Masukفي عالم تحكمه المصالح المظلمة وتغيب عنه الرحمة، لا يُعد الزواج ميثاقاً مقدساً، بل عقداً دموياً لتبادل الرهائن. يُجبر رجل الأعمال القاسي والنفوذ "طارق الحديدي" الفتاة "سلمى" على الزواج منه، مستخدماً وثائق تدين شقيقها الوحيد "عمر" بالاختلاس كأداة لابتزازها. تدخل سلمى هذا القفص الذهبي محطمة، تحمل في قلبها حداداً وكراهية عميقة لطارق، معتقدة بيقين أنه من دبر حادث السير الذي أودى بحياة خطيبها "زياد"، الذي تعتبره قديسها وشهيد حبها. تصل الحرب النفسية بينهما في جدران القصر البارد إلى ذروتها حين يقرر طارق كشف الحقيقة البشعة: "زياد" لم يمت شهيداً، بل كان خائناً باعها لطارق مقابل خمسة ملايين جنيه، ولقي حتفه في سيارة اشتراها بمال خيانته. هذا الاكتشاف الصادم لا يكسر سلمى كما خطط طارق، بل يمزق آخر خيوط إنسانيتها. تدرك أنها كانت مجرد سلعة في سوق النفوذ، فتقرر خلع ثوب الضحية الباكية لترتدي درعاً من الجليد، وتتحول إلى مسخ يفوق طارق قسوة، لتبدأ في هندسة خطة انتقام شيطانية ومحكمة. تقطع علاقتها بشقيقها لتحرم طارق من ورقة الابتزاز، وتُسرب أسرار صفقاته لعدوه اللدود، وتستدرج الجميع إلى فخ نهائي لا نجاة منه. "طقوس الهزيمة" ليست مجرد قصة عن صراع النفوذ والانتقام، بل هي تشريح مرعب للانهيار الداخلي، تطرح سؤالاً موجعاً: حين تتساقط الأقنعة ونضطر لقتل أنقى ما فينا كي ننتصر.. من منا سيكون السجان، ومن سيكون السجين؟
Lihat lebih banyakالفصل الأول
تمزق القماش الأبيض تحت أصابعها بعنف أخرس. صوت التمزق كان الشيء الوحيد الذي تجرأ على كسر الصمت الخانق في جناح الفندق الفاخر، صمتٌ ثقيل لزج، يشبه الصمت الذي يسبق إعلان الوفاة في غرف العناية المركزة. لم تكن تحاول خلع الفستان، كانت تحاول سلخه عن جسدها كما يُسلخ الجلد الملوث. وقفتُ أراقبها من زاويتي المظلمة قرب النافذة الضخمة، حيث تعكس واجهتها الزجاجية أضواء المدينة التي لا تنام، وكأس الثلج يذوب ببطء في يدي ليختلط بسائل الكحول المر.
كان يجب أن يكون هذا هو انتصاري المطلق. الليلة التي أقف فيها على قمة العالم، الليلة التي أثبت فيها لنفسي قبل أي شخص آخر، أن كل ما فعلته، كل الخراب الذي خلفته ورائي بدم بارد، كل الأكاذيب التي نسجتها بخيوط من نار، كانت تستحق العناء. لكن ظهرها العاري الذي ظهر من شق الفستان الممزق لم يثر فيّ سوى شعور مقبض بالرعب. كانت ترتجف. هزة خفيفة، متواترة، لا علاقة لها ببرودة جهاز التكييف في الغرفة. كانت ترتجف من الاشمئزاز، من الرفض العميق، من محاولة جسدها لفظ واقع لم تعد قادرة على احتماله.
"سأساعدك." قلتها أخيرًا. خرج صوتي أجش، غريبًا حتى عن أذني، وكأن حنجرتي امتلأت بالرماد. خطوت نحوها، خطوة واحدة فقط، كانت كافية لتغيير كثافة الهواء بيننا.
"لا تلمسني."
