكين… ولا ترى شيئًا.في كل مرة تستيقظ، تبدأ التنهيدة، ثم يتبعها ارتباك، ثم نبض متسارع، ثم همسة حائرة:"لماذا… لماذا لا أرى؟"وحين يبدأ نبضها في الارتفاع، ويتغير تنفسها، يتدخل الطبيب أو الممرضة… يُحقن في وريدها القليل من المهدئ،فتغرق مجددًا في سُبات مرّ، ليس فيه أحلام… فقط صمت يشبه الفقد.ميخائيل لم يُغادر. بقي على كرسيه ذاته، ثابتًا كأنه جزء من الحائط. لم يكن يتكلم، لكنه كان يُراقب كل شيء.كل مرة تفتح عينيها، يقف على قدميه، يتقدم خطوة، لكنها لا تراه.تُدير وجهها ناحية صوته حين يناديها… لكن عينيها تبقيان ساكنتين في السواد.في أحد المساءات، همست بصوت منهك:"هل سأبقى… هكذا؟"
آخر تحديث: 2026-06-22
Chapter: 12لم تكن كاترينا تعرف كيف مضى الوقت داخل السيارة، لكنها كانت تدرك تمامًا أنها لم تُغمض عينيها للحظة.جلست بصمت إلى جواره، في المقعد الخلفي للسيارة السوداء الثقيلة، بينما كان ديمتري يجلس بجانبها، ساكنًا كصخر الجبال الروسية… متجهّم الملامح، يُحدّق في الطريق المظلم أمامهم كأنه يسير نحو ساحة معركة، لا منزل.كان الليل الروسي قد انغمس في برودته القارسة، والضباب يزحف على أطراف الزجاج، يُرسم عليه أنفاسها الخافتة كلما زفرت بلا وعي.الثلج بدأ يهبط من السماء كأن الشتاء قرر الاحتفال بزفافها أيضًا… أو ربما عزاءه.أطراف أصابعها متجمدة داخل قفازها، رغم أن التدفئة تعمل. لكن البرد لم يكن يأتي من الخارج فقط.بردٌ آخر كان يحتل صدرها… برد الرهبة واللا يقين.ألقت نظرة جانبية نحوه.لم يتحرك منذ لحظة خروجهم.وجهه مشدود، حاجباه منعقدان، ونظراته لا تغادر الطريق، كما لو أنه يُعد نفسه لشيء قادم… أو يُخفي شيئًا لا تودّ أن تعرفه."هل أنتِ بخير؟"قالها بصوته العميق، فجأة، دون أن يلتفت.ترددت. لم تكن تتوقع السؤال، ولا تملك له إجابة حقيقية.لكنها تمتمت بصوت منخفض:"أشعر بالبرد قليلاً."كان ذلك كذبًا جزئيًا. كانت تشعر
آخر تحديث: 2026-06-09
Chapter: 11كانت الشمس قد ارتفعت، لكنها بدت بعيدة... باهتة... كأنها تنظر للبيت من بعيد، ولا تجرؤ على الاقتراب.داخل جناحها، جلست كاترينا على طرف الأريكة المخملية، بملابس النوم البيضاء التي اختارتها لها والدتها خصيصًا لهذه المناسبة.شعرها المربوط بخفة كان ما زال ناعمًا من تأثير الحمام الدافئ،ورأسها... مليء بالضجيج.خائفة؟ نعم.متوترة؟ نعم.لكنها لم تكن جبانة. لم تكن لتتراجع الآن.منذ الفجر وهي مستيقظة... تنظر إلى السقف، تحاول التنفس.تُقنع نفسها أن الأمر مجرد حفل... مجرد مراسم.لكن عقلها لا يتوقف عن تكرار الحقيقة الوحيدة:"اليوم... ستصبحين زوجته."لم تكن تعرف ما إذا كان ذلك مطمئنًا أم مفزعًا.طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكارها، ثم دخلت والدتها، بابتسامة متوترة."صباح الخير، حبيبتي... هل نمتِ قليلًا؟""لم أستطع."أجابت كاترينا بصوت خافت، وهي تشيح بعينيها.اقتربت الأم، جلست بجانبها، أخذت يدها بين يديها الدافئتين."أعرف أن قلبكِ ليس مطمئنًا... لكن كل شيء سيكون بخير. ديمتري... رجل صعب، نعم، لكن لا أحد يستطيع حمايتكِ مثله."لم تجب. لم تستطع.دخلت زويا بعدها مباشرة، بابتسامة متحمّسة، وهي تحمل صندوقًا ك
