หน้าหลัก / الرومانسية / أسياد الوجع / شظايا الليالي المظلمة

แชร์

شظايا الليالي المظلمة

ผู้เขียน: بدر رمضان
last update วันที่เผยแพร่: 2026-05-22 09:14:05

تزلزلت أركان قصر "الراوي" في تلك الليلة الليلاء، وتحولت جدرانه الأرستقراطية الصامتة إلى ساحة صاخبة تعج بصدى الفزع والمؤامرات التي تكشفت أقنعتها دفعة واحدة. لم يكن الصوت القادم من البهو السفلي مجرد ضجيج عابر، بل كان نذيراً بانهيار السقف فوق رؤوس الجميع.

في جناح "تولين"، كانت الأنفاس متلاحقة، ودقات قلبها تقرع كطبول حرب لا تهدأ. لم تتردد لثانية واحدة؛ اندفعت نحو الباب، فتحته بلهفة وخوف تخطى حدود كرامتها المجروحة قبل قليل. كانت الممرات مضاءة بأنوار خافتة، لكن الحركة بالأسفل كانت عنيفة. ركضت حافية القدمين، وشعرها الحريري يتطاير خلفها، لتجد "ليان" تقف عند حافة الدرج الرخامي وهي تضع يدها على فمها برعب، بينما كان "ياسين" يمسك بـ"مالك" الذي كان يحاول النزول بسرعة لم تعهدها ساقه الاصطناعية الجديدة بعد.

كان "مالك" يرتدي بنطالاً أسوداً وقميصاً أبيضاً فتح أزراره العلوية هرباً من الاختناق، وعيناه تشتعلان بجمر الغضب. قبضته على العصا الأبنوسية كانت قوية لدرجة أن عروق يده برزت بشكل مخيف، وصوته الجهوري زلزل المكان:

— سيبني يا ياسين! قسماً بالله اللي هيقف في طريقي دلوقتي هتدفن مع الكلاب بره! طارق هرب.. الكلب كان بيسرق أسهم الشركة وبيصفي الحسابات بره البلد وهو اللي قص الفرامل! عايزني أقعد هنا مرتاح وأنا دمي بيتباع في السوق؟!

هتف "ياسين" وهو يحاول التمسك بذراعه لمنعه من السقوط أو إيذاء نفسه:

— يا مالك اهدى عشان خاطري! البوليس محاصر المداخل كلها، و"آسر" مع القوات ومطاردين طارق على طريق المحور.. حركتك كدا وأنت لسه جرحك مقفلش خطر عليك! مش هتلحق تعمل حاجة بعصايتك دي دلوقتي، سيب الحكومة تصيده!

وقعت كلمة "بعصايتك دي" كالصاعقة على كبرياء "مالك". تيبّس جسده فجأة، وتوقفت حركته على أول درجة من الدرج. التفت إلى شقيقه بنظرة مسمومة، نظرة جعلت "ياسين" يتراجع خطوة للخلف نادماً على زلة لسانه. في تلك اللحظة، التقت عينا مالك بعيني "تولين" التي كانت تقف أعلى الدرج وتنظر إليه بدموع تفيض بالخوف والعشق الحارق. لم يطق نظرتها؛ شعر وكأن عجز جَسده معروض في مزاد علني أمام الجميع.

تحرر "مالك" من قبضة ياسين بعنف، وتحرك بخطوات متهادية لكنها سريعة وعنيدة نحو باب القصر الرئيسي الذي انفتح فجأة لتدخل منه قوات الأمن بصحبة "آسر"، الذي كان وجهه شاحباً وملابسه ملطخة بالأتربة.

تقدم "آسر" بسرعة نحو مالك، وقال بأنفاس مقطوعة:

— مالك.. طارق هرب! الكلب كان عامل حسابه، ولما كبسنا على المكتب ملقيناش غير "شاكر الجويلي" وهو بيحاول يحرق أوراق التنازلات والأسهم المزورة.. قبضنا على شاكر، لكن طارق فص ملح وداب، وشكله كدا كان مجهز طريق هروب بري بره القاهرة كلها.

