เข้าสู่ระบบمرّ أسبوع كامل كأنه دهر على قصر "الراوي". أسبوع لم تتوقف فيه عقارب الساعة عن الدوران، ولم تتوقف فيه "تولين" عن مراقبة شرفة مكتب "مالك" الخالية، متأملة أن تجد فيها طيفه الذي غادر بجفاء. طوال هذه الأيام السبعة، كانت حديقة الفيلا شاهدة على قلقها؛ هاتفها لم يفارق يدها، وعيناها معلقتان بالشاشة، تنتظر أن يفتح خطه المغلق أو يتذكر أن له خطيبة تنتظر كلمة منه بعد نزوله من الطائرة. لكن كعادته، كان "مالك" يقدس العمل، ويضع الصفقات والأرقام في مقدمة حياته، تاركاً مشاعرها خلف ظهره كأمر مضمون لا يخشى خسارته.
في هذه الأثناء، أعلنت شاشات مطار القاهرة الدولي عن وصول الرحلة القادمة من الخارج، وهبطت الطائرة التي تستقل جسد "مالك" المرهق وعقله المثقل بالحسابات. وطأت قدماه أرض الوطن، ورغم تعبه الشديد ونفاد طاقته، لفت انتباهه عدم وجود صديقه المقرب وذراعه الأيمن في العمل "آسر". كان من المفترض أن يكون "آسر" في انتظاره بالمطار ومعه السيارة ليعودا معاً.
أخرج "مالك" هاتفه وضغط على زر الاتصال بـ"آسر"، وما إن جاءه الرد حتى هتف بنبرة حادة ومرهقة:
— إيه يا آسر؟ أنت فين؟ بقالي ربع ساعة واقف في المطار ومفيش أثر ليك ولا للعربية!
جاءه صوت "آسر" عبر الهاتف، وكان مشحوناً بالضجيج والاعتذار الحار:
— أنا آسف جداً يا مالك.. والله غصب عني، جاتلي سفرية مفاجئة ومستعجلة للإسكندرية عشان أتابع حوار الجمارك اللي اتعطل فجأة.. المفروض "طارق" ابن عمك هو اللي كان يسافر السفرية دي، بس جالي الصبح وطلب يبدل معايا لأنه حاسس بإرهاق شديد وتعب مش قادر بسببه يتحرك.. وأنا مقدرتش أرفض عشان الشغل ميعطلش.
عقد "مالك" حاجبيه بضيق، وتابع "آسر" سريعاً ليتدارك غضب صديقه:
— بس متقلقش.. طارق بعتلك عربية تانية من عربيات الشركة هتلاقيها واقفة بره المطار حالا في الانتظار.. رقمها (23453)، ونوعها مرسيدس سودا.. السواق ساب المفتاح مع أمن البوابة بره ومشي عشان عنده ظرف.. معلش يا صاحبي، أسف والله العظيم غصب عني.
نفخ "مالك" بضيق شديد، وفرك جبهته بإحباط وهو يجر حقيبته الفاخرة:
— طيب يا آسر.. ماشي، مع إني بجد مش قادر أسوق وميت من التعب، وكان نفسي أرتاح في الطريق.. بس مش مشكلة، هسوق أنا وأمري لله.
قال "آسر" بأسف حقيقي ونبرة ممتنة:
— معلش يا مالك.. تتعوض يا صاحبي، أول ما أوصل هطمنك.. سلام يا صاحبي.
ارتسمت ابتسامة خفيفة باهتة على شفتي "مالك" بعد إغلاق الهاتف؛ فرغم صرامته وجفافه مع الجميع، إلا أن "آسر" كان يظل دائماً ونعم الصديق، الأخ الذي لم تَلده أمه، والشخص الوحيد الذي يتحمل تقلباته المزاجية وقسوته في العمل.
توجه "مالك" إلى بوابة الخروج، واستلم مفتاح السيارة من الأمن بعد التأكد من هويته، ثم توجه إلى ساحة الانتظار. وجد السيارة بالرقم والمواصفات التي ذكرها "آسر". وضع حقيبته في المقعد الخلفي، ودلف إلى مقعد القيادة، ثم أدار المحرك وانطلق بالسيارة متوجهاً نحو طريق الفيلا في جاردن سيتي.