آخر تحديث: 2026-06-06
Chapter: 10استفاقت على شعور ثقيل، كأن رأسها محشوّ بالرصاص.أجفانها ترفض الانفتاح بالكامل، وجسدها مُلقى على السرير كما لو أنه أُسقط عليه دون إرادتها.ضغطت أناملها على جانب جبينها… ألم. ألم نابض خلف عينيها مباشرة. ذلك النوع من الألم الذي لا يُخففه ضوء… بل يزيده."ما الذي…؟"تمتمت بصوت خافت بالكاد خرج منها.حاولت تذكر كيف وصلت إلى هنا… منزل صوفي؟ النبيذ؟ ضحكات متقطعة؟ وبعد ذلك .... صوت.صوت ثقيل، مألوف… نظرة حادة، يد قوية… ديمتري؟شهقت بصمت. نعم… لقد جاء.جلست ببطء على السرير، تغطّي نفسها بالبطانية البيضاء، والواقع يتسلّل إليها كالماء البارد.لقد نامت على أريكة بيت صوفي، مخمورة بالكاد تعرف اسمها،واستيقظت هنا… في سريرها. في قصر آل رومانوف."لقد أخذني…!"همست بالكلمات وكأنها اعتراف، أو فضيحة.لقد حملها ديمتري إلى هنا.دفنت وجهها بين راحتيها، الشعور بالحرج والخوف والارتباك اجتاحها دفعة واحدة.كأن كل شيء خرج عن السيطرة…بل هو خرج فعلًا.أزاحت البطانية عن جسدها ببطء، وقفت أمام المرآة الكبيرة.وجهها شاحب، عيناها متورمتان قليلًا من قلة النوم، وشعرها فوضوي.لكن الأسوأ من كل ذلك… هو ذلك الشعور العالق في صدر
آخر تحديث: 2026-05-22
Chapter: 9ظلّت واقفة، لم تتحرّك.الهواء حولها كان كثيفًا… كأنّ الأوكسجين ذاته صار عبئًا على رئتيها. عيناها عالقتان على الباب الذي خرج منه… وكأنهما تتوسّلان إليه أن يعود… أو لعلّهما تتوسّلان ألا يفعل أبدًا.الزفاف… بعد أسبوعين.كرّرت الكلمة داخل عقلها، صوت ديمتري لا يزال يرنّ في أذنيها كصفعةٍ لم تتعافَ منها بعد.أسبوعان.أسبوعان فقط، وتُصبح… زوجته."زوجة ديمتري آل مالكوف…؟"همست بها كأنها تتذوّق السمّ بلسانها.مشاعرها ممزّقة، قلبها يدقّ بقوة، ببطء، ثم بسرعة.ضياع. ارتباك. خوف. وغضب خام.لقد قرر عنها. أعلن الأمر. ولم يترك لها مساحة للرفض، ولا حتى للاختيار. أعلنها أمامها، كأنها مُلكٌ له… كأنها صفقة حُسمت."أناني... وقاسٍ... ومخيف."همست وهي تغمض عينيها.لكنها حين فتحتها، كانت الدموع قد تراكمت… على حدود لا يجب أن تتجاوزها.لم تسمح لها بالسقوط. ليس الآن. ليس بسببه.كيف يمكن لرجل أن يُشعل حريقًا في قلبها، ويتركها تحترق وحدها؟ كيف تكرهه الآن… بينما قلبها لا يزال ينبض به؟ كيف تخاف منه… بينما جزء منها لا يريد لأحدٍ سواه أن يلمسها؟جلست على الأريكة خلفها، يداها في حجرها، وصدرها يعلو ويهبط.هل كان هذا حبً
آخر تحديث: 2026-05-19
Chapter: 9استيقظت قبل أن يوقظها أحد.أو لعلها لم تنم حقًا.مجرد ساعتين من نوم متقطع… كانت كافية لتشعر أن جسدها لم يغادر عبء اليوم السابق، بل حمله معه إلى هذا الصباح.جلست على طرف سريرها، أقدامها الحافيتان لامستا الأرضية الباردة، ويداها تغطّيان وجهها للحظة… ثم سحبتهما بتنهيدة ثقيلة.كأن الهواء داخل الغرفة ثقيل، خانق، مشبّع بشيء لا يُرى… لكنه يُشعر.مشطت شعرها بأصابعها ببطء، دون أن تنظر إلى المرآة.لم تكن تملك الطاقة الكافية لتواجه حتى انعكاسها.