في هذه اللحظة، دوت صرخة حادة من صالون القصر الجانبي. التفت الجميع ليجدوا "ميرا" ووالدتها "هاجر غازي" قد وصلتا إلى القصر برفقة السيدة "شاهيناز هانم" التي كانت قد استدعتهم سراً قبل ساعة لتنفيذ خطتها. ركضت "ميرا" نحو البهو وهي تبكي بنحيب مصطنع، وارتمت تحت قدمي مالك وهي تصرخ بهستيرية:

— مالك باشا! أرجوك.. بابا ملوش ذنب! طارق هو اللي هجّمه واغتصبه على التزوير.. بابا طيب وميعملش كدا، طارق هددنا بيهد بيتنا ويقتلنا لو بابا مساعدهوش في نقل الأسهم! أرجوك انقذ بابا يا مالك باشا، أنا ماليش غيره في الدنيا!

نظرت "تولين" من أعلى الدرج إلى هذا المشهد بشعور بالاشمئزاز والغيرة التي نهشت أحشاءها؛ فرغم قذارة الموقف، إلا أن "ميرا" كانت ترتمي بالقرب من مالك، وتستغل ضعفها وأنوثتها بشكل صريح لتلفت انتباهه.

تطلع "مالك" إلى "ميرا" الراكعة ببرود تام، ولم يمد يده ليرفعها، بل قال بنبرة حازمة لرجال الشرطة:

— خدوها هي وأمها من هنا.. وأي حد ثبت إنه تستر على طارق أو شاكر الجويلي مكانه السجن، والكلب اللي اسمه شاكر ده مش هيشوف الشمس لحد ما يقول طارق مستخبي فين بالظبط!

تدخلت السيدة "شاهيناز هانم" بسرعة، واقتربت من مالك وهي تضع يدها على كتفه بنعومة أرستقراطية مسمومة:

— اهدى يا حبيبي.. البنت ملهاش ذنب، دي كانت عندي وجاية تطمن عليك.. شاكر غلط ويستاهل الإعدام، لكن البنت غلبانة ومصدومة في أبوها.. سيبها تقعد هنا لحد ما تهدا، والبوليس يشوف شغله مع المجرمين.

نظر "مالك" إلى والدته بنظرة غامضة، ثم التفت لـ آسر وقال بصوت منخفض كفحيح الأفاعي:

— آسر.. جهزلي العربية التانية حالا.. إحنا خارجين.

صاح "ياسين" بغضب:

— خارج فين يا مالك؟! الفجر هيأذن وأنت منمتش ساعة على بعضها!

رد "مالك" وهو يتحرك نحو الباب دون أن ينظر لأحد، وصوت عصاه الحديدي يضرب الرخام بقوة وإيقاع مرعب:

— خارج أجيب حقي بطريقتي.. اللي يفتكر إن مالك الراوي عجز وخسر هيبته، هوريه إن الساق اللي اتقطعت دي هتتحول لمشنقة تلف رقابين الكلاب اللي خانوا العيش والدم.. يلا يا آسر.

انطلق "مالك" برفقة "آسر" في جوف الليل، تاركين القصر يغرق في بحر من التوتر والشبهات. ولم تكد تمر ساعتان حتى بدأ الفجر يشق عتمة السماء بخيوط زرقاء باردة.

داخل القصر، ساد هدوء كئيب ومريب. عادت السيدة "فريدة" وبناتها إلى أجنحتهن، بينما استغلت السيدة "شاهيناز" الوضع وجعلت "ميرا" تقيم في إحدى غرف الضيوف القريبة من جناح مالك بحجة حمايتها وتخفيف الصدمة عنها، وهي في الحقيقة تضع قطعة الشطرنج الأخيرة في مكانها الصحيح.

في جناح "تولين"، لم تذق طعم النوم. كانت تقف أمام نافذتها الكبيرة، تحتضن جسدها المرتعش بيدها، وتتأمل أوراق الزهور في الحديقة بالأسفل والتي كانت تتراقص مع نسمات الفجر الباردة. شعرت بوحدة قاتلة؛ فالرجل الذي وهبته نبضات قلبها يضيع من بين يديها، يتحول إلى مسخ من الغضب والكبرياء، يرى في وجودها ضعفاً وفي حبها شفقة.

