الفصل الأول: رماد الفوضى
كانت الأجواء داخل المكتب هادئة حد السكون، هدوءاً غريباً لا يشبه العاصفة التي خلفتها وراءها منذ دقائق معدودة. استندت أماندا بظهرها إلى المقعد الجلدي الوثير، وأرجعت رأسها إلى الخلف وهي تراقب خيوط الدخان الرمادي المتصاعدة من سيجارتها. كانت تدخن بكل برود ومزاج رائق، وكأن العالم بأسره يسير على حسابها الخاص، وليس كأنها للتو قد هدمت المعبد فوق رؤوس الجميع وجعلت عروش كبار رجال المافيا تهتز بعنف. أجل، إنها العاصفة يا سادة، العاصفة التي وعدت بأن تحل، وقد حلت بالفعل.. ولكن ليس عليها هي؛ فمن ذا الذي يجرؤ أو يقدر على الوقوف في وجه ذلك العاهر؟ لا أحد.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة مليئة بالتشفي وهي تسترجع في مخيلتها ملامح وجه ذلك العاهر اللعين عندما انفجرت الفضيحة أمام حلفائه. لم تكن تظن يوماً أنها قد تهابه أو تخشاه، رغم أنه يمثل تجسيداً حياً لـ "ابن عاهرة" لا يجرؤ بشر على الوقوف أمامه مهما ارتكب من فظائع وموبقات. طوال حياته الطويلة والمظلمة، لم يجرؤ أحد على أن يقول له كلمة "لا". كان رجلاً مخيفاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ تقسم أماندا أنها رأت في حياتها طغاة ومجرمين وأناساً بلغوا ذروة القذارة والشنعة، لكن أحداً منهم لم يصل لحده. أعتى مرعبي البشرية ومجرميها على مر التاريخ، من هتلر إلى فرعون وصولاً إلى إبليس نفسه، يبدون أمامه بلا وزن. أي رجل هذا الذي يرتعد الجميع لمجرد ذكر اسمه؟ لا شيء في العقل البشري الطبيعي قد يستوعب كيف يفكر هذا المخلوق أو ماذا يفعل بدم بارد.
إنه يقتل، يذبح، يعذب، ويغتصب دون أن ترف له جفن، يتاجر بهن وبالبشر وبكل شيء محرم، وكأن قاعدته الذهبية والدستور الوحيد الذي يسير عليه في هذه الحياة هو: "نم ظالماً ولا تنم مظلوماً". لا شيء إطلاقاً في أعماله اليومية أو تاريخه يشير إلى أنه إنسان طبيعي يمتلك ذرة من خير أو صراع بين الحق والباطل؛ إنه شر مطلق، مصفى، وحتى الأعمال القليلة التي قد يظن الأحمق للوهلة الأولى أنها تحمل نية خير، لم تكن في الحقيقة سوى فخاخ مبطنة بشر أعظم. ومن كان الغبي الذي يجرؤ على محاسبته؟ القانون؟ هه، سخرت في سرها من الفكرة. من الأحمق الذي ما زال يؤمن بأن القانون وُضع لينصف الجميع؟ إن القانون في هذا العالم القذر لم يُخلق إلا ليكون بعض الأشخاص فوقه، يتحركون براحتهم ويفعلون ما يشاؤون دون أن يجرؤ أحد على إزعاجهم أو مساءلتهم.
المخدرات بشتى أنواعها، تصنيع الأسلحة الفتاكة، التجارة بالنساء، والتجارة بالأعضاء البشرية.. كل تلك القذارات لم تكن مجرد عمل عابر بالنسبة له ولعائلته، بل كانت إرثاً متجذراً ممتداً لقرون من الزمن. كان الأمر موروثاً يسري في دمائهم، جينات قذرة مشبعة بالشر والجشع، وكأن الرب قد تركهم في هذه الدنيا ليتجبروا ويطغوا في الأرض أكثر فأكثر دون رادع.
