เข้าสู่ระบบانغلق الباب الخشبي الثقيل لجناح "مالك" خلف خطى "ميرا" المتبخترة، ليرتطم بقلب "تولين" التي بقيت متجمدة في الرواق البارد. كانت الأجواء المحيطة بها غارقة في صمت الغسق الذي يسبق شروق الشمس، لكن بداخلها كانت البراكين تثور بعنف. نظرت إلى مقبض الباب النحاسي الذي دار ليُعلن عزلها عن عالم الرجل الذي أفنت عمرها في محراب عشقه، وشعرت وكأن جدران قصر "الراوي" الأرستقراطية الفخمة تضيق عليها لتخنق أنفاسها.
لم تكن قسوة "مالك" جديدة عليها، لكن أن يفضل وجود امرأة غريبة، متبرجة، في عقر داره وفي هذا الوقت المتأخر من الليل، وتحت مسمى "مصلحة العمل"، كان هذا بمثابة إعلان رسمي عن دهس كرامتها. تراجعت خطوات إلى الخلف، وجسدها الرقيق يرتعش تحت ثوب نومها القطني الأبيض، ثم التفتت وركضت نحو جناحها وهي تكتم صرخات قهرها بين كفيها، تاركة وراءها فراغاً موحشاً يعج برائحة المؤامرة.
داخل مكتب "مالك" الخاص في الجناح، كانت الأجواء مشحونة بنوع آخر من التوتر. كان المكتب آية في الفخامة الكلاسيكية؛ جدران مغطاة بخشب الماهوجني الداكن، رفوف تصطف عليها أمهات الكتب الاقتصادية والقانونية، وإضاءة صفراء دافئة تنبعث من مصباح عتيق فوق طاولة العمل الضخمة.
جلس "مالك" خلف مكتبه، ووضع عصاه الأبنوسية بجانبه لتستند على المسند الجلدي للمقعد. كان وجهه كلوح من الرخام الصارم، رغم قطرات العرق البارد التي كانت ما تزال تلمع على جبهته إثر الإرهاق الجسدي الذي ينهش موضع بتر ساقه. نظر إلى "ميرا" التي كانت تقف أمامه، متظاهرة بالخوف والارتباك، بينما كانت عيناها تجولان في أركان المكتب بجشع خفي.
قال "مالك" بنبرة حادة كالشفرة، وخالية من أي تأثير بأنوثتها المصنوعة:
— اقعدي يا ميرا.. واتكلمي علطول من غير مقدمات. إيه هو الخيط اللي عندك بخصوص طارق؟ وليه قيدك في الميناء ممكن يفيدنا دلوقتي والشرطة قالبة الدنيا عليه؟
جلست "ميرا" على الكرسي المخملي المقابل له، وتعمدت حني جسدها للأمام لتظهر ملامح وجهها تحت الإضاءة المباشرة، وقالت بصوت خفيض ومتهدج يحمل نبرة المسكنة والدلال:
— مالك باشا.. أنا ماليش مصلحة في الدنيا غير إني أثبتلك إن بابا ملوش ذنب في اللي حصل، طارق هو اللي استغله.. وقبل ما طارق يهرب، أنا سمعته بالصدفة وهو بيتكلم في التليفون في مكتب بابا.. كان بيتفق مع واحد من كبار المهربين في ميناء الإسكندرية اسمه "المعلم برعي".. طارق مجهز يخت سياحي مسجل باسم وهمي عشان يهرب بيه لإيطاليا مع أول ضوء للنهار النهارده.. قريبي اللي شغال في حرس الحدود هناك قالي إن في حركة غريبة في الرصيف رقم 4، وأنا جيت أبلغك فوراً عشان تلحق تصيده قبل ما يخرج بره المياه الإقليمية.
تطلع "مالك" إليها بنظرة صقرية فاحصة، نظرة كانت تخترق أقنعتها وتجعل "ميرا" تشعر بالخوف الحقيقي خلف جرأتها. كان عقل "مالك" الاقتصادي الحاد يزن كل كلمة؛ فالخيط يبدو منطقياً جداً، فطريق الهروب البحري هو الأسهل لطارق في ظل إغلاق المطارات والطرق البرية. لكن الشيء الذي لم يغب عن بال مالك هو: لِمَ تخون ميرا طارق الآن؟
التفت "مالك" وأمسك بهاتف المكتب الداخلي، وضغط على زر الاتصال السريع بـ"آسر"، وما إن جاءه الرد حتى قال بحسم:
— آسر.. اسمعني كويس. خد قوة وتحرك فوراً على ميناء الإسكندرية، الرصيف رقم 4. في يخت سياحي مسجل باسم وهمي بيتحضر لطارق الراوي بالاتفاق مع واحد اسمه المعلم برعي. اقفلوا الميناء تماماً وصيدوا الكلب ده قبل ما يتحرك.. أنا مستنيك في المكتب هنا ومش هنام لحد ما تقولي طارق في الكلبشات.