وفي نفس اللحظة، داخل حديقة الفيلا، كانت "تولين" تجلس بجوار حوض الورد، ممسكة بهاتفها بقلب ينبض بالخوف الشديد. ضغطت على زر الاتصال برقم "مالك" للمرة المائة، ولشدة مفاجأتها، لم تسمع العبارة المسجلة المعتادة "هذا الهاتف مغلق"، بل بدأت النغمات تصدر معلنة أن هاتفه قد فُتح أخيراً بعد هبوط طائرته.
شهقت بلهفة، ووضعت الهاتف على أذنها بانتظار الرد، وهي تدعو الله في سرها ألا يصدها كالعادة.
على الجانب الآخر، واثناء قيادة "مالك" للسيارة بسرعة متوسطة على الطريق السريع، رن هاتفه الشخصي الموضوع بجانبه. نظر إليه بلمحة سريعة فوجد اسم "تولين" يضيء الشاشة. زفر بضيق ونفاد صبر، وضغط على زر الرد، وجاء صوته جافاً وعملياً كالعادة:
— أيوة يا تولين.. أنا في الطريق وداخل على المحور دلوقتي.. في حاجة مهمة حصلت في البيت؟
شعرت "تولين" بالإحراج والوجع من نبرته الجافة التي تخلو من أي اشتياق، وردت بنبرة صوت مبحوحة ومترددة:
— لا.. مفيش حاجة حصلت.. بس.. بس كنت بطمن عليك، وعايزة أعرف وصلت بالسلامة ولا لسه؟
لوى "مالك" فمه بسخرية وهو ينظر إلى الطريق أمامه، ورد بجفاء أشد:
— اطمني.. أنا بخير وراجـ...
وفجأة، قطعت كلماته حركة غريبة في السيارة. حاول "مالك" الضغط على دواسة الفرامل لتهدئة السرعة قبل الدخول في المنحنى، لكنه شعر بالفراغ! الدواسة هبطت حتى النهاية دون أي استجابة من السيارة، والسرعة بدأت تتزايد بشكل جنوني خارج عن السيطرة بفعل اندفاع المحرك.
تغيرت ملامح "مالك" في ثانية واحدة، واتسعت عيناه برعب حقيقي وهو يحاول ضخ الفرامل مراراً وتكراراً بلا جدوى. تلاشت نبرته الباردة وحل مكانها اضطراب أنفاسه العنيف. نسى وجود "تولين" على الخط، وهمس لنفسه بصوت مرتعب سمعه الهاتف بوضوح:
— العربية مفيش فيها فرامل!! الفرامل مقطوعة!!
على الطرف الآخر من الهاتف، كانت "تولين" تنتظر بقية جملته، إلا أن سماعها لهذه الكلمات جعل ضربات قلبها تزداد بعنف جنوني، وشعرت برعب شلّ أطرافها. هل ما سمعته للتو حقيقي؟! صاحت بنبرة هستيرية سادها الذعر:
— مالك!! مالك في إيه؟! سامعني؟! رد عليا يا مالك.. مالك!!!
لم يأتِها أي رد سوى صوت أنفاسه المتلاحقة وصوت صفير العجلات وهي تحتك بالأسفلت بعنف. كانت السيارة تسرع بترنح مخيف على الجانبين، تصطدم بالحواجز الخرسانية للطريق، و"مالك" يصارع المقود بكل ما أوتي من قوة لتفادي السيارات الأخرى، وعقله يصرخ باسم واحد: (طارق.. العربية دي بتاعة طارق!).
وفجأة.. جاءها الرد القاتل عبر الهاتف.
لم يكن صوتاً لـ"مالك"، بل كان عبارة عن صوت ارتطام مروع وهائل، يليه صوت انقلاب هيكل السيارة المعدني وتحطمه وتناثر الزجاج في كل مكان، كأن إعصاراً قد ضرب المكان.