اتسعت ابتسامة أماندا مجدداً وهي تذرف رماد سيجارتها، متذكرة ملامح الصدمة والذهول التي شلت حركته في الاجتماع. كان وجهه يتلون بغضب مكتوم، وكأنه غير مصدق: كيف لها أن تتجرأ؟ كيف لامرأة أن تأتي به و تضره؟ كيف لأي كائن أن يفكر في إزعاجه أو التمادي معه إلى هذا الحد؟حتى لو كان على غلط من يتجرأ و يزعجه لقد كان يرى في تصرفها قمة التمادي؛ فأن تكيد له مكيدة بهذه القوة، وتفضحه أمام حلفائه وشركائه الآخرين بنشر مقطع مصور يظهره وهو يضاجع زوجة أبيها زوجة الرجل الذي هو شريكا معه .. هذا شيء يفوق قدرته على الاستيعاب. بالنسبه لها أي رجل هذا الذي يفعل أمراً كهذا بوالدها ويسلم من العقاب؟ لكنه ليس كاي رجل ولهذا بالتحديد، لو لم تكن لأماندا أسباب قوية، بالغة الأهمية والخطورة، لما أقدمت على هذه اللعبة الانتحارية. وما شأنها هي إن كان الأمر سيحرق الجميع هكذا ؟
في الواقع، زوجة أبيها تلك لم تكن سوى عاهرة قذرة، لكنها لم تكن أي عاهرة عابرة؛ بل كانت الأداة التي جلبتها أماندا بنفسها وقربتها من العائلة لغاية واحدة: لتغيظ والدتها وتكسر كبرياءها.
أرجعت أماندا رأسها إلى الخلف بتعب، وأغمضت عينيها لثوانٍ وهي تتذكر تفاصيل تلك الحياة المليئة بالسموم والخطايا. لم تكن تحاول يوماً أن تبرئ نفسها أو تدعي الطهر؛ إنها تعلم يقيناً أنها أكثر شخص مذنب في هذه القصة، وأنها امرأة مؤذية وقاسية، وتعترف بذلك بكل صراحة. لكن كيف لقلبها أن يكون غير ذلك؟ والدتها كانت امرأة طيبة، ساذجة، ذات مبادئ وأخلاق رفيعة، وانتهى بها المطاف متزوجة برجل لعين كأبيها، فذبلت روحها وجسدها يوماً بعد يوم، وعلى مدار ثلاثين سنة وأكثر كانت تتحمل الويلات. كانت حياة والدتها عبارة عن سلسلة لا تنتهي من الضرب، الإهانة، والاغتصاب الزوجي، وغير ذلك الكثير مما قد يخطر على بال المرء أو لا يخطر. الخلاصة التي خرجت بها أماندا من تلك الطفولة هي أنه حين يجتمع المال والسلطة بيد رجل مؤسس بطريقة قذرة، فلا بد أن تفسد الأرض من حوله. ولهذا السبب تحديداً، كان الجميع في العائلة ينادونها بـ "ابنة أبيها"؛ لأنها مهما حاولت، ومهما سعت بكل الطرق الممكنة، ومهما بلغت شدة كرهها لفعايل والدها.. إلا أنها كانت نسخته المطابقة في كل شيء: في شخصيته القوية، ودوافعه الحاقدة، وحقارته، وقساوة قلبه. وكيف ستكون غير ذلك؟ هل كان من المفترض أن تكون طيبة؟ وعلى من؟ على أمها مثلاً؟!
حين ينشأ الطفل على القسوة، ويعيش حياة مليئة بالصراعات الدامية في بيئة مشبعة بالخبث والمؤامرات، وحين تشهد طفلة صغيرة بعينيها والدتها وهي تتعرض لأفظع الأمور والإهانات دون سبب يذكر، فمن المحال ألا تخاف. لقد تملك أماندا رعب شديد من أن تكبر وتصبح ضعيفة وضحية مثل والدتها. وهل كان لوالدها أن يمر مرور الكرام دون أن يترك أثره عليها؟ لا، إنها أثره الممتد لمئة عام قادمة. هي لا تبرر لنفسها أفعالها، لكنها تتقبل طبيعتها القاسية في هذه الحياة؛ فإما أن تكون الجلاد أو الضحية، وهي تفضل الموت ألف مرة على أن تنتهي مستسلمة كوالدتها.
