تسجيل الدخول"بين دقات قلبٍ أقسم أن يحميها، وسطوة يدٍ رسمت لها حدود عالمها.. وجدت 'نور' نفسها عالقة في المنتصف. هل كان حبه لها خلاصاً من قيود المجتمع، أم كان القفص الذهبي الأكثر قسوة؟ في رواية 'أسيرة قلبه أم أسيرة سلطانه'، تنكشف الأقنعة لتطرح سؤالاً واحداً: عندما يمتلك الحبيب السلطة المطلقة، هل تبقى للحب بقية؟"
عرض المزيد"أسيرة قلبه"
البارت الأول: ليلة القدر يونس… اسم وحده كان كفيل يزرع الخوف في قلوب الجميع. رجل غني بشكل فاحش، يملك نفوذًا لا حدود له، وقلبًا مات منذ سنوات. لم يكن يؤمن بالحب، ولا بالارتباط، فقط المال والسيطرة… وكل فترة كان يشتري فتاة جديدة لتعيش داخل قصره الفخم لبعض الوقت، ثم يطردها عندما يملّ منها، وكأنهن مجرد أشياء تُشترى وتُستبدل. لكن هذه المرة كانت مختلفة… سارة، الفتاة الفقيرة التي باعتها الحياة قبل أن يبيعها البشر، دخلت عالمه مجبرة، خائفة، تحاول النجاة من رجل لا يعرف الرحمة. كانت تكرهه منذ اللحظة الأولى، وتحاول الهرب منه بكل الطرق، بينما كان هو يظن أنها لن تكون مختلفة عن غيرها. إلا أن سارة لم تنحنِ له… واجهته بعنادها، بدموعها، وبقلبها النقي الذي لم يفسده العالم رغم قسوته. ومع مرور الأيام، بدأ يونس يشعر بشيء لم يعرفه من قبل… الخوف من خسارتها. لكن هل يستطيع رجل مثله أن يحب فعلًا؟ وهل ستسامحه سارة بعدما أصبحت أسيرة قلبه؟ وقف يونس أمام السيارة، وبجواره صديقه ساهر، يضع يده في جيب بنطاله وينظر ببرود إلى الفتيات الجالسات داخلها. أما هي، فكانت ترتجف في مقعدها، تتوسل لذلك الرجل البغيض أن يتركها وشأنها، لكنه أصرّ على رأيه ولم يكترث لدموعها وتوسلاتها. والأخريات؟ كنّ يضحكن بصوت عالٍ وكأن ما يحدث مزاح. نزلت الفتيات الثلاث، وبقيت هي وحدها ترتجف وتدعو الله أن يُنقذها. تقدم الرجل القبيح وحيّا يونس بابتسامة ماكرة، ثم أشار إليها بعينيه لتخرج. وحين طال صمته، اقترب منها وشدّها بقسوة من ذراعها لتخرج، وهي متشبثة بشالها تحاول ستر جسدها بثيابٍ بالكاد تكفي. كان كل هذا يحدث تحت أنظار يونس. عيناه كالصقر لا تفارقها. الجميع يقف ينتظر... من هي المحظوظة التي سيختارها الليلة؟ وكل فتاة تتمنى أن تكون هي. اقترب منها، رفع وجهها المنكسر إليه. رأى الحزن، ورأى الدموع المحبوسة، ورأى رجاءً لا يُوصف. وجد أمامه حوريةً من الجنة، بشعرٍ منسدل يغطي نصف جسدها. طال الصمت... حتى قطعه ساهر ضاحكاً: - إيه يا يونس؟ كل ده حيرة؟ خلاص، المرة دي أنا اللي هختار! وتقدم ليُمسك بيدها، فتراجعت للخلف ودموعها تنهمر. دفعها الرجل القبيح بقوة، لكن يد يونس سبقته وأوقفته. - بتعمل إيه؟! ومن إمتى حد غيري بيختار قبلي؟ نسيت إني أنا اللي عرفتك على ربيع ودخلتك السكة دي؟ قالها يونس بصوتٍ حاد. - لأ مش ناسي... بس قلت نغيّر المرادي، مش هيحصل حاجة. لم يرد يونس. فقط أمسك بيدها الباردة كالجليد، وسحبها معه إلى سيارته. أجلسها في المقعد الأمامي، ألقى بظرف النقود لربيع، وانطلق بالسيارة تاركاً خلفه صدمة الجميع. كانت صامتة، دموعها لا تتوقف، وجسدها يرتجف من الخوف. كان ينظر إليها من حين لآخر بنظرة غريبة... إحساس داخلي يقول له: "هي مختلفة". إحساس أنه أول رجل تراه هكذا في حياتها، وهذا وحده أشعره بلذة لا يفهمها. توقف أمام بناية فخمة في حي راقٍ، وطلب منها أن تتبعه بهدوء. لكنها خرجت من صمتها أخيراً: - أرجوك... سبني أمشي. لو في قلبك رحمة، أو عندك أخوات بنات، سبني أمشي. أمسك بيدها وقربها من وجهه، نظر في عينيها طويلاً دون أن ينطق، حتى أدخلها شقته. فتح باب إحدى الغرف وأشار لها: - ادخلي هنا. فيها حمام، اغسلي وشك. وأنا جايلك بعد شوية. دخلت كما أمرها، وقلبها يتمزق من الرعب. قلبها ينزف ألماً، ودموعها لا تتوقف. رفعت عينيها للسماء... ليس لها غير الله. توضأت، وبحثت عن ما تستر به نفسها. لم تجد سوى جلبابٍ رجالي واسع، فارتدته. وقفت تبحث عن اتجاه القبلة، لم تسأله، فهي موقنة أنه لا يصلي ولا يعرف القبلة. فردت شالها، واستقبلت القبلة بقلبها قبل جسدها، وبدأت تصلي بخشوعٍ ويقين أن الله لن يخذلها. أما يونس... فكان واقفاً خلف الباب. سمع همسها، رأى خشوعها، وشعر بشيءٍ يهزّ كيانه لأول مرة. شعر أنه أصغر من هذه الفتاة بكثير. خرج إلى الصالة، يجلس ويفكر: من تكون؟ ولماذا هي هنا؟ كيف لفتاةٍ كهذه أن تقع في يد ربيع؟ أخيراً فتح الباب ودخل. وجدها ساجدة تبكي وتدعو ربها. تقدم ووقف أمامها وقال ببرود: - كفاية صلاة كده. إنتي مش في جامع، إنتي في شقة مع راجل. وأظن عارفة إنتي هنا ليه. ممكن أعرف إنتي مين؟ واسمك إيه؟ - اسمي سارة. - وبتِصلي في بيتي ليه يا سارة هانم؟ - وأيه المانع؟ مفيش مكان ممنوع فيه الصلاة. - مفيش مانع... بس هتيجي في حضني وأنتي متوضية؟ اقلعي الجلباب ده، بلاش الدور اللي مش لايق عليكي. - أنا مش بمثل. أنا بصلي لربي، ومتيقنة إنه معايا ومش هيخذلني. أنا هنا غصب عني، بس عمري ما هكون ليك. ابتسم بسخرية: - إنتي تطولي؟ ده فضل مني. يونس سالم أي بنت تحلم تبقى معاه. يلا، الدولاب فيه لبس كتير، البسي وتعالي أدخلك الجنة. - الله الغني عنك وعن جنتك. لو لازم أفضل هنا أسبوع، هفضل بالجلابية دي. وإوعى تفكر تقرب مني... فاهم؟ اقترب منها وهو يهمس: - ها أنا ذا أقترب... أريني ماذا ستفعلين؟ ومدّ يده ليلمس وجهها، فأمسكت بسكين كانت على الطاولة وصاحت: - هقتلك لو قربت! بحركة واحدة أسقط السكين من يدها، وضغطها بين ذراعيه. شمّ رائحتها، شعر بانتصار لحظي... لكنها ركلته بقوة وهربت من بين يديه. ركضت نحو الباب، لكنه كان أسرع. أمسكها، وقلبها يخفق كالمذبوحة، تتوسل إليه: - أشكوك إلى الله! تركها فجأة، ابتعد عنها، وظهره لها. - امشي... روحي من هنا. - ليتني أستطيع. أنا مجبورة أكمّل الأسبوع ده عشان أوفي بوعدي لربيع. - وعد إيه؟ وإيه اللي جابك هنا أصلاً؟ انتي ملكي الأسبوع ده، وأنا دفعت فيكي كتير. ارقصي طيب... ما فيش ست ما بتعرفش ترقص. - أنا مبعرفش، ومش هعرف. بس ممكن أخدمك، أنضف الشقة، أطبخ... المهم توعدني متأذنيش. ولو على فلوسك، والله ما خدت منها حاجة، ولو أقدر أرجعهالك هرجعها. صدقها. شعر بصدقها في صوتها. خرج إلى البلكونة يفكر... ثم عاد وأمرها: - البسي هدومك اللي جيتي بيها. حالاً. انحنت تقبّل يده متوسلة أن يتركها، لكنه لم يرد. أخذها وصمت الطريق كله، حتى وقف أمام بيت كبير مزين بالأنوار. - متتكلميش مع حد. تنفذي كلامي وبس. خدي الشنطة وتعالي ورايا. دخلت وراءه، والدهشة تملأ عينيها. نادى بصوت عالٍ: - راضية! خرجت امرأة تجري تحتضنه: - كويس إنك جيت يا قلبي! ولمحت سارة. - مين دي؟ - دي راقصة، جبتها تحي الفرح. بس هترقص هنا في البيت بس. ارتجف قلب سارة. فهو لم يرَ فيها سوى سلعة. أخذتها راضية إلى غرفة الضيوف، لكن يونس اعترض: - لا، هتنام فوق في أي أوضة فاضية. جنب أوضتي وأوضة مسعد. صعدت سارة مع راضية، وقلبها يقول: "يا ترى أنا فين؟ وليه كل ده بيحصلي؟""اسيرة قلبه "الفصل التاسع والاربعون: توقف "هادي" عند مدخل الحديقة، ولم يجرؤ على التقدم خطوة أخرى. كانت أنفاسه تتسارع، ليس غضبًا، بل دهشةً من هذا المشهد الذي يراه لأول مرة.رُمّانة، التي اعتاد رؤيتها في قوالب مختلفة من الهدوء أو الصمت الحزين، كانت الآن تضحك بملء جوارحها، تتقافز مع "سالم" وكأنها جزء من عالم خاص لا يدخله الكبار. شعر "هادي" للحظة وكأنه دخيل على هذه اللوحة؛ براءة "سالم" وطفولة "رُمّانة" العفوية، كلتاهما كانتا تشكلان سداً منيعاً يمنعه من الوصول إلى ابنه.تنهد "هادي" بعمق وهو يراقبها وهي تمسك بيدي الصغير وتدور به، وتتطاير حول الطفل كفراشه صغيره تلهو بين الزهور مع ضحكاتها التي لم يعهدها من قبل. تساءل في سره:> "هل هذه هي رُمّانة الحقيقية التي كانت تختبئ خلف كل تلك الجدران؟ أم أن سالم هو الوحيد الذي يمتلك مفتاح هذا الباب المغلق؟"> شعر بالغيرة، ليس على طفله فحسب، بل على تلك البراءة التي فقدها هو منذ زمن، وتلك اللحظة المسروقة التي كان يتمنى لو كان هو بطلها، لا مجرد مراقب بعيد خلف الأبواب.بينما كان "سالم" يجري في الحديقة بضحكاتٍ عالية، و"رُمّانة" تلاحقه وهي لا تكف عن الضحك،
الفصل الثامن والاربعون: تنقل "هادي" بين بيوت أعمام أبيه وكأنه عابر سبيل يحمل في جعبته بذور الخير لا أسرار الماضي. كان يطرق الأبواب بابتسامة وقورة، ويطرح فكرته بنبرة الواثق الحريص: "جئتُ أطلب عونكم في مشروع خيري لا يبغي إلا نفع أهل البلد، فمن أولى منكم بمباركة هذه الخطوة؟"كان يدرك تماماً أن المال جسرٌ يقطع به المسافات بين القلوب والمصالح. لذا، كان ينفق ببذخ، لا يبخل على محتاجٍ بينهم، ولا يتردد في تلبية طلبٍ يُعزز مكانته، وهو يعلم في قرارة نفسه أن للمال سلطاناً لا يُقاوم، يلين به القلوب القاسية، ويفتح به الألسنة التي أغلقت أبوابها لسنوات.