نهضت ببطء. خطواتها إلى الحمام كسولة، مترددة، كأنها تخشى أن يختبئ خلف كل زاوية… خبر سيء.غسلت وجهها بماء بارد، أكثر برودة مما توقعت، أرادت أن توقظ شيئًا في داخلها… شجاعة ربما، أو حدة تركيز فقدتها.بينما كانت تجفف وجهها بالمنشفة القطنية البيضاء، حدقت في المرآة أخيرًا.عيناها زرقاوان… لكن لم يكن فيهما أي بريق.تلك لم تكن عينا فتاة نامت على يقين، بل عينا امرأة تنتظر مصيرًا لا تدري من أي باب سيقتحمها.ارتدت رداءً منزليًا حريريًا، وشدت خصره بشريطه الساتر.ثم وقفت للحظة أمام نافذتها، تراقب الحديقة التي كانت مغطاة بندى الصباح. كل شيء بدا طبيعيًا… كاذبًا.حتى الطي
آخر تحديث: 2026-05-17
Chapter: 8الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا.الجدران سميكة، النوافذ مغلقة، والحرس خارج القاعة أكثر من المعتاد.المائدة الطويلة كانت ممتدة في المنتصف، من خشب داكن يشبه الظلال التي تسكن المكان.على يمين الطاولة جلس ميخائيل مالكوف، الزعيم، وذراعه اليمنى ديمتري إلى جواره.هادئ، صامت، لكن نظرته تُذيب الحديد.على الجهة المقابلة، جلس فياتشيسلاف وابنه إلياس، الجمر المتقد في أعينهما يكشف عن غضب لا يهدأ.وفي مقدمة الطاولة، جلس أندريه رومانوف... رأس العائلة، وعيناه ثابتتان على الجميع، بينما جلس ابنه أدريان إلى جواره، كتفاه مشدودتان، كأن انفجارًا سيقع.الصمت ساد للحظات.حتى قال أندريه بصوت خافت، لكنه قاطع:"فلنبدأ."تنحنح أحد رجال البراتفا، رجل نحيل يرتدي الأسود:"الهجوم الذي نُفّذ على رجال البراتفا أمس، وعلى شحناتهم، لم يكن خفيفًا. كان واضحًا ومقصودًا. والفاعل معروف."رمق ديمتري إلياس بنظرة واحدة فقط.لا تهديد، لا غضب، فقط... نظرة.إلياس ضغط على كفيه، ثم قال:"لقد تصرّف قبل أن تُحسم الأمور. قبل أن أُمنح أي احترام كخطيب رسمي. ما فعله كان إعلان حرب، أنا فقط رددت عليه."أدريان رفع حاجبه:"رددت؟ أنت هاجمت شحنات
آخر تحديث: 2026-05-15
Chapter: 38_ النهاية.تراقص ضوء الشمس الذهبي على أرضية الغرفة، يتسلّل من بين ستائر الكتان الثقيلة التي لم تغلق بالكامل.وامتزج دفء الأشعة الخفيفة برائحة عطر اللافندر التي عبقت في الأرجاء، رائحة كانت لسنوات طويلة رمزًا لبيانكا… المرأة التي كبرت عشر سنوات في عمر، لكنها كبرت عمرًا كاملاً في قلب إنزو.كانت واقفة أمام المرآة الطويلة، تمسك بأطراف فستانها الكريمي الناعم، شعرها الطويل مربوط بإتقان للخلف، أما عيناها العسليتان، فامتزج فيهما إرهاق الأيام… مع شيء من السكينة."عشر سنوات، يا بيانكا…"تمتمت لنفسها، وهي تضبط زرًا ناعمًا عند كتفها.ثم أدارت رأسها ببطء نحو الطاولة الجانبية، حيث وُضعت صورتان:الأولى، لحظة حملها ليا ولورا للمرة الأولى، والثانية، ملوّنة… يوم ولدت ابنها الصغير، إليو.طرقات خفيفة على الباب قاطعت سكون اللحظة."ماما؟ هل أنتي جاهزة؟"جاء صوت لورا من الخارج، رقيقًا، لكنه يحمل صرامة لم تكن تخفى على بيانكا.أجابت بابتسامة، وهي تتجه نحو الباب:"دقيقة واحدة فقط، يا قلبي."فتحت الباب… وكانت ليا تقف هناك، فستانها الوردي يلمع تحت الضوء، شعرها الطويل الكستنائي مربوط بشريط ناعم، ووجهها… وجهها كان مرآة لبيانك