تسمرت "تولين" في مكانها، وظلت تصرخ بأعلى صوتها، صراخ مزق سكون القصر والحديقة، وهي تضغط على الهاتف بكل قوتها:
— مااااااالك!!! رد عليا يا مالك عشان خاطري!! مالك متسبنيش!! ياااااا رب!! مااااالك!!
استمر صوت الضجيج والخراب يتدفق من الهاتف لثوانٍ معدودة، قبل أن ينقطع الخط تماماً ويحل محله صمت الموت. لم تحتمل "تولين" الصدمة؛ شعرت بالسماء تدور من حولها، واسودت الدنيا في عينيها، وسقطت مغشيا عليها فوق تراب حوض الورد، والهاتف يفلت من يدها ليرتمي بجوار الزهور النازفة.
بعد مرور ساعات مريرة في أحد المستشفيات الاستثمارية الكبرى بالقاهرة..
بدأت "تولين" تفتح عينيها ببطء وصعوبة بالغة بفعل تأثير المهدئات. كانت الرؤية مشوشة، وجسدها يرتعش بعنف. بدأت تتمتم باسمه بصوت ضعيف ومقطع وعيناها تجولان في سقف الغرفة الأبيض:
— مـ.. مالك.. رحت فين يا مالك؟.. متسبنيش.. مالك..
وفجأة، انتفضت من سريرها صارخة بذعر وهستيريا وهي تحاول نزع المحاليل من يدها:
— مالك مات!!! العربية اتقلبت بيه!! أنا سمعت الصوت!! مالك فين؟!
في تلك اللحظة، سارعت والدتها السيدة "فريدة" التي كانت تجلس بجوارها، وأخذتها بين أحضانها بقوة، تربت على ظهرها وتحاول تهدئة روعها وهي تبكي برقة:
— اهدي يا تولين.. اهدي يا بنتي وحبيبتي متخافيش.. مالك كويس والله العظيم! عايش والحمد لله.. كانت حادثة كبيرة وعدت، وهو فاق وبقى كويس وموجود في الأوضة اللي جنبك كمان! اهدي عشان خاطري.
سارعت "تولين" بالقيام رغم الضعف الشديد والدوخة التي تسيطر عليها، لكن المحاليل الطبية المركبة في يدها منعتها من الحركة بحرية. نظرت إلى أمها برجاء حار وعينين دامعتين:
— ماما.. أرجوكي ساعديني.. هاتي حد يفك المحاليل دي فوراً! أنا لازم أقوم.. لازم أروح الأوضة اللي جنبه وأشوفه بعيني واطمن عليه.. مش هيهدالي بال غير لما أشوفه!
نظرت السيدة "فريدة" إلى ابنتها بحيرة شديدة وأسف، وامتزجت ملامحها بالخوف، وقالت بنبرة مخنوقة:
— مينفعش يا بنتي تروحي له دلوقتي خالص.. مش هينفع.
تغيرت ملامح "تولين" إلى الرعب مجدداً، وقبضت على يد والدتها:
— يعني إيه مينفعش؟! هو مخبيين عليا إيه؟! مالك جرى له إيه يا ماما؟! أنا لازم أطمن عليه حالا!
صمتت والدتها تماماً، ونكست رأسها في الأرض، ولم تدرِ ما تقوله لها أو كيف تصدمها بالحقيقة المرة؛ خصوصاً بعد أن صرح الطبيب الجراح المختص منذ ساعة بضرورة بتر ساق مالك اليمنى فوراً نتيجة تهتك العظام والشرايين بالكامل في الحادث لإنقاذ حياته، ليصبح كبير عائلة "الراوي" وعملاق السوق عاجزاً بين ليلة وضحاها.
وما زاد الطين بلة، أن "مالك" فور إفاقته ومعرفته بالخبر، جن جنونه وقام بطرد الجميع بلا استثناء من غرفته في نوبة غضب عارمة، وحتى لو رحب بوجود أحد، فإن السيدة "شاهيناز هانم" (والدته) قد تولت الأمر؛ حيث منعت عائلة عاصم وفريدة من الاقتراب من الجناح تماماً، معلنة بغلّ وجنون أنهم "مصدر شؤم ونكد" على ابنها وبسببهم تدمرت حياته.