وفجأة.. سمعت صوت محرك السيارة الفارهة يدخل من بوابة القصر الرئيسية. ركضت نحو شرفتها وتطلعت إلى الأسفل بلهفة أحرقت صدرها. انفتح باب السيارة، وخرج "مالك". كانت ملامحه كئيبة، عيناه غائرتين من شدة التعب، والإنهاك يسيطر على كل حركة من حركاته. لم يستطع العثور على طارق، فالتحقيقات كانت معقدة وطارق اختفى تماماً كأنه لم يكن.

تحرك "مالك" بخطوات بطيئة للغاية، وبدا واضحاً أن الألم الجسدي في موضع البتر قد تضاعف بفعل المجهود العنيف والضغط العصبي الذي بذله طوال الليل. كان يستند على عصاه بجسد يرتعش خفية، وكبريائه يمنعه من طلب المساعدة من آسر الذي كان يسير خلفه بقلق.

لم تحتمل "تولين" رؤيته بهذا الضعف والمشقة. نسيت كل قسوته، ونسيت كلامه الجارح لها قبل ساعات، وتحركت بدافع العشق الخالص والدفء الذي تملكه كأنثى تريد حماية رجلها. خرجت من جناحها وهرعت لأسفل الرواق، لتجده قد صعد لتوّه إلى الطابق العلوي وكان يتنفس بصعوبة، وقطرات العرق البارد تغطي جبهته الفاخرة.

اقتربت منه "تولين" بخطوات هادئة ونبرة صوت تفيض بالرقة والعذوبة والمشاعر الدافئة:

— مالك.. حبيبي..

توقف "مالك" في مكانه، وتصلبت ملامحه عندما سمع الكلمة التي ظن أنه لن يسمعها منها مجدداً بعد إهانته لها. التفت إليها بعينين حمراوين من التعب والغضب، وقال بنبرة متحشرجة:

— أنتي إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي يا تولين؟ مش قولتلك فكري في كلامي وسيبيني في حالي؟

لم تبالِ بكلامه الجاف، بل خطت خطوة إضافية لتقف أمامه مباشرة. كانت تفصل بينهما إنارة الفجر الخافتة التي أضفت على الموقف طابعاً من الرومانسية الحزينة والمؤلمة. مدت يدها الرقيقة ببطء، ووضعت كفها الدافئ على وجنته الشاحبة، وتلمست لحيته الخفيفة بحنان جعل جسده يتصلب كالصخر، وقالت وعيناها تلمعان بالدموع:

— مش هسيبك يا مالك.. مش هسيبك حتى لو أنت عايز تسيّر الدنيا بمزاجك وتهد كل حاجة بيننا. أنا مش شايفة فيك راجل عاجز، أنا شايفة "مالك" اللي خطف قلبي وأنا طفلة صغيرة.. الراجل القوي اللي بحتمي بيه من الدنيا. تعبك ده تعبي، ووجعك ده وجعي.. أرجوك سيبني أكون جنبك، سيبني أساعدك تدخل أوضتك وترتاح.. بلاش تقفل قلبك في وشي أرجوك.

شعر "مالك" باهتزاز عنيف في حصونه؛ فلمس يدها الدافئة على وجهه كان بمثابة ترياق يذيب الجليد المتراكم في صدره. تلاقت أعينهما في نظرة طويلة، امتزجت فيها قسوة كبريائه برقة عشقها الجارف. شعر برغبة عارمة في أن يلقي برأسه على كتفها الرقيق، وأن يعترف لها بمدى رعبه وخوفه من أن يظهر ضعيفاً أمامها، لكن شياطين الماضي وشاهيناز هانم كانت تقف بالمرصاد.