لهذا السبب، كانت أماندا في داخلها تكره والدتها بكل خلية في جسدها؛ تكره ضعفها، غباءها، وقبولها بالإهانة، وكانت تشعر بالقرف من قلة حيلتها. من المفترض لأي ابن طبيعي بعد أن يكبر ويستقل أن يساند والدته ويحميها، ومن منظور أماندا، هي قد فعلت ذلك تماماً.. ولكن بطريقتها الخاصة الملتوية. لقد رأت أن الحكمة تقتضي أن تقنع والدتها بالهرب من هذا الجحيم، بترك والدها والمغادرة فوراً لكسره وحرمانه منها، وأن تترك كل هذا الكم الهائل من المال وتنجو بحياتها، حتى لو ذهبت لمكان أكثر أماناً يشبه السجن. ولكم أن تتخيلوا كم كانت والدتها مسكينة وتثق بها وتأمن جانبها، دون أن تشك للحظة واحدة بأن ابنتها قد تمسها بسوء أو تخطط لشيء آخر. أجل، أماندا كانت شيطاناً، وماذا عساها أن تكون غير ذلك وهي توسوس لوالدتها بكل تلك الطرق المتلوية من أجل دفعها للرحيل، ليبقى كل ذلك المال والثروة لها وحدها؟ أجل، ولأنها بكل وضوح امرأة مادية، لا تهتم لشيء في هذا العالم سوى المال والسلطة؛ ولماذا تنكر ذلك والمال هو زينة الحياة الدنيا؟
ولهذا بالتحديد، قامت بجلب تلك العاهرة وتزويجها لوالدها لملء الفراغ وإشعال النيران. وقبل خمس سنوات، علمت أماندا بسير خطير: علمت أن والدها العاهر قد خان أخاه (عمها) ونام مع امرأته سراً خلف الأبواب المغلقة، حيث تكمن الأسرار القذرة. فالأخ يخون أخاه، ويأخذ زوجته ليس بدافع الحب بالطبع، بل لأنه رجل قذر يحب أن يستولي على ما بيد غيره، حتى لو كان ذلك الشيء امرأة أخيه؛ رغبة وشهوة عابرة لقتل الملل، أو حتى لجعل النار تشتعل في قلب والدتها الطيبة. ولهذا، كان ثمن تلك الخطيئة كبيراً؛ فحسب ما علمت أماندا لاحقاً، كان والدها في ذلك الوقت يعلم حق العلم أن الطفل الأول الذي حملت به امرأة عمه كان منه هو، وليس من شقيقه! بل إنه لم يرغب بقتل فرحة أخيه بالطفل، ولم يمانع بأن تجهضه المرأة، بل تركها تحمله وتلده.. ومن كان سيعلم بهذا السر؟ لكن ياللسخرية، بعد خمس سنوات، تكشفت الحقائق خلف ظهورهم.
وهل كان والدها اللعين يعلم أنه سيحصد أعماله السيئة يوماً ما؟ منها لما كان سيفرح حين ولدت بذلك الشكل . يالها من حياة تحمل الكثير من الخفايا والمفاجآت الصادمة! فمن كان يصدق أن ذلك العاهر، ابن عمها، الذي لطالما أخافته وهي صغيرة وكان يتحرش بها ويحاول النيل منها حين كانا صغار ، كان في الحقيقة أخاها من الدم؟ منذ أن علمت أماندا بهذا السر القذر من والدتها ، وعرفت أنه قد يحدث شيء في المستقبل وياتي هذا الولد ليطالب بورثته وحقه في المال، عزمت فوراً على إنهاء اللعبة. قربت تلك العاهرة وابنها (أخاها/ابن عمها) من والدها بكل مكر، وكادت لها مكيدة محكمة لتجعل والدها ينهيها بيده، تماماً كما أنهى والدتها من قبل.
على سبيل المثال، حين ترى تلك العاهرة (زوجة أبيها الجديدة) هذا الرجل اللعين الزعيم كلاي ، فلا أحد يمكنه أن ينكر أنه رجل بمعنى الكلمة؛ بكل شيء فيه، من رأسه حتى أخمص قدميه، وبكل جوارحه. رجل بطول وعرض، بجسد يهلك النساء، له كلمته، وله وزنه، وله ثقله في كل فعل؛ لا أحد يضاهيه في الجاذبية السامة، مثالي لحد فقدان الصواب. إنه عاهر لعين لطالما فقدت زوجة أبيها صوابها بسببه ودارت في فلكه، ولهذا بالتحديد جلبتها أماندا إلى هنا، إلى عرينه وسهلت طريقها إليه.
كان الهدف من كل ذلك هو إجبار والدها – بعد أن واجهته أماندا بأنها تعلم كل قذارته وسر خيانته لأخيه – على أن يتزوج من هذه المرأة العاهرة؛ لتصبح بعد وفاة عمه زوجته الرسمية وشرفه أمام الجميع. وهذا بالتحديد ما خططت له أماندا ليكون مقتل تلك المرأة؛ فهل كانت هذه الخائنة لتصون شرف والدها؟ بالطبع لا! لكانت حمت شرف زوجها الأول (عمها) بدلاً من إغواء والدها مراراً وتكراراً لسنوات. ولا تنكر أماندا أن والدها يمتلك كاريزما خاصة أيضاً تجعل أي امرأة تقاتل لتكون بجواره، لكن والدها لا شيء أمام ذلك "الزعيم" ، وقد نال الكبر من والدها قليلاً، بينما تلك المرأة قذرة ومشتهية لكل رجل قوي، والزعيم رجل كالجبل لا يقاوم.