كلمتان فقط. لم تصرخ. لم تلتفت. لم تتحرك قيد أنملة. لكن نبرتها كانت كشفرة حادة، باردة، مرت على حنجرتي وقطعت حبالي الصوتية. توقفت في مكاني، يدي ممدودة في الهواء كأبله فقد قدرته على فهم المحيط. رأيت انعكاسنا في المرآة الكبيرة المقابلة للسرير الدائري. رجل يقف في العتمة ويده ممدودة بضياع، وامرأة تولي ظهرها للعالم، تقاتل سحاب فستان زفافها وكأنه أفعى تلتف حول عنقها.
"نحن متزوجان الآن يا سلمى. الورقة وُقعت. الحفل انتهى. لقد انتهى كل شيء." حاولت أن أستدعي نبرة السلطة التي اعتدت عليها. النبرة ذاتها التي أركعت منافسيّ في غرف الاجتماعات، النبرة التي تجعل الرجال الأكبر مني سنًا يخفضون أبصارهم. لكنها هنا، في هذه الغرفة المضاءة بنور خافت أصفر مريض، بدت مثيرة للشفقة. بدت كاستجداء مغلف بالتهديد.
التفتت أخيرًا. كان وجهها شاحبًا كالموتى الذين لم يتقبلوا موتهم بعد. عيناها غائرتان في هالتين داكنتين فضحتا ليالي من الأرق، والكحل يسيل في خطوط دقيقة حول جفنيها وكأنها تبكي حبرًا أسود. لم يكن هناك أثر للعروس التي كانت تبتسم للكاميرات قبل ساعات قليلة. تلك الابتسامة البلاستيكية التي اشتريتها أنا بمالي ونفوذي وماضيّ الأسود.
"الورقة؟" سخرت بمرارة لاذعة، وهي تسحب ما تبقى من الفستان بقوة جعلته يسقط عند قدميها ككفن أبيض مجعد. وقفت أمامي بملابسها الداخلية البيضاء، جسدها النحيل مشدود كوتر قوس يوشك على الانقطاع ويحمل سهمًا مسمومًا. "هل تعتقد أن تلك الورقة المهترئة التي دفعنا ثمنها من أرواحنا تمحو رائحة الدم؟"
تجمد الدم في عروقي. الدم. الكلمة المحرمة. الكلمة التي عقدنا اتفاقًا صامتًا ألا تُنطق أبدًا، الكلمة التي بنيت فوقها جدران هذا الزواج.
"لا يوجد دم." قلتها بصرامة مفتعلة، محاولًا إقناع نفسي قبلها، أضغط على حواف الكأس في يدي حتى كادت تتهشم. "كان حادثًا يا سلمى. الشرطة أغلقت الملف. التحقيقات انتهت. الجميع يعرف ذلك. قضاء وقدر."
اقتربت مني خطوة. لأول مرة منذ أشهر، تنظر مباشرة في عيني. لم تكن تتجنب نظراتي كما تفعل دائمًا. ولم يكن هناك خوف في عينيها. كان هناك شيء أسوأ بكثير، شيء مدمر. كان هناك يقين قاتل، وازدراء نقي.
"أنا لست الشرطة يا طارق." همست، وصوتها يرتجف بغضب مكبوت يتصاعد من بئر عميق في صدرها. "ولست 'الجميع' الذين تلوح لهم بأموالك فيصدقونك. أنا المرأة التي اشتريت صمتها بخاتم ماسي وزفاف أسطوري. أنا من وقفت لترى القبر يُغلق على نصفها الآخر لكي تنجو أنت. لكن لا تظن للحظة... للحظة واحدة، أنني سأكون لك. جسدي هنا، نعم، لأنني بعته بثمن باهظ، لكن روحي بقيت هناك، في تلك السيارة المشتعلة."
