เข้าสู่ระบบنهضت "ميرا" سريعاً، وقد تبدلت خططها تماماً في ثانية واحدة، وقالت بنبرة متحمّسة:
— تمام يا مامي.. كلامك مظبوط، يدوبك ألحق أروح الشركة آخد الفلوس من بابي وأشوف الأجواء هناك عاملة إزاي.. سلام يا جوجو!
اندهشت "هاجر" من ردة فعل ابنتها السريعة وتحول موقفها المفاجئ بعد سماع الخبر، لكنها هزت كتفيها بطريقة لا مبالية وعادت لتكمل وضع مساحيقها.
وصلت "ميرا" إلى مقر شركات "الراوي" العملاقة. كان البرج الزجاجي ناطحاً للسحاب، يعكس هيبة الثراء والنفوذ. دلفت بخطوات واثقة، تتمايل بفستانها الأحمر الذي لفت أنظار الموظفين، وتوجهت مباشرة إلى مكتب والدها "شاكر الجويلي" —أحد كبار المديرين والشركاء التابعين للعائلة—.
طرقت الباب ودخلت دون انتظار. التفت إليها "شاكر" وتغيرت ملامحه الجادة إلى ترحيب حار عندما رأى ابنته المدللة:
— ميرا.. بنوتي الحلوة! تعالي يا روح بابي.. أهلاً بيكي، أكيد جاية وطامعة تاخدي فلوس كالعادة؟
ضحكت "ميرا" بشدة، واقتربت منه تقبّل وجنته بدلال مصنوع:
— وعرفت منين يا سي باباي إني عايزة فلوس؟ مش يمكن وحشتني وجيت أطمن على أحوالك وأشوف مكتبك الفخم ده؟
قاطع حديثهما الضاحك طرقات قوية وحازمة على الباب، تلاها دخول "مالك الراوي" بهيبته الطاغية وعينيه الحادتين التي تجمد الدماء في العروق. انشرح قلب "شاكر الجويلي" بشدة لرؤيته؛ فوجود ابنته في هذه اللحظة بالذات فرصة ذهبية لن تعوض ليعرفها عليه.
تحدث "مالك" بنبرة رسمية جافة، متجاهلاً وجود الفتاة تماماً:
— فين الأوراق الأخيرة الخاصة بصفقة الإسكندرية يا شاكر؟ الطيارة ميعادها قرب وأنا مش بحب الانتظار.
رحب به "شاكر" بملق واضح وهو يقف باحترام:
— أهلاً أهلاً مالك باشا.. حمد الله على السلامة. الأوراق جاهزة وتحت أمرك، بس واقفة على إمضاء الأستاذ "طارق" ابن عمك.. ثواني وهتكون عندك.
ثم التفت سريعاً نحو "ميرا" وأردف بابتسامة واسعة:
— أحب أعرفك يا فندم.. دي "ميرا" بنتي، في أولى معهد حاسبات ومعلومات.
نظر إليها "مالك" نظرة خاطفة، نظرة باردة لم تستقر عليها لأكثر من ثانية، حملت كل معاني الاستياء من مظهرها الفاضح وتبرجها الذي لا يناسب بيئة العمل الرسمية، وقال بنبرة أجف من الحجر:
— أهلاً..
لكز "شاكر" ابنته في كتفها خفية، لكي تتقدم وتصافحه وتستغل الموقف. مدت "ميرا" يدها بكل برود مصطنع وكبرياء تحاول إظهاره لتلفت انتباهه وقالت:
— تشرفنا يا مالك باشا..
مد "مالك" يده بأطراف أصابعه، وبنفس برودها القاتل رد:
— أهلاً بيكي..
تركهم "شاكر" لثوانٍ ليخرج ويحضر الأوراق بنفسه من المكتب المجاور قبل أن ينفد صبر الكبير. في تلك اللحظات القليلة، ساد صمت رهيب في الغرفة، كادت الجدران تحترق فيه بسبب نظرات الغضب والسخط المكتوم من "مالك" على لبس وبهرجة "ميرا"، بينما كانت هي تشعر بالارتباك أمام هيبته القاسية التي لم تستطع كسرها بنظراتها.
خرج السيد "شاكر" وعاد ومعه "طارق" (ابن العم)، الذي قدم لمالك الأوراق المطلوبة بعد أن وقع عليها. أخذ "مالك" الملفات بجمود، وسلم على "طارق" ببرود شديد لا يخلو من الشك، ثم التفت لـ"شاكر":
— اتفضل معايا يا شاكر على مكتب الإدارة عشان نراجع بقية البنود قبل ما أتحرك للمطار.