عجباً لهذه المرأة القاسية! ابنها في هذا الوضع الحرج بين الحياة والموت، وهي ما زالت تتحكم في كل شيء، وتكيل الاتهامات الباطلة لتصفية حساباتها القديمة وتوسيع الفجوة بين الإخوة.
أدى صمت السيدة "فريدة" وشرودها الحزين إلى وقوع "تولين" في قمة الانهيار النفسي؛ فبدأت تصرخ وتبكي ظناً منها أن "مالك" قد فارق الحياة وأنهم يخفون عنها الخبر. وفجأة، انفتح باب الغرفة ودخل "ياسين" ومعه زوجته "ليان"، وكانت رؤوسهما مطأطأة إلى الأرض، وعلامات الحزن الشديد ترتسم على وجهيهما.
تفاجأت "ليان" بإفاقة أختها، فسارعت نحو السرير واحتضنتها بقوة وهي تبكي:
— حمد الله على سلامتك يا تولين.. حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.
تمسكت "تولين" بملابس "ياسين" وهي تصرخ مستجيرة به:
— أرجوك يا ياسين.. أرجوك طمني على أخوك! مالك كويس صح؟ قولي الحقيقة أنت أخوه ومش هتخبي عليا! هو عايش ومش كدا؟
كان "ياسين" يحاول بكل قوته السيطرة على أعصابه وحبس دموعه وهو يرى انهيار ابنة عمه، فبلع ريقه بتوتر وسرد لها ما حدث بنبرة مهتزة:
— والله العظيم هو كويس وبخير وعايش يا تولين.. بس.. بس الموضوع مش سهل.
صاحت "تولين" بذعر وقلق نهش قلبها:
— بس إيه؟! اتكلم يا ياسين وقعت قلبي! بس إيه؟!
رد "ياسين" بتلعثم وتوتر شديد:
— مالك.. لما عرف إن العربية مفيهاش فرامل وهي داخلة على المقلب، حاول ينط من شباك العربية قبل ما تقع في المنحدر.. بس للأسف النطة كلها جت على رجله اليمين وتحت حديد الباب.. وده اتسبب في.. في بترها بالكامل.. مالك فقد رجله يا تولين.
هنا، صرخت "تولين" صرخة دوت في أرجاء المستشفى كلها، صرخة حملت كل وجع العالم:
— لااااااااا!! مالك لا!! مستحيل ده يحصل لمالك!! مالك بكبريائه وقوته يحصل له كدا؟! لا ده كابوس.. أنا عايزة أشوفه.. أرجوك يا ياسين خدني عنده حالا.. أنا لازم أكون جنبه ومعاه في وقت زي ده!
أمسكها "ياسين" من كتفيها برجاء حار وعينين دامعتين:
— اهدي يا تولين عشان خاطري.. مالك رافض إن أي حد مننا يدخل له تماماً، طرد الدكتور والممرضين وطردنا كلنا.. أرجوكي اعذريه، اللي حصل له مش سهل على راجل في مكانه وجبروته.. صدمته في نفسه أكبر من أي حاجة دلوقتي.
لكن "تولين" لم تهدأ أبداً، وظلت تصرخ في أرجاء الحجرة وتخبط بيديها على السرير منادية باسمه وبضرورة رؤيته والوقوف بجانبه. سارعت أمها "فريدة" وشقيقتها "ليان" بأخذها بين أحضانهما لتهدئتها وتثبيتها.
قالت السيدة "فريدة" محاولة اختراع كذبة بيضاء لتهدئة ابنتها وحمايتها من بطش شاهيناز هانم ومن جفاء مالك المتوقع:
— معلش يا تولين.. والله العظيم هو كويس، ولما الجرح يخف وتتركب له الساق الصناعية هيسمحلنا كلنا نشوفه.. هو بس سال عنك أول ما فاق وعرف إنك كنتي معاه على الخط، وخاف على مشاعرك وإحساسك ومحبش تشوفيه في الحالة دي عشان ميتعبش نفسيتك الفترة دي.. اهدي بقى يا بنتي.