وهل كانت أماندا هي من طلبت منهما أن يمارسا ذلك العهر؟ لا. وهل ضربت الزعيم على يده ليضاجع زوجة أبيها؟ أيضاً لا. وهل قالت لأبيها أن يجلب زوجته حول خطوط عمل الزعيم؟ لا. وهذا أكثر ما تحبه أماندا في نفسها؛ فهي لا تسمي هذا التخطيط مكراً، بل تسميه "الحكمة". نعم، الحكمة في تحريك أحجار الشطرنج وترك الآخرين يدمرون أنفسهم بأنفسهم.
قامت أماندا بإرسال مقطع الفيديو الفاضح سراً إلى خطيبة الزعيم روز . تلك الفتاة التي تعاني من عقدة نقص حادة وحساسية مفرطة وهي ترى خطيبها محاطاً دائماً بهذا الكم من النساء اللواتي يلاحقنه في كل مكان. وفجأة، يصلها مقطع من شخص مجهول يظهر فيه خطيبها الزعيم وهو يضاجع امرأة تعرفها جيداً، امرأة أكبر منها بعشرين سنة، بعمر والدتها، ولا يوجد بها أي شيء مثير أو مميز. بالطبع، ستفقد تلك الخطيبة الغبية صوابها، وتأتي بكل جنون واستهتار إلى الاجتماع المغلق الذي يضم كبار الحلفاء والرجال، وتنفعل بشدة وترمي الهاتف بالمقطع الفاضح أمام عائلتها وأمام الملأ هكذا دون تفكير بالعواقب!
وهناك، كانت أماندا تجلس وتراقب المشهد بصمت مطبق ومتعة لا توصف. رأت والدها يجلس بكبرياء بين الرجال وفجأة يُفضح أمام الجميع بسبب مقطع فيديو تظهر فيه زوجته العاهرة أسفل رجل يترأس الاجتماع ويصغره بثلاثين سنة! هذه إهانة ساحقة لا يتحملها رجل ذو نفوذ وطبيعة لعينة كوالدها أبداً. كان والدها ظالماً، وظنت أماندا أن هروب والدتها في الماضي كان آخر ما قتله، لكن ما حدث له اليوم في الاجتماع كان أسوأ بدرجات تفوق الوصف. فكيف له ألا ينتهي؟ زوجته خانته، ومع من؟ مع زعيمهم وشريكهم الأكبر! كرامته سحقت ودُيست أمام الملأ. ماذا سيفعل الآن؟ هل يقطع عمله وصفقاته معه؟ هذا مستحيل في عالم المافيا؛ فإما الموت أو الموت، ولا شيء يعني إلغاء الصفقات الكبرى بهذه السهولة.
حين نهض والدها من ذلك الاجتماع، كان وجهه مسوداً من شدة الغضب المكتوم والإهانة الساحقة، وغادر قاعة الاجتماعات دون أن ينطق بكلمة واحدة؛ وليس كأن الكلام كان سيجعل موقفه أفضل، بل كان سيهينه أكثر. نهضت أماندا بعده بمدة قصيرة، وهي تنظر إلى وجوه الرجال والشركاء المذهولين دون أن تعير ذلك "الزعيم" العاهر نظرة واحدة. كانت تعلم يقيناً أنه يعلم أنها الفاعلة؛ فزوجة أبيها تلك كانت قد أخبرته سابقاً أن أماندا هددتها بالفيديو، وهو ماذا فعل وقتها؟ جاء بكل وقاحة وهدد أماندا متوعداً إياها بأنه إذا علم أحد بالامر فإنه سيفعل بها الأفاعيل وحذرها مراراً وتكراراً.. لذلك، عند خروجها، ضحكت بسخرية واستهزاء ومردفة بصوت مسموع أمام الحلفاء:
"هذا هو العاهر الذي تعملون معه همم؟ اليوم زوجة أبي، وغداً دوركم.. سيتقاسم زوجاتكم معكم؛ يضاجعهن من جهة، ويضع المال في أيديكم من الجهة الأخرى.. هذا كل ما يجيد فعله!".