انسحب "مالك" ومعه "شاكر"، وبقيت "ميرا" وحدها في المكتب مع "طارق". التفتت إليه ووجدته واقفاً شارد الذهن، وعيناه تلمعان ببريق غريب وهو ينظر إلى الباب الذي خرج منه مالك.
لوحت "ميرا" ببعض النزق بـ يدها ناحية وجهه وقالت بصوت مسموع:
— إييييه يا طارق؟! مالك؟ رحت فين وعقلك طار فين كدا؟
أفاق "طارق" من شروده، وتنحنح محاولاً استعادة هدوئه، وقال بنبرة خفيضة:
— مش عارف.. مالك مش على بعضه النهارده، حاسس إن في دماغه حاجة كبيرة ومش مريحني.
ابتسمت "ميرا" بخبث ودلال، واقتربت منه خطوة:
— واللي يقولك ماله.. ويديك السر اللي يريح قلبك؟
نظر إليها "طارق" نظرة ثاقبة وفاحصة، واقترب منها بلهفة مكتومة:
— عندك أخبار جديدة من القصر؟ انطقي يا ميرا..
قالت "ميرا" بدلع وهي تلاعب خصلات شعرها:
— بيبو.. هيفرقع جيجي!
عقد "طارق" حاجبيه ببلاهة وعدم فهم:
— يعني إيه الكلام ده؟ اتكلمي عربي يا بنت!
همست "ميرا" وهي تلتفت حولها للتأكد من أن الممرات خالية:
— يعني.. مالك هيفركش الخطوبة مع بنت عمه "تولين" ويقفل الصفحة دي خالص!
نظر إليها "طارق" بعدم تصديق وصدمة، فتابعت هي توضح له بانتصار:
— مدام "شاهيناز" هانم كانت فرحانة النهارده جداً في التليفون.. وقالت إن مالك اتكلم الصبح على المائدة عن جوازة أخوه ياسين وازاي إنها معطلاه ومأثرة على تركيزه في الشغل.. وقال لو جوازته من تولين هتعمل فيه كده وتخليه تافه، فهو مش عايز الجوازة دي وبالناقص منها! دا حتى مرضاش يخلي أخوه ياسين يسافر بداله النهارده عشان خايف لينشغل بعروسته وتضيع الصفقة من بين إيديهم..
ثم شردت "ميرا" قليلاً وأردفت بنبرة لم تخْلُ من الإعجاب الخفي:
— بس للدرجة دي مالك ده إنسان بارد وخالي من المشاعر؟ معقول يلغي جوازة عشان صفقة؟!
في هذه اللحظة، ظهرت معالم الفرحة والانتصار العارم على وجه "طارق"، بريقٌ خبيث أضاء عينيه مما أثار دهشة "ميرا" وريبتها. التفت إليها وقال بلهفة:
— بتتكلمي بجد يا ميرا؟! الخبر ده متأكدة منه؟! مالك هيسيب تولين فعلاً؟!
استغربت "ميرا" بشدة من ردة فعله المبالغ فيها، وعقدت حاجبيها بفضول:
— وأنت فرحان أوي كدا ليه يا طارق؟ هو في إيه بالظبط؟.. هو أنت بتحبها وعينك منها ولا إيه؟
اضطرب "طارق" فجأة، وحاول تدارك موقفه بسرعة وغيّر نبرة صوته إلى الحقد المعتاد:
— لا طبعاً.. حب إيه وكلام فارغ إيه؟! انتي عارفة هما وعمي عاصم عملوا فيا إيه طول السنين اللي فاتت؟ ذلوني وحرموني من حقي.. أنا بس بحب أشوفهم مفركشين وخربانين، وولاد عاصم الراوي مكسورين.. ده كل الموضوع.
لم تصدقه "ميرا" تماماً، ونظرت إليه بشك، وكادت أن تستفهم أكثر عن معنى كلامه ونظراته الدفينة، إلا أن دخول والدها "شاكر الجويلي" أنقذ "طارق" من الموقف المحرج.
دخل "شاكر" مسرعاً وقال باعتذار:
— معلش يا بنتي اتأخرت عليكي.. خدي الفلوس اللي طلبتيها اهي، مشي بيها نفسك الأسبوع ده ومتحرجنيش تاني في مكان الشغل.