استكانت "تولين" بين أحضان أمها بضعف وانكسار، ونزلت دموعها صامتة وحارقة، وقالت بنبرة مليئة بالمرارة واليقين المأساوي:
— لا يا ماما.. أنتي بتقولي كدا عشان تهديني.. مالك أساساً مبيحبنيش، ولا عمره اعتبرني جزء من حياته أو شريكة ليه.. أنا كنت مجرد إضافة هامشية لاسم العيلة، مش تكملة ليه.. أنا كان نفسي يطلبني أنا بالذات وأكون معاه وهو في ظروف زي دي لو كان ليا مكانة في قلبه.. بس هو شايفني نكرة.
نظرت السيدة "فريدة" إلى "ياسين" و"ليان" بقلة حيلة وحزن شديد؛ فهي تعلم في أعماقها أن ابنتها محقة تماماً في كل كلمة قالتها عن جفاء مالك، ولكن ماذا بيدها أن تفعل أمام أقدار فرضت نفسها بقسوة؟
أراد "ياسين" كسر هذا التابوت من النكد والانهيار، وحاول أن يقلب الأمور إلى مرح ومزاح كعادته وطبيعته، بالرغم من أن الحزن يعتصر قلبه على شقيقه الأكبر، فقال بنبرة حاول جعلها ساخرة ومصطنعة:
— لا والله كدا كتير أوي.. أنا هغير اسم العيلة من بكره وهسميكم عيلة "النكداوي" مش "الراوي"! ده أنتوا واخدين توكيل حصري في النكد والدموع في البلد دي! تعرفي يا بت يا شاهي.. أفت قصدي يا تولين.. أختك ليان دي لو جرى لي حاجة أنا، هتروح تدور لها على واد مز وتفلسع وتنسى اسمي في ثانية!
نظرت إليه "ليان" ببراءة مصدومة وحاجبين مرفوعين:
— أنا يا ياسين؟! ازاي تفكر فيا كدا وتقول الكلام ده قدامهم؟!
غمز لها "ياسين" بخبث ومداراة خفية لتجاريه في الحوار والحديث، حتى يضفيا البسمة على وجه "تولين" المكسور. أخيراً فهمت "ليان" خطته، وتنهدت قائلة باستمتاع ومجاراة:
— على العموم.. لو كنت عايزة واحد مز، كنت دورت عليه من زمان ومكنتش رضيت بيك يا ياسين بيه!
نسي "ياسين" أمر الخطة فجأة من غيرة رجولية، وعقد حاجبيه بحنق:
— قصدك إيه يا ليان بالظبط؟! مالي أنا بقى إن شاء الله؟
ردت "ليان" بابتسامة خبيثة:
— افهمها زي ما تفهمها يا "ياسوكا" بتاعي..
تدخلت السيدة "فريدة" في محاولة منها لمجاراتهم في المرح ورفع العبء عن تولين:
— يا أهلاً بالمجانين.. صدق اللي قال المجانين في نعيم، ربنا يسعدكم ويهدي سركم يا ولاد.
ابتسمت "تولين" بصعوبة بالغة من بين دموعها؛ فهم حقاً عائلتها ومن يهونون عليها المصاعب والمآسي في أشد الأوقات ظلمة.
أراد "ياسين" أن يترك لهم مساحة من الفضفضة الخاصة ببعضهم البعض كنساء، وفي نفس الوقت كانت لديه رغبة عارمة في التسلل والاطمئنان على شقيقه "مالك" والتحدث معه في ضرورة وجود خطيبته بجانبه. استأذن منهم بحجة واهية قائلاً:
— طيب يا جماعة.. أنا هروح أجيب شوية عصير دافي ومجمد من الكافتيريا تحت عشان ريقي نشف من الكلام.. مش هتحرك من هنا.
