إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)

إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)

last updateآخر تحديث : 2026-06-15
بواسطة:  إيمان فاروقتم تحديثه الآن
لغة: Arab
goodnovel4goodnovel
10
4 تقييمات. 4 المراجعات
30فصول
243وجهات النظر
قراءة
أضف إلى المكتبة

مشاركة:  

تقرير
ملخص
كتالوج
امسح الكود للقراءة على التطبيق

الأم هى الصخرة التي تقف متأهبة من أجل إسنادك، هى الصديق الحقيقي الذي يزيذ في وفاءه لك ولا يتغير مع تغير وتقلب الزمان ، هى النجمة اللامعة في العالم المظلم المحيط بك وبغض النظر عن صعوبة الأمور في بعض الأحيان الا أنها تظل دائمًا موجودة من أجل الحماية والدفاع عن أولادها فهى جنة الله فالأرض فنبع حنانها يفيض ، فهى تعطي دون النظر إلى اي مقابل. اللهم أجعل أمي من سيدات أهل الجنة واحفظها من كل سوء وأمهات الجميع. آمين يا رب العالمين ،،

عرض المزيد

الفصل الأول

الفصل الاول (نبذة من الماضي)

كانت السيدة فريدة تجلس في ركن غرفتها الصغير، تضم طرف شالها بين أصابع مرتجفة، بينما عيناها معلقتان في الفراغ وكأنهما تبحثان عن شيء ضاع منها منذ سنوات طويلة. كان الليل ساكنًا من حولها، إلا أن ضجيج الذكريات بداخلهـا كان أعلى من أي صوت. تنهدت ببطء، ثم أغمضت عينيها لتسحبها الذاكرة إلى زمن بعيد، زمن لم تستطع الهروب منه مهما حاولت.

كانت فريدة تجلس وحدها في صمت ثقيل، كأن المكان قد انكمش حولها ليحاصرها داخل دائرة من الذكريات التي لا تهدأ. الضوء الخافت في الغرفة كان ينسحب ببطء على الجدران، بينما ظل عقلها عالقًا في أماكن بعيدة لا يصل إليها الحاضر. لم تكن ترى ما حولها بقدر ما كانت ترى ما بداخلها؛ صور قديمة تتقاطع، وأصوات غائبة تعود بلا استئذان، ووجع لم يبهت مهما مر عليه الزمن.

منذ سنوات طويلة، تعلمت فريدة أن بعض اللحظات لا تموت، بل تتحول إلى جزء ثابت من الروح، يوقظك في أكثر الأوقات هدوءًا ويأخذك إلى حيث لا تريد. كانت تحاول دائمًا أن تبدو قوية، أن تمضي في حياتها كما لو أن شيئًا لم يحدث، لكنها في كل مرة تغلق فيها عينيها، يعود ذلك اليوم بكل تفاصيله، بكل صوته، وبكل الألم الذي تركه خلفه.

اليوم، وبينما تجلس بهذا السكون، شعرت أن الذاكرة تفتح أبوابها من جديد دون رحمة. لم تستطع المقاومة، ولم تحاول حتى. فقط أطلقت لنفسها العنان لتسقط مرة أخرى في ذلك الماضي الذي غير حياتها إلى الأبد… إلى اليوم الذي بدأت فيه النهاية دون أن تدري فخمسة من الأبناء لم يستطيعوا الحفاظ عليها في زمن قل فيه البر.

عودة إلى الماضي...

منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، كانت تقف أمام غرفة العناية المركزة في إحدى المشافي الحكومية، وجسدها كله يرتجف كغصن يواجه عاصفة قاسية. رائحة المطهرات تخنق صدرها، وأصوات الأجهزة الطبية المتداخلة كانت تضرب قلبها بالخوف مع كل ثانية تمر.

كانت تراقب حركة الأطباء والممرضات بقلق مرعب، تلمح الوجوه المتجهمة والهمسات السريعة والنظرات التي تُخفى خلفها الحقيقة. شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها، فتقدمت بخطوات مرتبكة نحو إحدى الممرضات، وتشبثت بطرف زيها الأبيض وهي تقول بصوت مرتعش يكاد يختنق:

— لو سمحتي يا نرس... بالله عليكِ قولي لي في إيه بيحصل جوه؟ جوزي ماله؟ طمنيني.