أغلق "مالك" الهاتف، ثم التفت إلى "ميرا" التي كانت تبتسم بانتصار خفي، وقال لها بجفاف تام:
— معلومتك لو طلعت صح يا ميرا.. وطلعتي مابتلعبيش بيا عشان تهربي أبوكي، أنا هضمن إن شاكر الجويلي ياخد مخفف في القضية وميتدمرش تماماً.. لكن لو حسيت للحظة إنك بتشغليني عن طريق هروبه الحقيقي.. قسماً بالله هرميكي وراه في السجن. ودلوقتي اتفضلي اطلعي بره جناحي، وروحي أوضتك.
امتقع وجه "ميرا" للحظات من قسوته وجبروته الذي لا يلين أمام أي إغراء، لكنها استعادت قناع الخنوع بسرعة، ووقفت قائلة بنعومة:
— العفو يا باشا.. أنا تحت أمرك في أي وقت، وأنا بعمل كدا عشان بحترمك وبخاف على مصلحتك. عن إذنك.
تحركت "ميرا" نحو الباب، وعندما فتحته، تفاجأت بوجود السيدة "شاهيناز هانم" تقف في الممر الخارجي كطيف يراقب الأجواء. تبادلت المرأتان نظرة سريعة مليئة بالمكر والدهاء، وكأن كل شيء يسير وفقاً للخطة الموضوعة.
في جناح "تولين".. كانت الغرفة مظلمة تماماً إلا من خيوط الفجر الزرقاء التي بدأت تتسلل عبر الستائر الشفافة. كانت "تولين" مستلقية على فراشها، واضعة وجهها في الوسادة، ودموعها تنهمر بلا توقف، تحرق وجنتيها الرقيقتين. كانت تشعر بإهانة أنثوية لا يمكن لملمتها؛ فالرجل الذي تمنت أن تكون له سنداً في عجز مادي وجسدي، استكثر عليها حتى كلمة حانية، وجعلها تشعر بأنها مجرد طفلة تافهة لا مكان لها في عالم الصراعات والمؤامرات.
انفتح باب الغرفة بهدوء، ودلفت "ليان" وهي ترتدي روباً دافئاً، وعلى وجهها علامات القلق الشديد. اقتربت من فراش أختها، وجلست بجانبها، ووضعت يدها الحانية على كتفها المهتز إثر البكاء:
— تولين.. حبيبتي.. كفاية عياط أرجوكي، قلبي بيتقطع عليكي. أنا شفت كل اللي حصل في الممر بره.. شفت البت الحرباية دي وهي خارجة بشكلها ده، وشفت جفاف مالك معاكي.
رفعت "تولين" وجهها الشاحب، وعيناها الحمراوان تلمعان بالانكسار والغيظ:
— شفتي يا ليان؟ شفتي الراجل اللي أنا ضحيت بعمري وكرامتي عشان بحبه؟ بيطردني أنا.. بيقلي الشغل والمؤامرات دي مش مكانك، وبيدخلها هي معاه الأوضة في نص الليل! البت دي وأمها حربايات وجايين يسرقوا مكاني في البيت ده، ومالك مغمى عينه بكبرياءه وغروره! هو شايفني ضعيفة وتافهة، وشايف إن البت دي قوية وبتساعده في شغله!
ضمتها "ليان" إلى صدرها بقوة، وقالت بغضب دفين:
— البت دي وأمها داخلين بأمر من شاهيناز هانم يا تولين، أنا عارفاهم كويس وعارفة ألاعيبهم. شاهيناز مش عايزة الجوازة دي تتم عشان خايفة من بابا وعايزة تسيطر على كل حاجة.. بس مالك مش غبي يا تولين، مالك قاسي وجاف وكسر قلبك، بس هو مش راجل رخيص عشان يبص لميرا.. هو بس بيمر بأزمة ونفسيته مدمرة بسبب رجله، وبيحاول يثبت للكل إنه لسه قاسي ومبيتهزش.