كانت تعلم في تلك الثواني أنه ينظر إليها بنظرات قاتلة، شعرت بها كجمر يحرق جلدها من الخلف. تعلم أنه لو كانت هناك لحظة واحدة إضافية أو كلمة أخرى تخرج من فمها، لكان انقض عليها ومزق عنقها ببراثنه، خاصة بعد أن نظرت إليه بقرف مشوب بابتسامة شريرة متأصلة فيها. فلا بأس عنده إطلاقاً أن يحل هذا الموضوع بالقتل؛ بقتله لوالدها، ولتلك العاهرة، ولأماندا نفسها، وقتل كل من يعارض سلطته. لكن وجود كل الحلفاء والشركاء اليوم في نفس القاعة يعني أن إقدامه على القتل سيجلب له خسارة مالية ونفوذية فادحة؛ فإذا قتل الجميع سيدخل في دوامة دموية كبيرة لا نهاية لها، وسلسلة انتقامات لا تنتهي من قتل أبنائهم وأحفادهم، والكثير من الدماء، وفض الشراكات والخلافات، والحروب التي ستملأ كل مكان.. وظل الأمر هكذا معلقاً إلى أن ينتصر أحد في النهاية، وبالتأكيد سيكون هو لأنه صاحب النفوذ والسلطة الأكبر هنا.
وزاد الطين بلة مغادرة جماعة أهل خطيبته، وهم الحلفاء الأقوياء الذين يمثلون الظهر والسند له، خرجوا من القاعة بهذا الكم من الغضب العارم. لذا، أجل.. خطة أماندا نجحت تماماً. فبين هذه العائلات، أي علاقة زواج ليست حباً، بل هي مشروع اقتصادي وتضامن سياسي وعسكري لا مثيل له، وبعد أن أُهينوا بهذا الشكل، هه.. تعتقد أماندا أن خطيبته ستندم على فعلتها الغبية والاندفاعية كثيراً. بالتاكيد الفتاة غارقة في حبه حد الجنون وستسامحه بعد أن تهدأ ثورتها، لكن هو.. هو لن يسامحها أبداً. كيف تتجرأ وتدخل إلى هنا، أمام كبار الرجال، وتلقي بالهاتف أمامه وتشك به وتظن به سوءاً؟ إنه في نظره بالتاكيد لم يكن يخونها، بل كان فقط يريح شهوته قليلا مع امرأة متاحة و يساعدها على الحصول على نشوتها فقط، ولا بد أن تلك الغبية قد فهمت الأمر بشكل خاطئ!
والدها بالتاكيد الآن في طريقه ليقتل تلك العاهرة زوجته، وها هي أماندا مرة أخرى تخرج من المعركة دون أن تلوث يدها بقطرة دم واحدة. ولا يعني لها الأمر شيئاً إن غادرت بهدوء وقتها؛ فمن قال إنها ستترك ثمن فعلته بمضاجعة زوجة أبيها يمر مرور الكرام؟ ومن قال إنها ستسمح له بالنجاة؟ ستاخذ حق والدها وكرامة عائلتها منه يوماً ما، متى قالت أنها ستتركه؟ أجل، لقد خططت لذلك الف مرة في مخيلتها، وفائدتها الشخصية والمادية كبيرة بفعله لذلك وجعل الجميع يضربون بعضهم، لكن رغم كل شيء، لا يهون عليها والدها؛ فهي وحده ومن يحق له أن يؤذيه أو يؤذي من حولها، وليس هذا الغريب.
فجأة، اهتز هاتفها الموضوع على المكتب، وكان اسم المتصل يعود لأحد رجال والدها المخلصين. ردت دون تفكير أو تردد، وهي تعلم مسبقاً بالخبر؛ فوالدها خرج من الاجتماع بهدف واحد: لينظف شرفه ويزيل العار الذي لحق باسمه. فموت زوجة أبيها كان يعني تلقائياً أن الثلث الذي تملكه أماندا من الورثة قد استقر في جيبها وانتهى أمره، وبالتأكيد يتبقى التخلص من ابنها، ذلك العاهر ابن الخطيئة (أخاها) الذي هرب على الفور واختفى بعد أن علم بالفضيحة المدوية التي فجرتها والدته،عاهر ابن عاهرة.
نهضت أماندا من مقعدها متوجهة إلى بيت العائلة الكبير بعد أن أخبرها الرجل على الطرف الآخر من الهاتف أن والدها ينتظرها هناك، وأنه أصدر أمره الصارم للجميع بأن يأتوا فوراً؛ لينحر عنق تلك الزانية أمام عتبات المنزل وتحت إشراف وحضور الجميع و أهل عائلتها بأكملها، لتصبح عبرة قاسية تروى للأجيال القادمة.
