LOGINأمضى تشارلي سنواتٍ طويلة وهو يكره إيلينا، معتقدًا أنها المرأة التي دمّرت حبَّه الأول، والتي لم تكن سوى شقيقة إيلينا الصغرى. أُجبرت إيلينا على العيش في زواجٍ قاسٍ، مليء بالإهانة والجفاء، فاختارت أن تتحمّل كل شيء بصمت حتى اليوم الذي تخلّى عنها فيه تشارلي بورقة طلاق. بعد خمس سنوات، عادت إيلينا بصفتها رئيسة تنفيذية نافذة، يرافقها ابنها الصغير الاستثنائي، وقلبٌ لم يعد تشارلي قادرًا على الوصول إليه. لكن عندما انكشفت أخيرًا الأسرار المذهلة التي أخفاها الماضي، أدرك تشارلي أن المرأة التي ظل يعشقها طوال تلك السنوات قد خانته... بينما كانت المرأة التي حطّمها هي نفسها التي ظلّت تنقذه طوال الوقت. والآن، وقد أثقل الندم قلبه بلا نهاية، يتوسّل تشارلي الصفح. لكن، ولسوء الحظ، لم تعد إيلينا ملكًا له.
View Moreكان هواء الليل في جنيف يبدو متجمداً خلف الجدران الزجاجية للمكتب المؤقت لشركة "ألتير للوجستيات". وعلى مكتب العمل المكتظ بأكوام من تحليلات السوق، كانت هناك صحيفة اقتصادية دولية صادرة من المدينة (ب) تعرض صورة لإيلينا وهي تغادر مطعم "لامبروزي" برفقة ويليام فانغارد. وقد تكهن المقال المنشور أسفل الصورة علانية بطبيعة العلاقة الوثيقة بين عملاقي المال والأعمال، بما في ذلك تقارير تفيد بأن ويليام زار مدرسة ليو الفاخرة عدة مرات بهدف كسب ود الصغير.سرى الخبر كالنار في الهشيم، ليصيب صدر تشارلي بغصة ألم لا تطاق. غير أن انكسار قلبه هذه المرة كان مختلفاً تماماً عما مضى؛ فبينما كان شعوره بالذنب في الماضي يجعله يتمنى الموت مستسلماً، كان اشتعال الغيرة وخوفه من أن يحل رجل آخر محله في أبوة طفله يمزقان روحه الآن. لم يتوقف تشارلي عن العمل طوال الأيام الثلاثة الماضية، بل دفن نفسه بين الأرقام ومفاوضات سلاسل الإمداد بغية تسريع نهوض "ألتير".دُفع باب غرفة العمل بخفة، ودلف راي حاملاً صينية عليها حساء عيش الغراب الدافئ، وهو الوجبة المفضلة لرئيسه.وضع راي الصينية على الجانب الشاغر من المكتب، ونظر بقلق إلى علامات ال
بدأ الصباح في قصر إيلينا الفاخر في المدينة (ب) بحركة دؤوبة يلفها الهدوء. وفي البهو الرئيسي المهيب، بدت إيلينا في غاية الأناقة وهي ترتدي حُلّة رسمية من قطعتين بلون عاجي، وقد رفعت شعرها بعناية في كعكة متناسقة، فغدت تنضح بهالة تجمع بين سطوة سيدة الأعمال ونعومة المرأة الفاتنة. كانت تجثو على ركبتيها أمام ليو، وتصلح ياقة زي الروضة الخاص بوعلها الصغير بدفء حانٍ يتناقض تماماً مع طبيعتها الباردة التي تبديها للعالم الخارجي.دُقّ الباب الأمامي خِفية، ودلفت آريا وهي تمسك بجهازها اللوحي. تباطأت خطواتها برهة حين وقفت على هذا المشهد المتناغم بين الأم وطفلها، لكنها سرعان ما اقتربت بمهنية معهودة.انحنت آريا باحترام قائلة: "سيدتي،" ثم رمقت ليو بابتسامة عذبة وأردفت: "سيارة السيد الصغير ليو بانتظاره في الخارج."تحدث ليو بلكنته الطفولية اللثغاء المحببة وهو يودعها: "أمي... أنا ذاهب إلى المدرسة الآن." وطبع قبلة حانية على وجنة إيلينا قبل أن ينطلق بهرولة خفيفة نحو سيارة الحراسة التي ستقله.وقفت إيلينا، وتابعت بنظراتها طفلها الراحل حتى توارت السيارة خلف البوابة الكبيرة. وما إن أُغلق الباب، حتى تلاشت معالم الدف