أخذت "ميرا" الأموال وهي ما زالت شاردة في موقف "طارق" الغريب، وقالت:
— ماشي يا بابي.. تسلملي. سلام بقى يدوب ألحق المحاضرة الأخيرة، وأشتري كتابين للمادة.
رد والدها بحنان:
— بالتوفيق يا خوخة.. خلي بالك من نفسك.
خرجت "ميرا" من الشركة، بينما بقي "طارق" واقفاً وعقله ينسج خيوط مؤامرة جديدة.. خطة ستغير حياة عائلة "الراوي" وتدمر كبرياء "مالك" إلى الأبد.
مرّ أسبوع كامل كأنه دهر على قصر "الراوي". أسبوع لم تتوقف فيه عقارب الساعة عن الدوران، ولم تتوقف فيه "تولين" عن مراقبة شرفة مكتب "مالك" الخالية، متأملة أن تجد فيها طيفه الذي غادر بجفاء. طوال هذه الأيام السبعة، كانت حديقة الفيلا شاهدة على قلقها؛ هاتفها لم يفارق يدها، وعيناها معلقتان بالشاشة، تنتظر أن يفتح خطه المغلق أو يتذكر أن له خطيبة تنتظر كلمة منه بعد نزوله من الطائرة. لكن كعادته، كان "مالك" يقدس العمل، ويضع الصفقات والأرقام في مقدمة حياته، تاركاً مشاعرها خلف ظهره كأمر مضمون لا يخشى خسارته.
كانت شمس مطلع الفجر تشق عباب السماء بخيوطٍ ذهبية دافئة، تنعكس على جدران قصر "الراوي" الأثرية العتيقة كأنها تمهد الساحة لحدثٍ يترقبه التاريخ المالي والاجتماعي للبلاد. لم تكن هذه النسمات الصباحية لتمر برداً وسلاماً، بل كانت تحمل في طياتها ملامح إعصارٍ قادم من غياهب الصعيد، إعصارٍ لا يبقي ولا يذر، يوشك أن يزلزل عروشاً شُيدت في دهاليز لندن وروما.بفضل وثائق البراءة الجديدة القاطعة التي نسج خيوطها "آسر" بدهاءٍ محاسبي وفني لا غبار عليه من واقع الدفاتر السرية، ومصحوبةً بالتنازل الرسمي الموثق بالدم والمختوم بأختامٍ سيادية والذي قدمه "عبد السلام" باشا لإبراء ذمة زوج ابنته، تحطمت الأغلال. تم الإفراج عن "مالك الراوي" بالأصول الصارمة والوجاهة الاجتماعية الباذخة التي تليق باسمه؛ فلم يكن خروجه مجرد إخلاء سبيل عابر، بل كان زفة ملوكية، وموكباً مهيباً تناقلت أنباءه وكالات الأنباء بره وجوه مصر، ليعلن للجميع أن الصقر قد استرد سماءه، وأن القيد لم يكن إلا استراحة محارب.انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة للبهو الفسيح، ودخل مالك الراوي.كان دخوله أشبه بعاصفة صامتة تجتاح المكان برائحة السيطرة والرج
كان الصمت الذي أعقب دوي الطلقات الغامضة في ردهات القصر أشبه بسكون المقابر الذي يسبق البعث، صمتٌ ثقيل، لزج، تفوح منه رائحة البارود المحترق والأنفاس المحبوسة في غياهب الفزع. انقشعت غيابة الظلمة ببطء حين عادت الأضواء الخافتة لتداعب جدران المكتب الأبنوسي المغلق لـ "مالك الراوي". وعلى الأرض، كانت جثث المرتزقة الذين حاولوا التصفية ممددة بلا حراك، بعد أن باغتها رصاصٌ مجهول المصدر من النوافذ العلوية الشاهقة، بينما كانت "تولين" تقف مذهولة، كفها المخملية ما زالت متشبثة بقبضة عصا مالك الأبنوسية، وجسدها الممشوق يرتعش بعنفوانٍ يمزج بين رعب اللحظة وأنوثتها الطاغية التي لم يزدها الخطر إلا بريقاً وجاذبية. في تلك اللحظة الرهيبة، انفتح الباب الخشبي الضخم للمكتب ببطء يحمل هيبة جنائزية. دخل رجلٌ يجر خطاه بثقل، رجلٌ ترتعد الفرائص لرؤيته. كان يرتدي معطفاً صوفياً رصاصياً قديماً، ملامحه غائرة كأخاديد حفرها الزمن والقهر، ولحيته البيضاء الكثة تنطق بعقدٍ من العذاب والتواري. وقف في منتصف القاعة وسط ذهول "آسر" الذي تجمدت الدماء في عروقه، وشلل "ياسين" الذي كان جاثياً في زاوية الغرف