آخر تحديث: 2026-05-31
Chapter: 37كانت الغرفة مضاءة بأنوار خافتة، وأنجيلا تتنقل بخفة بين الأمتعة الطبية والحقيبة التي أُعدّت مسبقًا، تحقق من كل شيء للمرة الرابعة أو الخامسة، بينما بيانكا مستلقية على الأريكة، رأسها يستند على وسادة مائلة، وبطنها المتكور يتحرك بخفة تحت قماش فستان النوم القطني.إنزو كان يجلس على الطاولة خلفها، ينقر بأصابعه على الهاتف المحمول، يبدو منشغلًا، لكنه في الواقع يراقب كل حركة تتنفس بها.قطعت بيانكا الصمت بصوت ناعم:"هل… هل اخترت لهما اسمين؟"توقفت أنجيلا عن الحركة، ورفعت عينيها إليه، مبتسمة خفية، بينما ظل إنزو على حاله لحظة، ثم نهض واقترب منها.جلس إلى جانبها، على الأريكة، يضع رأسه أمام بطنها."كنت أريدكِ أن تقولي أولًا... ما الذي تحبينه أنتِ، بيكولا ميا." قالت ببطء، وعيناها تغيم بهدوء:"أريد اسمًا ناعمًا… أنثويًا… لكنه قوي."ثم نظرت إليه، وهمست:"قوي مثلك…"ابتسم."كنت أفكر في ليا…""ليا؟" ردت، وجربت الاسم على لسانها."قصير… لكنه لطيف.""ومعناه النور… أو المضيئة."أومأت، وكأن اسمًا استقر في قلبها فجأة."وللأخرى؟""أريد اسمًا يحمل صلابة، شيء يشبهك حين تغضبين منّي."ضحكت بخفة، ثم سألته، تحدق في
آخر تحديث: 2026-05-31
Chapter: 36بعد ساعات من بكاءٍ متقطع ورفض للطعام والماء والحديث، خلَت الشقة من صوتها، لكن لم يكن أحد يجرؤ على الهدوء… في غرفة النوم، كانت بيانكا ممدّدة على جانبها، وجهها مضغوطٌ على الوسادة، تحتضن بطانية صغيرة خفيفة، بينما الوسادة الأخرى ملقاة أرضاً.عيونها متورمة، ورغم تعبها، لم تستطع النوم. الجنين في رحمها كان نشطًا هذا اليوم، ركلات خفيفة هنا وهناك تشعرها بالحنان والخوف والضعف… وكل شيء في آنٍ واحد.طرقة خفيفة على الباب، ثم دلفت أنجيلا بهدوء، حاملةً صينية خشبية فوقها كوبان:واحد من مشروب الزنجبيل بالعسل، والآخر كوب ماء وقطعة بسكويت بالتمر.اقتربت منها بهدوء وجلست على الطرف البعيد من السرير."السيدة فالنتينا نائمة في الغرفة المجاورة… والسيد إنزو نزل للمكتب تحت، قال إنه سيصعد بعد قليل."بيانكا لم تجب، لكنها فتحت عينيها قليلاً."أعددت لكِ المشروب الذي تحبينه، من النوع الذي شربت الأسبوع الماضي وقلتِ إن رائحته تُشبه حضن أمك."هزّت بيانكا رأسها بخفة، ثم قالت بصوت مبحوح:"أنا لستُ مجنونة… أليس كذلك؟"أنجيلا ابتسمت ابتسامة حزينة:"أنتِ فقط… حامل بتوأم، في شهرٍ عصيب. والجميع من حولكِ يحبكِ، حتى إن بدا أنه
آخر تحديث: 2026-05-31
Chapter: 35في قصر آل موريارتي، كانت الزيارة الأسبوعية تبدأ باعتياد… المعتاد هذا، يعني سيارات حراسة، عيون تراقب، وجولييت الصغيرة التي تُنقّب الأخبار، وإليسا التي تصنع الشاي بخمس نكهات مختلفة، لأنك لا تعرف أبدًا أي نكهة قد تقتل أو تُرضي بيانكا اليوم.لكن في هذا اليوم… جاءت السيارة متأخرة خمس دقائق، وفي داخلها، كان إنزو يجلس متجمّد الملامح، وبيانكا توبّخه بصوتٍ متصاعد:"خمس دقائق تأخير؟ خمس! هل تعرف ماذا يعني هذا لجسدي؟ كنت سأتبول على المقعد يا إنزو!"