كم تمنت أماندا في أعماقها لو كان رد فعل والدها وكبرياؤه يصل إلى حد فعل ذات الشيء مع إحدى نساء عائلة ذلك الزعيم اللعين ليرد الصاع صاعين! لكنه لا يجرؤ، ومع الأسف لا أحد في هذا العالم يجرؤ على المساس بنساءهم ابدا ، حتى لو كان الحق معه أو كان الجميع يساندون والدها ؛ لا أحد يملك تلك الشجاعة. حتى أماندا نفسها، كان قلبها يخفق بشدة وتتسارع دقاته حين تفكر في هذا الأمر وفي عواقبه الوخيمة. فبالرغم من كم أنه عاهر، وأن رجال عائلته ورجاله كلهم عواهر ومجرمون، إلا أنهم محافظون بشدة ومتزمتون بخصوص نسائهم وعائلاتهم نسائهم خط احمر ؛ لدرجة أن خروج الفتاة من عندهم للدراسة أمر ممنوع ومن المحرمات، ولا يحق للمرأة لديهم أن تختار أي شيء في حياتها ممنوع الخروج، لايسمح لهن سوا لبس ملابس واسعه و فضفاضه و طويله ممنوعرلا ان تفرد المرأه عندهم شعرها او تطوله حتى هناك حد لذلك، ممنوع التبرج، ممنوع ان تحب او تعشق، ممنوع قراءة الكتب او الاستماع للاغاني او مشاهده مسلسلات الحب و الغرام ، وتُحرم حتى من حق اختيار زوجها ، فهل ستلحق اي امرأة من عائلتهم لتصل إلى ان تخب حتى زواجهن يختاره الرجال حسب رأيهم فقط دون استشاراتهن حتى، ما ان اتبلغ الفتاه تزووج مباشرة .
يُمنع الاختلاط عندهم منعاً باتاً، ويُمنع حمل الهواتف المحمولة للنساء؛ هناك هاتف واحد فقط في منزلهم الكبير وهو بحوزة والدته فقط ومن نوع خاص ومراقب، يُمنع كل شيء، حتى شرب الخمر أو أي تصرف بسيط، الجهل المطبق عليهن وكأن الرجال سوف يتحاسبون عنهن في الآخرة مثلاً.
كانت أماندا تعلم يقيناً أن الزعيم يراها "عاهرة برو ماكس" نظراً لنمط حياتها المختلف تماماً عن نساء بيئته. فالعاهرة العادية بالنسبة له ولامثاله هي تلك المرأة التي ينام معها دون زواج وتلك ايضا يتحكم بها لا دخول ولا خروج من جناحه الخاص بدار الدعاره الخاص به ممنوع ان تلمس من غيره ولا يقبل الا ان تكون عذراء ثم يرميها ولا يعود لها اذا اعطاها لرجاله.
أما أماندا فهي بنظره هي عاهرة من طراز خاص ومستفز؛ لأنه حكم عليها من خلال ملابسها الجريئة، وطريقتها الحادة في الكلام، وبسبب عملها وقوتها، وبأنها امرأة مسترجلة يجب ان يسحقه ، لكن بيئتها هي ليست كبيئته و نظرتهم ليست كنظرته عن المرأة والدها متحرر بعض الشيء يهتم بسعادتها و راحتها و برايها فوق كل شي بل إن كلمتها وسلطتها في العمل أقوى من كلمة والدها نفسه.
فوالدها كان يلجأ إليها وقت المصائب الكبرى، يستشيرها ويأخذ برأيها وتخطيطها حتى أمامه هو في الاجتماعات ولا يخجل حتى عندما يسخر منه ملقب والدها بالديوث ليس وكانه سيؤثر على والدها، وكم ذلك يزعجه لطالما انتقد والدها وشتمته على ذلك بسره و علنه! كانت تلمح ذلك الحقد والاشمئزاز في نظراته لها؛ إنه يبغضها لكنه رغماً عنه يتعامل معها ، وكان ذلك واضحاً من أسلوبه الجاف معها، فكان أكثر ما يقرفه فيها تمردها، لدرجة أنه كان يتعمد ألا يناديها باسمها إذا رآها، بل يقول مستهزئاً: "أهلاً أبو الشباب". وفي كل مرة كان يفعل ذلك، كان يتعمد إهانتها والتقليل من أنثوتها امام الجميع ، لكنها كانت تكتفي بالابتسام بكل هدوء وبرود وكأن كلماته تلك هي شهادة كفاءة وقوة تستحق الفخر، وليس كأنها تهتم برأيه أو رأي أي رجل آخر من أشكاله. ولطالما كان لديها جواب لاذع تتمنى قوله في وجهه، وتثق بأنها ستفعل ذلك يوماً ما وتكسر عينيه.