غادر "ياسين" الغرفة، وبمجرد خروجه، انهارت "تولين" مجدداً في البكاء، وظلت تلعن حظها الخايب وتعلن عن خوفها الدفين من عدم إتمام "مالك" لأمر الزواج بسبب هذه الإعاقة؛ فهي تعلم كبرياءه جاداً وعارفة ومتأكدة أن "مالك" سيعتبر زواجها منه الآن مجرد "شفقة"، وهو الرجل الذي حكم السوق بكلمة، لن يقبل بمثل هذه الشفقة أبداً ولو كان الثمن موته.
كانت شمس مطلع الفجر تشق عباب السماء بخيوطٍ ذهبية دافئة، تنعكس على جدران قصر "الراوي" الأثرية العتيقة كأنها تمهد الساحة لحدثٍ يترقبه التاريخ المالي والاجتماعي للبلاد. لم تكن هذه النسمات الصباحية لتمر برداً وسلاماً، بل كانت تحمل في طياتها ملامح إعصارٍ قادم من غياهب الصعيد، إعصارٍ لا يبقي ولا يذر، يوشك أن يزلزل عروشاً شُيدت في دهاليز لندن وروما.بفضل وثائق البراءة الجديدة القاطعة التي نسج خيوطها "آسر" بدهاءٍ محاسبي وفني لا غبار عليه من واقع الدفاتر السرية، ومصحوبةً بالتنازل الرسمي الموثق بالدم والمختوم بأختامٍ سيادية والذي قدمه "عبد السلام" باشا لإبراء ذمة زوج ابنته، تحطمت الأغلال. تم الإفراج عن "مالك الراوي" بالأصول الصارمة والوجاهة الاجتماعية الباذخة التي تليق باسمه؛ فلم يكن خروجه مجرد إخلاء سبيل عابر، بل كان زفة ملوكية، وموكباً مهيباً تناقلت أنباءه وكالات الأنباء بره وجوه مصر، ليعلن للجميع أن الصقر قد استرد سماءه، وأن القيد لم يكن إلا استراحة محارب.انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة للبهو الفسيح، ودخل مالك الراوي.كان دخوله أشبه بعاصفة صامتة تجتاح المكان برائحة السيطرة والرج
كان الصمت الذي أعقب دوي الطلقات الغامضة في ردهات القصر أشبه بسكون المقابر الذي يسبق البعث، صمتٌ ثقيل، لزج، تفوح منه رائحة البارود المحترق والأنفاس المحبوسة في غياهب الفزع. انقشعت غيابة الظلمة ببطء حين عادت الأضواء الخافتة لتداعب جدران المكتب الأبنوسي المغلق لـ "مالك الراوي". وعلى الأرض، كانت جثث المرتزقة الذين حاولوا التصفية ممددة بلا حراك، بعد أن باغتها رصاصٌ مجهول المصدر من النوافذ العلوية الشاهقة، بينما كانت "تولين" تقف مذهولة، كفها المخملية ما زالت متشبثة بقبضة عصا مالك الأبنوسية، وجسدها الممشوق يرتعش بعنفوانٍ يمزج بين رعب اللحظة وأنوثتها الطاغية التي لم يزدها الخطر إلا بريقاً وجاذبية. في تلك اللحظة الرهيبة، انفتح الباب الخشبي الضخم للمكتب ببطء يحمل هيبة جنائزية. دخل رجلٌ يجر خطاه بثقل، رجلٌ ترتعد الفرائص لرؤيته. كان يرتدي معطفاً صوفياً رصاصياً قديماً، ملامحه غائرة كأخاديد حفرها الزمن والقهر، ولحيته البيضاء الكثة تنطق بعقدٍ من العذاب والتواري. وقف في منتصف القاعة وسط ذهول "آسر" الذي تجمدت الدماء في عروقه، وشلل "ياسين" الذي كان جاثياً في زاوية الغرف