"أنتِ لي بالفعل!" اندفعت الكلمات من فمي قبل أن أزنها، غضبي أعمى بصيرتي. ألقيت الكأس على الطاولة الجانبية واندفعت نحوها، قبضت على ذراعيها بقوة. شعرت بعظامها الدقيقة تحت أصابعي، ببرودة جلدها المرعبة. كنت أريد أن أهزها، أن أكسر هذا الجليد الذي يغلفها، أن أرى في عينيها أي شيء يخصني، حتى لو كان الكراهية، فالكراهية اعتراف بوجودي، أما هذا الفراغ المرعب فهو نفْيٌ لي. "أنتِ هنا! في غرفتي! تحملين اسمي في كل وثيقة رسمية! هو انتهى! صار تحت التراب، مجرد ذكرى تتآكل! وأنا هنا، أنا من يقف أمامك، أنا من يتنفس، أنا من يملكك الآن!"
لم تقاوم قبضتي. لم تحاول الإفلات. تركت ذراعيها بين يدي كأشياء لا تخصها، كأطراف دمية بالية. نظرت إلى أصابعي التي تعتصر لحمها، ثم رفعت عينيها إليّ وابتسمت. ابتسامة شاحبة، ملتوية، مكسورة، جعلت معدتي تتقلص وأنفاسي تتعثر. كانت ابتسامة المنتصر في لحظة إعدامه.
"أنت من تحت التراب يا طارق." قالتها بهدوء مرعب، هدوء يمزق الأعصاب. "أنت ميت من الداخل. تجويف فارغ يعيش على ابتلاع حياة الآخرين. ولهذا احتجت أن تسرق حياة غيرك لتبدو حيًا. احتجت أن تطفئ نوره لتستطيع أنت أن تُرى في الظلام. لكن أخبرني..." مالت برأسها قليلًا، وعيناها تخترقان جمجمتي وتبحثان عن مخاوفي الدفينة. "عندما تنظر إليّ الآن، في هذه الغرفة، على هذا السرير، هل تراني أنا؟ أم ترى جثته المتفحمة التي دست عليها لتصل إلي؟"
أفلتُّ ذراعيها وكأنها جمرة مشتعلة كوت جلدي حتى العظم. تراجعت خطوة للوراء، ألهث كمن كان يغرق. اصطدم ظهري بالطاولة الزجاجية، فسقط الكأس الذي وضعته عليها قبل قليل. تحطم على الأرضية الرخامية بصوت حاد، تناثرت شظاياه كشفرات صغيرة، وكأوهامي الساذجة في هذه الليلة.
"أنتِ مريضة." بصقت الكلمات، محاولًا التمسك بآخر خيوط كرامتي الممزقة. "لقد فقدتِ عقلك."
"بل أنا أرى بوضوح لأول مرة منذ ولدت." التفتت وتجاوزتني، تدوس بقدميها الحافيتين الرقيقتين على شظايا الزجاج المتناثرة دون أن ترمش، دون أن تتأوه. رأيت قطرات دم صغيرة حمراء داكنة تتشكل على الأرضية البيضاء الناصعة خلف كل خطوة تخطوها. كانت تنزف بصمت، وتترك لي أثرًا من الألم الخالص. اتجهت نحو الحمام، وقبل أن تغلق الباب الخشبي الثقيل، التفتت إليّ للمرة الأخيرة في هذه الليلة.
"لقد ظننت يا طارق أنك أغلقت كل الأبواب لتبقيني في الداخل." قالتها، وعيناها تلمعان بقسوة لم أعهدها فيها، قسوة تعلمتها مني. "وظننت أن شرائك لي هو نهاية اللعبة. لكنك لم تدرك، في غبائك وغرورك، أنك لم تحبسني... بل حبست نفسك معي في نفس القفص. والآن... في هذه العتمة التي صنعناها معًا... سنرى من منا سيأكل الآخر أولًا."
أُغلق الباب. صوت القفل الحديدي تردد في الغرفة الواسعة كحكم نهائي، كصوت إغلاق التابوت.