لطالما كانت أماندا امرأة حرة، لا يهمها رأي أحد بها كائناً من كان، ولا تسمح لمخلوق أن يتدخل فيما تفعله أو تقرره. تدخن السجائر بشراهة.. تسكر في الحفلات.. ترسم الوشوم على جسدها.. تخرج مع من تشاء.. وفي الوقت الذي تشاء.. تعيش في منزل مستقل لوحدها تماماً.. تسافر وقتما تريد.. وإلى أي بلد تريده.. ترتدي ما يروق لها من ملابس جريئة، ولا تخجل أبداً من أن تظهر جسدها بكل فخر؛ لطالما كانت ترتدي البكيني بجرأة أمام جميع الرجال على شواطئهم الخاصة ولا يهمها ما يفكرون به أو كيف ينظرون إليها، وهم يعلمون ذلك جيداً وبالأخص هو.. تشتم بألفاظ قذرة وحادة إذا غضبت.. تنضم أحياناً لحفلات صاخبة ومخلة بهدف الترويح عن النفس وتفريغ الضغط.. تقتل في عالم العمل بسبب الملل أو الضجر فقط لفرض السيطرة.. حتى أنها كانت تذهب وتجلس مع الرجال وتشاهد فقرات التعذيب الوحشية التي يجرونها لأولئك الذين خانوا العمل دون أن تهتز شعرة منها.. وحتى أنها كانت تذهب إليه شخصياً في عقر داره لتاخذ منه وتسلمه أوراق العمل والصفقات في بيت الدعارة الفخم التابع له، ولطالما رأته هناك بأوضاع مخلة ومقززة مع نساء وعاهرات مرات كثيرة دون أن تلتفت.
حتى هي، بقوتها وحريتها، كانت تستطيع أن تقيم العلاقات الجسدية مع من تريد ومتى تريد، لكنها لم تفعل ذلك قط. وذلك لسبب واحد عميق دفنته في زوايا قلبها وأخفته عن عيون العالم بأسره، وبالطبع ليس بسببه هو؛ فلماذا ستحرص امرأة مثلها أن تكون عذراء لرجل عاهر ومستهلك مثله؟ بالطبع لا! هي لم تفكر به لمرة واحدة كحبيب أو شريك، ليس لأنها تشعر بالنقص أمامه؛ فصحيح أنها ليست كعاهراته المثاليات ذوات الأجساد والوجوه المصنوعة لأجل المتعة فقط، لكنها كانت جميلة بشكل طبيعي وعادي، وثقتها بنفسها وبذكائها كانت أعلى بكثير من أي جمال خارجي. وفي الحقيقة، لم تكن أماندا تعتمد يوماً على ما يسمونه "جمال الروح"؛ لأنها تعلم أن روحها مريضة، مظلمة، ومشوهة، وحتى هي نفسها كانت متعبة من قسوتها ومن نفسها.
فهي تمتلك مكانتها الخاصة ولها عملها المستقل، وبغض النظر عن أن والدها ثري ويمتلك نفوذاً، بل هي من صنعت لنفسها ثروة خاصة أضخم بكثير من ثروته بفضل ذكائها الماكر. أخذت شهادتها الجامعية بامتياز وأنهت دراستها العليا، ولديه بيوت وعقارات مسجلة باسمها في كل البلدان التي سافرت إليها. فهي لديها حلم حقيقي تسعى لتحقيقه لنفسها: أن تسافر وتلف العالم كله، ولماذا لا تفعل؟ المال متوفر بين يديها بكثرة، وطائرة والدها الخاصة تحت تصرفها، وتملك ثقافة عالية وعقلاً متفتحاً، بينما هي لا ترى ذلك الزعيم ورجاله سوى ثلة من الجهلة الذين لا يفقهون في الحياة سوى لغة الدم والسلاح والتخلف.
لكن، وفي داخل ذلك القلب المظلم والمريض، كان هناك جزء صغير جداً يحلم.. أحلام يقظة بريئة وبعيدة كل البعد عن واقعها الأسود المعاش. أحلام تتمثل في أن يأتي رجل حقيقي من حيث لا تعلم، رجل قوي لكنه نقي، يحبها بجنون خالص، يضحي بالجميع ويدمر الدنيا لأجلها، يحتويها بين ذراعيه ويحميها من هذا العالم. تمنت لو تشعر لمرة واحدة بالأمان الحقيقي بجواره، أن تغلق عقلها وتتوقف عن التخطيط والمكر معه، لتصبح من كثرة دلاله ورعايته لها امرأة غبية ومستسلمة، لا تستخدم عقلها إلا للحاجة القصوى. رجل ينتشلها من كل هذا القرف والدم والسموم التي تعيش فيها، لتعيش معه في بيت هادئ يكون مليئاً بالراحة، والسكينة، والرحمة؛ تنجب منه الأطفال وتمنحه نفسها وروحيها بكل حب. لطالما تمنت ذلك في خلواتها، ولهذا السبب بالتحديد استمرت بالحفاظ على عذريتها ونفسها طوال هذه السنوات؛ لأنها تؤمن في أعماقها أنها تستحق حياة سعيدة ونقية مع رجل يستحقها، وبالتأكيد سيعوضها الله في النهاية. فهي لم تختر أن تولد في ظروف تجبرها على أن تكون في هذه البيئة الفاسدة، ولا اختارت أن تكون ابنة لرجل قذر ودموي كهذا، ولا هي قررت أن تصبح امرأة لعينة وقاسية بين يوم وليلة؛ بل هي نتاج مواقف، وخيبات، وخوف مستمر، وحسرة مدفونة. لو أنها شعرت لمرة واحدة في طفولتها بأنها في أمان، لربما كان كل شيء قد اختلف الآن ولأصبحت امرأة أخرى تماماً.