نظرت إليها الممرضة بحرج واضح، ثم أشاحت بعينيها سريعًا، وكأنها عاجزة عن مواجهة ذلك الرجاء المكسور في عيني فريدة. قالت بصوت منخفض:

— بصراحة... حالته مش مستقرة. بس إن شاء الله خير... ادعيله بس.

كادت الكلمات تسقطها أرضًا، لكنها تماسكت بصعوبة حين شعرت بمجموعة صغيرة من الأيدي تلتف حولها. التفتت لتجد أبناءها يقفون خلفها كالعصافير المبتلة بالمطر.

كانت ابنتها الصغيرة تبكي بحرقة وهي تمسك بعباءتها قائلة: ماما... بابا هيموت؟

ارتجف قلبها بعنف، لكنها انحنت بسرعة تحتضن الصغيرة إلى صدرها، ثم مدت يدها تضم بقية أبنائها حولها. كان أحد الصبيان يخفي دموعه محاولًا التظاهر بالقوة، بينما وقفت ابنتها الكبرى تبكي بصمت وقد احمر وجهها من شدة القهر.

أما كمال... فكان واقفًا بعيدًا قليلًا، جامد الملامح، شاحب الوجه، ينظر نحو باب العناية المركزة وكأن روحه معلقة خلفه. لم يكن قد تجاوز العشرين من عمره، ومع ذلك بدت فوق كتفيه فجأة أثقال عمر كامل.

مسحت فريدة دموعها سريعًا، ثم قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:  ادعوا لبابا يا ولاد... بابا قوي وهيقوم. لازم نكون أقوى عشانه.

لكن صوتها نفسه كان يرتجف من الداخل.

مرت الدقائق ثقيلة كأن الزمن توقف تمامًا. كل ثانية كانت تعصر قلبها أكثر. كانت تتذكر ضحكاته، صوته وهو يناديها، جلسته المعتادة وسط أولاده، وشكواه الدائمة من تعب العمل، ثم تعود لتنظر لذلك الباب المغلق فتشعر برعب لم تعرفه طوال حياتها.

وفجأة خرجت ممرضة مسرعة تنظر حولها قبل أن تقول: 

ــ مدام فريدة... جوز حضرتك عايز يشوفك إنتِ وابنه كمال.

شعرت أن الدم انسحب من وجهها دفعة واحدة. نظرت إلى كمال الذي تجمد مكانه، ثم أمسكت يده بقوة وكأنها تستمد منه الشجاعة، واتجهت معه نحو الغرفة.

ما إن دخلت حتى شعرت أن قلبها انكسر.

كان زوجها ممددًا فوق السرير، وجهه شاحب بصورة موجعة، وأنفاسه متقطعة بصعوبة، بينما تحيط به الأجهزة من كل جانب. لم يكن ذلك الرجل القوي الذي عرفته طوال عمرها، بل بدا كمن أنهكته الحياة تمامًا.

اقتربت منه بسرعة، وانحنت تمسك كفه البارد بين يديها وهي تقول وسط دموعها: 

_ ألف سلامة عليك يا حبيبي... إن شاء الله هتقوم لينا بالسلامة.

فتح عينيه بصعوبة ونظر إليها طويلًا، نظرة ممتلئة بحزن ووداع لم تستطع احتماله. ثم قال بوهن:  _معلش يا فريدة... تعبتك معايا..حقك عليا.

انفجرت بالبكاء وهي تهز رأسها بقوة: 

_ متقولش كده يا أبو كمال... إنت عمرك ما تعبتني. دا إنت السند وشريك العمر كله... وربنا هيشفيك وترجع لينا.

ابتسم ابتسامة باهتة موجوعة، ثم قال بصوت متقطع: 

_ كان نفسي أفضل جنبكم... بس أمر ربنا مفيش منه مفر.

شهقت وهي تضغط على يده أكثر: 

_ لا... متقولش كده... بالله عليك متقولش كده.

لكن عينيه كانتا تخبرانها بالحقيقة التي يهرب منها الجميع.

التفت بعدها بصعوبة نحو كمال، الذي وقف عاجزًا عن الاقتراب، وكأن قدميه فقدتا القدرة على الحركة.

أشار إليه الأب بضعف: 

_ تعالى يا كمال.

اقترب الشاب أخيرًا، وعيناه ممتلئتان بالدموع التي حاول عبثًا منعها.