كان برج "الراوي" الإداري الشاهق ينطح سحاب العاصمة كمسلة من زجاج وفولاذ، يعكس أشعة الشمس الحارقة التي تبدو واهنة أمام برودة الصراع الدائر في ردهاته. في الطابق الخمسين، كانت قاعة الاجتماعات الكبرى لقطاع الموانئ مهيأة لاستقبال إحدى أخطر جلسات الجمعية العمومية الطارئة في تاريخ المجموعة. الطاولة البيضاوية المصنوعة من خشب الجوز النادر يحيط بها حيتان السوق، رجال أعمال ومستثمرون كبار تلمع في عيونهم شهوة الانقضاض على فريسة جريحة غاب أسدها. كان الهواء مشحوناً بذكورة طاغية غاشمة، ونظرات الشماتة تتربص بالكرسي الشاغر في رأس الطاولة. وفجأة، انفتحت الأبواب الهيدروليكية الضخمة، ودخلت "تولين". لم تكن تسير، بل كانت تطأ الأرض بكبرياء ملوكي وخطوات مدروسة بدقة تزلزل قلوب الحاضرين. كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء حادة الخطوط، مستوحاة من رداء القادة، تلتف حول جسدها الممشوق بدقة متناهية، مبرزة بياض بشرتها المرمرية النقي وعنقها المشرئب بعناد أرستقراطي باذخ. وجهها الرخامي خلا من أي مساحيق تجميل مبالغ فيها، تاركةً لعينيها الصقريتين، اللتين تفيضان بنقاء شرس وذكاء حاد، مهمة إرهاب الحضور. كانت ت
لم تكن الطرقات المؤدية إلى مقر الاحتجاز السري سوى دهاليز من الصمت والوجوم، ممرات معتمة تفوح منها رائحة الرطوبة والحديد البارد، كأنها نفق ممتد نحو الجحيم. غير أن "تولين" كانت تسير في تلك الممرات كملكة منيفة تسير نحو عرشها المستباح، واثقة الخطى، برغم الخفقان الرعديد الذي كان يخلع قلبها بين الضلوع. لقد استخدمت كل ما تملكه عائلتها الأرستقراطية العريقة من نفوذ قانوني باذخ، وعلاقات ضاربة في جذور السلطة والقضاء الدولي، لتنزع هذا اللقاء الاستثنائي، منفرداً، بعيداً عن عيون الرقباء وآذان المخبرين.كانت ترتدي ثوبها الأسود الحازم، الذي بات بمثابة درعها الفولاذي وجناحها الكاسر؛ ثوب يبرز بياض بشرتها المرمرية التي ازدادت شحوباً بفعل السهر واللوعة، لكنه كان يعكس أيضاً عناداً أرستقراطيًا لا يقبل الانكسار.انفتح الباب الحديدي الثقيل بصريرٍ يمزق نياط القلوب، لتدخل إلى غرفة التحقيق المعتمة، الإضاءة شحيحة، تنبعث من مصباح عارٍ متدلٍ من السقف، يسلط ضوءاً مخروطياً أصفر على وسط القاعة. وهناك، في قلب تلك الظلمة الموحشة، رأته.كان "مالك الراوي" مصلوب القامة كعاداته، كالنخلة العاتية التي ترفض أن تن
خيّم الليل على قصر "الراوي" ككفنٍ أسود حواشيه الوجوم، وانزاحت جلبة المزاد البغيض وتفرق الحاقدون والشامتون، ليتركوا خلفهم فراغاً يئن في ردهات القصر كريحِ صرصرٍ عاتية. لأول مرة منذ تلك الليلة المشؤومة التي عُصف فيها بأركان الإمبراطورية، وجدت "تولين" نفسها وحيدة، تماماً، في الجناح الرئيسي. ذلك الجناح الذي كان يوماً حصناً منيعاً للحب والسطوة، ومحارباً لا تدخله خطوب الدهر، استحال الآن إلى مساحة شاسعة من الصمت الموحش والبرودة الهالكة.وقفت تولين في منتصف الغرفة، وجسدها الممشوق يبدو ضئيلاً تحت سقفها الشاهق الارتفاع. تلاطمت في أعماقها أمواجٌ عاتية من الصراع النفسي المرير؛ كانت تشعر بأنها امرأة تُركت عارية بلا غطاء في مهب العاصفة، يُطاردها شبح خوفٍ جارف على زوجها، وحبيبها، وسيد قلبها "مالك" المقبع وراء جدرانٍ مصمتة لا ترحم. كان عقلها يصور لها السجون بظلمتها وقسوتها، بينما كان كبرياؤها يرفض أن يرى "الراوي" مكبلاً. أهذا هو الرجل الذي كان بكلمة واحدة منه يُزلزل عروش المال؟ أهذا الذي كانت هيبته تسبق خطاه؟ كيف للأقدار أن تجرؤ على مَسّ طوده؟تحركت بخطواتٍ وئيدة، ثقيلة، كأنما تجر خلفها سلاس