صرخت "تولين" بمرارة:
— وأنا ذنبي إيه؟! أنا ذنبي إيه إنه يعاقبني أنا على عجزه ووجعه؟! أنا روحت له بقلب أبيض، كنت عايزة أكون جنبه وأشيل عنه، لكن هو داس على قلبي كأنه حجر! أنا كرامتي مبقاش فيها حتة سليمة يا ليان.. أنا مش هقعد في البيت ده وأنا شايفة الحرباية دي بتلف حواليه وأمه بتبارك المهزلة دي!
قالت "ليان" بجدية وإصرار:
— مش هتمشي وتسيبي مكانك للحرباية دي يا تولين! لو مشيتي دلوقتي، يبقى انتي بتديهم الانتصار اللي هما عايزينه على طبق من دهب.. اقفي واجمدي، ووريهم إن بنت عاصم الراوي مش ضعيفة.. مالك هيفوق، ولما طارق يتمسك وكل حاجة تتكشف، هيعرف مين اللي كانت بتصونه ومين اللي كانت بتلعب بيه.
وفي غضون ساعتين، كانت خيوط الشمس الذهبية قد أشرقت بالكامل لتعلن عن بدء يوم جديد مليء بالمواجهات الدامية. لم ينَم أحد في القصر، وكانت الأجواء مشحونة كقنبلة موقوتة موشكة على الانفجار.
في الصباح الباكر، نزل "مالك" إلى بهو الاستقبال السفلي، وكان يرتدي حُلة رسمية سوداء كاملة، ملامحه جافة ومثقلة بالهموم والإنهاك، لكن خطواته على العصا كانت أشد ثباتاً وعناداً. وجد عمه "عاصم الراوي" يجلس في الصالون ومعه "ياسين"، والوجوه واجمة كالعادة.
تقدم "مالك" وجلس على المقعد المقابل لعمه دون أن يلقي تحية الصباح، وقال بنبرة جافة:
— آسر كلمني من نص ساعة.. طارق اتمسك في ميناء الإسكندرية وهو بيحاول يركب اليخت. الكلب دلوقتي في مديرية الأمن، والتحقيقات شغالة معاه ومع شاكر الجويلي.. الإمبراطورية والأسهم رجعت كلها لسيطرتنا، والمؤامرة انتهت قبل ما تبدأ.
تنفس "ياسين" الصعداء وقال براحة:
— الحمد لله يا رب.. كابوس وانتهى، وطارق هياخد جزاءه على كل اللي عمله.. على سرقته وعلى الحادثة اللي عملها فيك.
أما "عاصم الراوي"، فقد نظر إلى ابن أخيه بنظرة ثاقبة وهادئة، وقال بوقاره المعتاد:
— رجوع الأسهم والقبض على طارق خطوة ممتازة يا مالك.. لكن في موضوع تاني لازم نحسمه النهارده قبل ما نتحرك للشركة.. موضوعك أنت وتولين. البنت دخلت أوضتها من بارح وهي منهارة، والوضع ده مش عاجبني وميقبلش بيه في بيتي.
تصلبت ملامح "مالك" فجأة، وقبض على مقبض عصاه الفضي بقوة، وقال ببرود قاتل:
— أنا قولت لتولين كلامي بارح يا عمي.. أنا بمر بظروف جديدة، وحياتي وشغلي بقوا محتاجين تركيز مختلف. لو تولين شايفة إن وضعي الجديد ده مش هيناسبها، أو لو حاسة بالكسرة والشفقة وهي معايا، أنا مستعد ألغي الاتفاق والجوازة دي فوراً.. ومظنش إن في حد يقدر يجبرني على خطوة أنا مش عايزها.
في تلك اللحظة بالذات، كانت "تولين" تهبط الدرج الرخامي ببطء، وكانت ترتدي فستاناً كلاسيكياً أسوداً بسيطاً يبرز شحوب وجهها ورقتها المكسورة، لكن عينيها كانت تلمعان ببريق جديد.. بريق الكرامة التي انتفضت من بين الرماد. استمعت لكلمات "مالك" الأخيرة، ولم تتراجع هذه المرة، بل تقدمت بخطوات ثابتة ودخلت إلى الصالون ووقفت أمامهم جميعاً.