ردّ بهدوء:"كنا نحتاج للتوقف بسبب نقطة تفتيش، لا يمكنني اختراق حاجز شرطة فقط لأنكِ..."قطعت كلماته بحدّة:"لا تكمّل الجملة... لأنني حامل؟! لا، أكملها، تجرّأ!"في الخلف، كانت أنجيلا تحاول فتح نافذة صغيرة… للهرب… أو للانتحار.دلفوا إلى الداخل، وفي الصالة الكبرى، وقفت إليسا بابتسامة عريضة، جولييت خلفها، بينما لورينزو ولوكا وفينشنزو يجلسون كأنهم في جنازة.وما إن اقتربت بيانكا، حتى تقدمت إليسا بخطوة وقالت:"أعددت لكِ كيك الشوكولا كما تحبين، به مسحوق لوز خفيف—"رفعت بيانكا حاجبها:"اللوز؟ ألم أقل المرة الماضية أنه يجعلني أشعر أنني أختنق؟"جولييت تمتمت في ال
آخر تحديث: 2026-05-31
Chapter: 34كان صمت السيارة ثقيلًا… كأن المقاعد نفسها تتنفس ببطء.جلست بيانكا بجانب إنزو، يده على فخذها، وعينيه ثابتتين إلى الأمام. لم يكن يتحدث، لكن أصابعه كانت تتحرك ببطء فوق قماش فستانها كأنها تطمئنها أو تُذكرها أنه موجود، أنه معها، أنه لن يسمح لأحد أن يلمسها… حتى بعينيه.من أمامهم، خمس سيارات مصفحة تتقدم الطريق نحو قصر آل فيرّيني، ومن خلفهم ثلاث أخرى. نوافذ معتمة، وأجهزة اتصال تردد أسماء المواقع، وأوامر مُشفرة لا يُفهم منها شيء… سوى أنها تعني شيئًا واحدًا: لا أحد يقترب من سيارة الزعيم وزوجته.أما بيانكا، فقد جلست شاردة إلى النافذة، تنظر إلى أضواء المدينة التي تمر كأطياف سريعة.كانت ترتدي فستانًا خُصص لها، خيطته خياطة إيطالية مشهورة أتت خصيصًا إلى البنتهاوس قبل أيام.قماشه من الشيفون الفرنسي الفاخر بلون الأزرق الملكي، بلا أكمام، فتحة رقبة ناعمة على شكل قلب، وخط خصر عالٍ يُبرز الجزء العلوي من جسدها برقة.أُرفق الفستان من الأسفل بطبقات ناعمة شفّافة تتحرك مع خطواتها كأمواجٍ رقيقة، لم يكن واسعًا يخفي بطنها، كما أرادت… ولم يكن ضيقًا يصرخ بالحقيقة كما أراده إنزو.بل كان بين ذلك وذاك.وبينما هي ساكنة
آخر تحديث: 2026-05-31
Chapter: 33انغلقت باب الشقة بهدوء خلف أنجيلا، وارتد صدى خطواتها في الردهة المؤدية للمصعد قبل أن يتلاشى تمامًا.في الداخل، خيم الصمت للحظات.وقفت بيانكا أمام الطاولة، تمسك بكوب الماء بين يديها، تشعر بدفء الكوب لا من حرارته… بل من أناملها المرتجفة قليلًا. لم تكن تعرف هل من التعب؟ من التغيّرات؟ أم من كونه لا يزال هناك، يرمقها بصمتٍ يجلدها ويعريها دون كلمة؟إنزو جلس على الأريكة، مائلًا بجسده للأمام، مرفقيه مستقرّين على ركبتيه، ويداه متشابكتان أمامه، وعيناه مثبتتان عليها.قالت أخيرًا، بصوت منخفض:"أتعلم… لم أتخيل أن أرى نفسي في هذا المكان يومًا."رفع حاجبه دون أن يرد، فتابعت:"مكان مرتفع جدًا… فخم جدًا… لكنه يخيفني قليلاً."صمت.فأكملت وهي تبتعد عن المائدة، تتجه ببطء نحوه، كل حركة منها حذرة، كما لو أنها تخطو فوق زجاجٍ مهشّم:"ليس لأنني لا أريده… بل لأنني أخاف من الارتباط بشيء… ثم أفقده."نظرت إلى الأريكة بجانبه، فتردد لحظة، ثم أشار برأسه إليها، وكأنه يقول تعالي… لا تتحدثي من بعيد.جلست بصمت، قربه، ليس تمامًا ملتصقة، لكنها أقرب مما اعتادت أن تكون حين تكون غاضبة منه.ثم همست:"إنزو… أحيانًا لا أفهم نفس
آخر تحديث: 2026-05-31