نظر الأب إليه طويلًا، ثم قال: 

_ خلي بالك من أمك... إخواتك البنات أمانة في رقبتك... والصبيان خليك ليهم أب قبل ما تكون أخ.

أومأ كمال برأسه سريعًا، لكنه لم يستطع الكلام. شعر وقتها أن طفولته انتهت فجأة في تلك الغرفة الباردة. في لحظة واحدة فقط صار مطالبًا أن يحمل بيتًا كاملًا فوق كتفيه.

رفع الأب يده المرتجفة وربت بها على ذراع ابنه بصعوبة، ثم عاد ينظر إلى فريدة نظرة أخيرة طويلة، كأنه يحاول حفظ ملامحها داخل قلبه قبل الرحيل.

كانت أنفاسه تزداد اضطرابًا، وصوت الأجهزة يعلو بصورة مخيفة.

همست فريدة وهي تبكي بانهيار: 

_ متسبنيش يا حاج... بالله عليك متسبنيش لوحدي.

حاول الرد، لكن الكلمات خرجت متقطعة ضعيفة، ثم بدأت شفتاه تتحركان بالشهادة.

— أشهد أن لا إله إلا الله... وأشهد أن محمدًا رسول الله...

وبعدها... ساد الصمت.

صمت ثقيل مرعب..تبدلت أصوات الأجهزة فجأة، واندفع الأطباء إلى الداخل بسرعة، بينما تجمدت فريدة في مكانها تحدق فيه بعينين فارغتين.

كانت تشعر أن العالم كله انهار فوق رأسها في تلك اللحظة.

صرخت باسمه وهي تهزه: 

_ أبو كمال!... رد عليا... بالله عليك رد عليا! هتسبني وتسيب ولادك لمين؟

صرخات وعويل ولا تجد صوت سوى صراخ الأبناء الذين يبكون ويناشدون أباهم بالعودة من أجلهم.

لكن الروح كانت قد صعدت إلى بارئها، تاركة خلفها امرأة تحطم قلبها، وشابًا أُلقيت فوقه مسؤولية عمر كامل فوق عمره، وأطفالًا لم يفهموا بعد لماذا اختفى الأمان من حياتهم فجأة.

ومنذ تلك الليلة... لم تعد فريدة كما كانت أبدًا.

في ليلة واحدة فقط، وجدت نفسها مطالبة أن تكون الأم والأب، السند والقوة، والكتف الذي يحتمي به الجميع رغم أنها كانت أكثرهم انكسارًا.

فتحت عينيها أخيرًا وعادت إلى واقعها، بينما دمعة ساخنة انزلقت فوق وجنتها بصمت، وكأن السنوات الطويلة لم تستطع أبدًا أن تمحو وجع تلك الليلة.