وكان منظر الدماء والموت هو الشيء الوحيد الذي اعتادت عليه منذ أن كانت طفلة صغيرة. الأب الذي يقال في قصص الأطفال وعالم الطبيعة إنه مصدر الأمان والحماية في حياة الفتاة، كيف لأماندا أن تشعر بالأمان معه وهي تراه الآن ينحر زوجته بدم بارد أمام الجميع؟ لم يكن هذا المنظر غريباً عليها، فليست هذه هي المرة الأولى التي ترى فيها شيئاً كهذا يحدث في عائلتها، لكنها كانت المرة الأولى التي تشعر فيها بالفخر والانتصار؛ تشعر بنفس مقدار المتعة والتشفي التي علت وجه والدها بعد أن نفذ فعلوته وغسل عاره. لكن والدها ليس أفضل من تلك الخائنة في شيء؛ ففي النهاية هو أيضاً خان أخاه في الماضي ونكح امرأته، ولا يمكن لأماندا أن تتخيل مقدار القرف والاشمئزاز الذي أحسته في أعماقها تجاهه وتجاههم جميعاً في تلك اللحظة.
لهذا السبب، غادرت التجمع وعادت إلى بيتها الخاص، منزلها المستقل الذي تعتبره ملاذها الوحيد؛ لتعود إلى عالمها المنعزل، تنتظر ذلك الرجل الخيالي أن يأتي يوماً وينتشلها من هذا المستنقع، أو ربما لتصبر نفسها وتجبر خاطرها بتخيله والحديث معه في عقلها. لا تعلم إن كان سيأتي، لكنها كانت الطريقة الوحيدة والناجحة التي تلجأ إليها لتهدئة روعها ونبضات قلبها الثائرة بعد كل معركة. وكانت تعلم يقيناً أنه في اليوم الذي تجد فيه ذلك الأمان، ستقطع علاقتها مع عائلتها بأكملها وتختفي، دون أن يرف لها جفن واحد أو تندم على تركهم.
ظلت تفكر في كل تلك التفاصيل والدوافع وهي في طريقها إلى الشقة؛ لم تكن تظن يوماً أن أحداً من هؤلاء المجرمين قد يتخيل أن أماندا القوية والقاسية ترغب في الزواج يوماً ما أو تحلم بأن تنجب أطفالاً وتصبح أماً. دخلت المنزل وتوجهت نحو الصالون وهي تتخيل في عقلها ملامح وجه والدها لو علم أنها قررت الخروج من عالم القذارة هذا للأبد، وأنها أنجبت طفلاً صغيراً وترسخ حياتها لترسم لوحات فنية جميلة تعلقها على جدران بيتها بدلاً من تزويرها الأموال وإدارة صفقات السلاح! هذا السيناريو حقاً كان كفيلاً بإصابته بسكتة قلبية ونهاية قاتلة له فهي بالنهايه تعيد اليه بارباح هائله .
وكان الشعور صاعقاً وقاتلاً حقاً حين أغلقت باب منزلها بملل والتفتت لتخلع حذاءها..
فجأة، تجمدت الدماء في عروقها، وشعرت برعب حقيقي جعل قلبها يفزع ويكاد يقفز من بين ضلوعها من شدة الصدمة كانت رائحته هنا بمنزلها .
كان "الزعيم كلاي " يجلس بكل هدوء وثقة في عتمة صالونها الخاص! وكان يبدو من جلسته المسترخية ونظراته الثابتة المصوبة نحوها في الظلام أنه قد انتظرها هناك كثيرا، انتظرها بصمت وبهدوء مرعب يحبس الأنفاس. وفي تلك اللحظة بالذات، علمت أماندا تماماً لماذا جاء.. ولماذا ينتظرها هنا في شقتها.. ولهذا السبب تحديداً، تجمدت الدماء في عروقها وشعرت بأن أنفاسها قد قطعت تماماً.