قبل أن ينطق "مالك" بكلمة واحدة، أو يستسلم لدفء مشاعرها، انفتح باب غرفة الضيوف المجاورة ببطء، وخرجت منها "ميرا" وهي ترتدي قميص نوم رقيقاً وفوقه روب ستان خفيف، وشعرها منسدل بشكل مدروس بعناية لتظهر بكامل إغرائها وأنوثتها الطاغية.

تنحنحت "ميرا" بصوت يحمل الدلال والخنوع، وقالت وعيناها معلقتان بـ مالك:

— مالك باشا.. أنا آسفة لو أزعجتكم، بس سمعت حركة بره ومقدرتش أنام من الخوف.. شفتك راجع وتعبان، وكنت عايزة أقولك إني عملتلك تليفون مع واحد قريبي في الميناء، وممكن نلاقي خيط يوصلنا لمكان طارق قبل ما يهرب بره مصر.. لو تسمحلي أدخل معاك المكتب وأشرحلك التفاصيل؟

وقعت كلمات "ميرا" ومظهرها الفاضح في هذا الوقت المتأخر كالقذيفة التي نسفت لحظة الدفء الرومانسية بين مالك وتولين. تراجعت "تولين" يدها عن وجنة مالك بسرعة وكأنها تعرضت لقرصة أفعى، ونظرت إلى ميرا بصدمة وغيرة عمياء كادت تحرق رداء عقلها. كيف تجرؤ هذه الفتاة على الخروج بهذا المظهر في جناح مالك وفي هذا الوقت الصباحي المبكر؟ وكيف تسمح السيدة شاهيناز بمهزلة كهذه داخل القصر؟

التفت "مالك" بنظرة حادة وباردة نحو "ميرا"، ثم نظر إلى "تولين" التي كانت ملامحها قد تحولت إلى كتلة من الجمود والانكسار المضاعف. وبدلاً من أن يطرد ميرا أو يوبخها ليعيد لـ تولين اعتبارها، دفعه كبرياءه المجروح ورغبته في إبعاد تولين عن ضعفه ليرد بجفاف وقسوة غير متوقعة:

— تمام يا ميرا.. تعالي ورايا على المكتب جوه الجناح، خليني أشوف الخيط ده ونفهم الحكاية.. وأنتي يا تولين، اتفضلي ادخلي أوضتك ونامي، الشغل والمؤامرات دي مش مكانك ولا تخصك في حاجة.

تحرك "مالك" بخطواته الحديدية متوجهاً إلى مكتبه، ودخلت خلفه "ميرا" التي التفتت نحو "تولين" قبل إغلاق الباب، ورمقتها بنظرة انتصار خبيثة تفيض بالمكر والشماتة.

وقفت "تولين" وحدها في الرواق المظلم، تشعر وكأن الأرض تميد من تحت قدميها، وأن كل حصون حبها لمالك قد تهاوت وتحولت إلى شظايا تناثرت فوق كرامتها المداسة. شعرت برغبة في الصراخ، لكن صوتها اختنق في حنجرتها، وتيقنت في تلك اللحظة أن عاصفة الخيانة والمؤامرات قد بدأت بالفعل داخل قصر "الراوي"، وأن حرباً شعواء ستخوضها ليس فقط للحفاظ على حبها، بل لإنقاذ ما تبقى من روحها.