كان البهو الفسيح في قصر "الراوي" يغرق في دثارٍ من الألق الأرستقراطي الباذخ؛ الثريات الكريستالية المتدلية كعناقيد من نورٍ مصفى تعكس بريقها على الأرضيات الرخامية المصقولة، ورجال المال والأعمال، حيتان البورصة الذين تحرك إيماءاتهم مؤشرات الأسواق العالمية، يتنقلون كأشباحٍ أنيقة يتبادلون همسات الصفقات والمليارات. وفي قلب هذا المحفل، كان "مالك الراوي" يقف كطودٍ شامخ لا تزعزعه عواصف الأرض، مستنداً بكفه العريضة ذات العروق النافرة على مقبض عصاه الأبنوسية ذات الرأس الفضي المصاغ على هيئة صقرٍ كاسر. كانت عيناه الحادتان، بلونهما القاتم وعمقهما المخيف، تجوبان المكان بيقين ملكٍ يجلس على عرشٍ شُيّد من جماجم الخصوم.وعلى مقربةٍ تلتصق به أنفاسها، كانت "تولين".كانت تولين في ذلك المساء تجسيداً حياً لفتنةٍ إغريقية تمردت على لوحات الطين؛ جسدها الممشوق، المرن كغصن ياسمين في مهب نسيم مائع، يلتف بثوبٍ مخملي أسود يبرز بياض بشرتها المرمرية التي تكاد تشفّ عما تحتها من نبضٍ هائج. كانت تفيض برومانسية فطرية، تمزج بين رقة الأنثى وعنفوان الكبرياء. كانت عيناها تسافران في تفاصيل وجه مالك، تقرأ خطوط جبهته العر
تلوّن جناح النوم الرئيسي بقصر جاردن سيتي بالقاهرة بظلال الليل الساجي عند الساعة الحادية عشرة مساءً، وبدت الأركان الفسيحة المبطنة بخامات خشب الماهوجني الداكن كأنها تتنفس الصعداء بعد سلسلة من الحروب النفسية الشرسة وحرب الضرائر التي زلزلت أركان عائلة الراوي التاريخية. تلاشت حدة الصخب وجلبة الخدم في
تسللت تباشير الصباح الأولى عبر النوافذ الفرنسية الشاهقة لقصر جاردن سيتي بالقاهرة، ساكبة نوراً رمادياً شاحباً وجافاً فوق الرخام الإيطالي، ليعلن بداية يوم جديد لم يحمل معه سوى امتداد للجفاء البارد الذي ضرب أركان الجناح الرئيسي طوال الليل. كان الهواء الأرستقراطي داخل الغرفة الفسيحة الفخمة ثقيلاً، لز
امتدت عتمة الليل فوق قصر جاردن سيتي بالعاصمة كأنها غلاف لزج من الرصاص البارد، ولم يعد هناك ما يتحرك في الممرات الشاهقة ذات الأعمدة الرخامية سوى الصدى المكتوم لوقع الأقدام الوجلة. كان الجفاء البارد الذي ضرب أركان الجناح الرئيسي قد تفشى في أروقة القصر بالكامل، ليحيل الهواء الأرستقراطي إلى رطوب
مال آسر بجسده للأمام، ونظرت عيناه بتركيز شديد نحو ملامح الإمبراطور الصارمة، ونطق بالسر المدفون الذي قلب موازين حرب الضرائر بالكامل: — الثغرة في شروط العقد الدولي نفسه يا باشا.. شاهيناز هانم اشترطت استمرار العقد السري لحماية أصول الموانئ بشرط إن غادة تصون اسمك وتفضل على ذمتك قانوناً في ا