في مجالسهم، كان "هادي" يتقمص دور المستمع البارع. يلقي سؤالاً عاماً عن "أولى الناس بالقرب والود"، فينهالون عليه بالحكايات، يخلطون الحقائق بالأهواء، وهو يلتقط من بين كلماتهم الخيوط الرفيعة: من كان الصديق الصدوق لوالده؟ ومن الذي طعنه في ظهره؟ من هم أعداء العائلة الذين يتربصون بها من خلف الستار؟كان يترك لهم مساحة الكلام، يبتسم حين يُمتدح، ويصمت حين يُكشف المستور، يسجل في ذاكرته كل إشارة، كل نظرة ارتياب، وكل نبرة غل. لم يكن يسعى لجمع المال، بل كان يجم
"أسيرة قلبه "الفصل السابع والاربعون: عاد عيسى إلى المنزل يجر أذيال الخيبة، كانت عيناه تفتشان عن "راضية" في أرجاء المكان، ينتظر لقاءها الذي ظن أنه سيخفف من وطأة ما مر به، لكنها لم تكن بانتظاره. تملكته الحيرة، وحين سأل "رمانة" عن مكانها، أجابته بخفوت إنها بجوار "نور" منذ ساعات. اشتعلت نيران الضيق في صدره، وبنبرة حادة أمر "رمانة" بالانصراف والاهتمام بالبنات، مفضلاً الانعزال بصمته الثقيل الذي يملأ أركان القصر.داخل الغرفة ذات الإضاءة الخافتة، كانت "نور" تستعيد وعيها ببطء، وحين استقرت عيناها على "راضية" الجالسة بقربها، لم تتمالك نفسها وانفجرت باكية. تداعت اعتذاراتها بضعف: "سامحيني... لم أكن أقصد أن أؤذيكِ، كنتُ تائهة وخائفة".نظرت إليها "راضية" بعينين يملؤهما الوقار والهدوء، ومسحت على رأسها بحنان قائلة: "قد عفوتُ عنكِ يا نور، فلا تجهدي نفسك بالندم، فأنتِ لستِ وحدكِ، وما مضى قد انقضى".تساءلت "نور" بارتباك عما ينتظرها بعد الآن، وكيف ستواجه عواقب أفعالها وعيسى يغلي غضباً في الخارج. لم تجبها "راضية" بالتفاصيل، بل نهضت باطمئنان، غطت كتفي "نور" برفق، وقالت بصوت واثق لا يساوره شك: "استعيدي عاف
"" "أسيرة قلبه" "" السادس والاربعون: انحنت الجدة بظهرها قليلاً، كأنما ينوء بحمل تلك الذكريات الثقيلة، ونظرت إلى الفراغ البعيد في الأفق، حيث تختفي قمم الجبال خلف الغيوم، وقالت بصوتٍ متهدجٍ يغلفه الأسى:"لم تكن مجرد أرضٍ يا هادي، بل كانت لعنةً ارتدت ثوب الرزق. أنا وبهية.. كنا أختين جمعهما الرحم، وفرّق بيننا اختيارُ الرجال. أنا تزوجتُ من بيت سالم، وبهية تزوجت من بيت شاهين، وظننا أنَّ المصاهرة ستزيدُ من أواصر القربى، لكننا لم نعلم أننا نضعُ أيدينا في النار."أغمضت عينيها لتستحضر المشهد، وأكملت:"عندما حانت ساعة القسمة، لم تكن أرض الجبل مجرد ترابٍ وحجارةٍ نزرعها، بل كانت خزانةً أزلية؛ لقد اكتشفوا فيها آثاراً وكنوزاً دفنها الأقدمون في باطن هذا الجبل. وبمجرد أن فاحت رائحة ذلك الثراء، استيقظت في نفوس أبنائي وأبناء أختي بهية شياطينُ لم تكن يوماً نائمة. رأى كلٌ منهم في تلك الأرض ملكاً خالصاً له، وتنازعوا عليها بسُعارٍ لم تشهده عائلتنا من قبل."تنهدت بعمق، وتابعت بنبرةٍ تقطر ألماً:"بهية.. كانت أمّاً محطمة، مثلي تماماً. وقفنا نحن الأمهات عاجزات، لا نملك إلا الدموع، بينما كان أبناؤنا -الذين حمل
المراجعات