نظرت "تولين" إلى "مالك" مباشرة، نظرة لم تكن فيها دموع ولا رجاء، بل كانت نظرة حادة وقوية جعلت مالك يشعر بارتباك خفي داخله، وقالت بصوت مسموع وواضح هز أركان الغرفة:
— وأنا مش مستنية منك تعفيني أو تلغي الاتفاق يا مالك باشا.. أنا اللي جاية أقولك النهارده، وقدام بابا وقدام ياسين.. إن جوازتي منك انتهت قبل ما تبدأ! أنا مش هقبل أكون زوجة لراجل مبيعرفش يحترم كرامة شريكته، راجل كبرياءه وعجزه خلوه يشوف كل مشاعر الحب الصادقة على إنها شفقة! أنت حر في عالمك البارد وفي صفقاتك.. وأنا من النهارده ماليش أي علاقة بيك ولا باسمك!
اتسعت عينا "ياسين" بصدمة، ونظر "عاصم" إلى ابنته بمزيج من المفاجأة والاحترام لقوتها المفاجئة.. أما "مالك"، فقد تجمدت ملامحه تماماً، واشتعلت عيناه بجمر الغضب والذهول؛ فلم يكن يتوقع أبداً أن تجرؤ هذه الفتاة الرقيقة، التي كانت تبكي تحت قدميه قبل ساعات، على توجيه هذه الصفعة القوية لكبريائه وجبروته أمام عائلته!
كانت شمس مطلع الفجر تشق عباب السماء بخيوطٍ ذهبية دافئة، تنعكس على جدران قصر "الراوي" الأثرية العتيقة كأنها تمهد الساحة لحدثٍ يترقبه التاريخ المالي والاجتماعي للبلاد. لم تكن هذه النسمات الصباحية لتمر برداً وسلاماً، بل كانت تحمل في طياتها ملامح إعصارٍ قادم من غياهب الصعيد، إعصارٍ لا يبقي ولا يذر، يوشك أن يزلزل عروشاً شُيدت في دهاليز لندن وروما.بفضل وثائق البراءة الجديدة القاطعة التي نسج خيوطها "آسر" بدهاءٍ محاسبي وفني لا غبار عليه من واقع الدفاتر السرية، ومصحوبةً بالتنازل الرسمي الموثق بالدم والمختوم بأختامٍ سيادية والذي قدمه "عبد السلام" باشا لإبراء ذمة زوج ابنته، تحطمت الأغلال. تم الإفراج عن "مالك الراوي" بالأصول الصارمة والوجاهة الاجتماعية الباذخة التي تليق باسمه؛ فلم يكن خروجه مجرد إخلاء سبيل عابر، بل كان زفة ملوكية، وموكباً مهيباً تناقلت أنباءه وكالات الأنباء بره وجوه مصر، ليعلن للجميع أن الصقر قد استرد سماءه، وأن القيد لم يكن إلا استراحة محارب.انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة للبهو الفسيح، ودخل مالك الراوي.كان دخوله أشبه بعاصفة صامتة تجتاح المكان برائحة السيطرة والرج
كان الصمت الذي أعقب دوي الطلقات الغامضة في ردهات القصر أشبه بسكون المقابر الذي يسبق البعث، صمتٌ ثقيل، لزج، تفوح منه رائحة البارود المحترق والأنفاس المحبوسة في غياهب الفزع. انقشعت غيابة الظلمة ببطء حين عادت الأضواء الخافتة لتداعب جدران المكتب الأبنوسي المغلق لـ "مالك الراوي". وعلى الأرض، كانت جثث المرتزقة الذين حاولوا التصفية ممددة بلا حراك، بعد أن باغتها رصاصٌ مجهول المصدر من النوافذ العلوية الشاهقة، بينما كانت "تولين" تقف مذهولة، كفها المخملية ما زالت متشبثة بقبضة عصا مالك الأبنوسية، وجسدها الممشوق يرتعش بعنفوانٍ يمزج بين رعب اللحظة وأنوثتها الطاغية التي لم يزدها الخطر إلا بريقاً وجاذبية. في تلك اللحظة الرهيبة، انفتح الباب الخشبي الضخم للمكتب ببطء يحمل هيبة جنائزية. دخل رجلٌ يجر خطاه بثقل، رجلٌ ترتعد الفرائص لرؤيته. كان يرتدي معطفاً صوفياً رصاصياً قديماً، ملامحه غائرة كأخاديد حفرها الزمن والقهر، ولحيته البيضاء الكثة تنطق بعقدٍ من العذاب والتواري. وقف في منتصف القاعة وسط ذهول "آسر" الذي تجمدت الدماء في عروقه، وشلل "ياسين" الذي كان جاثياً في زاوية الغرف