توسيع
الفصل التالي
تحميل

أحدث فصل

فصول أخرى

المراجعات

Soly fadel
Soly fadel
اسلوب رائع ومشوق
2026-06-03 03:42:00
0
0
Soly fadel
Soly fadel
جمييييييييل
2026-06-01 13:42:06
1
0
أسماء حميدة
أسماء حميدة
أنصح بقراءتها
2026-05-18 13:17:29
1
0
إيمان فاروق
إيمان فاروق
قراءه ممتعة
2026-05-07 11:00:10
1
0
30 فصول
الفصل الاول (نبذة من الماضي)
كانت السيدة فريدة تجلس في ركن غرفتها الصغير، تضم طرف شالها بين أصابع مرتجفة، بينما عيناها معلقتان في الفراغ وكأنهما تبحثان عن شيء ضاع منها منذ سنوات طويلة. كان الليل ساكنًا من حولها، إلا أن ضجيج الذكريات بداخلهـا كان أعلى من أي صوت. تنهدت ببطء، ثم أغمضت عينيها لتسحبها الذاكرة إلى زمن بعيد، زمن لم تستطع الهروب منه مهما حاولت.كانت فريدة تجلس وحدها في صمت ثقيل، كأن المكان قد انكمش حولها ليحاصرها داخل دائرة من الذكريات التي لا تهدأ. الضوء الخافت في الغرفة كان ينسحب ببطء على الجدران، بينما ظل عقلها عالقًا في أماكن بعيدة لا يصل إليها الحاضر. لم تكن ترى ما حولها بقدر ما كانت ترى ما بداخلها؛ صور قديمة تتقاطع، وأصوات غائبة تعود بلا استئذان، ووجع لم يبهت مهما مر عليه الزمن. منذ سنوات طويلة، تعلمت فريدة أن بعض اللحظات لا تموت، بل تتحول إلى جزء ثابت من الروح، يوقظك في أكثر الأوقات هدوءًا ويأخذك إلى حيث لا تريد. كانت تحاول دائمًا أن تبدو قوية، أن تمضي في حياتها كما لو أن شيئًا لم يحدث، لكنها في كل مرة تغلق فيها عينيها، يعود ذلك اليوم بكل تفاصيله، بكل صوته، وبكل الألم الذي تركه خلفه.اليوم، وبين
last updateآخر تحديث : 2026-05-07
اقرأ المزيد
الفصل الثاني (عودة إلى الواقع)
عودة إلى الحاضر...وقفت فريدة في اشتياق أمام صورة فوتوغرافية كبيرة تحتل واجهة غرفة المعيشة، تلك الغرفة التي أصبحت عالمها الخاص ومقرها الدائم، تقضي فيها أغلب أوقاتها تستعيد ذكرياتها معه؛ ذلك الزوج الذي كان خير أنيس وجليس، ورفيق رحلة عمر طويلة تشاركا خلالها تربية الأبناء، وعاشا معًا حلو الحياة ومرارتها. وبرغم ما مرّا به من أزمات ومشكلات، ظل دائمًا السند الحقيقي لها، حتى لاقى لقاء ربه منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.رحل وتركها تجاهد وحدها مع الأبناء، فلم يحضر من أفراحهم سوى زفاف ابنهما الأكبر كمال، وابنتهما ابتهال. وبعد رحيله، ساندت هي ابنها الأوسط رأفت حتى أتم زواجه، ثم ابنتها الصغرى رهف، وها هي اليوم تجاهد مع ابنها الأخير السامر، وقلبها يتمنى أن تفرح بزواجه هو الآخر، غير عابئة بما تشعر به من هجرٍ وبُعد، فما دام سيكون بخير فذلك وحده يكفيها.أنهت قراءة بعض آيات القرآن، وأتبعتها ببعض الأدعية والأذكار، ثم اتجهت نحو أريكتها المفضلة لتستريح قليلًا قبل أن تبدأ يومها المعتاد.نهضت بعد ذلك لتصنع فنجانها اليومي من الشاي الممزوج بالحليب، محاولة أن تكبت داخلها حزنها الدفين ولوعتها مما اقترفه أبناؤها ف
last updateآخر تحديث : 2026-05-07
اقرأ المزيد
الفصل الثالث (صدمة أم)
