تسجيل الدخوللا أحد يقترب مني دون أن يُخدَش. ولا أحد ينجو إن قرر الوقوف في وجهي. أنا لا أُهدد... أنا أنفذ. ولطالما كان الصمت لغتي، والدم عنواني. اعتدت أن أكون الظلّ الذي يُخيف، الذئب الذي لا يرفع صوته... لكنه يهاجم حين يُستفَز. ذراعي اليمنى كانت لسحق من يتجرأ، ويدي اليسرى لحماية من يخصّني. لكنها... كانت استثناءً لم أضعه في حساباتي. كاترينا آل رومانوف. الطفلة التي كانت تلهث خلف حضني ذات زمن. وعادت امرأة... تحمل نفس العيون، لكن بنظرة لا أنساها. لم أعد أراها كما كانت. ولم تعد تراني كما كنت. أنا... ديمتري مالكوف. وهي الشيء الوحيد الذي جعلني أتساءل إن كنت لا أزال أتحكم في كل شيء... أم أن شيئًا ما بدأ ينفلت من بين يدي. *. *. *. *. لم أطلب شيئًا منهم. لا لقبًا، ولا حماية، ولا زواجًا من ابن عمٍ لا أعرفه. كل ما أردته هو الهرب... من الأسماء، من القيود، من الماضي الذي لم يكن لي، لكنه حُفر في جلدي. عدت... لا لأخضع، بل لأصنع مكاني بنفسي. باسمي، بعقلي، لا باسم العائلة ولا دمها. لكن... ثمّة شيء لم أستطع الهرب منه. ديمتري آل مالكوف. الرجل الذي سحبني من طفولتي إلى صمته، ثم تخلّى عني كأنني لم أكن. والآن... عاد. بعينيه اللتين لا تشفقان. وبكلمة واحدة فقط، أعاد كل ما دفنته. أنا لا أصدق بالقدر. لكن هناك لحظات... تجعلك تتساءل
عرض المزيدلم تكن كاترينا تعرف كيف مضى الوقت داخل السيارة، لكنها كانت تدرك تمامًا أنها لم تُغمض عينيها للحظة.جلست بصمت إلى جواره، في المقعد الخلفي للسيارة السوداء الثقيلة، بينما كان ديمتري يجلس بجانبها، ساكنًا كصخر الجبال الروسية… متجهّم الملامح، يُحدّق في الطريق المظلم أمامهم كأنه يسير نحو ساحة معركة، لا منزل.كان الليل الروسي قد انغمس في برودته القارسة، والضباب يزحف على أطراف الزجاج، يُرسم عليه أنفاسها الخافتة كلما زفرت بلا وعي.الثلج بدأ يهبط من السماء كأن الشتاء قرر الاحتفال بزفافها أيضًا… أو ربما عزاءه.أطراف أصابعها متجمدة داخل قفازها، رغم أن التدفئة تعمل. لكن البرد لم يكن يأتي من الخارج فقط.بردٌ آخر كان يحتل صدرها… برد الرهبة واللا يقين.ألقت نظرة جانبية نحوه.لم يتحرك منذ لحظة خروجهم.وجهه مشدود، حاجباه منعقدان، ونظراته لا تغادر الطريق، كما لو أنه يُعد نفسه لشيء قادم… أو يُخفي شيئًا لا تودّ أن تعرفه."هل أنتِ بخير؟"قالها بصوته العميق، فجأة، دون أن يلتفت.ترددت. لم تكن تتوقع السؤال، ولا تملك له إجابة حقيقية.لكنها تمتمت بصوت منخفض:"أشعر بالبرد قليلاً."كان ذلك كذبًا جزئيًا. كانت تشعر
كانت الشمس قد ارتفعت، لكنها بدت بعيدة... باهتة... كأنها تنظر للبيت من بعيد، ولا تجرؤ على الاقتراب.داخل جناحها، جلست كاترينا على طرف الأريكة المخملية، بملابس النوم البيضاء التي اختارتها لها والدتها خصيصًا لهذه المناسبة.شعرها المربوط بخفة كان ما زال ناعمًا من تأثير الحمام الدافئ،ورأسها... مليء بالضجيج.خائفة؟ نعم.متوترة؟ نعم.لكنها لم تكن جبانة. لم تكن لتتراجع الآن.منذ الفجر وهي مستيقظة... تنظر إلى السقف، تحاول التنفس.تُقنع نفسها أن الأمر مجرد حفل... مجرد مراسم.لكن عقلها لا يتوقف عن تكرار الحقيقة الوحيدة:"اليوم... ستصبحين زوجته."لم تكن تعرف ما إذا كان ذلك مطمئنًا أم مفزعًا.طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكارها، ثم دخلت والدتها، بابتسامة متوترة."صباح الخير، حبيبتي... هل نمتِ قليلًا؟""لم أستطع."أجابت كاترينا بصوت خافت، وهي تشيح بعينيها.اقتربت الأم، جلست بجانبها، أخذت يدها بين يديها الدافئتين."أعرف أن قلبكِ ليس مطمئنًا... لكن كل شيء سيكون بخير. ديمتري... رجل صعب، نعم، لكن لا أحد يستطيع حمايتكِ مثله."لم تجب. لم تستطع.دخلت زويا بعدها مباشرة، بابتسامة متحمّسة، وهي تحمل صندوقًا ك