كان برج "الراوي" الإداري الشاهق ينطح سحاب العاصمة كمسلة من زجاج وفولاذ، يعكس أشعة الشمس الحارقة التي تبدو واهنة أمام برودة الصراع الدائر في ردهاته. في الطابق الخمسين، كانت قاعة الاجتماعات الكبرى لقطاع الموانئ مهيأة لاستقبال إحدى أخطر جلسات الجمعية العمومية الطارئة في تاريخ المجموعة. الطاولة البيضاوية المصنوعة من خشب الجوز النادر يحيط بها حيتان السوق، رجال أعمال ومستثمرون كبار تلمع في عيونهم شهوة الانقضاض على فريسة جريحة غاب أسدها. كان الهواء مشحوناً بذكورة طاغية غاشمة، ونظرات الشماتة تتربص بالكرسي الشاغر في رأس الطاولة. وفجأة، انفتحت الأبواب الهيدروليكية الضخمة، ودخلت "تولين". لم تكن تسير، بل كانت تطأ الأرض بكبرياء ملوكي وخطوات مدروسة بدقة تزلزل قلوب الحاضرين. كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء حادة الخطوط، مستوحاة من رداء القادة، تلتف حول جسدها الممشوق بدقة متناهية، مبرزة بياض بشرتها المرمرية النقي وعنقها المشرئب بعناد أرستقراطي باذخ. وجهها الرخامي خلا من أي مساحيق تجميل مبالغ فيها، تاركةً لعينيها الصقريتين، اللتين تفيضان بنقاء شرس وذكاء حاد، مهمة إرهاب الحضور. كانت ت
لم تكن الطرقات المؤدية إلى مقر الاحتجاز السري سوى دهاليز من الصمت والوجوم، ممرات معتمة تفوح منها رائحة الرطوبة والحديد البارد، كأنها نفق ممتد نحو الجحيم. غير أن "تولين" كانت تسير في تلك الممرات كملكة منيفة تسير نحو عرشها المستباح، واثقة الخطى، برغم الخفقان الرعديد الذي كان يخلع قلبها بين الضلوع. لقد استخدمت كل ما تملكه عائلتها الأرستقراطية العريقة من نفوذ قانوني باذخ، وعلاقات ضاربة في جذور السلطة والقضاء الدولي، لتنزع هذا اللقاء الاستثنائي، منفرداً، بعيداً عن عيون الرقباء وآذان المخبرين.كانت ترتدي ثوبها الأسود الحازم، الذي بات بمثابة درعها الفولاذي وجناحها الكاسر؛ ثوب يبرز بياض بشرتها المرمرية التي ازدادت شحوباً بفعل السهر واللوعة، لكنه كان يعكس أيضاً عناداً أرستقراطيًا لا يقبل الانكسار.انفتح الباب الحديدي الثقيل بصريرٍ يمزق نياط القلوب، لتدخل إلى غرفة التحقيق المعتمة، الإضاءة شحيحة، تنبعث من مصباح عارٍ متدلٍ من السقف، يسلط ضوءاً مخروطياً أصفر على وسط القاعة. وهناك، في قلب تلك الظلمة الموحشة، رأته.كان "مالك الراوي" مصلوب القامة كعاداته، كالنخلة العاتية التي ترفض أن تن
خيّم الليل على قصر "الراوي" ككفنٍ أسود حواشيه الوجوم، وانزاحت جلبة المزاد البغيض وتفرق الحاقدون والشامتون، ليتركوا خلفهم فراغاً يئن في ردهات القصر كريحِ صرصرٍ عاتية. لأول مرة منذ تلك الليلة المشؤومة التي عُصف فيها بأركان الإمبراطورية، وجدت "تولين" نفسها وحيدة، تماماً، في الجناح الرئيسي. ذلك الجناح الذي كان يوماً حصناً منيعاً للحب والسطوة، ومحارباً لا تدخله خطوب الدهر، استحال الآن إلى مساحة شاسعة من الصمت الموحش والبرودة الهالكة.