أجابتها الأم بحبور واضح:_ لا يا حبيبتي، تعالي إنتِ بس وملكِيش دعوة بأي حاجة. أنا بخلي أم سعد، جارتنا، تشتريلي كل اللي محتاجاه متوضب وجاهز للحشو، والست بصراحة مبتتأخرش أبدًا، ومرات ابنها سعد بتجيبلي الطلبات لحد البيت، ربنا يسعدهم زي ما بيساعدوني.ثم أكملت بابتسامة ممتنة لبعض احبائها:_ وكمان هيام ومرات عمك بيساعدوني كتير و معايا على طول.ظلت تتجاذب أطراف الحديث مع ابنتها، تبثها حنانها من خلف شاشة الهاتف، بينما قلبها يتوق لاحتضانها ولملامسة وجهها الذي اشتاقت لكل تفصيلة فيه. كانت رهف الوحيدة التي ما زالت تمنحها شعور الأمومة الحقيقي، رغم المسافات والغربة التي تفصل بينهما.استمر حديثهما لأكثر من ساعة، حتى استيقظ شاب متوسط الطول، وسيم الملامح إلى حد كبير، يرتدي ملابس منزلية بسيطة، وشعره مبعثر من أثر النوم. اقترب من والدته ليظهر خلفها في إطار المكالمة، ثم بدأ يداعب أخته بنظراته المرحة وهو يلوح لها بيديه: _روفي الجميلة عاملة إيه؟ وحشتيني.بادلته رهف النظرات نفسها، ثم غمزت له بمشاكسة: _سمور عامل إيه يا راجل؟ إيه اللي صحاك بدري كده؟ كنت لسه هقطع في فروتك مع ماما.لوّح سامر بيديه باعتراض ساخر:
last updateآخر تحديث : 2026-05-07
اقرأ المزيد
الفصل الرابع (حزن)
هل ستستجدي العطف منهم؟ أم إنها ستترفّع عن هذا الألم الذي ينهش قلبها بصمت؟ابتسمت فريدة بسخرية مريرة من الأقدار التي وضعتها في مثل هذا الموقف. هي نفسها التي كان رأيها يومًا نافذًا لا يُرد، وكلمتها مسموعة بين أبنائها، ها هي اليوم تشعر أن وجودها أصبح هامشيًا، وأن رأيها لم يعد يُؤخذ بعين الاعتبار.هل للأم حق في العتاب أصلًا؟أم أنها خُلقت فقط لتسامح، وتحتوي، وتتجاوز؟وهل يحق لها أن تقف أمام رغبة أحد أبنائها، رافضة هذا الارتباط أو ذاك؟ أم أن دورها أصبح يقتصر على الصمت، ومجاراة قراراتهم مهما آلمتها؟ليتها تستطيع التماسك أكثر من ذلك...فما فعله سامر لم يكن هينًا على قلبها كأم. ربما لم يرتكب جريمة، لكنه طعن إحساسها بالمكانة داخل حياته، حين أخفى عنها خطوة مهمة كهذه.جلست صامتة بعد انتهاء مكالمتها مع رهف، بينما سامر يقف أمامها مترددًا، ينتظر منها أن تسمح له بالكلام. رفعت عينيها إليه للحظة، ثم همست داخلها بألم:_للدرجادي مبقاش ليا لازمة وسطكم يا ولادي؟حركت رأسها بأسى، ثم التزمت الصمت.أما سامر، فبرغم خطئه، لم يكن يرى نفسه مذنبًا بالصورة التي تتخيلها والدته. كان فقط يحاول أن يختار حياته بطريقته،
last updateآخر تحديث : 2026-05-07
اقرأ المزيد
الفصل الخامس (آسف غير مرضي)
ليست كل الخيبات تأتي من الأغراب، فبعضها يولد داخل البيوت التي أفنينا أعمارنا نبني دفئها بأيدينا، حتى إذا ما اشتد بنا التعب اكتشفنا أننا نقف وحدنا أمام جدران باردة لا تشبه ما حلمنا به يومًا.كانت فريدة تظن أن سنوات التضحية الطويلة كفيلة بأن تزرع داخل قلوب أبنائها شيئًا من الوفاء، وأن ذلك البيت الذي جمعت شتاته بعد رحيل زوجها سيظل عامرًا بالمحبة مهما تبدلت الظروف. لكنها مع مرور الأيام بدأت تدرك أن الزمن قادر على تغيير النفوس، وأن الأولاد الذين كانوا يلتفون حولها يومًا صار لكل منهم عالمه الخاص الذي لا مكان لها فيه إلا عند الحاجة.وبرغم ذلك، ظل قلبها معلقًا بأصغر أبنائها، سامر، ذلك الصغير الذي كان الأقرب إليها، والأكثر تعلقًا بها، حتى خُيل إليها أنه سيبقى دائمًا سندها الأخير في هذه الدنيا. كانت ترى فيه بقايا الأمان الذي تركه زوجها الراحل، وتحلم أن تشهد يوم زفافه على ابنة عمه هيام، الفتاة التي كبرت بينهم، وحملت داخل قلبها حبًا صادقًا له منذ سنوات طويلة.لكن الأحلام أحيانًا تتبدل بصمت، دون أن نشعر.فها هو سامر يقف اليوم أمام والدته بقرار جديد، يخفي خلفه أسرارًا لم تعلم بها، ويضعها للمرة الأو