อ่านหนังสือเล่มนี้ต่อได้ฟรี
สแกนรหัสเพื่อดาวน์โหลดแอป

บทล่าสุด

  • أسياد الوجع   الإمبراطور يكسر القيد

    كانت شمس مطلع الفجر تشق عباب السماء بخيوطٍ ذهبية دافئة، تنعكس على جدران قصر "الراوي" الأثرية العتيقة كأنها تمهد الساحة لحدثٍ يترقبه التاريخ المالي والاجتماعي للبلاد. لم تكن هذه النسمات الصباحية لتمر برداً وسلاماً، بل كانت تحمل في طياتها ملامح إعصارٍ قادم من غياهب الصعيد، إعصارٍ لا يبقي ولا يذر، يوشك أن يزلزل عروشاً شُيدت في دهاليز لندن وروما.بفضل وثائق البراءة الجديدة القاطعة التي نسج خيوطها "آسر" بدهاءٍ محاسبي وفني لا غبار عليه من واقع الدفاتر السرية، ومصحوبةً بالتنازل الرسمي الموثق بالدم والمختوم بأختامٍ سيادية والذي قدمه "عبد السلام" باشا لإبراء ذمة زوج ابنته، تحطمت الأغلال. تم الإفراج عن "مالك الراوي" بالأصول الصارمة والوجاهة الاجتماعية الباذخة التي تليق باسمه؛ فلم يكن خروجه مجرد إخلاء سبيل عابر، بل كان زفة ملوكية، وموكباً مهيباً تناقلت أنباءه وكالات الأنباء بره وجوه مصر، ليعلن للجميع أن الصقر قد استرد سماءه، وأن القيد لم يكن إلا استراحة محارب.انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة للبهو الفسيح، ودخل مالك الراوي.كان دخوله أشبه بعاصفة صامتة تجتاح المكان برائحة السيطرة والرج

  • أسياد الوجع   عودة الميت

    كان الصمت الذي أعقب دوي الطلقات الغامضة في ردهات القصر أشبه بسكون المقابر الذي يسبق البعث، صمتٌ ثقيل، لزج، تفوح منه رائحة البارود المحترق والأنفاس المحبوسة في غياهب الفزع. انقشعت غيابة الظلمة ببطء حين عادت الأضواء الخافتة لتداعب جدران المكتب الأبنوسي المغلق لـ "مالك الراوي". وعلى الأرض، كانت جثث المرتزقة الذين حاولوا التصفية ممددة بلا حراك، بعد أن باغتها رصاصٌ مجهول المصدر من النوافذ العلوية الشاهقة، بينما كانت "تولين" تقف مذهولة، كفها المخملية ما زالت متشبثة بقبضة عصا مالك الأبنوسية، وجسدها الممشوق يرتعش بعنفوانٍ يمزج بين رعب اللحظة وأنوثتها الطاغية التي لم يزدها الخطر إلا بريقاً وجاذبية. في تلك اللحظة الرهيبة، انفتح الباب الخشبي الضخم للمكتب ببطء يحمل هيبة جنائزية. دخل رجلٌ يجر خطاه بثقل، رجلٌ ترتعد الفرائص لرؤيته. كان يرتدي معطفاً صوفياً رصاصياً قديماً، ملامحه غائرة كأخاديد حفرها الزمن والقهر، ولحيته البيضاء الكثة تنطق بعقدٍ من العذاب والتواري. وقف في منتصف القاعة وسط ذهول "آسر" الذي تجمدت الدماء في عروقه، وشلل "ياسين" الذي كان جاثياً في زاوية الغرف

  • أسياد الوجع   جَبَرُوتُ العَرْشِ

    كان برج "الراوي" الإداري الشاهق ينطح سحاب العاصمة كمسلة من زجاج وفولاذ، يعكس أشعة الشمس الحارقة التي تبدو واهنة أمام برودة الصراع الدائر في ردهاته. في الطابق الخمسين، كانت قاعة الاجتماعات الكبرى لقطاع الموانئ مهيأة لاستقبال إحدى أخطر جلسات الجمعية العمومية الطارئة في تاريخ المجموعة. الطاولة البيضاوية المصنوعة من خشب الجوز النادر يحيط بها حيتان السوق، رجال أعمال ومستثمرون كبار تلمع في عيونهم شهوة الانقضاض على فريسة جريحة غاب أسدها. كان الهواء مشحوناً بذكورة طاغية غاشمة، ونظرات الشماتة تتربص بالكرسي الشاغر في رأس الطاولة. وفجأة، انفتحت الأبواب الهيدروليكية الضخمة، ودخلت "تولين". لم تكن تسير، بل كانت تطأ الأرض بكبرياء ملوكي وخطوات مدروسة بدقة تزلزل قلوب الحاضرين. كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء حادة الخطوط، مستوحاة من رداء القادة، تلتف حول جسدها الممشوق بدقة متناهية، مبرزة بياض بشرتها المرمرية النقي وعنقها المشرئب بعناد أرستقراطي باذخ. وجهها الرخامي خلا من أي مساحيق تجميل مبالغ فيها، تاركةً لعينيها الصقريتين، اللتين تفيضان بنقاء شرس وذكاء حاد، مهمة إرهاب الحضور. كانت ت