كان برج "الراوي" الإداري الشاهق ينطح سحاب العاصمة كمسلة من زجاج وفولاذ، يعكس أشعة الشمس الحارقة التي تبدو واهنة أمام برودة الصراع الدائر في ردهاته. في الطابق الخمسين، كانت قاعة الاجتماعات الكبرى لقطاع الموانئ مهيأة لاستقبال إحدى أخطر جلسات الجمعية العمومية الطارئة في تاريخ المجموعة. الطاولة البيضاوية المصنوعة من خشب الجوز النادر يحيط بها حيتان السوق، رجال أعمال ومستثمرون كبار تلمع في عيونهم شهوة الانقضاض على فريسة جريحة غاب أسدها. كان الهواء مشحوناً بذكورة طاغية غاشمة، ونظرات الشماتة تتربص بالكرسي الشاغر في رأس الطاولة. وفجأة، انفتحت الأبواب الهيدروليكية الضخمة، ودخلت "تولين". لم تكن تسير، بل كانت تطأ الأرض بكبرياء ملوكي وخطوات مدروسة بدقة تزلزل قلوب الحاضرين. كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء حادة الخطوط، مستوحاة من رداء القادة، تلتف حول جسدها الممشوق بدقة متناهية، مبرزة بياض بشرتها المرمرية النقي وعنقها المشرئب بعناد أرستقراطي باذخ. وجهها الرخامي خلا من أي مساحيق تجميل مبالغ فيها، تاركةً لعينيها الصقريتين، اللتين تفيضان بنقاء شرس وذكاء حاد، مهمة إرهاب الحضور. كانت ت
لم تكن الطرقات المؤدية إلى مقر الاحتجاز السري سوى دهاليز من الصمت والوجوم، ممرات معتمة تفوح منها رائحة الرطوبة والحديد البارد، كأنها نفق ممتد نحو الجحيم. غير أن "تولين" كانت تسير في تلك الممرات كملكة منيفة تسير نحو عرشها المستباح، واثقة الخطى، برغم الخفقان الرعديد الذي كان يخلع قلبها بين الضلوع. لقد استخدمت كل ما تملكه عائلتها الأرستقراطية العريقة من نفوذ قانوني باذخ، وعلاقات ضاربة في جذور السلطة والقضاء الدولي، لتنزع هذا اللقاء الاستثنائي، منفرداً، بعيداً عن عيون الرقباء وآذان المخبرين.كانت ترتدي ثوبها الأسود الحازم، الذي بات بمثابة درعها الفولاذي وجناحها الكاسر؛ ثوب يبرز بياض بشرتها المرمرية التي ازدادت شحوباً بفعل السهر واللوعة، لكنه كان يعكس أيضاً عناداً أرستقراطيًا لا يقبل الانكسار.انفتح الباب الحديدي الثقيل بصريرٍ يمزق نياط القلوب، لتدخل إلى غرفة التحقيق المعتمة، الإضاءة شحيحة، تنبعث من مصباح عارٍ متدلٍ من السقف، يسلط ضوءاً مخروطياً أصفر على وسط القاعة. وهناك، في قلب تلك الظلمة الموحشة، رأته.كان "مالك الراوي" مصلوب القامة كعاداته، كالنخلة العاتية التي ترفض أن تن
خيّم الليل على قصر "الراوي" ككفنٍ أسود حواشيه الوجوم، وانزاحت جلبة المزاد البغيض وتفرق الحاقدون والشامتون، ليتركوا خلفهم فراغاً يئن في ردهات القصر كريحِ صرصرٍ عاتية. لأول مرة منذ تلك الليلة المشؤومة التي عُصف فيها بأركان الإمبراطورية، وجدت "تولين" نفسها وحيدة، تماماً، في الجناح الرئيسي. ذلك الجناح الذي كان يوماً حصناً منيعاً للحب والسطوة، ومحارباً لا تدخله خطوب الدهر، استحال الآن إلى مساحة شاسعة من الصمت الموحش والبرودة الهالكة.