last updateآخر تحديث : 2026-05-07
اقرأ المزيد
الفصل السادس (تجاهل وجفاء)
في بعض الأحيان لا تكون المسافات الحقيقية هي تلك التي تفصل بين الأماكن، بل تلك التي تنمو فجأة داخل القلوب دون إنذار. فالكلمات الباردة قادرة على أن تهدم أعوامًا كاملة من الألفة، ونظرة واحدة جافة قد تترك في النفس وجعًا يفوق ألف عتاب. وبين صمتٍ ثقيل يخفي الأسرار، وقلوبٍ تحاول التظاهر بأن كل شيء على ما يرام، كانت السيدة فريدة تراقب التغير الذي أصاب ابنها بقلقٍ يمزق قلب أمٍ اعتادت أن ترى أبناءها مصدر دفئها وسعادتها. أما هيام، فقد وجدت نفسها عاجزة عن فهم ذلك التحول المفاجئ في معاملة سامر لها، بعدما كان الأقرب إليها والأكثر حرصًا على وجودها.وفي منزلٍ بسيط تمتلئ أركانه بأحاديث الجيران، ورسائل الأبناء المتباعدة، وهموم الحياة اليومية، كانت المشاعر المختبئة خلف الابتسامات أصدق من أي كلمات تُقال، وكأن الجميع يحاول النجاة بطريقته الخاصة من ثقل ما يشعر به.استكمل سامر ارتداء ملابسه وعدّل من هندامه أمام المرآة الخاصة بغرفته، ليتأمل هيئته لثوانٍ قليلة في صمتٍ شارد، قبل أن يستمع إلى رنين جرس المنزل يعلو في الأرجاء. تنهد بخفة، ثم توجه لخارج الغرفة عازمًا على فتح الباب، لكنه وجد هيام تلج إلى الداخل بعد
last updateآخر تحديث : 2026-05-07
اقرأ المزيد
الفصل السابع ( فراق)
نعم، هي تواسيها، ولكن دون اقتناعٍ حقيقي، فتلك الحماة القاسية تعدّت القسوة بمراحل مع تلك السيدة الصغيرة التي تقطع حالتها نياط القلب. لماذا تتعامل معها بهذا الجفاء، وهي التي تعمل على راحتها ليلًا ونهارًا دون كلل أو تذمر؟ بل وربما تكون زوجة ابنها أفضل من ابنة خرجت من رحمها، فهي تتقي الله فيها، وتصبر على أذاها بصمتٍ مرير.فيا ليتها تعلم أن الله يعلم ما تُسرّون وما تُعلنون، ويحاسب كل نفسٍ بما صنعت يداها، فتلك الأيام نداولها بين الناس، وما تفعله اليوم قد تذوق مرارته غدًا. فماذا ستفعل حين تقسوا عليها الأيام كما تقسوا هي الآن على زوجة ابنها؟ وكيف سيكون حالها إن وقفت يومًا في الموضع ذاته الذي تضعها فيه عمدًا كل يوم؟قابلتها الأخرى قائلةً دون فهمٍ حقيقي لما ترمي إليه:يعني إنتِ مبتحبيش عيالك يا خالتي؟ والله أنا ما شفت حد في حنيتك أبدًا... يعني لو هي مكانك كانت العزومة دي طفحتنا فيها الأكل وسممتنا بالكلام. دا إحنا بنبقى شارين الأكل، وبرضه تتحكم في تفريق المنابات، وتميز ولادها عن حريمهم.زفرت بضيقٍ واضح بعدما ذكرت تلك الخصال غير الحميدة في أفعال حماتها، ثم استطردت بأسى:يالله... ربنا يرحمنا برحمت
last updateآخر تحديث : 2026-05-08
اقرأ المزيد
الفصل الثامن ( مؤامرة)
جلست تدعو لهذه الفتاة التي تركتها ورحلت متمزقة القلب، بعدما جعلتها في حالة يتقطع لها نياط القلب حزنًا عليها.. فهيام ابنة قلبها، ولم تتمنَّ يومًا أن يحدث هذا مطلقًا.بل كانت تتهيأ للجمع بينها وبين ابنها المعتوه ـ كما لقبته ـ وهي تحدث نفسها بعد رحيل الأخرى قائلة: _الله يسامحك يا بني.. أنا مش عارفة إيه اللي خبّلك كده! ده أنت كنت عاقل وواعي، لكن اللي أنا شايفاه قدامي ده شاب معتوه.. ياترى إيه اللي لعب في دماغك؟ ومين دي اللي وافقت عليك وأنت محلتكش الرضا؟!.. وكمان من غير ما حد من أهلك يكون معاك يا ابن بطني.