  • أسياد الوجع   عِنَاقُ الأَرْوَاح

    لم تكن الطرقات المؤدية إلى مقر الاحتجاز السري سوى دهاليز من الصمت والوجوم، ممرات معتمة تفوح منها رائحة الرطوبة والحديد البارد، كأنها نفق ممتد نحو الجحيم. غير أن "تولين" كانت تسير في تلك الممرات كملكة منيفة تسير نحو عرشها المستباح، واثقة الخطى، برغم الخفقان الرعديد الذي كان يخلع قلبها بين الضلوع. لقد استخدمت كل ما تملكه عائلتها الأرستقراطية العريقة من نفوذ قانوني باذخ، وعلاقات ضاربة في جذور السلطة والقضاء الدولي، لتنزع هذا اللقاء الاستثنائي، منفرداً، بعيداً عن عيون الرقباء وآذان المخبرين.كانت ترتدي ثوبها الأسود الحازم، الذي بات بمثابة درعها الفولاذي وجناحها الكاسر؛ ثوب يبرز بياض بشرتها المرمرية التي ازدادت شحوباً بفعل السهر واللوعة، لكنه كان يعكس أيضاً عناداً أرستقراطيًا لا يقبل الانكسار.انفتح الباب الحديدي الثقيل بصريرٍ يمزق نياط القلوب، لتدخل إلى غرفة التحقيق المعتمة، الإضاءة شحيحة، تنبعث من مصباح عارٍ متدلٍ من السقف، يسلط ضوءاً مخروطياً أصفر على وسط القاعة. وهناك، في قلب تلك الظلمة الموحشة، رأته.كان "مالك الراوي" مصلوب القامة كعاداته، كالنخلة العاتية التي ترفض أن تن

  • أسياد الوجع   دفاتر الغدر ومؤامرة المليار

    خيّم الليل على قصر "الراوي" ككفنٍ أسود حواشيه الوجوم، وانزاحت جلبة المزاد البغيض وتفرق الحاقدون والشامتون، ليتركوا خلفهم فراغاً يئن في ردهات القصر كريحِ صرصرٍ عاتية. لأول مرة منذ تلك الليلة المشؤومة التي عُصف فيها بأركان الإمبراطورية، وجدت "تولين" نفسها وحيدة، تماماً، في الجناح الرئيسي. ذلك الجناح الذي كان يوماً حصناً منيعاً للحب والسطوة، ومحارباً لا تدخله خطوب الدهر، استحال الآن إلى مساحة شاسعة من الصمت الموحش والبرودة الهالكة.وقفت تولين في منتصف الغرفة، وجسدها الممشوق يبدو ضئيلاً تحت سقفها الشاهق الارتفاع. تلاطمت في أعماقها أمواجٌ عاتية من الصراع النفسي المرير؛ كانت تشعر بأنها امرأة تُركت عارية بلا غطاء في مهب العاصفة، يُطاردها شبح خوفٍ جارف على زوجها، وحبيبها، وسيد قلبها "مالك" المقبع وراء جدرانٍ مصمتة لا ترحم. كان عقلها يصور لها السجون بظلمتها وقسوتها، بينما كان كبرياؤها يرفض أن يرى "الراوي" مكبلاً. أهذا هو الرجل الذي كان بكلمة واحدة منه يُزلزل عروش المال؟ أهذا الذي كانت هيبته تسبق خطاه؟ كيف للأقدار أن تجرؤ على مَسّ طوده؟تحركت بخطواتٍ وئيدة، ثقيلة، كأنما تجر خلفها سلاس