وقفت تولين في منتصف الغرفة، وجسدها الممشوق يبدو ضئيلاً تحت سقفها الشاهق الارتفاع. تلاطمت في أعماقها أمواجٌ عاتية من الصراع النفسي المرير؛ كانت تشعر بأنها امرأة تُركت عارية بلا غطاء في مهب العاصفة، يُطاردها شبح خوفٍ جارف على زوجها، وحبيبها، وسيد قلبها "مالك" المقبع وراء جدرانٍ مصمتة لا ترحم. كان عقلها يصور لها السجون بظلمتها وقسوتها، بينما كان كبرياؤها يرفض أن يرى "الراوي" مكبلاً. أهذا هو الرجل الذي كان بكلمة واحدة منه يُزلزل عروش المال؟ أهذا الذي كانت هيبته تسبق خطاه؟ كيف للأقدار أن تجرؤ على مَسّ طوده؟تحركت بخطواتٍ وئيدة، ثقيلة، كأنما تجر خلفها سلاس
كان البهو الفسيح في قصر "الراوي" يغرق في دثارٍ من الألق الأرستقراطي الباذخ؛ الثريات الكريستالية المتدلية كعناقيد من نورٍ مصفى تعكس بريقها على الأرضيات الرخامية المصقولة، ورجال المال والأعمال، حيتان البورصة الذين تحرك إيماءاتهم مؤشرات الأسواق العالمية، يتنقلون كأشباحٍ أنيقة يتبادلون همسات الصفقات والمليارات. وفي قلب هذا المحفل، كان "مالك الراوي" يقف كطودٍ شامخ لا تزعزعه عواصف الأرض، مستنداً بكفه العريضة ذات العروق النافرة على مقبض عصاه الأبنوسية ذات الرأس الفضي المصاغ على هيئة صقرٍ كاسر. كانت عيناه الحادتان، بلونهما القاتم وعمقهما المخيف، تجوبان المكان بيقين ملكٍ يجلس على عرشٍ شُيّد من جماجم الخصوم.وعلى مقربةٍ تلتصق به أنفاسها، كانت "تولين".كانت تولين في ذلك المساء تجسيداً حياً لفتنةٍ إغريقية تمردت على لوحات الطين؛ جسدها الممشوق، المرن كغصن ياسمين في مهب نسيم مائع، يلتف بثوبٍ مخملي أسود يبرز بياض بشرتها المرمرية التي تكاد تشفّ عما تحتها من نبضٍ هائج. كانت تفيض برومانسية فطرية، تمزج بين رقة الأنثى وعنفوان الكبرياء. كانت عيناها تسافران في تفاصيل وجه مالك، تقرأ خطوط جبهته العر
سكنت الحركة تماماً في زوايا قصر جاردن سيتي، ولم يعد يُسمع في جوف الليل سوى القعقعة الخفيفة لورق السجلات القديمة وهي تُقلب بين أصابع تولين. كانت تجلس خلف مكتب مالك الضخم، تضيء الغرفة ببقعة نور وحيدة منبعثة من كشاف هاتفها، بينما تركت بقية الأركان غارقة في عتمة حالكة. عيناها المجهدتان كانت تنزلقان ب
غمر بهو قصر جاردن سيتي بالقاهرة ضياءُ الصباح الرماديّ الشاحب، لينسكب بجفاء فوق الأعمدة الرخامية الشاهقة والنوافذ الفرنسية الكبيرة التي وقفت كشواهد متجمدة على انشطار العهد الجديد. لم يعد الهواء الأرستقراطي داخل القصر يحمل دفء الاستقرار المالي أو الطمأنينة العائلية؛ بل تفشى في الأركان فحيحُ المؤامر
سادَ فضاءُ الرواق العلوي المؤدي إلى الجناح الرئيسي بقصر جاردن سيتي وجومٌ صامتٌ حاد، وتباعدت خيوط الصباح الرمادية لتضفي على الجدران المبطنة بالماهوجني الداكن مسحة من البرود اللزج الخانق الذي شلّ الأنفاس في الصدور. لم يكن هذا السكون مريحاً بمليم واحد؛ بل كان غلافاً رمادياً ثقيلاً لـ "مؤامرة مضادة"
خطت تولين خطوة قوية للأمام وثبتت نظرتها الحادة كالشفرة التي صدمت معالم وجهه الصارم، وتابعت وعيدها العاطفي بصرامة مطلقة حبست الأنفاس:— الشفقة ورعاية أم ابنك سليم ليها الجناح الشرقي بالأصول والوجاهة الطبية الوفّرتها، بس هنا.. شريعتي الجديدة هي جفاء بارد م يكسرهوش مليم واحد من التنازل! إنت معاق