استفاقت على شعور ثقيل، كأن رأسها محشوّ بالرصاص.أجفانها ترفض الانفتاح بالكامل، وجسدها مُلقى على السرير كما لو أنه أُسقط عليه دون إرادتها.ضغطت أناملها على جانب جبينها… ألم. ألم نابض خلف عينيها مباشرة. ذلك النوع من الألم الذي لا يُخففه ضوء… بل يزيده."ما الذي…؟"تمتمت بصوت خافت بالكاد خرج منها.حاولت تذكر كيف وصلت إلى هنا… منزل صوفي؟ النبيذ؟ ضحكات متقطعة؟ وبعد ذلك .... صوت.صوت ثقيل، مألوف… نظرة حادة، يد قوية… ديمتري؟شهقت بصمت. نعم… لقد جاء.جلست ببطء على السرير، تغطّي نفسها بالبطانية البيضاء، والواقع يتسلّل إليها كالماء البارد.لقد نامت على أريكة بيت صوفي، مخمورة بالكاد تعرف اسمها،واستيقظت هنا… في سريرها. في قصر آل رومانوف."لقد أخذني…!"همست بالكلمات وكأنها اعتراف، أو فضيحة.لقد حملها ديمتري إلى هنا.دفنت وجهها بين راحتيها، الشعور بالحرج والخوف والارتباك اجتاحها دفعة واحدة.كأن كل شيء خرج عن السيطرة…بل هو خرج فعلًا.أزاحت البطانية عن جسدها ببطء، وقفت أمام المرآة الكبيرة.وجهها شاحب، عيناها متورمتان قليلًا من قلة النوم، وشعرها فوضوي.لكن الأسوأ من كل ذلك… هو ذلك الشعور العالق في صدر
ظلّت واقفة، لم تتحرّك.الهواء حولها كان كثيفًا… كأنّ الأوكسجين ذاته صار عبئًا على رئتيها. عيناها عالقتان على الباب الذي خرج منه… وكأنهما تتوسّلان إليه أن يعود… أو لعلّهما تتوسّلان ألا يفعل أبدًا.الزفاف… بعد أسبوعين.كرّرت الكلمة داخل عقلها، صوت ديمتري لا يزال يرنّ في أذنيها كصفعةٍ لم تتعافَ منها بعد.أسبوعان.أسبوعان فقط، وتُصبح… زوجته."زوجة ديمتري آل مالكوف…؟"همست بها كأنها تتذوّق السمّ بلسانها.مشاعرها ممزّقة، قلبها يدقّ بقوة، ببطء، ثم بسرعة.ضياع. ارتباك. خوف. وغضب خام.لقد قرر عنها. أعلن الأمر. ولم يترك لها مساحة للرفض، ولا حتى للاختيار. أعلنها أمامها، كأنها مُلكٌ له… كأنها صفقة حُسمت."أناني... وقاسٍ... ومخيف."همست وهي تغمض عينيها.لكنها حين فتحتها، كانت الدموع قد تراكمت… على حدود لا يجب أن تتجاوزها.لم تسمح لها بالسقوط. ليس الآن. ليس بسببه.كيف يمكن لرجل أن يُشعل حريقًا في قلبها، ويتركها تحترق وحدها؟ كيف تكرهه الآن… بينما قلبها لا يزال ينبض به؟ كيف تخاف منه… بينما جزء منها لا يريد لأحدٍ سواه أن يلمسها؟جلست على الأريكة خلفها، يداها في حجرها، وصدرها يعلو ويهبط.هل كان هذا حبً
الجو كان مشحونًا، لكنّ أحدًا لم يعلّق.الهدوء المهيب الذي خيّم على المكان لم يكن سلامًا... بل حذرًا.كأنّ الجميع يسير على زجاج مكسور، يتجنّب صوت الصرير، ويتجنب الانكسار.أندريه رومانوف جلس في المقعد الجلدي العميق، يُقلب بين يديه كأسًا نصف ممتلئ من الويسكي، لم يشرب منه شيئًا.عيناه العجوزتان - الممل
في الممر الطويل المؤدي إلى صالة الإفطار، سمعت أصواتًا متداخلة.ضحكة زوي… نبرة أمها… وصوت جدها القوي، دائمًا حاضر.لكن لا أثر لأبيها.ولا أثر لأي حديث عن الليلة الماضية.ومع ذلك، كانت متأكدة… أن كل كلمة قيلت، وكل نظرة، وكل صمت… لا بد أنه وُثق في ذاكرة كل من حضر.خطت بخطوات ثابتة. اليوم… تبدأ الحرب ا
الساعة كانت تجاوزت منتصف الليل.لكن النوم… لم يزر عينيها.كانت جالسة على طرف فراشها، بالكاد تتنفس، وكأن الهواء في الغرفة ثقيل… مشبعٌ بصمتٍ لا يُطاق.يدها اليمنى لا تزال تمسح ببطء على ذراعها، لا لتدفئ نفسها… بل كأنها تحاول محو أثر لا يُمحى.ذلك اللمس. تلك القبلة. تلك النظرة التي سبقتها… ثم ما بعدها.
ولأول مرة منذ سنوات، شعرت بالانزعاج الحقيقي. ليس من تجاهله، بل من تأثيره عليها رغم مرور الزمن.كيف يمكن لرجل لم يتحدث معها منذ عشرة أعوام، أن يحتل كل هذه المساحة؟"آنسة كاترينا؟"جاء صوت بيتر، هادئًا، ثابتًا.فتحت عينيها ونظرت نحوه، فقال وهو يشير إلى الأمام:"وصلنا تقريبا، خمس دقائق وندخل الحي."أو
المراجعات