  • أسياد الوجع   اقتحام الحصن

    كان البهو الفسيح في قصر "الراوي" يغرق في دثارٍ من الألق الأرستقراطي الباذخ؛ الثريات الكريستالية المتدلية كعناقيد من نورٍ مصفى تعكس بريقها على الأرضيات الرخامية المصقولة، ورجال المال والأعمال، حيتان البورصة الذين تحرك إيماءاتهم مؤشرات الأسواق العالمية، يتنقلون كأشباحٍ أنيقة يتبادلون همسات الصفقات والمليارات. وفي قلب هذا المحفل، كان "مالك الراوي" يقف كطودٍ شامخ لا تزعزعه عواصف الأرض، مستنداً بكفه العريضة ذات العروق النافرة على مقبض عصاه الأبنوسية ذات الرأس الفضي المصاغ على هيئة صقرٍ كاسر. كانت عيناه الحادتان، بلونهما القاتم وعمقهما المخيف، تجوبان المكان بيقين ملكٍ يجلس على عرشٍ شُيّد من جماجم الخصوم.وعلى مقربةٍ تلتصق به أنفاسها، كانت "تولين".كانت تولين في ذلك المساء تجسيداً حياً لفتنةٍ إغريقية تمردت على لوحات الطين؛ جسدها الممشوق، المرن كغصن ياسمين في مهب نسيم مائع، يلتف بثوبٍ مخملي أسود يبرز بياض بشرتها المرمرية التي تكاد تشفّ عما تحتها من نبضٍ هائج. كانت تفيض برومانسية فطرية، تمزج بين رقة الأنثى وعنفوان الكبرياء. كانت عيناها تسافران في تفاصيل وجه مالك، تقرأ خطوط جبهته العر

  • أسياد الوجع   عشاء الحيتان

    انعكست أضواء الثريات الكريستالية الضخمة المتدلية من السقف المذهب لقاعة الاحتفالات الكبرى، لتصنع بريقاً أرستقراطياً حاداً فوق الرخام الأسود المصقول الذي امتد كمرآة غامقة تعكس نفوذ عائلة الراوي. كانت القاعة تضج بحركة حيتان السوق، رجال الأعمال، والوفود والمستثمرين الأجانب القادمين من روما وموانئ لند

  • أسياد الوجع   هجرة الحصن

    كانت هذه الحركة بمثابة فتيل أشعل نيراناً من نوع آخر؛ فقد رتبت غادة مشهد الركوب بدقة لتظهر أمام الخدم والحراسة كأنها "الزوجة الأولى" وصاحبة الأولوية بدم الابن، وتترك تولين في السيارة الخلفية تغلي من لوعة الغيظ والكسرة. تلاقت أعين مالك الحادة كالشفرة مع عيون "تولين" التي كانت تقف على بعد خطوات، ترت

  • أسياد الوجع   غسق الكبرياء ولوعة النبض الخالص

    تلوّن ممر القصر العلوي بظلال الليل العميقة مع حلول الساعة الثالثة والنصف بعد منتصف الليل، وبدا السكون الذي لفّ جدران الماهوجني الداكنة أثقل من عواصف روما القديمة. غابت النسمات العذبة عن حواف الشرفات، وحلّ مكانها جفاف خانق تداخل مع الصدى البعيد لخطوات الخدم المتهامسة في الأسفل، والذين سارعوا بإخلا

  • أسياد الوجع   حق الدم والورق الأسود

    مال شاكر بجسده للأمام وقال بنبرة خفيضة، صارمة: — غادة هانم.. مالك باشا مش هيسكت، وجبروته في السوق ممكن يخليه يضحي بالبورصة والموانئ عشان خاطر نقاء تولين.. آسر وياسين في المكتب فوق بيراجعوا دفاتر التحويلات المالية القديمة لشاهيناز هانم بروما، ولو وصلوا لثغرة تبت تدليس أو تواطؤ من المحامي

บทอื่นๆ
สำรวจและอ่านนวนิยายดีๆ ได้ฟรี
เข้าถึงนวนิยายดีๆ จำนวนมากได้ฟรีบนแอป GoodNovel ดาวน์โหลดหนังสือที่คุณชอบและอ่านได้ทุกที่ทุกเวลา
อ่านหนังสือฟรีบนแอป
สแกนรหัสเพื่ออ่านบนแอป
DMCA.com Protection Status