وقفت وحدي. عريس في ليلة زفافه، محاط بالزجاج المحطم، وبقع الدم الطازجة على الأرض، وصمت يصرخ بالهزيمة المطلقة. أردت أن أندفع نحو الباب وأكسره، أردت أن أصرخ في وجهها أنني فعلت ذلك من أجلها، لأنني أحببتها بطريقة لم يفهمها ذلك الغبي، لأنني رأيت فيها ما لم يره أحد، ولأنني لم أستطع تحمل فكرة أن تكون لرجل غيري يملك نصف ما أملك. لكنني بقيت متسمرًا في مكاني. الخوف الذي طالما اختبأ في أعمق نقطة مستنقعية في روحي، الخوف من أن أكون مجرد وحش في روايتها، طفا على السطح أخيرًا، وخنقني.
جلست ببطء على حافة السرير الواسع، السرير الذي بدا الآن كساحة معركة خاسرة قبل أن تبدأ، كلوح ثلج عائم في محيط متجمد. دفنت وجهي في يدي المرتجفتين. رائحة عطرها الثقيل لا تزال عالقة في الهواء، تختلط برائحة الكحول المنسكب ورائحة الصدأ الخفيفة المنبعثة من قطرات دمها.
لقد فزت بها. نعم، أجبرت العالم كله على الركوع لغايتي. لكنني في هذه اللحظة الموجعة، أدركت أنني خسرت كل شيء آخر، حتى نفسي. وأن هذه لم تكن النهاية السعيدة التي بنيتها في خيالي المريض، بل كانت مجرد كلمة "البداية" تُكتب بالدم على أول صفحة في جحيمنا المشترك الطويل. جحيم لن يخرج منه أحدنا سالمًا.
الفصل الثامن عشر سقطت قطرات المطر العنيفة على زجاج النافذة البانورامية في مكتبي، لترسم خطوطاً متعرجة تشبه دموعاً باردة تغسل سماء القاهرة الملبدة بالغيوم الكثيفة. كنت أقف هناك، أطوق فنجان قهوتي السوداء الساخنة بيدي المرتجفتين، أستمد منه بعض الدفء في هذا الصباح الشتوي القاتم، محاولة استنشاق رائحة البن المحمص لأوقظ ما تبقى من خلايا عقلي. لم أذق طعم النوم منذ ثلاث ليالٍ متواصلة. عقلي أصبح كآلة ميكانيكية تدور تروسها بسرعة جنونية مريضة دون توقف، حتى بدأت أسمع صرير تآكلها الداخلي مع كل رمشة عين.تركت الفنجان على الطاولة الزجاجية، وتوجهت بخطوات ثقيلة، كمن يجر أصفاداً حديدية، نحو حقيبتي الجلدية. أخرجت شريط الحبوب المنومة. تأملت الكبسولات البيضاء الصغيرة التي كان من المفترض أن تكون طوق نجاتي الأخير من هذا الجحيم المستيقظ. أمسكت كبسولة واحدة، وبدلاً من ابتلاعها كما أفعل كل ليلة بلهفة، ضغطت عليها بقوة بين إبهامي والسبابة. انكسر الغلاف الجيلاتيني بسهولة، وتناثر مسحوق أبيض على سطح المكتب الأسود الفاحم.بللت طرف إصبعي، ولمست المسحوق، ثم تذوقته ببطء.لا مرارة طبية. لا طعم كيميائي لاذع. مجرد مسحوق طب
الفصل السابع عشر "ماذا تريد مني؟" همس فريد باستسلام تام، وقد أدرك أنه وقع بين فكي كماشة لا فكاك منها.ابتسم عمر في الظلام، ابتسامة باردة كشفرة مقصلة. "لا أريدك أن تخونها علناً. أريدك أن تظل محاميها المخلص، وكلبها المطيع. لكن بدءاً من الغد، ستبدأ في تنفيذ أوامري أنا. سلمى تعاني من الأرق الشديد، أليس كذلك؟ تعتمد على حبوب منومة قوية جداً مستوردة من الخارج لا تُصرف إلا بوصفة طبية خاصة أنت من تحضرها لها.""نعم." أومأ فريد برأسه بصعوبة. "جرعة محددة وإلا أصيبت بانهيار عصبي.""