وقفت تولين في منتصف الغرفة، وجسدها الممشوق يبدو ضئيلاً تحت سقفها الشاهق الارتفاع. تلاطمت في أعماقها أمواجٌ عاتية من الصراع النفسي المرير؛ كانت تشعر بأنها امرأة تُركت عارية بلا غطاء في مهب العاصفة، يُطاردها شبح خوفٍ جارف على زوجها، وحبيبها، وسيد قلبها "مالك" المقبع وراء جدرانٍ مصمتة لا ترحم. كان عقلها يصور لها السجون بظلمتها وقسوتها، بينما كان كبرياؤها يرفض أن يرى "الراوي" مكبلاً. أهذا هو الرجل الذي كان بكلمة واحدة منه يُزلزل عروش المال؟ أهذا الذي كانت هيبته تسبق خطاه؟ كيف للأقدار أن تجرؤ على مَسّ طوده؟تحركت بخطواتٍ وئيدة، ثقيلة، كأنما تجر خلفها سلاس
كان البهو الفسيح في قصر "الراوي" يغرق في دثارٍ من الألق الأرستقراطي الباذخ؛ الثريات الكريستالية المتدلية كعناقيد من نورٍ مصفى تعكس بريقها على الأرضيات الرخامية المصقولة، ورجال المال والأعمال، حيتان البورصة الذين تحرك إيماءاتهم مؤشرات الأسواق العالمية، يتنقلون كأشباحٍ أنيقة يتبادلون همسات الصفقات والمليارات. وفي قلب هذا المحفل، كان "مالك الراوي" يقف كطودٍ شامخ لا تزعزعه عواصف الأرض، مستنداً بكفه العريضة ذات العروق النافرة على مقبض عصاه الأبنوسية ذات الرأس الفضي المصاغ على هيئة صقرٍ كاسر. كانت عيناه الحادتان، بلونهما القاتم وعمقهما المخيف، تجوبان المكان بيقين ملكٍ يجلس على عرشٍ شُيّد من جماجم الخصوم.وعلى مقربةٍ تلتصق به أنفاسها، كانت "تولين".كانت تولين في ذلك المساء تجسيداً حياً لفتنةٍ إغريقية تمردت على لوحات الطين؛ جسدها الممشوق، المرن كغصن ياسمين في مهب نسيم مائع، يلتف بثوبٍ مخملي أسود يبرز بياض بشرتها المرمرية التي تكاد تشفّ عما تحتها من نبضٍ هائج. كانت تفيض برومانسية فطرية، تمزج بين رقة الأنثى وعنفوان الكبرياء. كانت عيناها تسافران في تفاصيل وجه مالك، تقرأ خطوط جبهته العر
سادَ فضاءُ المكتب السري بقصر جاردن سيتي بالقاهرة غليانٌ نفسيّ مكتوم، تكاثفت معه ظلال الماهوجني الداكنة تحت الضوء الأخضر الشاحب والمترنّح للمصباح الكلاسيكي، ليتحوّل صمتُ الغرفة إلى جدار إسمنتي يضغط فوق صدر "مالك الراوي" العريض. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والنوافذ الفرنسية الشاهقة المشرعة عل
### فصل: السقوط الأخير والنزع الأرستقراطي سادَ فضاءُ الجناح الشرقي لقصر جاردن سيتي بالقاهرة وجومٌ قاتل، واجم، كأنفاس الموت التي تسبق تداعي القلاع العائلية الكبرى. تلاشت حركات الحياة في الممرات الرخامية الشاهقة ذات الأعمدة الرخامية الباردة، ولم يعد يتحرك في هذا المدى لزج الضباب سوى النغم
سادَ فضاءُ الجناح الشرقي لقصر جاردن سيتي بالقاهرة عند الساعة السابعة مساءً وجومٌ قاتل، واجم، كأنفاس الموت التي تسبق تداعي القلاع الأرستقراطية الكبرى. تلاشت نغمات الحياة في الممرات الرخامية الشاهقة، ولم يعد يتحرك في هذا المدى لزج الضباب سوى أصوات الأجهزة الطبية الحديثة المنبعثة من غرفة "غادة عبد ا
كان "مالك الراوي" قد وصل لتوّه من العمل بكامل طوله وجبروته الأرستقراطي، مفرود الظهر بكامل هيبته، وقبضته اليمنى تطحن بصرامة حادة رأس عصاه الأبنوسية الفخمة ذات المقبض الفضي والماس اللامع. كان يتنفس بحدة وعقله مشحون بثغرات أوراق الطلاق الدولي، وعطر رجولته القوي الدافئ النفاذ يسبقه في الفضاء الفسيح.