كانت الليلة في المدينة (ب) تبدو غارقة في صمت مطبق وبرودة قارسة خلف الجدران الزجاجية للمقر الرئيسي لشركة "إيثيل كورب". وفي الطابق العلوي من ذلك البرج الشاهق، وقفت إيلينا تتأمل أضواء المدينة المترامية الأطراف، والتي كانت تتلألأ كبحر من النجوم الاصطناعية. وعلى مكتبها، كانت التقارير المالية للربع الثاني تُظهر أرقام نمو خيالية؛ إذ أصبحت تجارتها في مجال مستحضرات التجميل والعناية بالأعشاب رسمياً عملاقاً لا يُقهر في السوق المحلية.لقد امتلكت كل شيء؛ السلطة، والثروة، والاحترام المطلق من عالم المال والأعمال. ومع ذلك، وفي جوف هذا السكون الليلي، كان يتردد في أركان قلبها الخاوي صدى من الماضي. فبين الحين والآخر، كانت تمر ببالها دون استئذان نظرة عينين صقريتين تخصان تشارلي فين؛ الرجل الذي تؤمن تماماً بأنه بات مدفوناً تحت ثرى القارة الأوروبية البارد.التفتت إيلينا ببطء، وتوجهت بخطواتها نحو الأريكة الجلدية السوداء حيث كانت آريا ترتب بعض ملفات العمل.كسرت إيلينا الصمت قائلة بصوت نقي يحمل برودة غريبة: "آريا، جَدولي رحلة طيران إلى فرنسا الأسبوع المقبل. أريد زيارة المقبرة العامة في هافر."توقفت يد آريا عن
مرت ستة أشهر على تلك الليلة العصيبة في زوريخ. وكان خريف عليل يلف الآن أرجاء عيادة خاصة للعلاج الطبيعي في ضواحي مدينة جنيف، تتسم بالهدوء والسكينة. وفي داخل غرفة التدريب المطلوبة على حديقة اكتست أشجار القيقب فيها باللون الأحمر، كان تشارلي واقفًا يستند إلى متوازيين حديديين.لم يعد القميص القطني الأبيض الذي يرتديه يبدو فضفاضًا عليه كما كان في السابق؛ فبفضل نظام غذائي صارم، وعلاج مكثف للرئتين، وتمارين بدنية لا تعرف الكلل، بدأ جسده الذي كان هزيلًا ونحيلًا يستعيد بنيته المتماسكة وقامته الممشوقة تدريجيًا.وجهه طبيب العلاج الطبيعي المحلي الذي كان يشرف عليه قائلًا: «خطوة أخرى بعد يا سيد فين. احبس أنفاسك، ثم ازفر ببطء.»سحب تشارلي نفسًا عميقًا وطويلًا. لم يعد يشعر بأن رئتيه تُغرزان بآلاف الإبر، بل كان الأكسجين يتدفق بسلاسة أكبر، ويبث الطاقة في كل خلايا جسده التي عانت خدرًا طويلاً. وبدَفعة واثقة وثابتة من قدمه، خطا إلى الأمام متخليًا عن دعم القضبان الحديدية، ونجح في الوقوف شامخًا معتمدًا على قوته الخاصة.أثنى عليه الطبيب وهو يدون مؤشرات التطور على لوح الكتابة بيده: «مذهل حقًا يا مسيو فين. إن التق