ممتاز." تراجع عمر إلى عتمة المقعد الخلفي. "ستقوم باستبدال تلك الحبوب. سأعطيك عبوات مطابقة تماماً في الشكل واللون، لكنها مجرد حبوب فيتامينات وهمية (Placebo). لن تنام أختي بعد اليوم يا فريد. سنجعلها مستيقظة، محبوسة داخل عقلها، حتى تبدأ شياطينها في نهش لحمها وهي حية. وإذا شكّت في شيء... فهذا الملف سيجد طريقه إلى الصحافة وإليها. هل فهمنا بعضنا؟""مفهوم... مفهوم تماماً." أجاب فريد وهو يرتعد كجرذ محاصر."جيد. وأخبرها غداً أن بحثك عن زوجتي مستمر، أعطها أملاً كاذباً لتنشغل به." فتح عمر باب السيارة بهدوء، وقبل أن يغادر، ا
الفصل السادس عشر طريق العودة من سجن العقرب كان أشبه بموكب جنائزي صامت يعبر في شرايين مدينة ميتة. جلستُ في المقعد الخلفي لسيارتي المرسيدس المصفحة، يفصلني عن السائق والشارع لوح زجاجي داكن وعازل للصوت، لكنه لم يكن قادراً على عزلي عن صدى ضحكة طارق الخشنة التي ظلت تتردد في تجاويف جمجمتي."لقد فتحتِ الباب لوحش لم تتخيلي يوماً صنيعته."كلماته كانت كحمض كبريتيك يقطر ببطء على أعصابي العارية. طوال خمس سنوات، أقنعت نفسي بأنني سيدة اللعبة، وأنني قطعت كل الخيوط التي يمكن أن تحركني كدمية. لكن طارق كان محقاً في شيء واحد مرعب؛ لقد كنت ألعب بقواعد العقلانية والمصلحة، بينما كان عمر يتدرب على قواعد العدم. لتواجه رجلاً لا يطمع في ثروتك، يجب أن تجد الشيء الوحيد الذي يجعله ينزف.رفعتُ هاتفي، وبأصابع باردة كالثلج، ضغطت على رقم "فريد". المحامي الخاص ومسؤول العمليات القذرة في مؤسستي. الرجل الذي ورثته عن إمبراطورية طارق بعد أن اشتريت ولاءه بضعف راتبه ومحوت ملف تجاوزاته المالية."سيدتي." أجاب فريد فوراً، وصوته يحمل ذلك المزيج المعتاد من الطاعة والتوجس."فريد، أريد كل ملفات التحري التي نملكها، وكل شبكة الع
الفصل الخامس عشر جدران غرفة الزيارة في سجن العقرب بدت أكثر كآبة وبرودة مما كانت عليه في زيارتها الأخيرة قبل عامين. الهواء هنا ثقيل، مشبع برائحة الصدأ واليأس البشري المتراكم عبر السنين. جلست سلمى على الكرسي المعدني المثبت في الأرض بقسوة، ظهرها مشدود باستقامة متوترة تحاول من خلالها التماسك، وعيناها مثبتتان على الباب الرمادي المقابل، تنتظر قدوم ماضيها الذي ظنت أنها دفنته للأبد.انفتح الباب الجانبي الثقيل محدثاً دوياً معدنياً مكتوماً، ودخل طارق. كان يرتدي بدلة السجن الزرقاء الباهتة التي لم تنجح في النيل من هيبته القديمة. الشيب زحف بكثافة إلى صدغيه، تاركاً خطوطاً من الفضة الباردة على شعره الداكن، لكن عينيه ظلتا تحملان ذلك الهدوء المخيف؛ هدوء الرجل الذي تصالح مع نهايته ولم يعد يخشى فقدان أي شيء. جلس على الكرسي المقابل لها، خلف اللوح الزجاجي العازل المليء بالخدوش. التقط سماعة الهاتف البلاستيكية السوداء، وفعلت هي المثل بيدين لا تتوقفان عن الارتجاف الطفيف."لم أتوقع رؤيتك مجدداً يا سلمى." قالها بصوته العميق المألوف، والذي انساب عبر الأسلاك دون أي أثر للمفاجأة أو الشماتة الظاهرة. "تبدين... م