أنهت حديث نفسها لتستمع مرة أخرى إلى طرق الباب، فربما ابنتها أتت مبكرًا إليها، أو إحدى زوجات ابنيها جاءت لتكون معينة لها في هذا اليوم الذي اجتمعوا فيه من أجل الاحتفال بعيدها بينهم.. لكنها تفاجأت بصوت أنثوي يعود إلى إحدى الجارات الطيبات اللاتي تستشعر معهن الراحة والمودة والألفة، فهي خير صديق ورفيق لهن، لذلك لا تتأخر واحدة منهن عنها أبدًا إن احتاجت شيئًا.جارة أخرى ساقها الحب لتلك المدعوة الخالة فريدة صاحبة القلب الحنون، لتقوم بمعاونتها في إعداد الطعام وترتيب منزلها وقضاء بعض اللوازم لها.فو
last updateآخر تحديث : 2026-05-09
اقرأ المزيد
الفصل التاسع (كشف الحقيقة)
زفرت أم سعد بضيق عندما تذكرت حديثها مع أم أحلام، والدة زوجة كمال، ثم أردفت بحسرة: _والنبي يا بنتي ما عارفة الست الطيبة دي عملت إيه في دنيتها علشان تقع في بنات زي دول.. مابيقبلوهاش!وبعيد عنك، حتى أم أحلام ذات نفسها مش عاجبها اللي بنتها بتعمله هي وسلفتها.. مش عايزين رجالتهم يساعدوا أخوهم في جوازه، والأستاذ سامر الهانم اللي هيخطبها شارطة عليه مايقعدش مع أمه في عيشة واحدة.صمتت قليلًا ثم أكملت بغيظ: _ولما لجأ للأستاذ كمال، قاله إن الحاجة تتنقل عنده شوية وعند الدكتور رؤوف شوية، تقوم المعدولة مرات رؤوف تقولهم تتنقل لبيتها اللي في البلد علشان تكون على راحتها! وأحلام توافقها الرأي وتشجعها، وما تقولهاش عيب دي ست كبيرة وإزاي نسيبها!ولما أمها عاتبتها، تقولها إنها مش ناقصة وجع دماغ، وابنها يبقى يزورها هو وإخواته.. هما أولى بيها!استعجبت وردة من جبروت هاتين الكنتين، كيف لهما التفكير بتلك الأنانية؟!فالسيدة الفاضلة يفيض حنانها على الجميع، ولم تُسئ يومًا لواحدة منهن، وكيف لأولادها السماح بهذه المهزلة وهم القوامون على بيوتهم؟!فكل واحد منهم يعمل في وظيفة مرموقة، وحالتهم المادية ميسورة، وزوجاتهم لا
last updateآخر تحديث : 2026-05-11
اقرأ المزيد
الفصل العاشر (ضعف زوج)
ليست كل النساء يُختبرن في الحب فقط، فبعضهن يُختبرن في إنسانيتهن، وفي مقدار الرحمة التي يحملنها تجاه أمٍ أفنت عمرها من أجل أبنائها، ثم أصبحت في آخر الطريق تنتظر منهم قليلًا من التقدير والونس وردّ الجميل.وكثيرًا ما يقف الرجل ممزقًا بين قلبٍ يريد برّ أمه، وبيتٍ يخشى أن تهتز راحته بكلمةٍ أو موقف، فيحاول جاهدًا أن يوازن بين الجميع، بينما يرهقه الصمت وكتمان الضيق حتى لا يخسر أحدًا ممن يحب.أما الأم، فتظل دائمًا الطرف الذي يعطي دون حساب، ويصمت دون شكوى، وينتظر من أولاده مجرد شعورٍ صادق بأنها ما زالت تحتفظ بمكانتها داخل قلوبهم.ساد الصمت للحظاتٍ بعد أن استجاب الطرف الآخر للمكالمة، بينما كان كمال يحاول تهدئة نفسه حتى لا يظهر انزعاجه من زوجته في نبرة صوته، ثم قال بهدوءٍ متكلف:— أيوه يا أحلام… خلصتي تجهيز العيال؟جاءه صوتها ببرودٍ واضح: — لسه شوية… هو أنت خلصت شغلك؟تنهد وهو ينظر إلى ساعة يده: _ أيوه الحمد لله… أنا هتحرك كمان شوية علشان نلحق نروح بدري لماما.ساد صمت قصير من الجهة الأخرى، ثم قالت بنبرة لم تعجبه: _هو لازم بدري يعني؟ ما إحنا رايحين نتغدى، مش رايحين نطبخ!أغمض عينيه للحظة محاولً
last updateآخر تحديث : 2026-05-11
اقرأ المزيد
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status